النص المفهرس

صفحات 21-40

- ٢١ -
الوسائل تخالف ما عرف عن المرأة من أنها حريصة على أن تكون مطلوبة
من الرجل لاطالبة له ...
(هـ) وتحدثت عن العزیز حدیثا قصیرا يناسب حجمه وسلو که وقبلد
شعوره، فهو مع إيقافه بخطأ امرأته لم يزد عن أن قال ليوسف ولها «يوسف
أعرض عن عذا واستغفرى لذنبك إنك كنت من الخاطئين».
(و) وتحدثت عن ملك مصر فى ذلك الوقت .... وعن البيئة التى وصل
الحال بها أن تزج بيوسف البرىء فى السجن، إرضاء لشهوات النفوس
الجامعة ...
قال - تعالى - « ثم دالهم من بعد مارأوا الآيات ايسجننه حتى حين)).
وهكذا نجد السورة الكريمة تحدثنا عن نماذج من البشر، فتصف كل
نموذج بما يناسبه من صفات ، بصدق وأمانة، وتحكم عليه بالحكم الذى يناسبه.
٤ - قال صاحب الظلال ما ملخصه: والسورة كلمالحمة واحدة عليها الطابع
المكى واضحا فى موضوعها وفى جوهاو فى ظلالها وإيحاءاتها، بل إن عليها طابع
هذه الفترة الحرجة الموحشة بصفة خاصة ...
ففى الوقت الذى كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يعانى من الوحشة
والغربة والانقطاع فى جاهلية قريش - منذ عام الحزن - كان الله - تعالى -
يقص عليه قصة أخ له كريم هو يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ،
وهو يعانى صنوفاً من المحن والابتلاءات ...
محنة كيد الإخوة ، ومحنة الجب، ومحنة الرق ، ومحنة كيد امرأة العزيز،
ومحنة السجن ، ثم محنة الرخاء والجاه والسلطان ...
فلا عجب أن تكون هذه السورة بما احتوته من قصة ذلك الذى الكريم،
ومن التعقيبات عليها بعد ذلك ... تسلية للرسول - صلى الله عليه وسلم -
لأ صحابه عما أصابهم من أعدائهم، وتسرية لقلوبهم، وتطمينا لنفوسهم.

- ٢٢ -
ولكأن الله - تعالى - يقول لنبيه -صلى الله عليه وسلم -: كما أخرج يوسف.
من حضن أبيه ايواجه هذه الابتلاءات كلها ، ثم أينتهى بعد ذلك إلى النصر
والتمكين ...
كذلك أنت يا محمد ستخرج من بلدك مكة مهاجرا ... ثم تعود إليها فى
الوقت الذى يشاؤه الله ظافرا منتصرا)،(١) .
وبعد: فهذا تعريف لسورة يوسف، رأينا أن نسوقه قبل البدء فى تغيرها،
لعله يعين على فهم ما اشتملت عليه من حكم وأحكام . ومن عبر وعظات ...
وصلى الله علی سید ا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟
(١) تفسير .فى ظلال القرآن) جـ ١٢ ص ١٩٥٠.

((التفسير ))
قال الله تعالى: ((الرء ◌ِلْكَ آياتُ الكتابِ المبينِ (١) إنَّا أنزلناهُ
قرآنًا عربيًّا لعلكم تعقلونَ (٢) نحن نقصُ عليكَ أحسن القصص بما
أوحينا إليكَ هذَا القرآنَ وإنْ كنتَ مِنْ قَبِلِه ◌ِنَ الغافلينَ (٣) إذ قالَ
يوسفُ لأبيهِ يا أبَتٍ إنى رأيتُ أحدَ عشر كوكباً والشمس والقمر
رأيتُهم لِ ساجدينَ (٤) قال يا ◌ُبنَى لا تقصُصْ رؤياكَ على إخوتِكَ
فيكيدُوا لكَ كيداً إنَّ الشيطانَ للإنسانِ عدوٌ مبينٌ (٥) وكذلكَ
يحتبيكَ ربُّكَ ويعلمُكَ مِنْ تَأويلِ الأحاديثِ ويتمُّ نسمتَه عليكَ وعلى
آلِ يعقوبَ كما أنَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ من قبلُ إبراهيمَ وإسحاقَ إِنَّ
ربكَ عليمٌ حَكِيمٌ (٦)».
افتتحت سورة يوسف - عليه السلام - ببعض الحروف المقطعة . وقد
سبق أن تكلمنا عن آراء العلماء فى هذه الحروف فى سور: البقرة، وآل عمران،
والأعراف، ویو نس ، وهو د.
i
وقلنا ما ملخصه : لعل أقرب الأقوال إلى الصواب ، أن هذه الحروف
المقطعة ، قد وردت فى افتتاح بعض السور على سبيل الإيقاظ والتنبيه إلى
إعجاز القرآن الكريم.
فكأن الله - تعالى - يقول لأولئك المعارضين فى أن القرآن من عند
الله - تعالى -: حاكم القرآن ترونه مؤلفا من كلام هو من جنس ماتؤ لفون منه.
كلامكم ، ومنظوما من حروف هى من جنس الحروف الهجائية التى تنظمون
منها حروفكم ...

