النص المفهرس

صفحات 161-180

٠ ١٩١٠ -
الخسران ،(١).
ثم بين - سبحانه - سنته فى عقاب الظالمين فى كل زمان ومكان فقال:
((وكذلك أخذربك إذا أخذ القرى وهى ظالمة .... »
والكاف فى « وكذلك ، بمعنى مثل. والمراد بالقرى: أهلها الظالمون.
والأخذ: هو العقاب المباغت السريع : يقال أخذ فلان الموت ، إذا نزل
به بسرعة وقوة .
أى: ومثل ذلك الأخذ والهلاك للظالمين السابقين، يكون أخذ ربك وعقابه
لكل ظالم يأتى بعدهم ويمنهج نهجهم.
وجملة ((وهى ظالمة، فى موضع الحال من القرى، وفائدة هذه الحال
الإشعار بأن عقابهم كان بسبب ظلهم ، وفى ذلك مافيه من التحذير لكل ظالم
لا يبادر بالإقلاع عن ظلمه قبل فوات الأوان .
والمراد بالظلم ما يشمل الكفر وغيره من الجرائم والمعاصى التى نهى عنها،
كالكذب وشهادة الزور ، وأكل أموال الناس بالباطل .
وقوله: ((إن أخذه أليم شديد)) زيادة فى التحذير من الوقوع فى الظلم.
أى: إن أخذه - سبحانه - للظالمين عظيم إيلامه، شديد وقعه، لاهوادة
فیه، ولا مخلص منه .
روى الشيخان عن أبي موسى الأشعرى أن رسول الله - صلى الله عليه
وسلم ـ قال: إن الله ليملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته . ثم قرأرسول الله
- صلى الله عليه وسلم - ((وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهى ظالمه إن
أخذه أليم شديد(٢) .
(١) تفسير الفخر الرازى = ١٨ ص ٥٦
(٢) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٢٧٩
١١١ - سورة هود)

- ١٦٢ -
ثم بين - سبحانه - أن ما ساقه فى هذا القرآن عن أحوال السابقين فيه
العبرة لمن اعتبر ، وفيه العظة لمن خاف عذاب الآخرة الذى ينقسم الناس فيه
إلى شقى وسعيد، فقال - تعالى -:
((إنّ فى ذلكَ لَآيَةً لمَن خافَ عذابَ الآخرةِ ذلكَ يومٌ مجموعٌ له
الناسُ وذلكَ يومٌ مشهود (١٠٣) وما نُؤَخِّرُهُ إلا لأجلِ معدودٍ (١٠٤)
يومَ يَأْتٍ لا تَكُلِّمُ نفسٌ إلا بإذنِهِ فمنهم شقِيٌّ وسعيد (١٠٥) ذَأَمَّا الذِينَ
شَقُوا ففى النارِ لهم فيها زفيرٌ وشهيقٌ (١٠٥) خالدينَ فيها ما دابتٍ
السمواتُ والأرضُ إلا ما شاء ربك، إِنَّ ربَكَ فَعَالٌ لما يريدُ (١٠٦)
وأمّا الذينَسُمِدُ وا ففِى الجِنّةِ خالدينَ فيها ما دَامَتِ السمواتُ والأرضُ
إلا ما شاء ربُّكَ عطاء غيرَ مجذُوذٍ (١٠٧))).
أى (( إن فى ذلك، القصص الذى قصصناه عليك ـ يا محمد -: والمشتمل
على بيان سنة اله التى لا تتخلف فى إهلاك الظالمين .
«لآية، أى: لعبرة عظيمة، وعظة بليغة، وحجة واضحة:
(( لمن خاف عذاب الآخرة، لأنه هو المنتفع بالعبر والعظات لصدق
إيمانه ، وصفاء نفسه، وإيقافه بأن هناك فى الآخرة ثوابا وعقابا، وحسابا
على الأعمال الدنيوية .. .
أما الذى ينكر الآخرة وما فيها من ثواب وعقاب، فإنه لا يعتبر بما
أصاب الظالمين من عذاب، دنيوى دمرهم تدميراً، بل ينسب ذلك إلى أسباب
طبيعية أو فلكية أو غيرهما ، لا علاقة لها بكفرهم وظلمهم وطغيانهم ....
ولأن الخائف من عذاب الآخرة، عندما يرى ما حل بالمجرمين فى الدنيا

