النص المفهرس
صفحات 181-200
- ١٨١ ٠ حزبه أمر فزع إلى الصلاة»(١). وظر فى النهار: أى أول النهار وآخره، لأن طرف الشىء منتهاه من أوله أو من آخره. والتهار : يتناول مابين مطلع الفجر إلى غروب الشمس . سمى بذلك لأن الضياء ينهر فيه أى يبرز النهر. والصلاة التى تكون فى هذين الوقتين ، تشمل صلاة الغداة وهى صلاة الصبح ، وصلاة العشى وهى صلاة الظهر والعصر ، لأن لفظ العشى يكون من الزوال إلى الغروب . وقيل الصلاة التى تكون فى هذين الوقتين هى صلاة الصبح والمغرب. وقوله ((وزلفا من الليل ، معطوف على طر فى النهار . والزلف جمع زلفة - كغرف وغرفة - والمراد بها الساعات القريبة من آخر النهار، إذ الإزلاف معناه القرب ومنه قوله - تعالى - ((وأزلفت الجنة للمتقين ... )، أى: قربت منهم . وتقول أزلفنى فلان منه: أى قربنى ... فمعنى ((وزلفا من الليل)) طائفة من أوله. وصلاة الزلف تطلق على صلانى المغرب والعشاء قال ابن كثير ماملخصه: وقوله ((وزلفا من الليل، يعنى صلاة المغرب والعشاء. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «هما زلفتا الليل : المغرب والعشاء ). ويحتمل أن تكون هذه الآية نزلت قبل فرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء، فإنه إنما كان يحب من الصلاة صلاقان: صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها ، وفى أثناء الليل قيام عليه وعلى الأمة ، ثم نسخ فى حق الأمة ، وثبت وجوبه عليه ، ثم نسخ عنه أيضا فى قول))(٢) . (١) تفسير القرطى -٠١٠٩٥٩ (٢) تفسير ابن كثير حـ ٤ صـ ٠٢٨٤ - ١٨٢ ٠٠ وجملة (( إن الحسنات يذهبن السيئات)) مسوقة مساق التعليل للأمر بإقامة الصلاة، وأكدت بحرف ((إن)) الاهتمام وتحقيق الخبر، والحسنات صفة لموصوف محذوف ، وكذلك السيئات . والمعنى: إن الأعمال الحسنة - كالصلاة والزكاة والصيام والحح ، والاستغفار .... يذهبن الأعمال السيئات، أى يذهبن المؤاخذة عليها، ويذهبن الاتجاه إليها ببركة المواظبة على الأعمال الحسنة . والمراد بالسيئات هنا صغائر الذنوب، لقوله - تعالى - ((إن تجتنوا كبائر ماتهون عند فكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما ،(!) ولقوله - تعالى - ((الذين يحتفون كبائر الإثم والفواحش إلا اللهم إن ربك واسع المغفرة .... )، (٢)، ولأن كبائر الذنوب لا تكفرها إلا التوبة الصادقة . وقوله (( ذلك ذكرى للذاكرين، أى: ذلك الذى أمرفاك به من وجوب إقامة الصلاة، ومن الاستقامة على أمر الله ... فيه التذكرة النافعة ، أن كان شأنه التذكر والاعتبار ، لا الإعراض والعناد. وهذه الآية الكريمة من الآيات التى قال عنها بعض المفسرين بأنها مدنية، وقد ذكرنا فى التمهيد بين يدى السورة، أن سورة هود نرجح أنها كلها مكية ، وليس فيها آیات مدنية . وما يؤيد أن هذه الآية مكية أنها مسوقة مع ماسبقها من آيات لتسلية النبى - صلى الله عليه وسلم - ولإرشادة واتباعه إلى مايعينهم على الاستقامة، وعدم الركون إلى الظالمين . (١) سورة