فإن كنتم فى شك من كونه متزلا من عند الله فهاتوا مثله، وادعوا من
شتم من الخلق لكى يعاونكم فى ذلك .
ومما يشهد لصحة هذا الرأى : أن الآيات التى تلى هذه الحروف المقطعة
تراها تتحدث - صراحة أو ضمنا - عن القرآن الكريم وعن كونه من عند
الله - تعالى - وعن كونه معجزة للرسول - صلى الله عليه وسلم - ففى مطلع
سورة البقرة: (( ألم. ذلك الكتاب لاريب فيه هدى للمتقين ... ))
وفى مطلع سورة آل عمران: (( أُم . الله لا إله إلا هو الحى القيوم. نزل
عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه، وأنزل التوراة والإنجيل ... ))
وفى أول سورة الأعراف ((المص. كتاب أنزل إليك فلا يكن فى صدرك
خرج منه .... ،
وفى أول سورة يونس: «أثر. تلك آيات الكتاب الحكيم. أكان
للناس عجبا أن أو حينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن
هم قدم صدق عند ربهم .... ،
وفى أول سورة هود: ((ألر. كتاب أحكمت آباتة ثم فصلت من لدن
حكيم خبير ... .
وهكذا نجد أن معظم الآيات التى على الحروف المقطعة ، منها ما يتحدث
عن أن هذا الكتاب من عند الله - سبحانه - ومنها ما يتحدث عن وحدانية
الله - تعالى -، ومنها ما يتحدث عن صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم -
فى دعوته ....
وهذا كله لتنبيه الغافلين إلى أن هذا القرآن من عند الله، وأنه المعجزة
الخالدة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ثم قال - تعالى - ,تلك آيات الكتاب
المبين ».
و«تلك، اسم إشارة، المشار إليه الآيات. والمراد بها آيات القرآن
الكريم، ويندرج فيها آيات السورة التى معنا .

- ٢٥ -
والكتاب: مصدر كتب كالكتب، وأصل الكتب ضم أديم إلى آخر
بالخياطة . واستعمل عرفا فى ضم الحروف بعضها إلى بعض بالخط. والمراد به
القرآن الكريم.
والمبين ، أى الواضح الظاهر من أبان بمعنى بان أى ظهر .
والمعنى: تلك الآيات التى تتلوها عليك - أيها الرسول الكريم - فى هذه
السورة وفى غيرها ، هى آيات الكتاب الظاهر أمره، الواضح إعجازه، بحيث
لا تشقبه على العقلاء حقائقه ، ولا تلتبس عليهم هداياته .
وصحت الإشارة إلى آيات الكتاب الكريم ، مع أنها لم تكن قد نزلت
جميعها ، لأن الإشارة إلى بعضها ؟الإشارة إلى جميعها ، حيث كانت بصدد
الإنزال، ولأن الله - تعالى - قد وعد رسوله - صلى الله عليه وسلم بنزول
القرآن عليه، كما فى قوله، إنا سنلقى عليك قولا ثقيلا)، ووعد الله - تعالى -
لا يتخلف .
ثم بين - سبحانه - الحكمة من إنزاله بلسان عربى مبين فقال: ( إنا أنزلناه
قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ).
أى : إنا أنزلنا هذا الكتاب الكريم على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم -
بلسان عربى مبين ، لعلكم أيها المكلفون بالإيمان به ، تعقلون معانيه ،
وتفهمون ألفاظه؛ وقفتفعون بهداياته، وتدر كون أنه ليس من كلام البشر،
وإنما هو كلام خالق القوى والقدر وهو الله - عز وجل - .
فالضمير فى ((أنزلناه) يعود إلى الكتاب، وقرآنا حال من هذا الضمير
أو بدلا منه .
والتأكيد بحرف إن متوجه إلى خبرها وهو أنزلناه ، للرد على أولئك
المشركين الذين أفكروا أن يكون هذا القرآن من عند الله.
وجملة (, لعلكم تعقلون، بيان لحكمة إنزاله بلغة العرب .

٠
وحذف مفعول «تعقلون، الإشارة إلى أن نزوله بهذه الطريقة، يترقب.
عليه حصول تعقل أشياء كثيرة لا يحصيها العد .
قال الإمام ابن كثير ما ملخصه قوله: ((إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم
تعقلون، وذلك لأن لغة العرب أفصح اللغات ، وأبينها وأوسعها، وأكثرها
تأدية المعانى التى تقوم بالنفوس ، فلهذا أنزل أشرف الكتب ، بأشرف
اللغات ، على أشرف الرسل ، بسفارة أشرف الملائكة، وكان ذلك فى
أشرف بقاع الأرض، وفى أشرف شهور السنة ، فكمل له الشرف من
كل الوجوه ،(١) .
وقال الجمل: واختلف العلماء هل يمكن أن يقال فى القرآن شىء غير عربى:
قال أبو عبيدة: من قال بأن فى القرآن شىء غير عربى فقد أعظم على الله
القول . واحتج بهذه الآية .
وروى عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة بأن فيه من غير العربى مثل :
سجيل ، والمشكاة ، واليم ، وإستبرق ونحو ذلك .
وهذا هو الصحيح المختار، لأن هؤلاء أعلم من أبى عبيدة بلسان للعرب.
وكلا القولين صواب - إن شاء الله . .
ووجه الجمع بينهما أن هذه الألفاظ !ما تمكلمت بها العرب، ودارت على
ألسنتهم صارت عربية فصيحة ، وإن كانت غير عربية فى الأصل، ولكنهم لما
تكلموا بها نسبت إليهم ، وصارت لهم لغة ، فظهر بهذا البيان صحة القولين ،
وأمكن الجمع بينهما ، (٢)، ثم بين - سبحانه - أن هذا القرآن مشتمل على أحسن
القصص وأحكمها وأصدقها فقال - تعالى -, نحن نقص عليك أحسن القصص،.
بما أوحينا إليك هذا القرآن، وإن كنت من قبله لمن الغافلين).
(١) تفسير ابن كثير جـ ٤ صـ ١٩٣. طبعة دار الشعب
(٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ صـ ٠٤٣٣