- ١٦٣ -
من عقاب، يزداد إيمانا على إيمانه، وتصديقا على قصديقه، بأن الله - تعالى -
قادر على أن يعذبهم فى الآخرة عذابا أشد وأبقى من عذاب الدنيا ...
ثم بين - سبحانه - أن يوم القيامة آت لا ريب فيه فقال: « ذلك يوم
مجموع له الناس وذلك يوم مشهود :
واسم الإشارة فى الموضعين ، يعود إلى يوم القيامة المدلول عليه بذكر
عذاب الآخرة قبل ذلك. واللام فى قوله - سبحانه - ((مجموع له، لام الملة.
أى: ذلك اليوم وهو يوم القيامة، يوم يجمع الناس فيه لآجل محاسبتهم
ومجازاتهم على أعمالهم، ويشهده جميع الخلائق الذین یؤ مرون بشهوده ، دون
أن يغيب منهم أحد قال صاحب الكشاف: و((الناس) رفع باسم المفعوا.
الذى هو (مجموع) كما يرفع بفعله إذا قلت يجمع له الناس .
فإن قلت : لأى فائدة أوثر إسم المفعول على فعله ؟
: قلت : لما فى إسم المفعول من دلالة على ثبات معنى الجمع لليوم ، وأنه يوم
لابد من أن يكون ميعادا مضروبالجمع الناس له، وأنه الموصوف بذلك
صفة لازمة. وهو أثبت - أيضا - لإسناد الجمع إلى الناس وأنهم
لا ينفكون منه .
ونظيره قول المتهدد: إنك لمنهوب مالك، محروب قومك، فيه من تمكن
الوصى وثباته ما ليس فى العمل ....
والمراد بالمشهود: الذى كل شاهدوه، ومنه قولهم: لفلان مجلس،
مشهود، وطعام محضور ... والغرض من ذلك، وصف هذا اليوم بالهول
والعظم وتميزه من بين الأيام، بأنه اليوم الذى يشهد فيه الخلائق الموقف لا يغيب
عنه أحد .... (١)
(١) تفسير الكشاف -٢ ٠ ٢٩٢ - بتصرف وتلخيص.

- ١٦٤ -
ثم قال - تعالى - ((وما نؤخره إلا لأجل معدود)
والأجل فى اللغة : الوقت المضروب لانتهاء مدة معينة . فأجل الإنسان.
هو الوقت المحدد لانقضاء عمره.
والمعدود: أصله المحسوب ، والمراد به هنا: المحدد بمدة معينة لا يزيد عليها
ولا يتأخر عنها.
أى : أننا لا نؤخر هذا اليوم إلا لوقت محدود معلوم لنا، فإذا ما جاءموعد
هذا الوقت، حل هذا اليوم الهائل الشديد وهو يوم القيامة ، الذى اقتضت
حكمتنا عدم اطلاع أحد على موعده .
ثم ذكر - سبحانه - جانبا من أهوال هذا اليوم، ومن أحوال الناس
فيه فقال: (( يوم يأت لاتكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقى سعيد))
والشبقى: صفة مشبهة من الفعل شقى، وهو الشخص المتلبس بالشقاوة
والشقاء، - أى: سوء الحال - بسبب إيثاره الضلالة على الهداية، والباطل
على الحق ...
والسعيد: هو الشخص المتلبس بالسعادة، وبالأحوال الحسنة بسبب إيمانه
وعمله الصالح .
والمعنى : حین یأتی هذا اليوم؛ وهو يوم القيامة ، لاقتكلم فيه نفس بأى
كلام إلا بإذن الله - تعالى - ويكون الناس فيه منقسمين إلى قسمين: قسم
شفى معذب بسبب كفره، وسوء عمله ، وتفريطه فى حقوق انه ...
Fi
وقسم سعيد منعم بسبب إيمانه ، وعمله الصالح ...
فإن قيل: كيف نجمع بين هذه الآية التى تنفى الكلام عن كل نفس إلا
بإذن الله وبين قوله - تعالى - (( يوم تأتى كل نفس تجادل عن نفسها ... ))

- ١٦٥ -
فالجواب : أن فى يوم القيامة مواقف متعددة ، فتى بعضها يجادل الناس عن
أنفسهم، وفى بعضها يكفون عن الكلام إلا بإذن الله، وفى بعضها يختم على
أفواههم، وتتكلم أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون ...
وفى هذه الآية الكريمة إبطال لما زعمه المشركون من أن أصنامهم ستدافع
عنهم، وستشفع لهم يوم القيامة .
قال الإمام ابن كثير: قوله - تعالى - يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه ...
أى: يوم يأتى هذا اليوم وهو يوم القيامة، لا يتكلم أحد إلا بإذن الله - تعالى ..
كما قال - سبحانه - «يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من
أذن له الرحمن وقال صوابا)) (١)
وقال - سبحانه - ((وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همساً، (٢)
- فى الصحيحين عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى حديث الشفاعة
الطويل : - ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، ودعوة الرسل يومئذ: اللهم سلم
سلم ، (٣)
تم فصل - سبحانه - أحوال الأشقياء والسعداء فقال: «فأما الذين شقوا
ففى النار لهم فيها زفير وشهيق ،
قال الألوشى : قال الراغب : الزفير ترديد النفس حتى تنتفخ الضلوع منه
مأخوذ من زفر فلان إذا حمل حملا بمشقة فتردد فيه نفسه . ومنه قيل للإمام
الحاملات الماء زوافر .
والشهيق . رد النفس إلى الصدر بصعوبة وعناء .
(١) سورة النبأ الآية ٣٨
(٢) سورة طه الآية ١٠٨
(٣) تفسير ابن كثير حـ ٤ -ـ ٢٧٩