النساء الآية ٣١. (٢) سورة النجم الآية ٣٢. - ١٨٣ - ولأن بعض الروايات التى وردت فى شأنها ، لم تذكر أنها نزلت فى المدينة ، بل ذكرت أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - تلاها على السائل ، ومن هذه الروايات مارواه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والترمذى والنسائى وابن جرير - وهذا لفظه ـ عن ابن مسعود قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يارسول الله إنى وجدت امرأة فى بدتان، ففعلت بها كل شىء، غير أنى لم أجامعها ، فأفعل بى ماشئت. فلم يقل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئا، فذهب الرجل ، فقال عمر: لقد ستر الله عليه لوستر على نفسه. فأتبعه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بصره ثم قال: ردوه على فردوه عليه فقرأ عليه: ((وأقم الصلاة طرفى النهار وزلفا من الليل ... الآية، فقال معاذ - وفى رواية عمر - يارسول الله، أله وحده أم الناس كافة ؟ فقال: بل للناس كافة ، ١١) . والروايات التى ورد فيها فأنزل عليه هذه الآية ، فى الإمكان أن تؤول بأن المراد أنزل عليه شمول عموم الحسنات والسيئات لقضية السائل ، ولجميع ما يماثلها من إصابة الذنوب سوى الكبائر . هذا، ثم ختم ـ سحانه - هذه التوجيهات الحكيمة بقوله .. واصبر فإن الله لا يضع أجر المحسنين ). أى: واصبر أيها الرسول الكريم أنت ومن معك من المؤمنين على مشاق التكاليف التى كلفكم الله - تعالى - بها، فإنه - سبحانه - لا يضيع أجر من أحسن عملا ، بل موفى الصابرين أجرهم بغير حساب . قال الآلوسي : ومن البلاغة القرآنية أن الأوامر بأفعال الخير أفردت للنبى - صلى الله عليه وسلم - وإن كانت عامة فى المعنى، والمناهى جمعت للأمة، للدلالة على عظم منزلة الرسول - صلى الله عليه وسلم - عندربه(٢). (١) راجع تفسير ابن كثير جـ٤ صـ٢٨٦ (٢) تفسير الآلوسي - ١٢ صـ ٠١٤٣ -١٨٤ ٠ ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بهذه الآيات الدالة على سنن الله - تعالى - فى خلقه، وعلى الحكم التى من أجلها ساق اللّه - تعالى - تلك. القصص فى كتابه فقال - تعالى - : («فلولاَ كانَ مِنَ القرونِ مِنْ قبلِكُم أولوا بقيةٍ ينهونَ عن الفسادِ فى الأرضِ إلا قليلاً ثمّنْ أَنجيناً منهم، واتبعَ الذينَ ظلمُوا ما أُثْرِفُوا فِيهَ وكانُوا مجرمينَ (١١٦) وما كانَ ربْكَ ليهلكَ الْقُرى بُظُلم وأهلُها مصلحونَ (١١٧) ولو شاء ربك لجعل الناسَ أمةً واحدةً، ولا يزالونَ مختلفينَ (١١٨) إلا من رحمَ ربُّكَ ولذلك خلقَهم، وتمتْ كلمةُ ربِّكَ لأملأَنّ جهنّمَ من الْجِنَّةِ والناسِ أجمعينَ (١١٩) وكلاًّ نقصُ عليكَ مِنْ أنباء الرسُلِ ما نتبتُ به فؤَادَك، وجاءكَ فى هذه الحقُّ وموعظةٌ وذكرى للمؤمنين (١٢٠) وقل للذينَ لا يؤمنونَ اعملُوا على مكانتَكُم إنا عاملونَ (١٢١) وانتظرُوا إِنّا منتظرون (١٢٢) وللهِ غيبُ السمواتِ والأرضِ وإليه يُرْجَع الأمرُ كلُّه، فاعبدْهُ وتوكِّلْ عليه، وما