- ٢٧ -
قال الفخر الرازى ما ملخصه: القصص : اتباع الخبر بعضه بعضا، وأصله
فى اللغة المتابعة قال - تعالى -. وقالت لأخته قصيه .. )) أى اتبعى أثره.
وقال - تعالى -: ((فارتداعلى آثارهما قصصا، أى: اتباعا. وإنما سميت الحكاية
قصصا، لأن الذى يقص الحديث يذكر تلك القصة شيئا فشيئا، كما يقال: تلا
فلان القرآن ، أى قرأه آية فآية (١)، ..
والمعنى: نحن نقص عليك - أيها الرسول الكريم-, أحسن القصص
أى : وأحسن أنواع البيان ، وأوفاه بالغرض الذى سيق من أجله .
وإنما كان قصص القرآن أحسن القصص لاشتراله على أصدق الأخبار
وأبلغ الأساليب ، وأجمعها للحكم والعبر والعظات .
والباء فى قوله (( بما أوحينا إليك هذا القرآن، للسببية متعلقة بنقص
و, ما ، مصدرية.
أى: نقص عليك أحسن القصص، بسبب إيحاتنا إليك هذا القرآن
الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والذى هو فى الذروة العلم
فى بلاغته وتأثيره فى النفوس .
وجملة («وإن كنت من قبله لمن الغافلين، فى موضع الحال من كاف الخطاب
فى ((إليك)، و((إن )) مخففة من الثقيلة؛ واسمها ضمير الشأن محذوف.
والضمير فى قوله (( من قبله)) يعود إلى الإيحاء المفهوم من قو
((أوحينا).
والمعنى: نحن نقص عليك أحسن القصص بسبب ما أوحيناه إليك.
هذا القرآن .
والحال أنك كنت قبل إيحائنا إليك بهذا القرآن، من الغافلين عن
.... (١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٨ ص ٨٥

تفاصيل هذا القصص، وعن دقائق أخباره وأحداثه ، شأنك فى ذلك شأن
قومك الأميين .
قال - تعالى - تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا
قومك من قبل هذا فاصبر، إن العاقبة للمتقين)).
ثم عَلَى - سبحانه - قصة يوسف - عليه السلام - كمثال لأحسن القصص
فقال - تعالى - ((إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إنى رأيت أحد عشر كوكبا،
والشمس والقمر رأيتهم لى ساجدين)).
و ((إذ : ظرف متعلق بمحذوف تقديره أذ كر
ويوسف: اسم أعجمى، مشقق - كما يقول الآلوسى - من الأسف، وسمى
به لأسف أبيه عليه .
وأبوه؛ هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم. وفى الحديث الصحيح عن
ابن عمر - رضى الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: الكريم
ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ، يوسف بن يعقوب بن إسحاق
ابن إبراهيم.
وقوله: « يا أبت)) أصله يا أبى، خذفت الياء وعوض عنها تاء التأنيث،
ونقلت إليها كسرة الباء، ثم فتحت الباء لمناسبة تاء التأنيث.
والمعنى : أذكر - أيها الرسول الكريم أو أيها المخاطب - وقت أن قال
يوسف لأبيه، يا أبت إنى رأيت فى منامى «أحد عشر كوكبا، تسجدلى.
ورأيت كذلك , الشمس والقمر ، لى ساجدين.
ولم يدرج الشمس والقمر فى الكواكب مع أنهما منها، لإظهار مزيتهما
ورفعا لشأنهما، وجملة («رأيتهم لى ساجدين)، مستأنفة لبيان الحالة التى:
رآم عليها .
وأجريت هذه الكواكب مجرى المقلاء فى الضمير المختص بهم، لوصفها