- ١٦٦ -
والمراد بهما: الدلالة على شدة كربهم وغمهم، وتشبيه حالهم بحال من
استولت على قلبه الحرارة، واستبد به الضيق - حتى صار فى كرب شديد(١)
والمعنى: فأما الذين كان نصيبهم الشقاء فى الآخرة ، بسبب كفرهم واقترافهم
المعاصى فى الدنيا . فمصيرهم الإستقرار فى النار، لهم فيها ضيق الأناس.
وحرج الصدور . وشدة الكروب ما يجعلهم يفضلون الموت على ماهم فيه من
هم وغم. وخص - سبحانه - من بين أحوالهم الأليمة حالة الزفير والشهيق؛
تنفيرا من الأسباب التى توصل إلى النار . وتبشيعا لتلك الحالة التى فيها ما فيها.
من سوء المنظر . وتعاسة الحال ...
ثم أكد - سبحانه - خلودهم فى النار فقال: «خالدين فيها مادامت السموات
والأرض ... »
أى أن الأشقياء لهم فى النار العذاب الأليم. وهم ماكثون فيها مكث بقاء
وخلود لا يبرحونها مدة دوام السموات التى تظلهم . والأرض التى تقلهم
فهو فى معنى قوله - تعالى - ( خالدين فيها أبدا)
قال الآلوسي ما ملخصه : والمقصود من هذا التعبير: التأبيد وففى الانقطاع
على منهاج قول العرب لا أفعل كذا، مالاح كوكب ، وما أضاء الفجر ؛
وما اختلف الليل والنهار ... إلى غير ذلك من كلمات التأبيد عندهم ...
وليس المقصود منه تعليق قرارهم فيها بدوام هذه السموات والأرض،
فإن النصوص القاطعة دالة على تأييد قرارهم فيها .
وجوز أن يحمل ذلك على التعليق ، وبراد بالسموات والأرض ، سماوات
الآخرة وأرضها ، وهما دائمتان أبدا ... ) (٢)
(١) تفسير الآلوسي = ١٢ ٥ ١٢٦
(٢) تفسير الألوسى - ١٢ =١٢٦٠

- ١٦٧ -
أما قوله - سبحانه - (إلا ما شاء بك) فقد ذكر العلماء فى المقصود به
أقوالا متعددة أوصلها بعضهم إلى ثلاثة عشر قولا من أشهرها :
أن هذا الإستثناء فى معنى الشرط ، فكانه - سبحانه - يقول :
١ - خالدين فيها خلودا أبديا إن شاء ربك ذلك، إذكل شىء خاضع لمشيئة
ربك رإرادته ..
وعليه يكون المقصود من هذا الإستثناء وأمثاله، إرشاد العباد إلى وجوب
تفويض الأمور اليه - سبحانه - وإعلامهم بأن كل شىء خاضع لإرادته
ومشيئته، فهو الفاعل المختار الذى لا يجب عليه شىء، ولا حق لأحد عليه (إن
ربك فعال لما يريد )
وليس المقصود من هذا الإستثناء وأمثاله ، نفى خلودهم فى النار، لأنه
لا يلزم من الاستثناء المعلق على المشيئة وقوع المشيئة، ولأنه قد أخبرها
- سبحانه - فى كتابه بخلود الكافرين خلودا أبديا فى النار .
قال - تعالى - إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم
طريقا . إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدا وكان ذلك على الله يسيرا) (١)
وشبيه بهذا الاستثناء ما حكاه - سبحانه - عن نبيه شعيب - عليه السلام -
فى قوله :
((قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك ياشعيب والذين آمنوا"
ممك من قريقنا أو لتعودن فى ملتنا قال أو لو كنا كارهين . قد افترينا على الله
كدبا أن عدنا فى ملتسكم بعد إذ نجانا اله منها ، وما يكون لنا أن نعود فيها
إلا أن يشاء الله ربنا، وسع ربنا كل شىء علما ...... (٢).
(١) سورة النساء. الآيتان ١٦٧، ١٦٨
(٢) راجع تفسيرنا لسورة الأعراف ص١٢٠.

- ١٦٨ -
فشعيب - عليه السلام - مع ثقته المطلقة فى أنه لن يعود هو وأتباعه إلى
ملة الكفر ، نراه يفوض الأمر إلى مشيئة الله قأدبا معه - سبحانه - ...
فيقول: وما يكون لنا أن نعود فيها -- أى ملة الكفر - إلا أن يشاء
ربنا شيئا غير ذلك وهذا من الأدب العالى فى مخاطبة الأنبياء الخالقهم
- عز وجل - .
وقد ذكر كثير من المفسرين هذا القول ضمن الأقوال فى معنى الآية ،
وبعضهم اقتصر عليه ولم يذكر سواه ، ومن هذا البعض صاحب المنار ،
وصاحب محاسن التأويل ...
أما صاحب المنار فقد قال: قوله (( إلا ما شاء ربك)) أى: أن هذا الخلود
الدائم هو المعدلهم فى الآخرة .... إلا ماشاء ربك من تغيير فى هذا النظام
فى طور آخر ، فه إنما وضع بمشيئته ، وسيبقى فى قبضة مشيئته ، وقد عمد
مثل هذا الاستثناء فى سياق الأحكام القطعية للدلالة على تقييد تأبيدها بمشيئة
الله - تعالى .. فقط، لا لإفادة عدم عمومها ....... (١).
وأما صاحب محاسن التأويل فقد قال: فإن قلت: مامعنى الاستثناء بالمشيئة،
وقد ثبت خلود أهل الدارين فيهما من غير استثناء ؟
فالجواب : أن الاستثناء بالمشيئة قد استعمل فى أسلوب القرآن ، للدلالة
على الثبوت والاستمرار .
والنكتة فى الاستثناء بيان أن هذه الأمور الثابتة الدائمة ، إنما كانت
كذلك بمشيئة الله - تعالى - لا بطبيعتها فى نفسها، ولو شاء - تعالى - أن
بغيرها لفعل .
وابن كثير قد أشار إلى ذلك بقوله: (( يعنى أن دوامهم فيها ليس أمر
(١) تفسير المنار «١٢ ص٠١٦٠

