النص المفهرس

صفحات 141-160

- ١٤١ ٠٫
هذا، وقولة - سبحانه - (وإلى مدين أخاهم : ميبا ... ) معطوف على ماسبة
من قصة صالح - عليه السلام - عطف القصة على القصة.
أى: وكما أرسلنا صالحا- عليه السلام - إلى ثمود، فقد أرسلها إلى أهـ
مدين أخاهم شعيبا - عليه السلام - فقال لهم مقالة كل فى لقومه: يا قو
أعبدوا الله وحده، فإنكم لا إله لكم على الحقيقة سواه، فهو الذى خلقكم
وهو الذى رزقكم، وهو الذى إليه مرجعكم ...
ثم بعد أن أمرهم بإخلاص العبادة لله، نها هم عن التطفيف فى الكيل والميزان
فقال: ( ولا تنقصوا المكيال والميزان ).
والمكيال والميزان: إسمان للآلة التى يكال بها ويوزن .
ونقص الكيل والميزان يكون من وجهين: أحدهما أن يكون الاستنقاص
من جهتهم إذا باعوا لغيرهم.
وثانيهما : أن يكون الاستنقاص من جهة غيرهم إذا اشتروا منه، بأن
يأخذوا منه أكثر من حقهم .
فكأنه - عليه السلام - يقول لهم: لا تنقصوا المكيال والميزان لا عند
الأخذ ولا عند الإعطاء، فلا تعطوا غيركم أقل من حقه إذا بعتم، ولا تأخذو
منه أكثر من حقكم إذا اشتريتم .
وإلى هذين الأمرين أشار قوله - تعالى - (ويل للمطففين الذين إذا
اكتالوا على الناس يستوفون، وإذا كالوهم أو وزفوهم يخسرون ... )
ثم بين لهم الأسباب التى دعته إلى أمرهم ونهيهم فقال: (إنى أراكم بخير
وإنى أخاف عليكم عذاب يوم محيط )
والخير : كلمة جامعة لكل ما يرضى الإنسان ويغنيه ويحره.
ومحيط : أى شامل بحيث لا يستطيع أحد الافلات منه. كما يحيط الظرف
بالمظروف ...

- ١٤٢ -٠
أى: أخلصوا لله عبادتكم ، والتزموا العدل فى معاملاتكم، فإنى أراكم
علكون الوفير من المال، وتعيشون فى رعد من العيش، وفى بسطة من
الرزق، ومن كان كذلك فمن الواجب عليه أن يقابل هذه النعم بالشكر
لواهبها وهو الله - تعالى -، وأن يستعملها إستعمالا يرضيه، وأن يعطى
کل ذی حق حقه .
وإنى - أيضا - أخاف عليكم إذا ما تماديتم فى مخالفة ما آمركم به وما أنها كم
عنه، عذاب يوم أمواله وآلامه شاملة لكل ظالم، بحيث لا يستطيع أن
يهرب منها ...
قال الشوكانى: وصف - سبحانه - اليوم بالإحاطة ، والمراد العذاب
لأن العذاب واقع فى اليوم. ومعنى إحاطة عذاب اليوم بهم، أنهم لا يشذ منهم.
أحد عنه، ولا يحدون منه ملجأ ولا مهربا،(1) .
فأنت ترى أن شعيبا - عليه السلام - بعد أن أمرهم بما يصلح عقيدتهم
ونهاهم عما يفسد معاملاتهم وأخلاقهم .... ذكرهم بما هم فيه من نعمة وغنى
قطعا لعذرهم حتى لا يقولوا له نحن فى حاجة إلى تطفيف المكيال والميزان
لفقرنا، ثم أخبرهم بأنه ماحمله على هذا النصح لهم إلا خوفه عليهم.
ثم واصل شعيب - عليه السلام - نصحه لقومه، فأمرهم بالوفاء بعدأن
نهاهم عن النقص على سبيل التأكيد، وزيادة الترغيب فى دعوته فقال: ((وياقوم
أوفوا المكيال والميزان بالقسط ، ....
أى: ويا قوم أوفوا عند معاملاتكم أدوات كيلكم وأدوات وزنكم،
ملتزمين فى كل أحوالكم العدل والقسط .
((ولا تبخسوا الناس أشياءهم ... ، أى: ولا تنقصوم شيئا من حقوقهم.
(١) تفسير فتح القدير للشوكانى ج ٢ ص ٠٥١٨