ربُّك بناَفلٍ عما تعملونَ (١٢٣))). وقوله - تعالى - فلو كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد فى الأرض إلا قليلا من أنجينا منهم .... ، إرشاد إلى أن الأمم إذا خلت من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ، حلت بها المصائب والنكبات .. ولولا: حرف تخصيص بمعنى هلا . والمقصود بالتحضيض هنا تحذير المعاصرين للنبى - صلى الله عليه وسلم - ومن سيأتى بعدهم من الوقوع فيما وقع فيه أهل القرون الماضية من ترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، حتى لا يصيب اللاحقين ما أصاب السابقين . - ٠٠١٨٥ والقرون: جمع قرن . والمراد به الأمة من الناس الذين يجمعهم زمان واحد، والراجح أن القرن مائة عام. و((أولوا بقية، أى : أصحاب مناقب حميدة ، وخصال كريمة ، وعقول راجحة ... وأصل البقية : ما يصطفيه الإنسان لنفسه من أشياء نفيسة يدخرها لينتفع بها، ومنه قولهم : فلان من بقية القوم . أى : من خيارهم وأهل الفضل فيهم . قال الشاعر : فا على بذفب منكم فوت إن تدفبوا ثم تأتينى بقيتكم وفى الأمثال : فى الزوايا خبایا ، وفى الرجال بقايا والفساد فى الأرض : يشمل ما يكون فيها من المعاصى واختلال الأحوال وارتكاب المنكرات والبعد عن الصراط المستقيم . والمعنى : فهلا وجد من أولئك الأقوام الذين كانوا من قبلكم ، رجال أصحاب خصال كريمة، وعقول سليمة ، تجعلهم هذه الخصال وتلك العقول ينهون أنفسهم وغيرهم عن الإفساد فى الأرض ، وعن انتهاك الحرمات؟ كلا إنهم لم يكن فيهم هؤلاء الرجال الذين ينهون عن الفساد فى الأرض ، إلإ عددا قليلا منهم أنجيناهم بسبب إيمانهم ونهيهم عن الفساد فى الأرض. وفى هذا من التوبيخ لأهل مكة ولكل من تقاعس عن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر مافيه ، لأن الله - تعالى - بين أن عذاب الاستئصال الذى حل بالظالمين السابقين ، كان من أسبابه عدم نهيهم عن الفساد فى الأرض . قال الشوكانى: والاستثناء فى قوله (( إلا قليلا .. » منقطع. أى: لكن قليلا من أنجينا منهم كانوا ينهون عن الفساد فى الأرض . وقيل: هو متصل، لأن فى حرف التحضيض معنى النفى، فكأنه قال: ما كان فى القرون أولوا بقية ينهون عن الفساد فى الأرض، إلا قليلا من أنجينا منهم . ومن فى قوله - ١٨٦ -- ((من أنجينا منهم، بيانيه، لأنه لم ينج إلا الناهون)،(١). وقال ابن كثير : ولهذا أمر الله - تعالى - هذه الأمة الشريفة أن يكون فيها من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وأولئك هم المفلحون . وفى الحديث: ((إِن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه، أوشك الله أن يعمهم بعقاب من عنده)، ولهذا قال : فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد فى الأرض ... ،(٢) وقوله: (( واتسع الذين ظلوا ما أترفوا فيه .... )، إشارة إلى أن هؤلاء القاعدين عن النهى عن الإفساد فى الأرض، قد استمروا على جورهم وفقهم دون أن يلتفتوا إلى خصال