- ١٦٩ -
واجبا بذاته، بل هو موكول إلى مشيئته - تعالى -،(١).
٢ - أن الاستثناء هنا خاص بالعصاة من المؤمنين.
ومن العلماء الذين رجحوا هذا القول الإمامان : ابن جرير وابن كثير .
أما ابن جرير فقد قال ماملخصه بعد أن سرد الأقوال فى ذلك :
((وأولى الأقوال فى تأويل هذه الآية بالصواب، القول الذى ذكرناه
عن الضحاك وقتادة من أن ذلك استثناء فى أهل التوحيد من أهل الكبائر ،
أنه يدخلهم النار خالدين فيها أبدا، إلا ماشاء تركهم فيها أقل من ذلك ، ثم
يخرجهم فيدخلهم الجنة - أى العصاة من المؤمنين . .... ))(٢).
وأما ابن كثير فقد وضع ما اختاره ابن جرير ورجحه فقال ما ملخصه :
وقد اختلف المفسرون فى المراد من هذا الاستثناء على أقوال كثيرة ...
نقل كثيرا منها الإمام ابن جرير ، واختار : أن الاستثناء عائد على العصاة من
أهل التوحيد ، من يخرجهم الله من النار بشفاعة الشافعين، من الملائكة
والنبيين والمؤمنين، حين يشفعون فى أصحاب الكبائر ، ثم تأتى رحمة أرحم
الراحمين ، فتخرج من النار من لم يعمل خيرا قط ، وقال يوما من الدهر :
لا إله إلا الله، كما وردت بذلك الأخبار الصيحة المستفيضة عن رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - ، ولا يبقى بعد ذلك فى النار إلا من وجب عليه الخلود
فيها، ولا محيد له عنها ، وهذا الذى عليه كثير من العلماء قديما وحديثا فى تفسير
هذه الآية الكريمة ،(٢).
وقد ذكر الشيخ الشوكانى هذا القول ضمن حد عشر قولا فقال
ما ملخصه :
(١) تفسير القاسمى = ٩ ص ٠٣٤٨٦
(٢) تفسير ابن جرير «١٢ ص٠٧٠
(٣) تفسير ابن کثیر حـ ٤ ص٢٨١

- ١٧٠ -
وقوله (( إلا ماشاء ربك)): قد اختلف أهل العلم فى هذا الاستثناء على
أقوال منها :
(أ) أنه من قوله ((ففى النار)) كأنه قال: إلا ماشاء ربك من تأخير قوم
عن ذلك ...
(ب) أن الاستثثناء إنما هو العصاة من الموحدين، فإنهم يخرجون بعد مدة
من النار ، وعلى هذا يكون قوله ((فأما الذين شقوا، عاما فى الكفرة والعصاة،
ويكون الاستثناء (من خالدين، وتكون وما، بمعنى ((من))، وقد ثبت
بالأحاديث المتواترة قواترا يفيد العلم الضرورى بأنه يحرج من النار أهل
التوحيد، فكان ذلك مخصصا لكل عموم.
(جـ) أن الاستثناء من الزفير والشهيق. أى لهم فيها زفير وشهيق ، إلا
ماشاء ربك )، (ن أنواع العذاب غير الزفير والشهيق .... )، (١).
ويبدو لنا أن الرأى الأول أرجح الآراء، ويشهد لهدا قوله - تعالى-
بعد ذلك :
(( إن ربك فعال لما يريد)) أى فهو إن شاء غير ذلك فعله، وإن شاء ذلك
فعله، ماشاء من الأفعال كان وما لم يشأه لم يكن .
وجاء - سبحانه - بصيغة المبالغة, للإشارة إلى أنه - سبحانه - لا يتعاصى
عليه فعل من الأفعال بأى وجه من الوجوه .
ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة السعداء فقال: ((وأما الذين سعدوا)) أى
فى الآخرة بسبب إيمانهم وتقواهم فى الدنيا، ( ففى الجنة خالدين فيها إلا ماشاء
ربك عطاء غير مجذوذ ».
أى : عطاء منه - سبحانه - لهم غير مقطوع عنهم. يقال: جذ الشىء يجذه
١١) راجع تفسير الشوكانى = ٢ ص ٠٥٢٥