- ١٤٣ -٠
يقال: بخ فلان فلانا حقه إذا ظلمه وانتقصه . وهو يشمل النقص والعيب
فى كل شىء ..
والجملة الكريمة تعميم بعد تخصيص ، لكى تشمل غير المكيل والموزون
كالمزروع والمعدود، والجيد والردى . ...
قال الجمل ماملخصه: وقد كرر - سبحانه - نههم عن النقص والبخس
وأمرهم بالوفاء .. لأن القوم لما كانوا مصرين على ذلك العمل القبيح، وهو
تطفيف الكيل والميزان ومنع الناس حقوقهم، احتيج فى المفع منه إلى المبالغة
فى التأكيد، ولاشك أن التكرير يفيد شدة الاهتمام والعناية بالمأمور به والمنهى
عنه، فلهذا كرر ذلك ليقوى الزجر والمنع من ذلك الفعل ... »(١)
وقوله: ((ولا تعثوا فى الأرض مفسدين ، تحذير لهم من البطر والغرور
واستعمال فعم الله فى غير ماخلقت له .
قال ابن جرير: وأصل العثى شدة الإفساد ، بل هو أشد الإفساد. يقال
١
عنى فلان فى الأرض يعنى - كرضى برضى- إذا تجاوز الحد فى الإفساد ... (٢)
أى: ولا تسعوا فى أرض الله بالفساد، وتقابلوا نعمه بالمعاصى، فتسلب
عنكم ثم أرشدهم إلى أن ما عند الله خير وأبقى مما يجمعونه عن الطريق الحرام
فقال: ( بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ)).
ولفظ « بقية، أسم مصدر من الفحل بقى ضدفنى. وإضافتها إلى الله - تعالى-
إضافة تشريف وقيمن .
أی : مایبقیه الله لکم من رزق حلال ، ومن حال صالح، ومن ذ کر
حسن، وهن أمن وبركه فى حياتكم ... بسبب التزامكم بالقسط فى معاملاتكم،
وهو خير لكم من المال الكثير الذى تجمعونه عن طريق بخس الناس أشياءهم.
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص٠٤١٦
(٢) تفسير ابن جرير جـ١ ص ٣٠٨.

- ١٤٤ -
وجملة (( إن كنتم مؤمنين)) معترضة لبيان أن هذه الخيرية لا تتم إلا مع
الإيمان .
أبى: ما يبقيه الله لكم من الحلال ... هو خير لكم، إن كنتم مصدقين
بما أرسلت به إليكم، أما إذا لم تكونوا كذلك فلن تكون بقية الله خير الكم،
لأنها لا تكون إلا للمؤمنين، قاستجيبوا لنصيحتى لتسعدوا فى دنياكم وآخرتكم.
وجملة (( وما أنا عليكم بحفيظ، تحذير لهم من مخالفته بعد أن أدى ما عليه
من بلاغ .
أى: وما أنا عليكم بحفيظ أحفظ لكم أعمالكم وأحاسيكم عليها ،
وأجازيكم بها الجزاء الذى تستحقونه. وإنما أنا ناصح ومبلغ ما أمرنى دبى
بتبليغه، وهو وحده - سبحانه - الذى سيتولى مجازاتكم.
وإلى هنا نجد شعيبا - عليه السلام - قد أرشد قومه إلى ما يصلحهم فى
عقائدهم ، وفى معاملاتهم ، وفى صلاقهم بعضهم ببعض، وفى سلوكهم الشخصى،
بأسلوب حكيم جامع لكل ما يسعد ويهدى التى هى أقوم ،.
فماذا كان رد قومه عليه ؟
لقد كان ردهم عليه - كما حكاه القرآن الكريم - طافا بالاستهزاء به،
والسخرية منه ، فقد قالوا له: « يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد
آباؤنا، أو أن نفعل فى أموالنا مانشاء، إنك لأنت الحليم الرشيد )).
أى: قال قوم شعيب له - على سبيل التهكم والاستهزاء - : ياشعيب
أصلاتك - التى تزعم أن ربك كلفك بها والتى أنت تكثر منها - تأمرك أن
فترك عبادة الأصنام التى وجدنا عليها آباءنا؟ والاستفهام للإنكار والتعجب
من شأنه .
وأسندوا الأمر إلى الصلاة من بين سائر العبادات التى كان يفعلها، لأنه
- عليه السلام - كان كثير الصلاة، وكانوا إذا رأوه يصلى سخر وامنه.

- 129 -
وجملة (( أو أن تفعل فى أموالنا مانشاء، إنكار منهم لترك ماتعودوه من
نقص الكيل وأنيزان بعد إنكارهم لترك عبادة الأصنام.
وهی معطوفة على (( ما ، فى قوله ، ما يعبد آباؤنا ، و(( أو ، بمعنى الواو.
أى: أصلاتك تأمرك أن نترك عبادة الأصنام، وتأمرك أن نترك ما تعودفة
فعله فى أموالنا من التطفيف فى الكيل والميزان ...
إن كانت صلاتك تأمرك بذلك ، فهى فى نظر نا صلاة باطلة ، لاوزن لها
عندنا ، بل نحن نراها لونا من ألوان جنونك ومذيانك ...
وجملة (( إنك لأنت الحليم الرشيد)) زيادة منهم فى السخرية منه - عليه
السلام - وفى التهكم عليه ، فكأنهم - قبحهم الله - يقولون له: كيف
تأمرنا بترك عبادة الأصنام ، وبترك النقص فى الكيل والميزان ، مع علمك
اليقينى بأن هذين الأمرين قد بنينا عليهما حياتنا ، ومع زعمك لنا بأنك أنت
الحليم الذى يتأنى ويتروى فى أحكامه، الرشيد الذى يرشد غيره إلى ما ينفعه؟
إن هذين الوصفين لايليقان بك ، مادمت تأمرنا بذلك، وإنما اللائق بك
أضدادهما ، أى الجهالة والسفه والعجلة فى الأحكام .
قال صاحب الكثاف: وأرادوا بقولهم: ((إنك لأنت الحليم الرشيد))
نسبته إلى غاية السفه والغى ، فعكسوا ليتهكوا به، كما يتهكم بالشحيح الذى
لابيض حجره، فيقال له: لو أبصرك حاتم السجد لك. وقيل معناه: إنك
للمتواصف بالحلم والرشد فى قومك . يعنون أن ما تأمر به لا يطابق حالك
وما اشتهرت به ... )) (١)
هكذا رد قوم شعيب عليه، وهو رد يحمل السخرية فى كل مقطع من
مقاطعه، ولكنها سخرية الشخص الذى أخطمست بصيرته ، وقبحت سريرته !!
(١) تفسير الكشاف = ٢ ص ٠٢٨٧
(١٠ - سورة هود)