الخير، وإلى سبيل الصلاح . وأترفوا من القرف ومعناه التقلب فى نعم الله - تعالى - مع ترك شكره - سبحانه- عليها. والمترف : هو الشخص الذى أبطرته النعمة ، فانغمس فى الشهوات والمعاصى، وأعرض عن الأعمال الصالحة .. والجملة الكريمة منطوفة على كلام مقدر يقتضيه الكلام ، والمعنى : أن هؤلاء الذين لم يكن فيهم أولوا بقية ينهون عن الفساد فى الأرض إلا من استثنى، قد استمروا فى طغيانهم ، واتبعوا ما أنعموا فيه من الثروة والعيش الهنىء والشهوات العاجلة ، فكفروا النعمة، واستكبروا وفقوا عن أمر ربهم، وكانواقوما مجرمين، أى مصرين على ارتكاب الجرائم والمنكرات ، ـفق عليهم العقاب الذى يستحقونه بسبب هذه السيئات . ثم بين - سبحانه - أن رحمته بعباده تقتضى عدم ظلمه لهم فقال: ((وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون)). (١) تفسير فتح القدير للشوكانى جـ ٢ ص ٥٢٤ (٢) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٢٩,٠ 2 - ١٨٧ ٠ والمراد بالظلم هنا ما يشمل الإشراك بالله - تعالى - وغيره من الوقوع فى المعاصى والمنكرات . والباء فى ((بظلم) للملابسة، وتنوين فيه الإشعار بأن إهلاك المصلحين ظلم عظيم يتنزه الله - تعالى - عنه على أبلغ وجه، وإن كانت أفعاله - عز وجل - لا ظلم فيها أيا كانت هذه الأفعال . والجار المجرور حال من ربك . والمعنى: وما كان من شأن ربك - أيها الرسول الكريم - أن يهلك أهل قرية من القرى إهلاكا متلبسا بظلم منه لها، والحال أن أهلها قوم مصلحون، لأن ذلك الإهلاك مع تلك الحال يتنافى مع ما كتبه على نفسه من الرحمة والعدل . قال - تعالى - ((كتب ربكم على نفسه الرحمة ... )) وقال - تعالى - (ولا يظلم ربك أحدا ،. وقال - تعالى- ((وما كنا مهلكى القرى إلا وأهلها ظالمون)). ومنهم من فسر تظلم هنا بالشرك، وجعل الباء للسببية، فيكون المعنى: ليس من شأن ربك أن يهلك أهل قرية من القرى بسبب كفرهم وحده ، مع صلاحهم فى تماطى الحقوق فيما بينهم، وإنما يهلكهم عندما يضمون إلى الكفر الإفساد فى الأرض كما أهلك قوم شعيب لشركهم وإنقاصهم المكيال والميزان. وقد ساق ابن جرير - رحمه الله - القولين دون أن يرجح بينهما فقال: القول فى تأويل قوله - تعالى - ,وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون)) . . يقول - تعالى - ذكره: وما كان ربك يا محمد ليهلك القرى التى أهلكها والتى قص عليك فبأها ظلا وأهلها مصلحون فى أعمالهم غير مسدئين، فيكون إهلاكه إياهم مع إصلاحهم فى أعمالهم وطاعتهم ربهم ظلما، ولكنه أهلكها بكفر أهلها بالله ؛ وتماديهم فى غيهم .... وقد قيل معنى ذلك : لم يكن ليهلكهم بشركهم بالله: وذلك قوله بظلم يعنى - ٨٨ - بشرك، وأهلها مصلحون فيما بينهم لايتظالمون، ولكنهم يتعاطون الحق بينهم وإن كانوا مشركين، وإنما يهلكهم إذا تظالموا، (١). والذى نراه أن القول الأول أقرب إلى الصواب، لأن حمل الظلم هنا على الشرك تخصيص بدون مخصص، حيث لم برد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- حديث