- ١٧١ -
جذا، أى: كسره وقطعه، ومنه الجذاذ - بضم الجيم - لما تكسر من
كما فى قوله - تعالى - حكاية عما فعله إبراهيم - عليه السلام- بالأصنام ..
جذاذا إلا كبيرا لهم)) ...
وبذلك نرى أن هذه الآيات قد فصلت أحوال السعداء . الأشا
تفصيلا يدعو العقلاء إلى أن يسلكوا طريق السعداء، وأن يتجنبواء
الأشقياء.
٥
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك من الآيات ما فيه تسلية للنبى - صلى الذ
وسلم - عما أصابه من قومه من أذى، ومافيه الثبيت لقلوب المؤمنين، و
إرشاد لهم إلى ما يقربهم من الخير، ويبعدهم عن الشر فقال - تعالى - :
((فلا تَكُ فِى مِرْيةٍ مما يعبدُ هؤلاء، ما يعبَدونَ إلاَّ كما يعبدٌّ
مِنْ قبلُ، وإنّا لِمُوفُوهُم نصيبهم غيرَ منقوص (١٠٩) ولقد آتيناً من
الكتابَ فاختُلِفَ فيه ولولاَ كلمةٌ سبقتْ مِنْ رَبِّك لقُضِىَ بيْ
وإِنَّهُمْ لفى شَكَّ مِنْهُ مُرِيبٌ (١١٠) وإنَّ كَلاَّ لمَّا ليُوفينّهم رَبُّك أم
إنّه بما يعمُلُونَ خبيرٌ (١١١) فاستقِمْ كما أُمِرِتَ ومَن تابَ معك:
تطفَوْا، إنّه بما تعملون بصيرٌ (١١٢) ولا تركنُوا إلى الذينَ.
فتمسّكُم النارُ وما لكُم من دونِ الله من أولياء ثم لا تنصرون (.
وأقم الصلاة طرَفى النهارِ وزُلَفَاً من الليلِ إِنّ الحسناتِ يَذْمِبْنَ السيد
ذلك ذِكْرَى الذاكرينَ (١١٤) واصبر فإن اللهَ لا يُضيعُ
المحسنينّ (١١٥))).
قال الفخر الرازى : اعلم أنه - تعالى - لما شرح أقاصيص عبدة الأ

- ١٧٢ -
ثم أتبعه بأحوال الأشقياء وأحوال السعداء شرح الرسول صلى الله عليه وسلم-
أحوال الكفار من قومه فقال: ((فلا تك فى مرية ... ، والمعنى: فلا تكن،
إلا أنه حذف النون لكثرة الاستعمال، ولأن حرف النون إذا وقع على
طرف الكلام ، لم يبق عند التلفظ، إلا مجرد الغنة ، فلا جرم أسقطوة .. » (١)
والمرية - بكسر الميم - الشك المتفرع عن محاجة ومجادلة بين المتخاصمين.
والمعنى: لقد قصصنا عليك أيها الرسول الكريم الكثير من أخبار السابقين
وبينا لك مصير السعداء والأشقياء ... وما دام الأمر كذلك، فلا تك فى شك.
من أن عبادة هؤلاء المشركين لأصنامهم إنما هى تقليد لما كان يعبده آباؤهم
من قبل ، وهذه العبادة لغير الله - تعالى - ستؤدى بالجميع إلى سوء العاقبة. وإلى
العذاب الأليم .
والخطاب وإن كان الرسول - صلى الله عليه وسلم- على سبيل التسلية
والتثبيت ، إلا أن التحذير فيه ينذرج تحت كل من يصلح للخطاب .
وهذا الأسلوب كثيرا ما يكون أوقع فى النفس، وأشد تأثيرا فى القلب،
لأنه يشعر المخاطب بأن ما بينه الله - تعالى - لرسوله -صلى الله عليه وسلم - إنما
هو من قبيل القضايا الموضوعية التى لا تحتاج إلى جدال مع أحد، ومن جادل
فيها فإنما يجادل فى الحق الواضح بدافع الحسد والعناد، لأن الواقع يشهد بصحة
ما بينه الله - تعالى - لرسوله - صلى الله عليه وسلم -.
وجملة (( ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل، مستأنفة، لبيان أن الخلف
قد ساروا فى الجهالة والجحود على طريقة السلف .
وعبر عن عبادة الآباء بالمضارع، مع أنها كانت فى الماضى بقرينة ((من
قبل)). للدلالة على استمرارهم على هذه العبادة الباطلة حتى موتهم، وأن
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٨ ص ٠٦٨