- ١٤٦ -
ومع كل هذه السفاهة ؛ نرى شعيبا - عليه السلام - وهو خطيب الأنبياء-
يتغاضى عن سفاهاتهم ، لأنه يحس بقصورهم وجهلهم، كما يحس بقوة الحق
الذى أتاهم به من عند ربه، فيرد عليهم بقوله: (( قال ياقوم أرأيتم إن كنت
على بينة من ربى ... ، والبيئة : ما يتبين به الحق من الباطل ، ويتميز به الهدى
من الضلال .
أى : قال شعيب لقومه بأسلوب مهذب حكيم: يا قوم أخبرونى إن كنت
على حجة واضحة ، وبصيرة مستنيرة منحنى إياها ربى ومالك أمرى .
((ورزقنى منه) - سبحانه - «رزقا حسنا، يتمثل فى النبوة التى كرمنى
بها ، وفى المال الحلال الذى بين يدى ، وفى الحياة الطيبة التى أحياها.
وجواب الشرط محذوف والتقدير: أخبرونى إن كنت كذلك . هل يليق فى
بعد ذلك أن أخالف أمره مسايرة لأهوائكم؟ كلا إنه لا يليق بی ذلك ، وإنما
اللائق بى أن أبلغ جميع ما أمرفى بتبليغه بدون خوف أو تقصير .
ثم يكثف لهم عن أخلاقة وسلوكه معهم فيقول: ((وما أريد أن أُخالفكم
إلى ما أنها كم عنه .... )
أى: ما أريد بأمرى لكم بعبادة الله وحده، وبنهي إيا كم عن التطفيف
والبخس، مجرد مخالفتكم ومنازعتكم ومعا كستمكم، أو أن آمركم بشىء
ثم لا أفعله ، أو أنها كم عنه ثم أفعله ، من أجل تحقيق منفعة دنيوية ..
كلا، كلا إنى لا أريد شيئاً من ذلك وإنما أنا إنسان يطابق قولى فعلى،
وأختار لكم ما أختاره لنفسى .
قال صاحب الكشاف ما ملخصه: قوله ( وما أريد أن أخالفكم إلى
ما أنها كم عنه ، يقال: خالفنى فلان إلى كذا : إذا قصده وأنت مول عنه.
وخالفنى عنه : إذًا ولى عنه وأنت تقصده .
وبلقاك الرجل صادرا عن الماء فتسأله عن صاحبه فيقول: خالفنى إلى

- ١٤٧ --
الماء . يريد أنه ذهب إليه واردا، وهو ذهب عنه صادرا، ومنه قولهسبحانه:
(( وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنها كم عنه، يعنى: ما أريد أن أسبقكم إلى
شهواتكم التى نهيتكم عنها لأستبد بها دونكم ،(١).
وقال الإمام ابن كثير . وعن مسروق أن امرأة جاءت إلى ابن مسعود
- رضى الله عنه - فقالت له: أأنت الذى تنهى عن المواصلة - أى التى تصل
شعرها بشعر آخر -؟ قال: نعم. فقالت: فلعله فى بعض نسائك . فقال :
ما حفظت إذاً وصية العبد الصالح (( وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنها كمعنه))(1).
١-
ثم يبين لهم أنه ما يريد لهم إلا الإصلاح فيقول: ((إن أريد إلا الإصلاح
ما استطعت ... )
أى: ما أريد بما أنصحكم به إلا إصلا حكم وسعادتكم ، ومادمت أستطيع
ذلك، وأقدر عليه ، فلن أقصر فى إسداء الهداية لكم .
ثم يفوض الأمور إلى الله - تعالى - فيقول: وما توفيقي إلا بالله، عليه
تو کلت و الیہ أنیب» .
أی : وما توفیقی فیما أدعوكم إليه من خير أو أنها کم عنه من شر إلا بتأييد
الله وعونه ، فهو وحده الذى عليه أتوكل وأعتمد فى كل شئونى، وهو وحده
الذى إليه أرجع فى كل أمورى .
ثم يواصل شعيب - عليه السلام - نصحه لقومه، فينتقل بهم إلى تذكيرم
بمصارع السابقين، محذراً إياهم من أن يكون مصيرهم كمصير الظالمين من قبلهم
.فيقول: ويا قوم لا يجر منكم شقافى أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح ، أو
قوم هود، أو قوم صالح ... ))
(١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٠٢٨٧
(٢) تفسير ابن كثير جـ ٤ صـ ٢٧٥