- ٢٩ -
بوصفهم حيث إن السجود من صفات العقلاء، والعرب تجمع مالا يعقل ج
من يعقل إذا أنزلوه منزلته .
قال ابن كثير : وقد تكلم المفسرون على تعبير هذا المنام : أن الأحدعث
كوكبا عبارة عن إخوته، وكانوا أحد عشر رجلا «والشمس والقمر عبار
عن أبيه وأمه .
روى هذا عن ابن عباس،، الضحاك. وقتادة، وسفيان الثورى، وعبد الرحم
ابن زيد، وقد وقع تفسيرها بعد أربعين سنة , وقيل بعد نمانين سنة، وذلك
حين رفع أبويه على العرش ، وهو سرره . وإخوته بين يديه .. وخروا
سجدا وقال : يا أبت هذا تأويل رؤباى من قبل ، قد جعلها ربى حقا ... ، (١)
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما قاله يعقوب لابنه يوسف بعد أن قصـ
عليه رؤياه فقال: (قال يا بنى لا تقصصر رؤياك على إخوتك فيكيدوا لـ
كيدا، إن الشيطان للانسان عدو مبين)).
وقوله (( يا بنى)) تصغير أبن. والتصغير هنا سببه صغر سنه مع الشفة
عليه ، والتلطف معه .
وقوله (« رؤياك)) من الرؤيا التى هى مصدر رأى الحلمية الدالة على ما وة
للانسان فى نومه ، أما رأى البصرية فيقال فى مصدرها الرؤية .
وقوله , فيكيدوا لك ... )، من الكيد وهو الاحتيال الخفى بقصد الإضرا
والفعل كاد يتعدى بنفسه، فيقال: كاده يكيده كيدا، إذا احتال لإهلاكه
ولتضمنه معنى احتال عدى باللام.
والمعنى: قال يعقوب لابنه يوسف - عليهما السلام - بشفقة ورحمة
بعد أن سمع منه ما رآه فى منامه: (( يا بنى ، لا تخبر إخوتك بما رأيته فى مناما
(١) تفسير ابن كثير ج ٤ ص ٠٢٩٨

فإنك إن أخبرتهم بذلك احتالوا لإهلاكك احتيالا خفيا، لا قدرة لك على
مقاومته أو دفعه.
وإنما قالوا له ذلك ، لأن هذه الرؤيا تدل على أن الله - تعالى - سيعطى
يوسف من فضله عطاء عظيما، ويهبه منصبا جليلا، ومن شأن صاحب النعمة أن
يكون محسودا من كثير من الناس ، نخاف يعقوب من حسد إخوة يوسف له،
إذا ما قص عليهم رؤياه، ومن عدوانهم عليه.
والتنوين فى قوله, كيدا، للتعظيم والتهويل، زيادة فى تحذيره من قص
الرؤیا علیهم.
وجملة (( إن الشيطان الإنسان عدو مبين)) واقعة موقع التعليل للنهى عن
قص الرؤيا على إخوته ، وفيها إشارة إلى أن الشيطان هو الذى يغريهم بالكيدله
إذا ما قص عليهم ما رآه ، وبذلك لا يثير فى نفسه الكراهة لإخوته.
أى: لا تخبر إخوتك بما رأيته فى منامك، فيحتالوا للاضرار بك حسدا
منهم لك ، وهذا الحسد يغرسه الشيطان فى نفوس الناس، لتتولد بينهم العداوة
والبغضاء، فيفرح هو بذلك، إذكل قبيح يقوله أو يفعله الناس يفرح له
الشيطان ..
هذا ، وقد أخذ العلماء من هذه الآية أحكاما منها:
أنه يجوز للانسان فى بعض الأوقات أن يخفى بعض النعم التى أنعم الله بها
عليه، خشية حسد الحاسدين ، أو عدوان المعتدين .
وأن الرؤيا الصادقة حالة يكرم الله بها بعض عباده الذين زكت نفوسهم
فيكشف لهم عما يريد أن يطلعهم عليه قبل وقوعه .
ومن الأحاديث التى وردت فى فضل الرؤيا الصالحة ما رواه البخارى عن
عائشة - رضى الله عنها - أنها قالت: أول ما بدىء به رسول الله - صلى الله

- ٢١ -
عليه وسلم - من الوحى الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل
فلق الصبح ٢٠٠
:
وفى حديث آخر: «الرؤيا الصالحة من الرجل الصالح، جزء من ستة
وأربعين جزءا من النبوة))
وفى حديث ثالث: « لم يبق من النبوة إلا المبشرات، وهى الرؤيا الصالحة
الرجل الصالح، يراها أو ترى لة، (١).
كذلك أخذ جمهور العلماء من هذه الآية أن إخوة يوسف لم يكونوا
أنبياء ..
قال الألوسى عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه: والظاهر أن القوم - أى
إخوة يوسف - كانوا بحيث يمكن أن يكون للشيطان عليهم سبيل، ويؤيدهذا
أفهم لم يكونوا أنبيا.
وهذا ما عليه الأكثرون سلفا رخلنا . أما السلف فإنه لم ينقل عن أحد
من الصحابة أو التابعين أنه قال بنبوتهم ...
وأما الخلف فكثير منهم ففى عنهم أن يكونوا أنبياء، وعلى رأس من قال
بذلك الإمام ابن تيمية ، فى مؤلف له خاص بهذه المسألة، وقد قال فيه:
الذى يدل عليه القرآن واللغة والاعتبار ؛ أن إخوة يوسف ليوا بأنبياء
وليس فى القرآن ولا فى السنة ما يشير إلى أنهم كانوا أنبياء ..... (٢)
ثم حكى - سبحانه - ما توقعه يعقوب لابنه يوسف من خير وبركه فقال
((وكذلك يحتميك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث، ويتم فعمته عليك وعلى
آل يعقوب، كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق، إن ربك على
حكيم،.
(١) لمعرفة المزيد عن الرؤيا المنامية راجع تفسير القاسمى ج٩ ص ٥٠٨
(٢) تفسير الآلوسي ج ١٢ ص ١٦٤

