النص المفهرس

صفحات 41-60

-- ٤١ -
أخشى إذا أخذتموه معكم فى رحلتكم أن يأكله الذئب، وأنتم عنه غافلون،
بسبب اشتغالكم بشئون أنفسكم، وقلة اهتمامكم برعايته وحفظه .
قالوا، وخص الذئب بالذكر من بين سائر الحيوانات ، ليشعرهم بأن
خوفه عليه مما هو أعظم من الذئب توحشا وافتراسا أشد وأولى .
أو خصه بالذكر لأن الأرض التى عرفوا بالنزول فيها كانت كثيرة الذئاب.
وقوله - سبحانه -: (( قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا
خاسرون)) رد مؤكد من إخوة يوسف على تخوف أبيهم وتردده فى إرساله
معهم، إذ اللام فى قوله: (( لئن)) موطئة للقسم. وجواب القسم قوله:
((إنا إذا لخاسرون)).
أى : قال إخوة يوسف لأبيهم محاولين إدخال الطمأنينة على قلبه ،وإزالة
الحزن والخوف عن نفسه: يا أبانا والله لئن أكل الذئب يوسف وهو معنا،
ونحن عصابة من الرجال الأقوياء الحريصين على سلامته، إنا إذا فى هذه الحالة
لخاسرون خسارة عظيمة ، نستحق بسببها عدم الصلاح لأى شىء نافع.
وأخيرا استلم الأب، لإلحاح أبنائه الكبار، ليتحقق قدر الله الذى قدره
على يوسف ، ولتسير قصة حياته فى الطريق الذى شاء اللّه تعالى - له أن
تسير فيه .
وقد حكى القرآن ذلك بأسلوبه البليغ فقال: «فلما ذهبوا به وأجمعوا أن
يجعلوه فى غيابة الجب، وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون)).
أى : فلما أقنعوا أباهم بإرسال يوسف معهم، وذهبوا به فى الغد إلى حيث
يريدون، وأجمعوا أمرهم على أن يلقوا به فى قعر الجب، فعلوا به مافعلوا من
الأذى ، ونفذوا مايريدون تنفيذه بدون رحمة أوشفقه .
فالفاء فى قوله ((فلما، للتفريع على كلام مقدر، وجواب ((لما)) محذوف،
دل عليه السياق وفعل ((أجمع)) يتعدى إلى المفعول بنفسه، ومعناه العزم
والتصميم على الشىء، تقول : أجمعت السير أى: عزمت عزما قويا عليه.

- ٤٢ -
وقوله (( أن يجعلوه ، مفعول أجمعوا .
قال الآلومى: والروايات فى كيفية إلقائه فى الجب ، وماقاله لإخوتهعند
إلقائه وماقالوه له كثيرة ، وقد تضمنت ما يلين له الصخر ، لكن ليس افيها
ماله سند يعول عليه، (١) والضمير فى قوله, وأوحينا إليه، يعود على يوسف
- عليه السلام - .
أى: وأوحينا إليه عند إلقائه فى الجب عن طريق الإلهام القلى، أو عن
طريق جبريل - عليه السلام - أو عن طريق الرؤيا الصالحة ...
, لتنبئهم بأمرهم هذا، أى: لتخيرنهم فى الوقت الذى يشاؤه الله -تعالى ..
فى مستقبل الأيام ، بما فعلوه معك فى صغرك من إلقائك فى الجب ، ومن
إنجاء الله - تعالى - لك فالمراد بأمرهم هذا: إيذاؤهم له، وإلقاؤهم إياه فى قمر
الجب , ولم يصرح - سبحانه - به، لشدة شناعته .
وجملة (« وهم لا يشعرون، حالية، أى: والحال أنهم لا يحسون ولا يشعرون
فى ذلك الوقت الذى تخبرهم فيه بأمرهم هذا، بأنك أنت يوسف، لاعتقادم
أنك قد هلسكت فى ولطول المدة التى حصل فيها الفراق بينك وبينهم , ولتباين
مالك وحالهم فى ذلك الوقت ، فأنت ستكون الأمين على خزائن الأرض ،
وهم سيقدمون عليك فقراء يطلبون عونك ورفدك ...
وقد تحقق كل ذلك - كما سيأتى - عند تفسير قوله تعالى - : ولمادخلوا
عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر .... )
وكان هذا الايحاء - على الراجح - قبل أن يبلغ من الحلم، وقبل أن
يكون نبيا .
وكان المقصود منه، إدخال الطمأنينة على قلبه ، وتبشيره بما سيصير إليه
أمره من عز وغنى وسلطان .
(١) تفسير الألوسى جـ ١٢ ص ٠١٧٧