-١٤٨ ٠٠٠
ومعنى (( لا يجر منكم، لا يحملنكم، مأخوذ من جرمه على كذا، إذا حمله علي
أو بمعنى لا يكسبنكم من جرم بمعنى كسب ، غير أنه لا يكون إلا فى كسـ
مالا خير فيه . ومنه الجريمة ، وهى اقتراف الجرم والذقب .
وأصل الجرم: قطع الثمرة من الشجرة، وأطلق على الكسب، لأن الكاسم
لشىء ينقطع له .
وقوله ((شقاقى)) من الشقاق بمعنى الخلاف والعداوة، كأن كل وأح
من المتعاديين فى شق غير الشق الذى يكون فيه الآخر. والدق : الجانب.
والمعنى، وياقوم لاتحملنكم عداوتكم لى، على افتراء الكذب على، وم
التمادى فى عصيانى ومحاربتى. فإن ذلك سيؤدى بكم إلى أن يصيبكم المذاء
الذى أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح .
وقوله : ((وما قوم لوط منكم يبعيد، تذكير لهم بأقرب المهلكين اليهم .
ء
أى: إذا كنتم لم تتعظوا بما أصاب قوم نوح من غرق، وبما أصاب قو
هود من ريح دمرتهم ، وبما أصاب قوم صالح من صيحة أهلكتهم ، فاتعظو
بما أصاب قوم لوط من عذاب جعل أعلى مساكنهم أسفلها ، وهم ليسوا بعيده
عنكم لافى الزمان ولا فى المكان .
قال الشيخ الفاضل بن عاشور: والمراد بالبعد - فى قوله: وما قوم لوه
منبكم بيعيد - بعد الزمن والمكان والنسب.
فزمن لوط - عليه السلام - غير بعيد من زمن شعيب - عليه السلام -.
وديار قوم لوط قريبة من ديار قوم شعيب، إذ منازل مدين عند عق
أيلة بجوار معان بما يلى الحجاز، وديار قوم لوط بناحية الأردن !!
البحر الميت.
وكان مدين بن ابراهيم - عليهما السلام - وهو جد قبيلة شعيب، المسم

- ١٤٩-
باسمه، متروجا بابنة لوط،(١).
.. ثم فتح لهم بعد ذلك باب الأمل فى رحمة انه ، إن هم تابوا اليه - سبحانه -
وأنابوا فقال : «واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربی رحيم ودود)).
أى: واستغفروا ربكم من كل مافرط منكم من ذنوب ثم توبوا إليه
قوبة صادقة نصوحا :
((أن ربى)، ومالك أمرى ((رحيم، أي: واسع الرحمة لمن تاب إليه («ودود)
أى: كثير الود والمحبة لمن أطاعه .
وهكذا نجد شعيبا - عليه السلام - وهو خطيب الأنبياء - يلون لقومه
النصح، وينوع لهم المواعظ . ويطوف بهم فى مجالات الترغيب والترهيب ..
ولكن القوم كانوا قد بلغوا من الفساد نهايته، ومن الجهل أقصاه ...
فقد ردوا على هذه النصائح الغالية بقولهم : «قالوا ياشعيب ما نفقه كثيرا
ما تقول ٠ .. ،
أى: قال قوم شعيب له على سبيل التحدى والتكذيب: ياشعيب إقنا
لا نفهم الكثير من قولك ، لأنه قول لم نألفه ولم تتقبله نفوسنا، ولقد أطلت
فى دعوتنا إلى عبادة الله وترك النقص فى الكيل والميزان حتى مللنا دعوتك
وستمناها، وصارت ثقيلة على مسامعنا، وخافية على عقولنا ..
فرادهم بهذه الجملة الاستهانة به، والصدود عنه، كما يقول الرجل لمن
لا يعبأ بحديثه: لا أدرى ما تقوله، ولا أفهم ما تتفوه به من ألفاظ .
قال: أبو السعود ما ملخصه: والفقه : معرفة غرض المتكلم من كلامه ،
أى: ما ففهم مرادك وإنما قالوا ذلك بعد أن سمعوا منه دلائل الحق البين على
أحسن وجه وأبلغه، وضاقت عليهم الحيل ، فلم يجدوا إلى محاورته سبيلا ...
١٤) تفسير التحرير والتنوير حـ ١٢ ص ١٤٧ للشيخ محمد الطاهر بن عاشور

- ١٥٠ -
كما هو ديدن المفحم المحجوج، يقابل النصائح البينات بالحب والإيران
والإرعاد .... إذ جعلوا كلامه المشتمل على الحكم من قبيل مالا يغم
محناد ..... (١)
ثم قالوا له - ثانيا - «وإنا لنراك فينا ضعيفا، أى: لاقوة لك إلى جاز
قوتنا، ولا قدرة عندك على مقاومتنا إن أردنا قتلك أو طردك من قريتنا.
ثم قالوا له -. ثالثا - (( ولولا رهطك لرجهناك، ورهط الرجل: فود
وعشيرته الأقربون . ومنه الراهط لجحر اليربوع، لأنه يحتمى فيه ...
ولفظ ( الرهط ) اسم جمع يطلق غالبا على العصابة دون العشرة.
(أرجال ليس فيهم امرأة .
أى : ولولا عشيرتك التى هى على ملتنا وشريعتنا ارجمناك بالحجارة .
تموت، ولكن مجاملتنا لعشيرتك التى كفرت بك هى التى جعلتنا نبقى عليك
ثم قالوا له - رابعا - (وما أنت علينا بعزيز) أى: وما أنت علينا بمكر
أو محبوب أو قوى حتى نمتنع عن رجمك ، بل أنت فيما الضعيف
..
المكروه.
وهنا نجد شعبيا - عليه السلام - ينتقل فى أسلوب مخاطبته لهم من اللين!
الشدة ، ومن التلطف إلى الإنكار ، دفاعا عن جلال ربه - سبحانه - فيقو
لهم : (قال ياقوم أرهطى أعز عليكم من الله ... )
أى: أرهطى وعشيرتى الأقربون، الذين من أجلهم لم ترجمونی، أ
وأكرم عندكم من الله - تعالى - الذى هو خالقكم ورازقمكم ومميتكم ومحببكم
( واتخذتموه وراءكم ظهريا) أى: وجعلتم أوامره ونواهيه التى جئتً
بها من لدنه - سبحانه - كالشىء المنبوذ المهمل الملقى من وراء الظهر بسـ
كفركم وطغيانكم (إن ربى بما تعملون محيط) أى: إن ربى قد أحاط:
(١) تفسير أبى السعود ج ص