- ٣٢ -
والكاف فى قوله ((و كذلك، حرف تشبه بمعنى مثل، وهى داخلة على
کلام محذوف .
وقوله ((يحتبيك، من الاجتباء بمعنى الاصطفاء والاختيار، مأخوذ من
جبيت الشىء إذا اخترته لما فيه من النفع والخير.
و((تأويل الأحاديث، معناه تفسيرها تفسيرا صحيحا، إذ التأويل مأخوذ
من الأول بمعنى الرجوع، وهو رد الشىء إلى الغاية المرادة منه .
والأحاديث جمع تکسیر مفرده حدیث، وسمیت ارؤی أحاديث باعتبار
حکایتها والتحدث بها .
والمعنى: وكما اجتباك ربك واختارك لهذه الرؤيا الحسنة. فإنه - سبحانه-
يحقبيك ويختارك لأمور عظام فى مستقبل الأيام، حيث يهبك من صدق الحس،
ونفاذ البصيرة ، ما يجعلك تدرك الأحاديث إدراكا سليما، و تعبر الرؤى تعبيرا.
صحيحا صادقا.
((ويتم فعمته عليك، بالنبوة والرسالة والملك والرئاسة)، وعلى آل يعقوب
وهم إخوته وذريتهم ، بأن يسبغ عليهم الكثير من نعمه .
(( كما أتمها على أبو بك من قبل)، أى: من قبل هذه الرؤيا أو من قبل هذا الوقت.
وقوله « إبراهيم وإسحاق ، بیان لأبويه .
أى : يتم نعمته عليك إتماما كائنا كإتمام نعمته على أبويك من قبل ، وهما،
إبراهيم وإسحاق بأن وهبهما - سبحانه - النبوة والرسالة.
وعبر عنهما بأفهما أبوان ليوسف، مع أن إبراهيم جد أبيه، وإسحاق
جده، للإشعار بكمال ارتباطه بالأنبياء - عليهم السلام -، والمبالغة فى إدخال
السرور على قلبه ، ولأن هذا الاستعمال مألوف فى لغة العرب ، فقد كان
أهل مكة يقولون للنبى - صلى الله عليه وسلم - يابن عبد المطلب، وأثر عنه
صلى الله عليه وسلم - أنه قال: أنا النبى لا كذب - أنا ابن عبد المطلب
وجملة (( إن ربك عليم حكيم مستأنفة لتأكيد ما سبقها من كلام.

- ٣٣ -
زى: إن ربك عليم بمن يصطفيه لحمل رسالته. وبمن هو أهل لنعمة
وکرامته ، حکیم فى صنعه و تصرفانه.
وبذلك نرى الآيات الكريمة قد نوهت بشأن القرآن الكريم، وساقت
بأسلوب حكيم ما قاله يعقوب لابته يوسف - عليهما السلام - بعد أن قص
ما رآه فى المنام .
تم حكى - سبحانه - بعد ذلك حالة إخوة يوسف وهم يتآمرون عليه،
وحالتهم وهم يجادلون أباهم فى شأنه، وحالتهم وهم ينفذون مؤامرتهم المنكرة
وحالتهم بعد أن نمذوها وعادوا إلى أبيهم ليلا بتباكون فقال تعالى -:
((لقد كانَ فى يوسفَ وإخوتِهِ آياتٌ للسائلينَ (٧) إذ قالُوا
ليوسفُ وأَخُوهُ أحبُ إلى أَبِينَ مِنَّا ونحنُ مُصْبَةٌ، إنَّ أباناً افى ضلالٍ
مبينٍ (٨) اقْتَلُوا يوسفَ أو الطرَحُوهُ أرضاً بَخْلُ لكُم وَبَعْهُ أَبِيُكُم،
وتكونُوا مِنْ بعدِه قوماً صالحينَ (٩) قال قائلٌ منْهُمْ لا تقتُلُوا يوسفَ
وَأَلْقُهُ فِى غَيَابةِ الْبٌ يلتقِطْهُ بعضُ السيارةِ إن كنتُ فاعلينَ (١٠)
قَالُوا يا أباناً مالكَ لا تَأْمَنَّا عَلَى يوسفَ وإنَّا له لناِحُونَ (١١) أرسِلْهُ
معناً غداً يرتَعْ ويلعبْ وإنَّ له لحافظونَ (١٢) قَالَ إِّى ليحزُ نُنِ أنْ
تذهبُوا بهِ وأخافُ أنْ يَأْكَلَه الذئبُ وأَنْتُ عنهُ نافِلونَ (١٣) قالوا
لَّنْ أَ كَلَهُ الذئبُ ونحنُ مُصبةٌ إِنَّا إذاً لخَاسِرُونَ (١٤) فلمَّا ذهُبُوا به
وأجعُوا أن يحمُلُوه فى غيابةِ الْبَّ وأَوْحّينا إلَيه لَتُنْبَّثَنَّهُم بأمْرِمُ
هذَا وم لا يشعرون (١٥))).