- ٤٣ -
قالوا : وكان هذا لجب الذى ألقى فيه يوسف على بعد ثلاثة فر أسخ من
منزل يعقوب - عليه السلام - بفلسطين .
ثم حكى - سبحانه - أقوالهم لأبيهم بعد أن فعلوا فعلتهم وعادوا إليه ليلا
يبكون فقال: ((وجاءوا أباهم عشاء يبكون)).
والعشاء: وقت غيبوبة الشفق الباقى من بقايا شعاع الشمس، وبدء حلول
الظلام والمراد بالبكاء هنا : البكاء المصطنع للتمويه والخداع لأبيهم ، حتى
يقنعوه - فى زعمهم - أنهم لم يقصروا فى حق أخبهم .
أى : وجاءوا أباهم بعد أن أقبل الليل بظلامه يتباكون، متظاهرين
بالحزن والأسى لما حدث ليوسف، وفى الأمثال: ((دموع الفاجر بيديه)).
, قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق، أى: تتسابق عن طريق الرمى بالسهام،
أو على الخيل ، أو على الأقدام . يقال : فلان وفلان استبقا أى : تسابقا حتى
ينظر أيهما يسبق الآخر .
((وتركنا يوسف عند متاعنا)) أى: عند الأشياء التى تتمتع بها وننتفع
فى رحلتنا ، كالثياب والأطعمة وما يشبه ذلك .
((فأكله الذئب ، فى تلك الفترة التى تركناه فيها عند متاعنا .
والمراد : قتله الذئب ، ثم أكله دون أن يبقى منه شيئا فدفنه .
((وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين)) أى): وما أنت بمصدق لنا فيما
أخبر ناك به من أن يوسف قد أكله الذقب، حتى ولو كنا صادقين في ذلك ،
لسوء ظنك بنا ، وشدة محبتك له .
وهذه الجملة الكريمة توحى بكذبهم على أبيهم ، وبمخادعتهم له ، ويكاد
المریب أن يقول خذونی- کما یقولون -.
ولكنهم لم يكتفوا بهذا التباكى وبهذا القول ، بل أضافوا إلى ذلك تمويها
آخر حكاه القرآن فى قوله , وجاءوا على قميصه بدم كذب .... )، أى : بدم

٠٠ ٤٤ -
ذى كذب ، فهو مصدر بتقدير مضافه، أو وصف الدم بالمصدر مبالغة، حتى
لكأنه الكذب بعينه، والمصدر هنا بمعنى المفعول ، كالخلق بمعنى المخلوق،
أى : بدم مكذوب .
والمعنى: وبعد أن ألقوا يوسف فى الجب، واحتفظوا بقميصه معهم،
وضعوا على هذا القميص دما مصطنعا ليس من جسم يوسف ، وإنما من جسم
شی. آخر قد يكون ظبیا وقد يكون خلافه .
وقال - سبحانه - ( على قميصه، للإشعار بأنه دم موضوع على ظاهر
القميص وضعا منكلفا مصطنعا، ولو كان من أثر افتراس الذتب لصاحبه،
الظهر التمزق والتخريق فى القميص ، ولتغلغل الدم فى كل قطعة منه .
ولقد أدرك يعقوب - عليه السلام - من قسمات وجوههم ، ومن دلائل
حالهم، ومن نداء قلبه المفجوع، أن يوسف لم يأكله الذئب ، وأن هؤلاء
المتباكين هم الذين دبروا له مكيدة ما، وأنهم قد اصطنعوا هذه الحملة المكشوفة
مخادعة له، ولذا جابهم بقوله: « قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا .....
والقسويل : التسهيل والتزيين. يقال: سولت لفلان نفسه هذا الفعل
أى زينة وحسنته له، وصورته له فى صورة الشىء الحسن مع أنه قبيح:
أى: قال يعقوب لأبنائه بأسى: ولوعة بعد أن فعلوا ما فعلوا وقالوا
ما قالوا : قال لهم ليس الأمر كمازعمتم من أن يوسف قد أكله الذئب ، وإنما
الحق أن نفوسكم الحاقدة عليه هى التىزينت لكم أن تفعلوا معه فعلا سيئا قبيحا،
ستنکشف الأيام عنه بإذن ربی ومشيئته .
وذكر الأمر فى قوله ((بل سولت لكم أنفسكم أمرا، لاحتماله عدة أشياء
مما يمكن أن يؤذوا به يوسف ، كالقتل، أو التغريب ، أو البيع فى الأسواق
لأنه لم يكن يعلم على سبيل اليقين ما فعلوه به.
وفى هذا التفكير والإبهام - أيضا - ما فيه من التهويل والتشنيع لما

- ٤٥ -
اقترفوه فى حق أخيهم وقوله («فصبر جميل، أى : فصبرى صبر جميل
وهو الذى لا شكوى فيه لأحد سوى الله - تعالى - ولا رجاء معه إلا
منه ۔۔ سجانه ۔ ۔
ثم أضاف إلى ذلك قوله: والله المستعان على ما تصفون ، أى : واق
- تعالى - هو الذى أستعين به على احتمال ما تصفون من أن أبنى يوسف قد
أكله الذئب .
أو المعنى: والله - تعالى - وحده هو المطلوب عونه على إظهار حقيقة
ماتصفون، وإثبات كونه كذباً ، وأن يوسف مازال حيا، وأنه - سبحانه.
سیجمعنی به فی الوقت الذی یشاؤه .
قال الآلوسي: أخرج ابن أبى حاتم وأبو الشيخ عن قتادة : أن إخوة
يوسف - بعد أن ألقوا به فى الجب-أخذوا ظبيا فذبحوه، لطخوا بدمه, قميصه،
ولما جاءوا به إلى أبيهم جعل يقلبه ويقول: تا اله مارأيت كاليوم ذئبا أحد
من هذا الذئب !! أكل ابنى ولم يمزق عليه قميصه .... )،(١)
وقال القرطبى: استدل الفقهاء بهذه الآية فى إعمال الأمارات فى مسائل من
الفقه كالقسامة وغيرها ، وأجمعوا على أن يعقوب - عليه السلام - قد استدل
على كذب أبنائه بصحة القميص، وهكذايجب على الحاكم أن يلحظ الأمارات
والعلامات .... ،(٢) .
وقال الشيخ القاسمى ما ملخصه : وفى الآية من الفوائد : أن الحسد يدعو
إلى المسكر بالمحسود وبمن يراعيه ... وأن الحاسد إذا ادعى النصح والحفظ
والمحبة، لم يصدق، وأن من طلب مراده بمعصية الله - تعالى - فضحه الله
- عز وجل -، وأن القدر كائن ، و أن الحذر لا ينجى منه ... ))(٣)
(١) تفسير الآلوسى حـ ١٢ هـ ٠١٧٩
(٢) تفسير القرطبي ــ ٩ صـ ٠١٥٠
(٣) تفسير القاسمى صـ ٠٣٥٢٠