- ١٥١ -
بأقوالكم وأعمالكم السيئة ، وسيجازيكم عليها بما تستحقون من عذاب
مين .
ثم زاد فىتوبيخهم وتهديدهم فقال (وياقوم اعملواعلى مكافتكم إنى عامل
سوف تعلمون، من يأتيه عذاب يخزيه، ومن هو كاذب وارتقبوا إنى معكم
رقيب ) والمكافة مصدر مكن ككرم، يقال مكن فلان من الشىء مكانه، اذا
تمكن منه أبلغ تمکن . والأمر فى قوله ( اعملوا ) التهديد والوعيد .
أی : اعملوا کل مافیإمکانکمعمله معی ، وابذلوافىتهديدى ووعيدى ماشئتم،
فإن ذلك لن يضير فى، وكيف يضيرنى وأنا المتوكل على الله المعتمد على عوفه
ورعايته ... ؟
وإنى سأقابل عملكم السىء هذا بعمل آخر حسن من جانى. وهو الدعوة
إلى وحدانية الله - تعالى - وإلى مكارم الأخلاق .
وقوله (« سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب ... »
ستئناف مؤكد لتهديده لهم .
أى : اعملوا ماشئتم وأنا سأعمل ماشقت. فإنكم بعد ذلك سوف تعلمون من
منا الذى سينزل به عذاب يخزيه ويفضحه ويهينه ، ومن منا الذى هو كاذب
فى قوله وعمله .
(وارتقبوا)، عاقبة تكذيبكم للحق (( إنى معكم رقيب، أى: إنى معكم
منتظر ومراقب لما سيفعله الله - تعالى - بكم.
وبذلك نرى شعيبا - عليه السلام -فى هاتين الآيتين ، قد استعمل مع قومه
أسلوبا آخر فى المخاطبة ، يمتاز بالشدة عليهم والتهديد لهم ، لاغضبا لنفسه ،
وإنما لأجل حرمات الله - تعالى -، والدفاع عن دينه .
:. ولم يطل انتظار شعيب - عليه السلام - ومراقبته لم يحدث لقومه، بل
جاء عقاب الله - تعالى - لهم بسرعة وحسم ، بعد أن لجوا فى طغيانهم، وقد

- ١٥٢ -
حكى - سبحانه - ذلك فقال: ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه
برحمة معا ....
أى: وحين جاء أمرنا بعذابهم ، وحل أوان هذا العذاب ، نجينا نبينا
شعيبا ونجينا الذين آمنوا به وصدقوه، حالة كونهم مصحوبين برحمة عظيمة
كائنة متا لاءن غيرنا .
, وأخذت الذين ظلموا، من قومه (( الصيحة)) التى زلزلتهم وأهلكتهم
((فأصبحوا فى ديارهم » التى كانوا يسكنونها .
, جائمين، أى: هامدين ميتين لاتحس لهم حركة، ولاتسمع لهمركزا ..
من الجثوم وهو للناس والطير بمنزلة البروك للإبل. يقال . جثم الطائر
يجثم جثما وجئوما فهو جانم إذا وقع على صدره ولزم مكانه فلم يبرحه .
, كأن لم يغنوا فيها، أى: كأن هؤلاء الهلكى من قوم شعيب، لم يعيشوا
فى ديارهم قبل ذلك عيشة ملؤها الرغد والرخاء والأمان ...
يقال: غنى فلان بالمكان ، إذا أقام به وعاش فيه فى نعمة ورغد ...
(( ألا بعدا لمدين كما بعدت نمود، أى: ألا هلا كا مصحوبا بالخزى واللعنة
والطرد من رحمة الله لقبيلة مدين ، كما هلكت من قبلهم قبيلة ثمود .
وهكذا طويت صفحة أخرى من صفحات الظالمين وهم قوم شعيب ...
عليه السلام -- كما طويت من قبلهم صفحات قوم نوح وهود وصالح ولوط
- عليه السلام - .
هذا، ومن أهم العبر والعظات التى تتجلى واضحة فى قصة شعيب مع قومه
كما جاءت فى هذه السورة الكريمة :
أن الداعى إلى الله لكى ينجح فى دعوته، عليه أن ينوع خطابه للمدعوين،
بحيث يشتمل توجيهه على الترغيب والترهيب ، وعلى الأسباب وما تؤدى إليه
من نتائج، وعلى ما يقنع العقل ويقنع العاطفة .... .