صحيح يخصصه بذلك ، فوجب حمل الظلم على معناه الحقيقى الذى يتناول الشرك وغيره . ثم أخبر - سبحانه - بأن قدرته لا يعجزها شىء فقال: ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة)). والأمة: القوم المجتمعون على أمر واحد ؛ يقتدى فيه بعضهم ببعض ، وهذا اللفظ مأخوذ من ((أم) بمعنى قصد، لأن كل واحد من أفراد القوم يؤم المجموع ويقصده فى مختلف شئونه . ولو شرطية امتناعية ، ومفعول فعل المشيئة محذوف والتقدير : ولو شاء ربك - أيها الرسول الكريم الحريص ء !. إيمان قومه - أن يجعل الناس جميعا أمة واحدة مجتمعة على الدين الحق لجعلهم، ولكنه - سبحانه - لم يشأ ذلك، ليتميز الخبيث من الطيب وشبيه هذه الآية قوله - تعالى - ((ولوشاء ربك لآمن من فى الأرض كلهم جميعا .... وقوله - سبحانه - ((ولو شاء ربك لجمعهم على الهدى ... )) وقوله ((ولايزالون مختلفين إلا من رحم ربك، تأكيد لما اقتضته سنته من اختلاف الناس . أى: ولايزالون ما بقيت الدنيا مختلفين فى شأن الدين الحق ، فمنهم من دخل فيه وآمن به ، ومنهم من أعرض عنه ، إلا الذين رحمهم ربك منهم بهدايتهم إلى الصراط المستقيم من أول الأمر ، فإنهم لم يختلفوا، بل اتفقوا على الإيمان بالدين الحق فعصمهم الله - تعالى - من الاختلاف المذموم . (١) تفسير ابن جرير جـ ١٢ ص ٨٤ -١٨٩ - قال الإمام ابن كثير: وقوله ((إلا من رحم ربك)) أى: إلا المرحومين من أتباع الرسل ، الذين تمسكوا بما أمروا به من الذى أخبرتهم به رسل الله إليهم، ولم يزل ذلك دأبهم ، حتى كان النبى - صلى الله عليه وسلم - الأمى خام الرسل والأنبياء، فاتبعوه وصدقوهونصروه، ففازوا بسعادة الدنيا والآخرة؛ لأنهم الفرقة الناجية ، كما جاء فى الحديث المروى فى المسانيد والسنن ، من طرق يشد بعضها بعضا: إن اليهود افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإن النصارى افترقوا على ثنتين وسبعين فرقة ، وستفترق أمنی على ثلاث وسبعين فرقة ،كلها فى النار إلا فرقة واحدة. قالوا: ومن هم يارسول الله، قال: ما أنا عليه وأصحابى،(!). واسم الإشارة فى قوله , ولذلك خلقهم)) يعود على المصدر المفهوم من مختلفين قال الألوسى: فكانه قيل: وللإختلاف خلق الناس ، على معنى ثمرة الاختلاف من كون فريق فى الجنة وفريق فى السعير خلقهم . واللام لام العاقبة والصيرورة ، لأن حكمة خلقهم ليس هذا، لقوله - سبحانه - ((وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)) ولأنهم لو خلقهم له - أى للاختلاف - لم يعذبهم على ارتكاب الباطل .... ، (٢) ومنهم من جعل الإشارة إلى الرحمة لأنها أقرب مذ كور ، فيكون التقدير : إلا من رحم ربك ولرحمته - سبحانه - خلق الناس . وصح تذكير اسم الإشارة مع عودته إلى الرحمة لكون تانيها غیر حقیقی. ومنهم من جعل الإشارة إلى مجموع الاختلاف والرحمة ، لأنه لامانع من الإشارة بها إلى شيئين كما فى قوله (( عوان بين ذلك)) أى بين الفارض والبكر. فيكون