- ١٧٣ -
أبناؤهم لم ينقطعوا عنها، بل واصلوا السير على طريق آبائهم الضالين
تفكر أو تدبر .
والمضاف إليه فى قوله ((من قبل، محذوف، والتقدير : من قبلهم .
وقوله ((وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص، تذييل قصد به تأكيد (!
الذى سيزل بهم فى الآخرة بسبب عبادتهم لغير الله.
وموفوهم من التوفية، وهى إعطاء الشىء كاملا بدون نقص.
والمراد بالنصيب هنا: المقدار المعدلهم من العذاب، وسماه نصيبا على
التحکم بهم.
أى: وإنا لمعطو هؤلاء الذين فهجوا منهج آبائهم فى عبادة غير الله، فد
وحظهم من عذاب الآخرة كاملا بدون إنقاص شى. منه ، كما ساروا.
طريقة سلفهم فى الضلال دون أن يغيروا شيئا منها ...
ومنهم من جعل المراد بالنصيب منا: ما يشمل الجزاء على الأعمال الد
والأخروية .
قال صاحب المنار: أى . وإنا لمعطوهم نصيبهم من جزاء أعمالهم فى
والآخرة وافيا تاما لا ينقص منه شىء، كما وفينا آباءهم الأولين من
فإنه ما من خير يعمله احد منهم كبر الوالدين وصلة الأرحام ... إلاويه
أقه جزاءهم عليه فى الدنيا بسعة الرزق، وكشف الضر جزاء تاما، لا يز
شىء يجزون عليه فى الآخرة .... »(١)
ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب ، لأن سباق
الكريمة يؤيده إذ الكلام فيها فى شأن جزاء الذين ساروا على نهج آباء
الضلال ، وليس فى بيان الجزاء العام فى الدنيا والآخرة.
(١) تفسير المنار جـ ١٢ ص ٠١٦٢

- ١٧٤ -
ثم بين - سبحانه - أن اختلاف الناس فى الحق موجود قبل بعثة النبي
- صلى الله عليه وسلم - فقال: ((ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه .. ))
أى: كما اختلف قومك - أيها الرسول الكريم - فى شأن القرآن الكريم
فمنهم من وصفه بأنه أساطير الأولين ، فقد اختلف قوم موسى من قبلك فى
شأن التوراة التى أنزلها الله على نبيهم موسى لهدايتهم ، إذ منهم من آمن بها
ومنهم من كفر ...
ومادام الأمر كذلك، فلا تحزن - أيها الرسول الكريم - لاختلاف قومك
فى شأن القرآن الكريم ، فإن هذا الاختلاف شأن الناس فى كل زمان ومكان
والمصيبة إذا عمت خفت .
فالجملة الكريمة تسلية للرسول - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه من
مشركی قو ہه .
وجاء الفعل ((اختلف ، بصيغة المبنى للمجهول، لأن ذكر فاعل الاختلاف
لا يتعلق به غرض، وإنما الذى يتعلق به الغرض هو مانجم عن هذا الاختلاف
من كفر وضلال .
ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر فضله ورحمته بخلقه فقال: ((ولولا
كلمة سبقت من ربك لقضى بينهم ... .
والمرد بالكلمة التى سبقت : تاخير العذاب عنهم إلى يوم القيامة ، وعدم
إهلاكهم بعذاب الاستئصال فى الدنيا .
قال الشوكانى: قوله - سبحانه - ((ولولا كلمة سبقت من ربك لقضى
بينهم .. )، أى: لولا أن الله - تعالى - قد حكم بنا خير عذابهم إلى يوم القيامة
لما علم فى ذلك من الصلاح، لقضى بينهم، أى: بين قومك ، أو بين قوم موسى،
فيما كانوا فيه مختلفين ، فأثيب المحق وعذب المبطل ، أو الكلمة : هى أن
رحمته سبحانه سبقت غضبه ، فأمهلهم ولم يعاجلهم لذلك .

- ١٧٥ -
وقيل إن الكلمة هى أنهم لا يعذبون بعذاب الاستئصال. وهذا من جـ
التسلية له - صلى الله عليه وسلم -، (١) .
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: ((وإنهم لفي شك منه مريب
والمريب اسم فاعل من أراب . يقال أربته فاذما أريبه إذا فعلت به فى
يوجب لديه الريبة والحيرة .
أى : وإن هؤلاء المختلفين فى شأن الكتاب لفي شك منه، وهذا اث
قد أوقعهم فى الريبة والحيرة والتخبط والاضطراب .
وهذا شأن المعرضيين عن الحق، لا يجدون مجالا لنقده وإنكاره، فيحد
عنادهم وجحودهم على التشكيك فيه، وتأويله تأويلا سقيما بدءو
الريبة والقلق .
وبعض المفسرين يرى عودة الضمير فى قوله ((وإنهم، إلى قوم موس
وفى قوله (( منه، إلى كتابهم التوراة.
وبعضهم برى عودة الضمير الأول إلى قوم النبي - صلى الله عليه وسـ
والثانى إلى القرآن الكريم.
والذى يبدو لنا أن الرأى الأول أظهر فى معنى الآية، لأن المكلا
موسى - عليه السلام وقومه الذين اختلفوا فى شأن كتابهم التوراة اخذ
كبيرا، وعود الضمير إلى المتكلم عنه أولى بالقبول .
وهذا لا يمنع أن بعض المكذبين للرسول - صلى الله عليه وسلم - ؟
فى شك من القرآن ، أوقعهم هذا الشك فى الريبة والحيرة.
فتمكون الجمله الكريمة من باب التسلية للرسول - صلى الله عليه وس.
عما قاله بعض المشركين فى شأن القرآن الكريم.
(١) تفسير فتح القدير للشوكانى = ٢ ص ٥٢٩