- ١٢٣ -
ففى هذه القصة نجد شعيبا - عليه السلام - يبد أدعوته بأمر قومه بعبادة
الله - تعالى -، ثم ينهاهم عن أبرز الرذائل التى كانت منتشرة وهى نقص
المكيال والميزان، ثم يبين لهم الأسباب التى حملته على ذلك: ((إنى أراكم
بخير وإنى أخاف عليكم عذاب يوم محيط).
ثم ينهاهم نهيا عاما عن الإفساد فى الأرض ((ولانعثوا فى الأرض مفسدين»
ثم يرشدهم إلى أن الرزق الحلال مع الإيمان والاستقامة ، خير لهم من
التشيع بزينة الحياة الدنيا بدون تمييز بين ماهو صالح وماهو طالح: « بقية الله
خير لكم إن كنتم مؤمنين .... »
ثم يذكرهم بأنه لا يأمرهم إلا بما يأمر به نفسه، ولا ينماهم إلا عما ينهاما
عنه وأنه ليس ممن يقولون بأفواههم ماليس فى قلوبهم «وما أريد أن أخالفكم
إلى ما أنها كم عنه، إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ... ،
ثم يذكرهم بمصارع السابقين ، ويحذرهم من أن يسلكوا ملكهم ،
لأنهم لو فعلوا ذلك لهلكوا كما هلك الذين قبلهم : ويا قوم لايجر منكم شقا فى
أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم أو ح أو قوم هود أو قوم صالح .... ،
ثم يفتح لهم باب الأمل فى عفو الله عنهم متى استغفروه وتابوا إليه :
«واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن دبى رحيم ودود)).
ثم تراه بثور عليهم عندما يراهم بتجاوزون حدودهم بالنسبة لله - تعالى-
وللحق الذى جاءهم به من عنده - سبحانه -: أرهطى أعز عليكم من الله،
واتخذتموه وراءكم ظهريا، إن ربى بما تعملون محيط. ويا قوم اعملوا على
مكافتكم إنى عامل سوف تعلمون ...
وهكذا نجد شعوبا - عليه السلام - وهو خطيب الأنبياء كما وصفه
الرسول - صلى الله عليه وسلم - برشدة و٠ه إلى ما يصلحهم ويعدهم بأسلوب
حكيم، جامع لكل ألوان التأثير ، والتوجيه السديد.

- ١٥٤ -
وايت الدعاة إلى الله فى كل زمان ومكان يتعلمون من قصة شعبب - عليه
السلام - مع قومه أسلوب الدعوة إلى الله - تعالى - .
٥٥ ١
ثم ختمت السورة الكريمة حديثها عن قصص الأنبياء مع أقوامهم ،
بالإشارة إلى قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون وملئه، فقال - تعالى -:
((ولقد أرْسَلْنَمُوسَى بآياتنا وسُلطانٍ مبينٍ (٩٦) إلى فِرِقُونَ وَمَتِهِ
فاتَّبِعُوا أمْرَ فِرِعَونَ وما أمرُ فرعونَ برشيدٍ (٩٧) يقدُمُ قومَه يومَ
القيامةِ فأوردَهَم النارَ وبْسَ الوِرْدُ المورُودُ (٩٨) وأُتِعُوا فى هذِهِ لعنةٌ
ويومَ القيامةِ بِئْسَ الرفدُ المرفودُ (٩٩))).
وموسى - عليه السلام - هو ابن عمران، من نسل ((لاوى)» بن يعقوب.
ويرى بعض المؤرخين أن ولادة موسى كانت فى حوالى القرن الثالث
عشر قبل الميلاد ، وأن بعثته كانت فى عهد منفتاح بن رمسيس الثانى .
والمراد بالآيات: الآيات التسع المشار إليها فى قوله - تعالى - ,ولقد
آتينا موسى تسع آيات بينات .... ،(١)
وهى: العصا، واليد البيضاء، والسنون العجاف، ونقص الثمرات، والطوفان،
والجراد ، والقمل ، والضفادع ، والدم .
والسلطان المبين: الحجة الواضحة ، والبرهان الظاهر على صدقه ، وسمى
ذلك سلطانا لأن صاحب الحجة والبرهان على مايدعى ، بقهر ويغلب من لاحجة.
ولا برهان معه ، كما يقهر السلطان غيره.
(١) سورة الإسراء الآنة ٠١٠١

- ١٥٥ -
والمعنى: ولقد أرسلنا نبينا موسى - عليه السلام - بمعجزاتنا الدالة على
صدقه، وبحجته القوية الواضحة، الشاهدة على أنه رسول من عندنا، إلى
فرعون وملئه الذين هم خاصته، وسادات قومة وكبراؤهم ...
وخصهم بالذكر مع فرعون ، لأنهم هم الذين كانوا ينفذون أوامره ،
ويعاونونه على فساده والضمير فى قوله (( فاتبعوا أمر فرعون» يعود إلى الملأ.
أى : فاتبعوا أمره فى كل ماقرره من كفر ، وفى كل ما أشار به من فساد .
وفى هذه الجملة الكريمة - كما يقول الزمخشرى - تجهيل لهم ، حيث
شایعوه على أمره، وهو ضلال مبين لا يخفى على من فيه أدنى مسكة من العقل ،
وذلك أنه أدعى الألوهية وهو بشر مثلهم ، وجاهر بالعسف والظلم والشر
الذى لا يأتى إلا من شيطان مارد ، فاتبعوه وسلموا له دعواه ، وتتابعوا
على طاعته .
وقال - سبحانه - ((فاتبعوا)، ولم يقل فاتبعوا أمره، للتشهير به، والإعلان
عن دمه الذى صرح به فى قوله - سبحانه - ((وما أمر فرعون برشيد)).
والرشيد بزنة - فعيل - من الفعل رشد من باب أصر وفتح: هو الشخص
المتصف بإصابة الرأى، وجودة التفكر، وأضيف الرشد إلى الأمر على
سبيل المجاز ، مبالغة فى اشتمال أمر فرعون على ما يناقض الرشد والسداد ،
ويطابق الغى والفساد .
أي: ماشأن فرعون وأمره بذى رشد وهدى، بل هو محض الغى
والضلال ، فكان من الواجب على ملئه أن ينبذوه ويهملوه ، بدل أن يطيعوه
ويتبعوه .
٠٠
ثم بين - سبحانه - سوء مصيره ومصير أتباعه فقال: ((يقدم قومه يوم
القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود )).
ويقدم - كبنصر - بمعنى يتقدم مأخوذ من الفعل قدم - بفتح الدال -