- ٤٦ -
وإلى هنا نجد الآيات الكريمة قد حكت لنا بأسلوبها البليغ، وتصويرها
المؤثر، ما تآمر به إخوة يوسف عليه، وما اقترحوه لتنفيذ مكرهم ، وما قاله
لهم أوسطهم عقلا ورأيا، وما تحايلوا به على أبيهم لكى يصلوا إلى مآ ربهم،
وما رد به عليهم أبوهم ، وما قالوه له بعد أن نفذوا جريمتهم فى أخيهم . بأن
ألقوا به فى الجب ...
م
ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك، لتقص علينا مرحله أخرى من
مراحل حياة يوسف - عليه السلام - حيث حدثتنا عن انتشاله من الجب،
وعن بيعه بثمن بخس وعن وصية الذى اشتراه لامر أته، وعن مظاهر رعاية
الله- تعالى - له فقال - سبحانه -:
((وجاءتْ سَيَّارَةٌ فَأرسلُوا وارِدهم فأدْلَى دَلْوهُ، قال يا بُشْرَى هذا
غلامٌ، وأسَرُّوهُ بضاعةً، والله عليمٌ بما يعملُونَ (١٩) وشَروهُ بثمنٍ
يَخْس دراهمَ معدودةٍ ، وكانوا فيه من الزاهدِينَ (٢٠) وقال الذى
اشتراهُ من مصرَ لامر أتِهِ، أكْرِمِ مثواهُ عسَى أنْ ينفَعنا أو نتخِذَه
ولداً، وكَذلكَ مكَّنَا ليوسفَ فى الأرضِ، ولِنعلَّهُ من تأويلٍ
الأحاديثِ، والله غالبٌ على أمْرِهِ ولكنَّ أكثرَ الناسِ لا يعلمونَ(٢١)
ولما بلغَ أَشِدَّه آتيناهُ حُكْماً وعلماً، وكذلكَ نجزِى المحسنينَ (٢٢))).
فقوله - سبحانه -: «وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم، فأدلى دلوه .... ))
شروع فى الحديث عما جرى ليوسف من أحداث بعد أن ألقى به إخوته
فى الجب .
والسيارة: جماعة المسافرين، وكانوا - كما قيل - متجهين من بلاد الشام
إلى مصر .

- ٤٧ -
والوارد : هو الذى يرد الماء ليستقى للناس الذين معه. ويقع هذا اللفظ
على الفرد والجماعة . فيقال لكل من يرد الماء وارد، كما يقال للماء مورود.
وقوله ((فأدلى)) من الإدلاء بمعنى إرسال الدلو فى البئر لأخذ الماء.
والدلو : إناء معروف يوضع فيه الماء .
وفى الآية الكريمة كلام محذوف دل عليه المقام ، والتقدير :
وبعد أن ألقى إخوة يوسف به فى الجب وتركوه وانصرفوا لشأنهم.
جاءت إلى ذلك المكان قافلة من المسافرين ، فأرسلوا واردهم ليبجث لهم عز
ماء ليستقوا، فوجد جبا، فأدلى دلوه فيه ؛ فتعلق به يوسف ؛ فلما خرج وراً
فرح به وقال : يا بشرى هذا غلام.
وأوقع النداء على البشرى ، للتعبير عن ابتهاجه وسروره، حتى لكا° م
شخص عاقل يستحق النداء . أى: يا بشارتى أقبلى فهذا أو ان إقبالك.
وقيل المنادى محذوف والتقدير : يا رفاقى فى السفر أبشروا فإذا غلام
وقد خرج من الجب .
وقرأ أهل المدينة ومكة: يا بشراى هذا غلام. بإضافة البشرى إلى:
المتكلم .
والضمير المنصوب وهو الهاء فى قوله ((وأسروه بضاعة)» يعود إلى يوسف
أما الضمير المرفوع فيعود إلى السيارة . وأسر من الإسرار الذى هو
الإعلان .
والبضاعة ، عروض التجار: ومتاعها. وهذا اللفظ مأخوذ من البضع بمعـ
القطع، وأصله جملة من اللحم تبضع أى: تقطع. وهو حال من الضم
المنصوب فى (( وأسروه)).
والمعنى : وأخفى جماعة المسافرين خبر التقاط يوسف من الجب مخافة
يطلبه أحد من السكان المجاورين للجب ، واعتبروه بضاعة سرية لهم، وعزه
على بيعه على أنه من العبيد الأرقاء.