- ٢٤ -
وقوله - سبحانه -: ((لقد كان فى يوسف وإخوته آيات السائلين، شروع
فى حكاية قصة يوسف مع أخوته، بعد أن بين - سبحانه - صفة القرآن
الكريم ، وبعد أن أخبر عما رآه يوسف فى منامه ، وما قاله أبوه له ...
وإخوة يوسف هم: رأو بين. وشمعون، ولاوى، ويهوذا، ويساكر،
وزبولون، ودان ، ونفتالى ، وجاد ، وأشير ، وبنيامين .
والآيات: جمع آية والمراد بها هنا العبر والعظات والدلائل الدالة على
قدرة أنته - تعالى - ووجوب إخلاص العبادة له .
والمعنى : لقد كان فى قصة يوسف مع إخوته عبر وعظات عظيمة، ودلائل
تدل على قدرة الله القاهرة، وحكمته الباهرة، وعلى ما الصبر وحسن الطوية
من عواقب الخير والنصر ، وعلى ما للحسد والبغى من شروروخذلان ...
وقوله: (( للسائلين، أى: لمن يتوقع منهم السؤال، بقصد الإنتفاخ بما
ساقه القرآن الكريم من مواعظ وأحكام .
أى: لقد كان فيما حدث بين يوسف وإخوته ، آيات عظيمة ، لكل من
سأل عن قصتهم، وفتح قلبه للانتفاع بما فيها من حكم وأحكام، تشهد بصدق
النبى - صلى الله عليه وسلم - فيما يبلغه عن ربه .
وهذا الافتتاح لتلك القصة، كفيل بتحريك الإنتباه لما سيلقى بعد ذلك
منها ، من تفصيل لأحداثها ، وبيان لما جرى فيها .
وقوله - سبحانه -: ((إذا قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى إبينا منا ونحن
عصبة ... . .
بيان لما ق له إخوة يوسف فيما بينهم ، قبل أن ينفذوا جريمتهم .
و ((إذ، ظرف متعلق بالفعل (( كان) فى قوله - سبحانه - قبل ذلك:
لقد كان فی یوسف وإخوته ..
واللام فى قوله (( لیوسف، لتأ کید أن زيادة محبة أبيهم ليوسف وأخيه
أمر ثابت، لا يقبل التردد أو التشكك ..

- ٣٥ -
والمراد بأخيه: أخوه من أبيه وأمه وهو , بنيامين ، وكان أصغر من
يوسف - عليه السلام - أما بقيتهم فكانوا إخوة له من أبيه فقط .
ولم يذكروه باسمه، للاشعار بأن محبة يعقوب له ، من أسبابها كونه
شقيقا ليوسف ، ولذا كان حدهم ليوسف أشد .
وجملة ((ونحن عصبة)، حالية. والعصبة كلمة تطلق على ما بين العشرة إلى
الأربعين من الرجال، وهى مأخوذة من العصب بمعنى الشد، لأن كلا من أفرادها
يشد الآخر ويقوبه ويعضده، أو لأن الأمورةعصب بهم . أى: تشتد وتقوى
أى: قال إخوة يوسف وهم يتشاورون فى المكربه، ليوسف وأخوه
بنيامين أحب إلى قلب أبينا منا، مع أننا نحن جمساعة من الرجال الأقوياء
الذين عندهم القدرة على خدمته ومنفعته والدفاع عنه دون يوسف وأخويه.
وقولهم - كما حكى القرآن عنهم -: (( إن أبانا لفي ضلال مبين)) قذييل
قصدوا به دره الخطأ عن أنفسهم فيما سيفعلونه بيوسف وإلقائه على أبيهم الذى
فرق بينهم - فى زعمهم - فى المعاملة .
والمراد بالضلال: هنا عدم وضع الأمور المتعلقة بالأبناء فى موضعها
الصحيح، وليس المراد به الضلال فى العقيدة والدين .
أى: إن أبانا لفى خطأ ظاهر، حيث فضل فى المحبة صبيين صغيرين على:
مجموعة من الرجال الأشداء النافعين له القادرين على خدمته .
.. قال القرطبى: لم يريدوا بقولهم ((إن أبانا لفى ضلال مبين)) الضلال فى
الدين، إذ لو أرادوه لكانوا كفارا؛ بل أرادوا؛ إن أبانا لفى ذهاب عن
وجه التدبير فى ايثارة اثنين على عشرة، مع إستوائهم فى الإنتساب اليه))(١)
وهذا الحكم منهم على أبيهم ليس فى عمله، لأن يعقوب - عليه السلام ..
كان عنده من أسباب التفضيل ليوسف عليهم ما ليس عندهم .
(١) تفسير القرطبى ج ٩ ص ١٣١