- ١٥٦ -
تقول : قدم الرجل يقدم قدماً وقدوما بمعنى : تقدم ، ومنه قادمة الرحل
بمعنى مقدمته .
وقوله (( فأوردهم)) من الإيراد وهو جعل الشيء واردا إلى المكان.
وداخلا فيه.
والورد - بكسر الواو - يطلق على الماء الذى يرد إليه الإنسان
والحيوان للشرب .
والمعنى : يتقدم فرعون قومه يوم القيامة إلى جهنم ، كما كان يتقدمهم
فى الكفر فى الدنيا , فأوردهم النار، أى: فدخلها وأدخلهم معه فيها.
وعبر بالماضى مع أن ذلك سيكون يوم القيامة ، لتحقيق الوقوع وتأكده،
وقد صرح القرآن بأنهم سيدخلون النار بمجرد موتهم فقال - تعالى -:
((النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون
أشد العذاب » (١) .
وقوله ((وبئس الورد المورود)، أى: وبئس الورد الذى يردونه النار .
لأن الورد - الذى هو النصيب المقدر الإنسان من الماء - إنما يذهب إليه
قاصده لتسكين عطشه، وإرواء ظمته، وهؤلاء إنما يذهبون إلى النار التى هى
الضد من ذلك .
ثم صرح - سبحانه - بلعنتهم فى الدارين فقال: ((وأتبعوا فى هذه لعنة
ويوم القيامة )) ...
أى: إن اللعنة والفضيحة لحقت بهم واتبعتهم فى الدنيا وفى الآخرة، كماقال
- تعالى - فى آية أخرى: ((واتبعناهم فى هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من
المقبوحين ، (١) .
(١) سورة غافر الآية ٤٥.
(٢) سورة القصص الآية ٤٢.

- ١٥٧ -
وجملة ((بئس الرفد المرفود)، مستأنفة لإنشاء ذم اللعنة، والمخصوص بالذم
مخذوف دل عليه ذكر اللعنة . أى بئس الرفد هى .
الرفد العطاء المعطى لهم تلك اللعنة المضاعفة التى لابستهم فى الدنيا
والآخرة .
وسميت اللعنة رفدا على سبيل التهكم بهم ، كما فى قول القائل: تحية بينهم
ضرب وجيع فكأنه - سبحانه - يقول: هذه اللعنة هى العطاء المعطى من
فرعون لاتباعه الذين كانوا من خلفه كقطيع الأغنام الذى يسير خلف قائده
بدون تفكر أو تدبر ....
وبئس العطاء عطاؤه لهم ...
وإلى هنا تكون هذه السورة الكريمة قد حدثتنا عن قصة نوح مع قومه،
وعن قصة هود مع قومه، وعن قصة صالح مع قومه ، وعن قصة إبراهيم مع
الملائكة، وعن قصة لوط مع قومه ومع الملائكة ، وعن قصة شعيب مع
قومه، وعن قصة موسى مع فرعون وملئه.
ويلاحظ أن السورة الكريمة قد ساقت لنا تلك القصص حسب ترتيبها
التاريخى والزمنى ، لأهداف من أهمها :
١ - إبراز وحدة العقيدة فى دعوة الأنبياء جميعا، فكل نبى قد قال
لقومه: أعبدوا الله مالكم من إله غيره ... ثم يسوق لهم الأدلة على مدقه
فيما يبلغه عن ربه .
٠ ٢ - إبراز أن الناس فى كل زمان ومكان فيهم الأخيار الذين يتبعون
الرسل ، وفيهم الأشرار الذين يحاربون الحق ....
٠ ٣٠٠ - بيان العاقبة الحسنة التى انتهى إليها المؤمنون بسبب إيمانهم وصدقهم
وعملهم الصالح .... والعاقبة السيئة التى انتهى إليها الكافرون بسبب كفرهم
وإعراضهم عن الحق ...