- ٤٨ -
وأهل يوسف عليه السلام - قد أخبرهم بقصته بعد إخراجه من الجب.
ولكنهم لم يلتفتوا إلى ما أخبرهم به طمعا فى بيعه والانتفاع بثمنه.
ومن المفسرين من يرى أن الضمير المرفوع فى قوله ((وأسروه)) يعود
على الوارد ورفاقه : فيكون المعنى :
وأسر الوارد ومن معه أمر بوسف عن بقية أفراد القافلة . مخافة أن يشاركوم
فى ثمنه إذا علموا خبره، وزعموا أن أهل هذا المكان الذى به الجب دفعوه إليهم
ليبيعوه لهم فى مصر على أنه بضاعة لهم .
ومنهم من يرى أن الضمير السابق يعود إلى إخوة يوسف .
قال الشوكانى ما ملخصه : وذلك أن يهوذا كان يأتى إلى يوسف كل يوم
بالطعام . فأتاه يوم خروجه من الجب فلم يجده ، فأخبر إخوته بذلك ، فأتوا
إلى السيارة وقالوا لهم: إن الغلام الذى معكم عبد لنا قد أبق ، فاشتروه منه .
فاشتروه منهم بثمن بخس ، وسكت يوسف مخافة أن يأخذه إخوته فيقتلوه))(١)
وعلى هذا الرأى يكون معنى ((وأسروه بضاعة)): أخفى إخوة يوسف
كوته أخالهم، واعتبروه عرضا من عروض التجارة القابلة للبيع والشراء.
ويكون المراد بقوله - تعالى - بعد ذلك,وشروه بثمن بخس، الشراء
الحقيقى، بمعنى أن السيارة اشتروا يوسف من إخوته بثمن بخس .
والحق أن الرأى الأول هو الذى تطمئن إليه النفس، لأنه هو الظاهر من
معنى الآية، ولأنه بعيد عن التكلف الذى يرى واضحا فى القولين الثانى والثالث
وقوله ((والله عليم بما يعملون)) أى: لا يخفى عليه شيء من إسرارهم. ومن
عملهم السىء فى حق يوسف . حيث أنهم استرقوه وباءوه بثمن بخس ، وهو
لكريم بن الكريم بن الكريم. كما جاء فى الحديث الشريف.
(١) تفسير الشوكانى حـ ٣ ص ٠١٣

- ٤٩ -
وقوله - سبحانه - ((وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من
الزاهدين » بيان لما فعله السيارة بيوسف بعد أن أسروه بضاعة .
وقوله (( شروه ، هنا بمعنى باعوه.
والبخس: النقص ، يقال بخ فلان فلانا حقه ، إذا نقصه وعابه . وهو
هنا بمعنى المبخوس .
و « دراهم ، جمع درهم، وهی بدل من ( ٹمن )).
و ((معدودة، صفة لدراهم، وهى كناية عن كونها قليلة، لأن الشيء القليل
يسهل عده، بخلاف الشىء الكثير ، فإنه فى الغالب یوزن وزناً.
والمعى: أن هؤلاء المسافرين بعد أن أخذوا يوسف ليجعلوه عرضا من
عروض تجارتهم, باعوه فى الأسواق بثمن قليل تافه، وهو عبارة عن دراهم
معدودة ، ذكر بعضهم أنها لا تزيد على عشر ن درهم .
وقوله: « وكانوا فيه من الزاهدين، بيان لعدم حرصهم على بقائه معهم،
إذ أصل الزهد قلة الرغبة فى الشىء. تقول زهدت فى هذا الشىء، إذا كنت
كارها له غير مقبل عليه .
أى: وكان هؤلاء الذين باعوه من الزاهدين فى بقائه معهم ، الراغبين فى
التخلص منه بأقل ثمن قبل أن يظهر من يطالبهم به .
قال الألوسى ما ملخصه: وزهدهم فيه سببه أنهم التقطوه من الجب والملتقط
للشىء متهاون به لا يبالى أن يبيعه بأى ثمن خوفا من أن يعرض له مستحق
ينزعه منه .... )(١) .
وقوله - سبحانه - ((وقال الذى اشتراه من مصر لامرأته أكرمى مثواه
عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا ... )) بيان لبعض مظاهر رعاية الله - تعالى-
ليوسف - عليه السلام -.
(١) تفسير الألوسى جـ ٢ ص ٠١٨٣
( ٤ - سورة يوسف )

- ١٠
والذى اشتراه، قالوا إنه كان رئيس الشرطة لملك مصر فى ذلك الوقت،
ولقبه القرآن بالعزيز كما سيأتى فى قوله - تعالى - قالت امرأة العزيز الآن
حصحصر الحق .. ».
و((من مصر، صفة لقوله ( الذى اشتراه ..
وامر أته المراد بها زوجته ، واسمها كما قيل زليخا أوراعيل .
ومثواه من المشوى وهو مكان الإقامة والاستقرار. يقال ثوى فلان
مكان كذاً ، إذا أطال الإقامة به. ومنه قوله - تعالى - ((وما كنت ثاوياً فى
أهل مدين .... ، أى مقيما معهم.
أى: وقال الرجل المصرى الذى اشترى يوسف لامرأته، اجعلى محل
إقامته كريما ، وأنزليه منزلا حنا مرضيا .
وهذا كناية عن وصيته لها بإ كرامه على أبلغ وجه، لأن من أكرم المحل
بتنظيفه وتهيئته تهيئة حسنة فقد أكرم صاحبه .
قال صاحب الكشاف. قوله: ((أكرمى مثواة)) أى: اجعلى منزله
ومقامه عندنا كريما: أى حسنا مرضيا بدليل قوله بعد ذلك («إنه ربى أحسن
مشواى » .
والمراد: تفقديه بالإحسان، وتعهديه بحسن الملكة، حتى تكون نفسه طيبة فى
صحبتنا، ساكنة فى كنفنا . ويقال: للرجل كيف أبو مثواك وأم مثواك؟
لمن ينزل به من رجل أو امرأة، يراد: هل قطيب نفسك بتوائك عنده وهل
يراعى حق نزولك به؟ واللام فى (( لامر أته، متعلق بقال ... )،(١)
وقوله: ((عسى أن ينفعنا أو تتخذه ولدا ... )) بيان لسبب أمره لها
ياكرام مثواه.
: جـ1
أى: عسى هذا الغلام أن ينفعنا فى قضاء مصالحنا، وفى مختلف شؤوننا،
(١) تفسير الكشاف ج ٢ ص ٣١٠