- ٣٦ -
قال الآلوسى ما ملخصه: يروى أن يعقوب - عليه السلام - كان يوسف.
أحب إليه لما يرى فيه من المناقب الحميدة، فلمارأى الرؤيا تضاعفت له المحبة.
وقال بعضهم : إن زيادة حبه ليوسف وأخيه، صغرهما، وموت أمهما ، وقد
قبل لإحدى الأمهات : أى بنيك أحب إليك؟ قالت : الصغير حتى يكبر ،
والغائب حتى يقدم ، والمريض حتى يشفى .
ولا لوم على الوالد فى تفضيله بعض ولده على بعض فى المحبة لمثل ذلك.
وقد صرح غير واحد أن المحبة ليست ما يدخل تحت وسع البشر ... )) (٢)
نم أخبر - سبحانه - عما اقترحوه للقضاء على يوسف فقال - تعالى -:
(( اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم، وتكونوا من
بعده قوما صالحين )).
ولفظ« اطرحوه، مأخوذ من الطرح، ومعناه رمى الشىء وإلقاؤه بعيداً.
ولفظ « أرضاً، منصوب على نزع الخافض، والتنوين فيه للابهام . أى:
أرضا مجهولة .
والمعنى: لقد بالغ أبونا فى تفضيل يوسف وأخيه علينا، مع أننا أولى
بذلك منهما، وما دامٍ هو مصراً على ذلك، فالحل أن تقتلوا يوسف، أو أن
تلقوا به فى أرض بعيدة مجهولة حتى يموت فيها غريبا ...
قال الآلومى: وحاصل المعنى: اقتلوه أو غربوه، فإن التغريب كالقتل
فى حصول المقصود، واحمرى لقد ذكروا أمرين مرين، فإن الغربة كربة.
أية كربة ، ولله - تعالى - دور القائل:
حسنوا القول وقالوا غربة
إنما الغربة للأحرار ذبح
وجملة (« يخل لكم وجه أبيكم، جواب الأمر.
(١) تفسير الآلوسى = ١٢ ص ١

- ٣٧ -
والخلو : معناه الفراغ. يقال خلا المكان يخلو خلوا وخلاء، إذا لم يكن
به أحد .
٠٠
والمعنى اقتلوا يوسف أو اقذفوا به فى أرض بعيدة مجهولة حتى يموت ،
فإنكم إن فعلتم ذلك ، خلصت لكم محبة أبيكم دون أن يشارككم فيها أحد ،
فيقبل عليكم بكليتة، ويكن كل توجهه إليكم وحدكم ، بعد أن كان كل توجهه
إلى بوسف .
قال صاحب الكشاف: قوله (( يخل لكم وجه أبيكم، أى: يقبل عليكم
إقبالة واحدة، لا يلتفت عنكم إلى غيركم. والمراد سلامة محبة لهم ممن يشاركهم
فيها، وينازعهم إياها ، فكان ذكر الوجه لتصوير معنى إقباله عليهم ، لأن
الرجل إذا أقبل على الشىء أقبل عليه بوجهه .... ،(١)
وقوله, وتكونوا من بعده قوماً صالحين، معطوف على جواب الأمر.
أى: وتكونوا من بعد الفراغ من أمر يوسف بسبب قتله أو طرحه
فى أرض بعيدة، قوما صالحين فى دينكم، بأن تتوبوا إلى الله بعد ذلك فيقبل
أنه قوبتكم، وحالحين فى دنيا كم بعد أن خلت من المنغصات التى كان يثيرها
وجود يوسف بينكم .
وهكذا النفوس عندما تسيطر عليها الأحقاد ، وتقوى فيها رذيلة الحسد،
تفقد تقديرها الصحيح للأمور، وتحاول التخلص من يزاحمها بالقضاء عليه ،
وقصور الصغائر فى صورة الكبائر ، والكبائر فى صورة الصغائر ..
فإخوة يوسف هنا ، يرون أن محبة أبيهم لأخيهم جرم عظيم ، يستحق
إزهاق روح الأخ، وفى الوقت نفسه يرون أن هذا الإزهاق للروح البريئة
شىء هين، فى الإمكان أن يعودوا بعده قوما صالحين أمام خالقهم، وأمام أبيهم،
وأمام أنفسهم ....
(١) تفسير الكشاف = ٢ ٠٣٠٥

وقوله - سبحانه - ((قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف، وألقوه فى غيابا
الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين)، بان الرأى الذى اقترحه أحدم
واستقر عليه أمرهم .
قال القرعلى ماملخصه: قوله «وألقوه فى غيابة الجب، قرأ أهل مكة وأمل
البصرة وأهل الكوفة (( فى غيابة الجب)) - بالإفراد -، وقرأ أهل ◌ِالمديةـ
(( فى غيابات الجب » - بالجمع ....
وكل شىء غيب عنك شيئا فهو غيابة، ومنه قيل للقبر غيابة . قال الشاعر
فسيروا بسيرى فى العشيرة والأمل
فإن أنا يوما غيبتنى غيابتى
والجب: الركية - أى الحفرة - التى لم تطو - أى لم قبنا بالحجارة - فإذ
طويت فهى بتر. وسميت جبا لأنها قطعت فى الأرض قطعا. وجمع الجب جبـ
وجباب وأجباب ...
وجمع بين الغيابة والجب ؛ لأنه أراد ألقود فى موضع مظلم من الجب ح
لا يلحقه نظر الناظرين ... ، (١) .
والسيارة: جمع سيار، والمراد بهم جماعة المسافرين الذين يبالغون
السير ليصلوا إلى مقصودهم .
والمعنى: قال قائل من إخوة يوسف أفزعه ماهم مقدمون عليه بشأن أخر
الصغير١: لا تقتلوا يوسف ، لأن قتله جرم عظيم، وبدلا من ذلك، ألقوه
قفر الجب حيث يغيب خبره، إلى أن يلتقطه من الجب بعض المسافرين
فيذهب به إلى ناحية بعيدة عنكم، وبذلك تستريحون منه ويخل لكم و.
أبيكم.
ولم يذكر القرآن اسم هذا القائل أو وصفه، لأنه لا يتعلق بذ کر ذا
غرض وقد رجح بعض المفسرين أن المراد بهذا القائل ((يهوذا، ..
(١) تفسير القرطبي - ١٣٢٥٩.