- ١٥٨ -
قال - تعالى ـ, فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً، ومنهم
من أخذته الصيحة ، ومنهم من خسفتا به الأرض. ومنهم من أغرقنا،
وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون).
ثم ساقت السورة :عد ذلك حتى نهايتها آيات كريمة ، اشتملت على
تعليقات وتعقيبات متنوعة، وهذه التعليقات والتعقيبات قوية الصلة بما سبقها
من آيات ....
وكمان التعقيب الأول يهدف إلى بيان أن هذه القرى المهلكة التى منها
ما هو قائم ومنها ماهو حصيد، ماظلم الله - تعالى - أهلها، ولكن هم الذين
ظلموا أنفسهم بعصيانهم الرسل، وإصرارهم على الكفر والعناد . قال
- تعالى - :
!
(ذلكَ مِنْ أَنْبَاءِ القُرَى نقصُّه عليكَ منها قاْمٌ وحَصِينٌ (١٠٠)
ومَ ظَمنَاهُمْ ولَكِنْ ظَلُّوا أنفُسَهم فَمَا أَغَنَتْ مِنهُم آلمتُهم التى يَدْعُونَ
من دونِ اللهِ من شىءٍ لما جاء أمرُ ربِّك وما زَادُوهُمُ غيرَ تَنْييبٍ (١٠١)
وكذلكَ أخذُ ربِّك إِذَا أَخذَ القُرى وهى ظالمةٌ إِنَّ أَخْذَه أليم
شَدِيدٌ (١٠٢))).
أى : ذلك الذى قصصناه عليك - أيها الرسول الكريم - فى هذه السورة
الكريمة، هو جزء ,من أنباء القرى، المهلكة.
١٠
: ونحن (، نقصه عليك، فى هذا. القرآن عن طريق وحينا الصادق، ليعتبر
به الناس، وليعلموا أن هذا القرآن المشتمل على هذا القصص الذى
لاعلم لهم به من عند الله .

- ١٥٩ -
وافتتح - سبحانه - الكلام باسم الإشارة المفيد للبعد، للتنويه بشأن هذه
الأنباء التى سبق الحديث عنها، وللإشعار بأنها أنباء هامة فيها الكثير من
العظات والعبر لقوم يعقلون .
والضمير فى قوله (( منها قائم وحصيد)، يعود إلى تلك القرى المهلكة،
والجملة مستأنفة للتحريض على النظر والاعتبار ، فكأن سائلا سأل ما حال
هذه القرى أباقية آثارها أم عفى عليها الزمن ؟ فكان الجواب منها
قائم وحصيد .
أى: من هذه القرى المهلكة ما آثارها ما زالت قائمة يراها الناظر
إليها، كآثار قوم ثمود.
ومنها ما آثارها عفت وزالت وانطمست وصارت كالزرع المحصود الذى
استؤصل بقطعه ، فلم قبق منه باقية ، كديار قوم نوح.
ففى هذه الجملة الكريمة تشبيه بليغ، حيث [شبه - سبحانه - القرى التى
بعض آثارها مازال باقيا بالزرع القائم على ساقه ، وشبه مازال منها واندثر
بالزرع المحصود.
وحصيد مبتدأ محذوف الخبر لدلالة ما قبله عليه . أى منها قائم
ومنها حصید .
وقوله - سبحابه - ((وما ظلناهم ولكن ظلموا أنفسهم :.. ، بيان لمظاهر
عدله فى قضائه وأحكامه .
والضمير المنصوب فى «ظلمناهم، يعود إلى أهل هذه القرى، لأنهم هم
المقصودون بالحديث .
أى: وما ظلمنا أهل هذه القرى بإهلا كنا إياهم ، ولكنهم هم الذين ظلموا
أنفسهم، بسبب إصرارهم على الكفر، وجحودهم للحق، واستهزاتهم بالرسل
الذين جاءوا هدايتهم ....

- ١٦٠ -
ثم بين - سبحانه - موقف آلهتهم أمخزى منهم فقال: « فما أغنت عنهم
آلهتهم التى يدعون من دون الله من شىء لما جاء أمر ربك .....
أى: أن هؤلاء المهدكين عندما نزل بهم العذاب ، لم تنفعهم أصنامهم التى
كانوا يعبدونها من دون الله شيئاً من النفع ... بل هى لم تنفع نفسها فقد أقدثرت
معهم کما اندثروا،
والفاء فى قوله - سبحانه - ((فما أغنت .. ، للتفر یع علی ظلهم لأنفسهم،
لأن اعتمادهم على شفاعة الأصنام، وعلى دفاعها عنهم ... من مظاهر جهلهم
وغباتهم وظلمهم لأنفسهم .
و((من، فى قوله: ((من شىء، لتأكبد افتفاء النفع والإغناء: أى: لم تفن
عنهم شيئا ولو قليلا من الاغناء؛ ولم تنفعهم لا فى قليل ولا كثير ...
وجملة (( وما زادوهم غير نتبيب، تأكيد لنفى النفع، وإثبات للضر
والخسر ان .
والتقبيب: مصدر قب بمعنى خسر. وقبب فلان فلانا إذا أوقعه
فى الخسران .
ومن قوله - تعالى - ((تبت يدا أبي لهب وقب)، أى: ملكتا وخرتا كما
قد هلك وخسر هو .
أى : وما زادتهم أصنامهم التى كانوا يعتمدون عليها فى دفع الضر سوى
الخسر أن والهلاك .
قال الإمام الرازى: والمعنى أن الكفار كانوا يعتقدون فى الأصنام أنها
تعين على تحصيل المنافع ودفع المضار. ثم إنه - تعالى - أخبر أنهم عند مساس
الحاجة إلى المعين . ماوجدوا منها شيئًا لا جلب نفع ولا دفع ضر، ثم كمالم
يجدوا ذلك فقد وجدوا عنده، وهو أن ذلك الاعتقاد زالت عنهم به منافع
الدنيا والآخرة ، وجلب لهم مضارهما ، فكان ذلك من أعظم موجبات