- ٥١ -
أو قتبناه فيكون منا بمنزلة الولد، فإنى أرى فيه علامات الرشد والنجابة ،
وأمارات الأدب، وحسن الخلق .
قالوا وهذه الجملة (( أو نتخذه ولدا، توحى بأنهما لم يكن عندهما أولاد.
والمكاف فى قوله - سبحانه ـ ((وكذلك مكنا ليوسف فى الأرض)) فى محل
نصب، على أنه نعت لمصدر محذوف (والإشارة إلى ما تقدم من إنجائه من
إخوته، وانتشاله من الجب؛ ومحبة العزيز له. ((ومكنا، من التمكين بمعنى
التثبيت، والمراد بالأرض : أرض مصر التى نزل فيها .
أى : ومثل ذلك التمكين البديع الدال على رعايتنا له ، مكنا ليوسف فى
أرض مصر، حتى صار أهلا للأمر والنهى فيها .
وقوله ، ولفعله من تأويل الأحاديث، علة لمعلل محذوف، فكأنه قيل:
وفعلنا ذلك التمكين له، لفعله منأويل الأحاديث ، بأن نهبه من صدق اليقين،
واستنارة العقل ، ما يجعله يدرك معنى الكلام إدراكا سليما، ويفسر الرؤى
تفسيرا صحيحا صادتا.
وقوله («واقه غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون)» تذييل
قصد به بيان قدرة الله - تعالى -؛ ونفاذ مشيئته .
فأمر الله هنا: هو ما قدره وأراده .
أى: والله - تعالى - متعم ما قدره وأراده، لا يمنعه من ذلك مافع، ولا
ينازعه منازع ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ذلك حق العلم. فيما يأتون
ويذرون من أقوال وأفعال .
والتعبير بقوله ((ولكن أكثر الناس لا يعلمون، احتراس لإنصاف
ومدح القلة من الناس الذين يعطيهم الله - تعالى - من فضله ما يجعلهم لا يندرجون
فى الكثرة التى لا تعلم، بل هو - سبحانه - يعطيهم من فضله ما يجعلهم يعلمون
مالا يعلمه غيرهم .

- ٥٢ -
ثم بين - سبحانه - مظهرا آخر من مظاهر إنعامه على يوسف فقال: ((ولما
بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزى المحسنين)).
والأشد : قوة الإنسان ، وبلوغه النهاية فى ذلك ، مأخوذ من الشدة بمعنى
القوة والارتفاع . يقال : شد النهار إذا ارتفع .
يرى بعضهم أنه مفرد جاء بصيغة الجمع . ويرى آخرون أنه جمع لاواحدله
من لفظه وقيل هو جمع شدة كأنعم وفعمة .
والمعنى: وحين بلغ يوسف - عليه السلام - منتهى شدقه وقوته، وهى
السن التى كان فيها - على ماقيل - ما بين الثلاثين والأربعين.
(( آتيناه، أى: أعطيناه بفضلنا وإحساننا.
((حكما، أى حكمة: وهى الإصابة فى القول والعمل أو هى النبوة.
((وعلما، أى فقها فى الدين، وفهما سليما لتفسير الرؤى، وإدراكا واسعا
لشئون الدين والدنيا .
وقوله (( وكذلك نجزى المحسنين)) أى: ومثل ذلك الجزاء الحسن والعطاء
الكريم، نعطى ونجازى المحسنين، الذين يحسنون أداء ما كلفهم الله - تعالى -.
به. فكل من أحسن فى أقواله وأعماله أحسن الله - تعالى - جزاءه.
ثم انتقلت السورة الكريمة بعدذلك، لتحدثنا عن مرحلة من أدق المراحل.
وأخطرها ، فى حياة يوسف - عليه السلام - وهى مرحلة التعرض للفتن
والمؤامرات بعد أن بلغ أشده ، وآ تاه الله - تعالى - حكما وعلما ، وقدواجه.
يوسف - عليه السلام - هذه الفتن بقلب سليم، وخلق قويم، فنجاه الله.
- تعالى - منها .
: استمع إلى السورة الكريمة وهى تحكى بأسلوبها البليغ ما فعلته معه امرأة
العزيز من ترغيب ورهيب ، وإغراء وعديد .... فقل.

٣٠٠، -
«وراؤَدَتْهُ التى هُوَ فى بيتِها عن نفسِه، وغلقتِ الأبوابَ وقَالَتْ
هيتَ لكُ ، قَالَ معاذَ اللهِ، إنه ربِى أحسنَ مثواىَ إنّه لا يُفْلِحُ
الظالمونَ (٢٣) ولقدْ همَّتْ بِهِ وهمّ بها لولاَ أنْ رآى بُرِهَانَ ربِّه، كذلكَ
النصرِفَ عنه السوء والفحشاء إنّه من عبادِناَ المُخْلَصِين (٢٤) واستبقاً
البابَ وقدتْ قميصَه من دُبُر، وألفَيَا سَيِّدَهَا لدَى البابِ قالَتْ ماجزاء
مَن أرادَ بأَهلِكَ سوءاً، إلا أنْ يُسجَنِ أو عذابٌ أَلِيمٌ (٢٥) قالَ هى
راوَدْتِ عن نفسِى، وشهِد شاهِدٌ من أهلِها ، إن كانَ قميصُه قُدَّ من
قُبُلٍ فصدَقَتْ وَهُوَ من الكاذبينَ (٢٦) وإن كانَ قيصُه قدَّ من دبُرٍ
فَكَذَبَتْ وهو من الصادقينَ (٢٧) فلمَّا رآى قميصَه قُدَّمن دُبُرِ قَالَ
إنّه من كيدِ كُنَّ إن كيدَ كُنَّ عظيمٌ (٢٨) يوسفَ أعرِضْ عن هذا،
واستغفِرِى لذنبكِ إنكٍ كنتٍ من الخاطئين (٢٩).
وقوله -- سبحانه - ((وراودته التى هو فى بيتها عن نفسه ... ، رجوع
إلى شرح ماجرى ليوسف فى منزل العزيز بعد أن أمر امر أته باكرام مثواه،
وما كان من حال تلك المرأة مع يوسف ، وكيف أنها نظرت إليه بعين ،
تخالف العین التی نظر یها إليه زوجها .
والمراودة - كما يقول صاحب الكشاف - مفاعلة من راد يرود إذا جاء
وذهب، كأن المعنى: خادعته عن نفسه ، أى: فعلت معه ما يفعله المخادع
لصاحبه عن الشىء الذى لا يريد أن يخرجه من يده ، يحتال أن يغلبه عليه
ويأخذه منه، وهو عبارة عن التحايل لمواقعته إياها(١).
والتعبير عن حالها معه بالمراودة المقتضية لتكرار المحاولة ، للإشعار
(١) تفسير الكشاف ج ٢ صـ ٢١٠