المعنى : وللاختلاف والرحمة خلقهم ، أى أنه - سبحانه - خلقٍ أهل الرحمة الرحمة وأهل الاختلاف للاختلاف . (١) تفسير ابن كثير جـ 2 ص ١٩١. (٢) تفسير الآلوسي جـ ١٢ ص ١١٤٧ - ١٩٠ ٠ وقد رجح الإمام القرطى هذا الوجه فقال: قوله , ولذلك خلقهم، قال الحسن ومقاتل وعطاء : الإشارة إلى الاختلاف، أى: وللاختلاف خلقهم . وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك : الإشارة إلى الرحمة : أى: وارحمته خلفهم . وقيل : الإشارة إلى الاختلاف والرحمة ، وقد يشار بذلك إلى شيئين متضادين، كما فى قوله - تعالى - ((والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما ، ... وهذا أحسن الأقوال - إن شاء الله- لأنه يعم. أى: ولما ذكر خلفهم .. أى: خلقهم ليكون فريق فى الجنة وفريق فى السعير. أى خلق أهل الاختلاف للاختلاف وأهل الرحمة للرحمة .... ، (١) والمراد بكلمة ربك فى قوله - سبحانه -(وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين)) قضاؤه النافذ، وإرادته التى لا تتخلف، وحكمه الأزلى . أى: وتمت كلمة ربك، ونفذ قضاؤه، وثبت حكمه الذى أكده وأقسم عليه بقوله : لأملأن جهنم من عصاة الجن ، ومن عصاة الإنس أجمعين ، لأنه م المعروف أن الوعيد إنما هو للعصاة والمذنبين وليس للمؤمنين الصادقين. قال الآلومى: وفى معنى ذلك ما قيل من أن المراد بالجنة والناس أتباع إبليس لقوله - تعالى - فى سورة الأعراف وفى سورة ص ((لأولأن جهنم منك ومن تبعك منهم أجمعين، فاللازم دخول جميع تابعيه فى جهنم، والقرآن يفسر بعضه بعضا ... .(٢) ثم بين - سبحانه - أهم الفوائد التى تعود على الرسول - صلى الله عليه وسلم. (١) تفسير القرطبي ج ٩ صـ ٠١١٥ (٢) تفسير الالومى = ١٢ -٠ ٤٨ ٠١ - ١٩١ - من وراء إخباره بأحوال الأنبياء السابقين مع أقوامهم فقال: (( وكلا نقص عليك من أنباء الرسل مافثبت به فؤادك ٠٠ .. ، والتنوين فى قوله ((وكلا، للعوض عن المضاف إليه. والأنباء جمع نبأ وهو الخبر الهام : أى: وكل نبأ من أنباء الرسل الكرام السابقين نقصه عليك- أيها الرسول الكريم - ونخبرك عنه . فالمقصود به تثبيت قلبك ، وتقوية يقينك ، وتسلية تفك ونفوس أصحابك عما لحقكم من أذى فى - يل تبليغ دعوة الحق إلى الناس . وقوله - سبحانه .. ((وجاءك فى هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين)) بيان لما اشتملت هذه السورة الكريمة من أخبار صادقة، وعظات بليغة. أى وجاءك - أيها الرسول الكريم - فى هذه السورة الكريمة وغيرها من سور القرآن الكريم: الحق الثابت المطابق للواقع، والعظات الحكيمة، والذكرى النافعة للمؤمنين بما جئت به ... وأما الذين فى قلوبهم مرض فقد زادتهم هذه السورة وأمثالها رجا إلى رجسهم ، وماتوا وهم كافرون. ثم أمر اته - تعالى- رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالسير فى طريق الحق بدون مبالاة بتهديد أعدائه فقال: « وقل الذين لا يؤمنون اعملوا على مكافتكم إما عاملون وانتظروا إنا منتظرون ، والأمر فى هذه الآية الكريمة للعديد . ومكانتكم: مصدر مكن - بزنة كرم - مكافة، إذا تمكن من الأمر أبلغ التمكن . أى: وقل - أيها الرسول الكريم - هؤلاء المشركين الذين يضعون العقبات فى طريق دعوتك، قل لهم اعملوا ماتستطيعون عمله من الكيد لى ولدعونى ، فإنى وأصحابى مستمرون على السير فى طريق الحق الذى هدانا الله - ١٩٢ - إليه ، بدون التفات إلى كفركم وقل لهم - أيضا -: انتظروا ما يأتى به الله من عقاب ، فإنا منتظرون معكم ذلك . ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بهذه الآية الجامعة فقال: ((ولله غيب السموات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وماربك بغافل عما تعملون ). أى: والله - تعالى - وحده علم جميع ماغاب عن الحواس فى السموات والأرض ، وإليه وحده يرجع الأمر كله من إحياء وإماتة، وهداية وضلال، وصحة ومرض ، ونصر وهزيمة . ومادام الأمر كذلك((فاعبده وتوكل عليه)، أى: فأخلص له العبادة، واجعل تو كلك عليه وحده . (( وما ربك بغافل عما تعملون)، بل هو مطلع وبصير بأعمال عباده جميعا، لا يعزب عنه مثقال ذرة منها، وسيجازى الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى . أما بعد: فهذا تفسير لسورة هود-عليه السلام - أسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ونافعا لعباده. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعین ؟ المدينة المنورة - صباح الخميس ٥ من جمادى الثانية سنة ١٤٠١ هـ الموافق ٩ من أبريل سنة ١٩٨١ م محمد السيد طنطاوى الفهرس فهرس تفسير سورة هود - عليه السلام - رقم الآية ٤ ٥ ٦ ٨ > << ٩ ١٠ ١١ ١٥ ١٣ ١٤ ١٠ ١٦ ١٧ ١٨ ١٩ ٢٠ ٢١ ٢٢ الآية المفسرة الصفحة المقدمة والتمهيد الر. كتاب أحكمت آياته ألا تعبدوا إلا الله ٣ ١٥ ١٧ ١٨ وأن استغفروا ربكم ٣ إلى الله مرجعكم ألا إنهم يثنون صدورم وما من دابة فى الأرض وهو الذى خلق السموات والأرض ولئن أخرفا عنهم العذاب ولئن أذقنا الانسان ٢٠ ٢٠ ٢٣ ٢٥ ٢٨ ٢٣ ٣٣ ٣٤ ٣٤ ٢٧ ٣٩ ٤١ ٤١ ٤٤ ٤٩ ٥١ ٥٢ ٥٣ ٥٣ ولئن أذقناه نعماء إلا الذين صبروا فلعلك تارك بعض أم يقولون افتراه فإن لم يستجيبوا لكم من كان يريد الحياة الدنيا أولئك الذين ليس لهم أفن كمان على بينة من ربه ومن أظم ممن افترى الذين يصدون عن سبيل الله أولئك لم يكونوا معجزين أولئك الذين خسروا أنفسهم لا جرم أنهم فى الآخرة ! - ١٩٤ - رقم الآية الآية المفسرة الصفـ ٥٤ ٥٥ ٥٧ ألا تعبدوا إلا الله ٢٦ فقال الملأ الذين كفروا قال يا قوم أرأيتم ٢٧ ٢٨ ٣٩ وياقوم لاأسالكمـ و اقوم من ینصر فى من الله ولا أقول لكم عندى خزائن الله قالوا بانوح قد جادلتنا قال إنما یأتیكم به الله ولا ينفعكم نصحی إن أردت أم يقولون افتراه و أوحی إلی نو ح أنه لن يؤمن واصنع الفلك بأعيننا ويصنع الفلك فسوف تعلمون من يأتيه حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور وقال ار كبوا فيها ٤٠ ٤١ وهی تجری بهم فى موج كالجبال قال سآوی إلى جبل وقيل يا أرض ابلعى ماءك ٤٤ و نادی فو ح ربه ٤٥ قال با نوح إنه ليس ٤٦ قال رب إنى أعوذ بك ٤٧ ٤٨ قبل بانوح أهبط ٥٨ ٥٩ ٦١ ٦٤ ٦٥ ٣٠ ٣١ ٣٢ ٣٣ ٣٤ ٣٥ ٣٦ ٣٧ ٣٨ ٣٩ ٤٢ ٤٣ ٨١ ٨٢ ٨٦ ٨٧ ٨٩ ٩٠. ٦٨ ٦٩ ٦٩ ٧٠ ٧٢ ٧٢ ٧٤ ٧٥ ٧٥ ٧٩ ٨١ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ٢٣ مثل الفريقين كالأعمى ٢٤ ٢٥ ولقد أرسلنا نوحا - ١٩٥ - إرقم الآية الآية المفسرة الصفحة ٩١ ٩٦ ٩٨ .