- ٣١ -
والفائدة فى وصفه بأنه منهم ، الإخبار بأنهم لم يجمعوا على قتله أو طرحه
فى أرض بعيدة حتى يدركه الموت .
، أتى باسم يوسف دون ضميره، لاستدرار عطفهم عليه ، وشفقتهم به.
واستعظام أمر قتله .
وجواب الشرط فى قوله«إن كنتم فاعلين، محذوف، لدلالة (وألقوه، عليه
والمعنى: إن كنتم فاعلين ما هو خير وصواب، فألقوه فى غيابة الجب ،
ولا تقتلوه ولا تطرحوه أرضا .
وفى هذه الجملة من هذا القائل، محاولة منه لتثبيطهم عما اقترحوه من القتل
أو التغريب بأسلوب بليغ، حيث فوض الأمر إليهم، تعظيما لهم ، وحذرا
من سوء ظنهم به، فكان أمثلهم رأيا ، وأقربهم إلى التقوى.
قالوا : وفى هذا الرأى عبرة فى الاقتصاد من الانتقام، والإكتفاء
بما يحصل به الغرض دون إفراط ، لأن غرضهم إنما هو إبعاد يوسف عن
أبيهم، وهذا الإبعاد يتم عن طريق إلقائه فى غيابة الجب.
ثم حكى - سبحانه - محاولاتهم مع أبيهم ، ليأذن لهم بخروج يوسف
معهم فقال: قالوا يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف وإناله لناصحون. أرسله
معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون .
أى: قال إخوة يوسف لأبيهم محاولين استرضاءه لاستصحاب يوسف
معهم: يا أبانا« مالك لا تأمنا على يوسف، أى: شىء جملك لا تأمنا على أخينا
يوسف فى خروجه معنا ، والحال أننا له لناصحون، فهو أخونا ونحن لانريدله
إلا الخير الخالص ، والود الصادق .
وفى ندائهم له بلفظ «يا أبانا، استمالة اقلبه، وتحريك لعطفه، حتى يعدل
عن تصميمه على عدم خروج يوسف معهم.
والاستفهام فى قوله (( مالك لاقأمنا ... )) للتعجيب من عدم أتمافهم عليه

مع أنهم إخوته ، وهو يوحى بأنهم بذلوا محاولات قبل ذلك فى اصطحابه
معهم ولكنها جميعا باءت بالفشل .
ثم أضافوا إلى ذلك قولهم ( أرسله معنا غدا يرقع ويلعب)) ...
والرقع والرنوع هو الإنساع فى الملاذ والتنعم فى العيش ، يقال : وتع
الإنسان فى النعمة إذا أكل ما يطيب له . ورتعت الدابة إذا أكلت حتى شبعت،
وفعله كمفع والمراد باللعب هذا الاستجمام ورفع السآمة، كالتسابق عن طريق
العدو ، وما يشبه ذلك من ألوان الرياضة المباحة .
أى: أرسله معنا غدا ليتسع فى أكل الفواكه ونحوها، وليدفع السآمة
عن نفسه عن طريق القفز والجرى والتسابق معنا .
((( وإنا له لحافظون ، كل الحفظ من أن يصيبه مكروه، أو يمسه سوء.
وقد أ كدوا هذه الجملة والتى قبلها وهى قوله ((وإنا له لناصحون)) بألوان
من المؤكدات ، لكى يستطيعوا الحصول على مقصودهم فى اصطحاب يوسف
محم .
وهو أسلوب يبدو فيه التحايل الشديد على أبيهم ، لإقناعه بما يريدون
تنفيذه وتحقيقه من مآرب سيئة .
ثم أخبر - سبحانه - عمارد به عليهم أبوهم فقال : قال إنى ليحز فى أن
١
تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون» .
والحزن : الغم الحاصل لوقوع مكروه أو فقد محبوب .
والخوف : فزع النفس من مكروه يتوقع حصوله .
والذئب: حيوان معروف بعدوانه على الضعاف من الإنسان ومن
الحيوان، وأل فيه للجنس ، والمراد به أى فرد من أفراد الذئاب.
أى : قال يعقوب لأبنائه ردا على إلحاحهم فى طلب يوسف للذهاب معهم:
يا أبنائى إفنى ليحز فنى حزنا شديدا فراق يوسف لى ، وفضلا عن ذلك فإنى