- ٥٤ ٠
بأنها كان منها الطلب المستمر، المصحوب بالإغراء والترفق والتحايل على
ما تشتهيه منه بشتى الوسائل والحيل ... وكان منه - عليه السلام - الإباء
والامتناع عما تريده خوفا من الله - تعالى-
وقال - سبحانه - (( التى فى بيتها، دون ذكر لاسمها ، سترالها، وابتعادا
عن التشهير بها، وهذا من الأدب السامى الذى التزمه القرآن فى تعبيراته
وأساليبه، حتى يتأسى أتباعه بهذا اللون من الأدب فى التعبير .
والمراد ببيتها : بيت سكناها ، والإخبار عن المراودة بأنها كانت فى بيتها،
أدعى لإظهار كمال نزاهته - عليه السلام - فإن كونه فى بيتها يغرى بالاستجابة
لها ، ومع ذلك فقد أعرض عنها . ولم يطاوعها فى مرادها ..
وعدى فعل المراودة بعن ، لتضمنه معنى المخادعة .
قال بعض العلماء: و«عن، هنا للمجاوزة، أى : راودته مباعدة له من
نفسه، أى : بأن يجعل نفسه لها . والظاهر أن هذا التركيب من مبتكرات
القرآن الكريم ، فالنفس هنا كناية عن غرض المواقعة . قاله ابن عطية، أى:
فالنفس أريد بها عضافه وتمكينها منه لما تريد، فكأنها تراوده عن أن يسلم إليها
إرادته و حکمه فى نفسه ،(١) .
وقوله ((وغلقت الأبواب )، أى: أبو اب بیت سكناها الذی تبیت فيه بابا
فبابا، قيل كانت الأبواب سبعة .
والمراد أنها أغلقت جميع الأبواب الموصلة إلى المكان الذى راودته فيه
إغلاقا شديداً محكما، كما يشعر بذلك التضعيف فى ((غلقت)) زيادة فى حمله
على الاستجابة لها .
ثم أضافت إلى كل تلك المغريات أنها قالت له: هيت لك، أى: هأنذا
سهيئة لك فأسرع فى الإقبال على ...
(١) تفسير التحرير والتنوير جـ ١٢ مـ ٢٥٠ للشيخ الفاضل بن عاشور.

- ٥٥ -
وهذه الدعوة السافرة منها له ، تدل على أن تلك المرأة كانت قد بلغت
النهاية فى الكشف عن رغبتها ، وأنها قدخرجت عر المألوف من بنات جنسها،
فقد جرت المادة أن تكون المرأة مطلوبة لا طالبة ...
و((هيت)، اسم فعل أمر بمعنى أقبل وأسرع، فهى كلمة حنضر وحث على
الفعل، واللام فى (( لك)) لزيادة بيان المقصود بالخطاب، كما فى قولهم: سقيا لك
وشكرا لك. وهى متعلقة بمحذوف فكأنها تقول : إرادتي كائنة لك.
قال الجمل ما ملخصه: ورد فى هذه الكلمة قراءات ((هَيتَ، كليت
و((هيتَ، كقبل، و((هيت، كحيث و((مئت)) بكسر الهاء وضم التاء،
و((منت، بكسر الهاء وفتح التاء.
ثم قال: فالقراءات السبعية خمسة، وهذه كاها لغات فى هذه الكامة ، وهى
تى كلها اسم فعل بمعنى علم أى أقبل وتعال (٢.
وقوله - سبحانه - ((قال معاذ الله، إنه ربى أحسن مثواى، إنه لا يفلح
الظالمون )) بيان لما رد به بوسف عليها ، بعد أن تجاوزت فى إثارته كل حد.
و ((معاذ» مصدر أضيف إلى لفظ الجلالة، وهو منصوب بفعل محذوف
أى: قال يوسف فى الرد عليها: أعوذ بالله معاذا مما تطلبينه منى، وأعتصم به
اعتصاما مما تحاولينه معى ، فإن ما تطلبينه وتلحين فى طلبه يتنافى مع الدين
والمروءة والشرف .. ولا يفعله إلا من خبث منبته، وساء طبعه، وأخالم قلبه.
وقوله (( إنه ربى أحسن مثوأى)، تعليل لنفوره مما دعتة إليه، واستعاذ
باقه منه .
والضمير فى (( إنة، يصح أن يعود إلى الله - تعالى - فيكون لفظ ربى
بمعنى خالقى . والتقدير .
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٠٤٤٤