- ١٧٦ -
ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المختلفين فى شأن الكتاب، الشاكين فى
صدقة، سوف يجمعهم الله - تعالى - مع غيرهم يوم القيامة للجزاء والحساب
على أعمالهم فقال - تعالى - ((وإن كلا لما ليوفيهم ربك أعمالهم إنه بما يعملون
خبير ).
وقد وردت فى هذه الآية الكريمة عدة قراءات متواترة (!) منها: قراءة
ابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم بتشديد (( إن ولماء، وقد قيل فى
تخريجها :
إن لفظ (( كلا، اسم إن، والتنوين فيه عوض عن المضاف إليه، واللام
فى (( لما، هى الداخلة فى خبر ((إن))، وما بعد اللام هو حرف ((من)) الذمى
هو من حروف الجر، و((ما)، موصولة أو نكرة موصوفة والمرادبها من
يعقل. فيكون تقدير الكلام: وإن كلا« لمن ما ، فقلبت النون فيما الإدغام
فاجتمع ثلاث ميمات ، حذفت واحدة منها للتخفيف، فصارت للماء والجار
والمجرور خبر (إن))، واللام فى ((ليوفينهم) جواب قسم مضمر، والجملة
صلة أو صفة (( لما)،.
والتقدير: وإن كلا من أولئك المختلفين وغيرهم لمن خلق الله الذين هم بحق
ربك ليوفينهم - سبحانه - جزاء أعمالهم دون أن يفلت منهم أحد، إنه
- سبحانه - لا يخفى عليه شيء منها .
وفى الآية الكريمة توكيدات متنوعة ، حتى لا يعك فى نزول العذاب
بالظالمين مهما تأجل، وحتى لايشك أحد - أيضا - فى أن ما عليه المشركون
هو الباطل الذى لا يعرفه الحق، وأنه الكفر الذى تلقاه الخلف عن السلف.
(١) لمعرفة هذه القراءات راجع حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٤٢٦
وتفسير الآلوسي جـ ١٢ ص ١٣٣ ٠

- ١٧٧ -
وكان مقتضى حال الدعوة الإسلامية فى تلك الفترة التى نزلت فيها
هذه السورة - وهى فترة ما بعد حادث الإسراء والمعراج وقبل الهجرة -
يستلزم هذه التأكيدات تثبيتا لقلوب المؤمنين، وتومينا الشرك والمشركين .
قا الإمام الفخر الرازى عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : سمعت بعض
الأفاضل قال: إنه - تعالى- لما أخبر عن توفية الأجزية على المستحقين
فى هذه الآية ، ذكر فيها سبعة أنواع من التأكيدات :
أولا: كلمة« إن، وهى للتأكيد، وثانيها كلمة «كل، وهى أيضا للتأكيد،
وثالثها: اللام الداخلة على خبر ((إن، وهى تفيد التأكيد - أيضا -، ورابعا:
حرف (( ما، إذا جعلناه على قول الفراء موصولا، وخامسها: القسم المضمر
فإن تقدير الكلام: وإن جميعهم والله ليوفينهم: وسادسها: اللام الثانية الداخلة
على جواب القسم، وسابعها : النون المؤكدة فى قوله (( ليوفينهم)).
نجميع هذه المؤكدات التبعة تدل على أن أمر القيامة والحساب والجزاء
حق ..... (١)
ثم أمر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - وأتباعه بالتزام
الصراط المستقيم فقال - سبحانه -: ((فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا
قطفوا إنه بما تعملون بصير » .
والفاء للتفريع على ما تقدم من الأوامر والنواهى .
والاستقامة - كما يقول القرطى - هى الاستمرار فى جهة واحدة من غير
أخذ فى جهة اليمين والشمال .... (٢) .
والطغيان : مجاوزة الحد . ومنه طفا الماء . أى ارتفع وتجاوز
الحدود المناسبة .
(١) تفسير الفخر الرازى = ١٨ ص ٧٠
(٢) تفسير القرطى < ٩ ص ١٣٦.
(١٢ - سورة هود)