٥٠ يا قوم لا أسألكم ٥١ ٥٢ ٩٩ وياقوم استغفروا ربكم قالوا ياهود ماجئتنا بينة ٠٣ إن نقول إلا اعتراك من دونه فکیدو نی جمیعا ٥٥ ٥٤ ١٠١ ١٠٢ ١٠٣ ١٠٤ ١٠٥ ١٠٦ ١٠٧ ١٠٩ ٦٠ ٦١ ٦٢ ٦٣ ٦٤ ٦٥ ٦٦ ٦٧ ٦٨ قالوا ياصالح قد كنت قال يا قوم أر أيتم إن كنت وياقوم هذه ناقه الله فىقروها فقال تمتعوا فلما جاء أمرنا نجينا صالحا وأخذ الذين ظلموا کان لم یغنوا فيها واقد جاءت رسلنا ٦٩ فلما رآی أيديهم ٧٠ وامر أته قائمة فضحكت ٧١ قالت یاو یلی أآلد ٨٢ قالوا أتعجبين من أمر الله ٧٣ فلما ذهب عن إبراهيم ٧٤ ١١٢ ١١٢ ١١٣ ١١٠ ١١٥ ١١٦ ١١٦ ١١٨ ١٢٠ ١٢١ ١٢٢ ١٢٢ ١٢٤ ذلك من أنباء الغيب ٤٩ وإلى عاد أخاه هودا ١٠٠ إأو توكلت على الله ٥٦ ٥٧ ٥٨ و تلك عاد جحدوا فإن تولوا فقد أبلغتكم ولما جاء أمرنا نجينا هودا ٥٩ وأتبعوا فى هذه الدنيا لعنة وإلى نمود أخاهم صالحا -- ١٩٦ - رقم الآية الآية المفسرة ـفحة إن إبراهيم حليم ٧٥ ٧٦ ١٢٥ ١٢٥ باإبراهيم أعرض عن هذا ١٢٧ ولما جاءت رسلنا لوطا ٧٧ وجاءه قومه يهرعون إليه ٧٨ قالوا لقد علمت مالنا ٧٩ ١٣٢ ١٣٣ قال لو أن لى بكم قوة ١٣٤ ٨٠ قالوا يالوط إنا رسل ربك ٨ فلما جاء أمرنا مسومة عند ربك وإلى مدين أخاهم شعيبا ويا قوم أوفوا المكيال . بقية الله خير لكم إن كنتم قالوا يا شعيب أصلاتك قال يا قوم أرأيتم وياقوم لا يجر منكم واستغفروا ربكم ٨٧ ٨٨ ٨٩ ٩٠ ٩١ ٩٢ قالوا يا شعيب ماففقه قال ياقوم أرهطى ويا قوم اعملوا على مكانتكم ٩٣ ٩٤ ٩٥ ولما جاء أمرنا نجينا کان لم يغنوا فيها ولقد أرسلنا موسى ٩٦ إلی فرعون وملأه ٩٧ يقدم قومه يوم القيامة ٩٩ وأتبعوا فى هده امنة ٩٩ ١٠٠ ذلك من أنباء القرى ١٤٩ ١٤٩ ١٥٠ ١٥١ ١٥٢ ١٥٢ ١٥٤ ١٥٥ ١٠٥ ١٥٦ ١٥٨ ١٣٦ ١٣٧ ١٣٩ ١٤٢ ١٤٣ ١٤٤ ١٤٦ ١٤٧ ٨٢ ٨٣ ٨٤ ٨٥ ٨٦ ١٣٠ - ١٩٧ - رقم الآيه الآية المفسرة الصفحة وما ظلمناهم ولكن ظلموا ١٠١ ١٥٩ وكذلك أخذ ربك ١٠٢ ١٦١ إن فى ذلك لآية ١٠٣ ١٦٢ وما تؤخره إلا لأجل ١٠٤ ١٦٤ يوم يأت لاتكلم نفس ١٠٥ ١٦٥ ١٠٦ ١٦٦ خالدين فيها مادامت ١٠٧ ١٧٠ وأما الذين سعدوا ١٠٨ ١٧١ فلاتك فى مرية ١٠٩ ١٧٤ ١١٠ ١٧٦ وإن كلا لما ليوفينهم ١١١ ١٧٧ فاستقم كما أمرت ١١٢ ١٧٩ ١١٣ ١٨٠ ١١٤ ١٨٣ واصبر فإن الله ١١٥ ١٨٤ فلولا كان من القرون ١١٤ ١٨٧ وما كان ربك ١٨٨ ١١٧ ولو شاء ربك ١١٨ ١٨٨ ١١٩ إلا من رحم ربك ١٩١ وكلا نقص عليك ١٢٠ ١٩١ وقل الذين لا يؤمنون ١٢١ ١٩٢ وانتظروا إنا منتظرون ١٢٢ ولله غيب السموات والأرض ١٩٢ ١٢٣ ولاتركنوا إلى الذين وأقم الصلاة ولقد آتينا موسى ١٦٤ فأما الذين شقوا رقم الايداع ٢٩٠٢ / ١٩٨٤