- ٥٦ -
قال يوسف فى الرد عليها: معاذ الله أن أفعل الفحشاء والمنكر ، بعد أن
أكرمنى الله - تعالى - بما أكرمنى به من النجاة من الجب، ومن تهيئة الأسباب
التى جعلتنى أعيش معززا مكرما، وإذا كان - سبحانه - قد حبانى كل هذه
النعم فكيف ارتكب ما يغضبه ؟
وجوز بعضهم عودة الضمير فى ((إنه)، إلى زوجها ، فيكون لفظ ربى
بمعنى سيدى ومالكى، والتقدير: معاذ الله أن أقابل من اشترانى بما له، وأحسن
منزلى ، وأمرك بإكرامى ، بالخيانة له فى عرضه .
وفى هذه الجملة الكريمة تذكير لها بألطف أسلوب بحقوق الله - تعالى -
وبحقوق زوجها، وتنبيه لها إلى وجوب الإقلاع عما تريده منه من مواقعتها،
لأنه يؤدى إلى غضب الله وغضب زوجها عليها .
وجملة (( إنه لا يفلح الظالمون) تعليل آخر لصدها عما تريده منه.
والفلاح : الظفر وإدراك المأمول :
أى: إن كل من ارتكب مانهى الله - تعالى - عنه، تكون عاقبته الخيبة
والخسران وعدم الفلاح فى الدنيا والآخرة ، فكيف تريدين منى أن أكون
كذلك؟ هذا، والمتأمل فى هذه الآية الكريمة يرى أن القرآن الكريم قد قابل
دواعى الغواية الثلاث التى جاهرت بها امرأة العزيز والمتمثلة فى المراودة ،
وتغليق الأبواب، وقولها : هيت لك بدواعى العفاف الثلاث التى رد بها عليها
يوسف، والمتمثلة فى قوله - كما حكى القرآن عنه - معاذ الله، إنه ربى أحسن
مثواى ، إنه لا يفلح الظالمون - .
وذلك ليثبت أن الاعتصام بالعفاف والشرف والأمانة ، كان سلاح
يوسف - عليه السلام - فى تلك المعركة العنيفة بين نداء العقل وغداء
الشهوة ...
ولكن نداء العقل ونداء الشهوة الجامحة لم ينته عند هذا الحد ، بل ترى
القرآن الكريم يحكى لنا بعد ذلك صداما آخر بينهما فيقول: ((ولقد همت به
وهم بها لولا أن رأى برهان ربه ٠٠٠٠ ٢.

- ٥٧ -
وهذه الآية الكريمة من الآيات التى خلط المفسرون فيها بين الأقوال
الصحيحة والأقوال السقيمة .
وسنبين أولا الرأى الذى مختاره فى تفسيرها ، ثم نتبعه بعد ذلك بغيره
فنقول : الهم : المقاربة من الفعل من غير دخول فيه ، تقول هممت على فعل
هذا الشىء، إذا أقبلت نفسك عليه دون أن تفعله .
وقال بعض العلماء: الهم نوعان : هم ثابت معه عزم وعقد ورضا، وهو
مذموم مؤاخذ به صاحبه . وهم بمعنى خاطر وحديث نفس ، من غير تصميم
وهو غير مؤاخذ به صاحبه؛ لأن خطور المناهى فى الصدور ، وقصورها فى
الأذهان، لا مؤاخذة بها مالم توجد فى الأعيان .
روى الشيخان وأهل السنن عن أبى هريرة، عن النبى - صلى الله عليه
وسلم - أنه قال: إن الله تجاوز لأمتى عما حدثت به أنفسها ، مالم تتكلم به ،
أو تعمل به (١).
وقد أجمع العلماء على أن هم امرأة العزيز بيوسف كان هما بمعصية ، وكان
مقرونا بالعزم والجزم والقصد ، بدليل المراودة ، وتغليق الأبواب، وقولها
((هيت لك».
كما أجمعوا على أن يوسف - عليه السلام - لم يأت بفاحشة، وأن همه
كان مجرد خاطرة قلب بمقتضى الطبيعة البشرية، من غير جزم وعزم ....
وهذا اللون من الهم لا يدخل تحت التكليف، ولا يخل بمقام النبوة ،
كالصائم يرى الماء البارد فى اليوم الشديد الحرارة، فتميل نفسه إليه، ولكن
دينه بمنعه من الشرب منه ، فلا يؤاخذ بهذا الميل .
والمراد ببرهان ربه هو: ماغرسه الله - تعالى - فى قلبه من العلم المصحوب
بالعمل ، بأن هذا الفعل الذى دعته إليه امرأة العزيز قبيح ، ولا يليق به .
أو هو - كما يقول ابن جرير - وؤيته من آيات الله مازجره عما كان هم به ..
(١) تفسير القاسمى ج ٩ صـ ٠٣٥٢٨

والمعنى: (ولقد همت به، أى: ولقد قصدت امرأة العزيز مواقعة
رسف - عليه السلام - قصدا جاز ما، بعد أن أغرته بشتى الوسائل فلم
ستجب لها ...
(((وهم بها لولا أن رأى برهان ربه، أى: ومال إلى مطاوعتها بمقتضى
طبيعته البشرية ، وبمقتضى توفر كل الدواعى لهذا الميل .....
ولكن مشاهدته للأدلة على شناعة المعصية ، وخوفه لمقام ربه ، وعون
لله - تعالى .. له على مقاومة شهوته .... كل ذلك حال بينه وبين تنفيذ هذا
لميل ، وصرفه عنه صرفا كليا ، وجعله يفرها ربا طالبا النجاة ما تريده منه
تلك المرأة .
هذا هو الرأى الذى تختاره فى تفسير هذه الآية الكريمة، وقد استخلصناه.
من أقوال المفسرين القدامى والمحدثين .
فمن المفسرين القدامى الذين ذكروا هذا الرأى صاحب الكشاف ، فقد
قال ما ملخصه :
وقوله - تعالى - ((ولقد همت به، معناه: ولقد همت بمخالطته؛ «وهم.
بها، أى: وهم بمخالطتها ((لولا أن رأى برهان ربه، جوابه محذوف تقديره:
لولا أن رأى برهان ربه لخالطها ، حذف لأن قوله وهم بها يدل عليه. كقولك:
هممت بقتله لولا أنى خفت أنله معناه: لولا أنى خفت اللّه لقتلته. فإن قلت:
كيف جاز على فى الله أن يكون منه هم بالمعصية ؟
قلت: المراد أن نفسه مالت إلى المخالطة ، وفازعت إليها عن شهوة.
الشباب، ميلا يشبه الهم به, وكما تقتضيه تلك الحال التى تكاد تذهب بالمقول
والعزائم ، وهو يكسر مابه ، ويرده بالنظر فى برهان اللّه المأخوذ على
المكلفين بوجوب اجتناب المحارم ، ولو لم يكن ذلك الميل الشديد المسمى
هما لشدته ، لما كان صاحبه ممدوحا عند الله بالامتناع ، لأن استعظام
"صبر على الابتلاء، على حسب عظم الابتلاء وشدته، ولو كان همه كهمها.