- ١٧٨
والمعنى: لقد علمت - أيها الرسول الكريم - حال السعداء وحال الأشقياء،
وعرفت أن كل مكلف سيوفى جزاء أعماله ....
وما دام الأمر كذلك فالزم أنت ومن معك من المؤمنين طريق الاستقامة
على الحق ، وداوموا على ذلك كما أمركم الله، بدون إفراط أو تفريط، واحذروا
أن تتجاوزوا حدود الاعتدال فى كل أقوالكم وأعمالكم .
ووجه - سبحانه - الأمر بالاستقامة إلى النبى - صلى الله عليه وسلم -
تنويها بشأنه، وليبنى عليه قوله - ((كما أمرت))، فيشير بذلك إلى أنه - عليه
الصلاة و السلام - هو وحده المتلقى للأوامر الشرعية من الله - تعالى -.
وفد جمع قوله - تعالى - ((فاستقم كما أمرت)) أصول الإصلاح الدين
وفروعه، كما جمع قوله - تعالى -,ولا تطغوا، أصول النهى عن المفاسد
وفروعه ، فمكافت الآية الكريمة بذلك جامعة لإقامة المصالح ولدرء المفاسد.
قال الإمام ابن كثير ما ملخصه : يأمر أقه - تعالى - رسوله وعباده
المؤمنين فى هذه الآية بالثبات والدوام على الاستقامة ، لأن ذلك من العون
على النصر على الأعداء ، وينهاهم عن الطغيان وهو البغى ، لأنه مصرعته حتى
ولو كان على مشرك».
وقال الألوسى : والاستقامة كلمة جامعة لكل ما يتعلق بالعلم والعمل
وسائر الأخلاق
أخرج ابن أبى حاتم وأبو الشيح عن الحسن أنه قال ، لما نزلت هذه
الآبه قال - صلى الله عليه وسلم - شمروا شمروا، وما رؤى بعد ضاحكا)).
وعن ابن عباس قال : ما نزلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
آية ألحد من هذه الآيه ولا أشق)(١).
وفى صحيح مسلم عن سفيان بن عبد الله الثقفى قال : قلت يارسول أفقه ،
(١) تفسير الآلوسي - ١٢ ص ١٣٦.

- ١٧٩ -
تقل لى فى الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك. قال: ((قل آمنت بالله ثم
استقم » (١).
وجملة ((إنه بما تعملون بصير)) تعليل للأمر بالإستقامة والنهى عن الطغيان.
أى: الزموا المنهج القويم، وابتعدوا عن الطغيان ، لأنه - سبحانه -
ماطع على أعمالكم اطلاع المبصر ، العليم بظواهرها وبواطنها ، وسيجازيكم
يوم القيامة عليها بما تستحقون من ثواب أو عقاب .
ثم نهى - سبحانه - بعد ذلك عن الميل إلى الظالمين فقال: ((ولا تركنوا
إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون).
-
والركون إلى الشىء: الميل إليه. يقال ركن فلان إلى فلان، إذا مال
إليه بقلب، واعتمد عليه فى قضاء مصالحه ..
والمراد بالذين ظلموا هنا: ما يتناول المشركين وغيرهم من الظالمين الذين
يعتدون على حقوق الغير ، ويستحلون من محارم الله ...
والمعنى: واحذروا - أيها المؤمنون - أن تميلوا إلى الظالمين ؛ أو تسكنوا
إليهم، لأن ذلك يؤدى إلى تقوية جانبهم . وإضعاف جانب الحق والعدل ..
قال بعض العلماء : ويستثنى من ذلك للضرورة صحبة الظالم على التقية مع
حرمة الميل القلب إليه .
وقوله (فنمسكم النار)) أى فتصيبكم الغاوبسبب ميلكم إليهم، والاعتماد
عليهم ، والرضا بأفعالهم.
وقوله ((وما لكم من دون الله من أولياء)) فى موضع الحال من
ضمير « تمسكم)).
أى: ((الحال أنه ليس لكم من غير الله من قصراء ينصرونكم من العذاب
(١) تفسير القرطبى - ٩ ص٠١٠٧

- ١٨٠ -
النازل بكم ، بسبب وكوتكم إلى الذين ظلموا ومجالستهم وزيارتهم
ومداهنتهم ...
وثم فى قوله ((ثم لا تنصرون) للتراخى الرقى. أى ثم لا تجدون بعد
ذلك من ينصركم بأى حال من الأحوال ، لأن الظالمين مالهم من أنصار .
قال بعض العلماء : الآيه أبلغ ما يتصور فى النهى عن الظلم، والتهديد عليه،
لأن هذا الوعيد الشديد إذا كان فيمن ير كن إلى الذين ظلموا فكيف يكون
حال من ينغمس فى حماته ؟ !!
ثم قال: وقد وسع العلماء فى ذلك وشددوا، والحق أن الحالات تختلف،
والأعمال بالنيات . والتفصيل أولى .
فإن كانت المخالطة لدفع منكر، أو للاستعانة على إحقاق الحق، أو
جلب الخير ...
فلا حرج فى ذلك . وإن كانت لإيناسهم وإقرارهم على ظلمهم فلا .. ، (١).
ثم أرشد - سبحانه - عباده المؤمنين إلى ما يعينهم على الاستقامة وعلى
عدم الركون إلى الظالمين ، فقال: ((وأقم الصلاة طر فى النهار وزلفا من
اللقل ، إن الحسنات يذهبن السيئات، ذلك ذكرى للذاكرين ...
والمراد بإقامتها. الإنيان بها فى أوقاتها كاملة الأركان والخشوعوالإخلاص
لله رب العالمين .
والمراد بالصلاة هنا : الصلاة المفروضة .
قال القرطى : لم يختلف أحد من أهل التأويل فى أن الصلاة فى هذه الآية،
المراد بها الصلوات المفروضة . وخصها بالذكر لأنها ثانية أركان الإسلام ،
وإليها يفزع فى النوائب، وكان النبى - صلى الله عليه وسلم - إذا
(١) تفسير القاسمى - بتصرف يسير - حـ ٩ ص ٠٣٤٩١