- ٥٩ ٣
عن عزيمة لما مدحه اله بأنه من عباده المخلصين، (١). ومن المفسرين المحدثين
الذين ذكروا هذا الرأى الإمام الآنوسى ، فقد قال ما ملخصه :
((قوله: ولقد همت به، أى: بمخالطته .. والمعنى: أنها قصدت المخالطة
وعزمت عليها عزما جازما، لا يلويها عنها صارف بعدما باشرت مباديها ...
والتأكيد - باللام وقد - لدفع مايتوهم من احتمال إقلاعها عما كانت عليه.
((وهم بها)، أى: مال إلى مخالطتها بمقتضى الطبيعة البشرية ... ومثل ذلك
لايكاد يدخل تحت التكليف ، وليس المراد أنه قصدها قصدا اختياريا، لأن
ذلك أمر مذموم تنادى الآيات بعدم اتصافه به ، وإنما عبر عنه بالهم لمجرد
وقوعه فى صحبة همها فى الذكر على سبيل المشاكلة لا لشبهه به ... (( لولا أن
رأى برهان ربه، أى محبته الباهرة الدالة على كمال قبح الزنا ، وسوء سبيله .
والمراد رؤيته له : كمال إيقانه به، ومشاهدته له مشاهدة وصلت إلى
مرتبة عين اليقين ... )،(٢) .
ومن المفسرين من يرى أن المزاد بهمها به: الهم بضربه نتيجة عصيانه لأمرها.
وأن المراد بهمه بها : الدفاع عن نفسه برد الاعتداء ، ولكنه
آثر الهرب .
وقد قرر هذا الرأى ودافع عنه وأنكر سواه صاحب المنار . فقد
قال ما ملخصه :
((ولقدهمت به، أى: وتا الله لقد همت المرأة بالبطش به لعصيانه لأمرها،
وهى فى نظرها سيدته وهو عبدها. وقد أذلت نفسها له بدعوته الصريحة إلى
نفسها، بعد الاحتيال عليه بمراودته عن نفسه .... خرجت بذلك عن
طبع أفوثتها فى التمنع .
(١) تفسير الكشاف ج ٢ ص ٠٣١١
(٢) تفسير الآلوسى جـ ١٢ ص ٠١٩١

٦٠٠٠ -
مما جعلها تحاول البطش به بعد أن أذل كرامتها ، وهو انتقام معهدود من
مثلها ، ومن دونها فى كل زمان ومكان ....
وكاد يردصيالها ويدفعه بمثله، وهو قوله - تعالى - ((وهم بها لولا أن رأى
برهان ربه، ولكنه رأى من برهان ربه فى سريرة نفسه، ماهو مصداق قوله
- تعالى - ((والله غالب على أمره، وهو إما النبوة ... وإما معجزتها ..
وإما مقدمتها من مقام الصديقية العليا، وهى مراقبته لله - تعالى - ورؤيته ربه
متجليا له ، ناظرا إليه ،().
وما ذهب إليه صاحب المنار من تفسير الهم منها بالبطش بيوسف،
وتفسير الهم منه برد الاعتداء الذى وقع عليه منها ....
أقول ماذهب إليه صاحب المنار من تفسير الهم بذلك ، لا أرى دليلا
عليه من الآية ، لا عن طريق الإشارة، ولا عن طريق العبارة ...
ولعل صاحب المنار - رحمه الله - أراد بهذا التفسير أن يبعد يوسف
عليه السلام - عن أن يكون قد هم بها هم ميل بمقتضى الطبيعة البشرية ، ونحن
لانرى مقتضيا لهذا الإبعاد، لأن خطور المناهى فى الأذهان، لامؤاخذة عليها،
ادامت لم يصاحبها عزم أو قصد - كما سبق أن أشرنا إلى ذلك من قبل - .
هذا وهناك أقوال أخرى لبعض المفسرين فى معنى الآية الكريمة، رأينا
ن تضرب عنها صفحا، لأنه لا دليل عليها لا من العقل ولا من النقل ولا من
لغة .... وإنما من الأوهام الإسرائيلية التى تنتا فى كل التنافى مع أخلاق
باد الله المخلصين، الذين على رأسهم يوسف - عليه السلام - .
وقوله - سبحانه - كذلك لنصرف عند السوء والفحشاء إنه من عبادنا
مخلصين )) بيان لمظهر من من مظاهر رحمة الله - تعالى - به، ورعايته له .
والكاف : فعت لمصدر محذوف والإشارة بذلك إلى الإراءة المدلول
(١) تفسير المنار جـ ١٢ ص ٢٧٨