النص المفهرس
صفحات 121-140
- ١٢١ - أى: لا تخف يا إبراهيم فإنا لسنا ضيوفاً من البشر، وإنما نحن رسل من الله - تعالى - أرسلنا إلى قوم لوط لإهلاكهم. وقد جاء فى بعض الآيات أنه صارحهم بالخوف منهم ، ففى سورة الحجر قال - تعالى -: ((ونبئهم عن ضيف إبراهيم. إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما، قال إنا منكم وجلون. قالوا لاتؤجل إنا نبشرك بغلام عليم ... ). ثم حكى - سبحانه - ما حدث بعد ذلك فقال: ((وامر أته قائمة فضحكت فبشرفاها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب)). والمراد بأمرأنه - كما يقول القرطبى - ((سارة بنت هاران بن ناحور، ابن شاروع، بن أرغو ، ابن فالغ، وهى بنت عم ابراهيم(١) وقيامها كان لأجل قضاء مصالحها ، أو لأجل خدمة الضيوف . ٠٠ أو لغير ذلك من الأمور التى تحتاجها المرأة فى بيتها . والمراد بالضحك هنا حقيقة. أى: فضحكت سروراً وابتهاجا بسبب زوال الخوف عن إبراهيم، أو بسبب علمها بأن الضيوف قد أرسلهم الله لإهلاك قوم لوط ، أو بهما معا ... قال الشوكاني : والضحك هنا هو الضحك المعروف الذى يكون للتعجب والسرور کما قاله الجمهور. وقال مجاهد وعكرمة: إنه الحيض ، ومنه قول الشاعر: وإنى لآتى العرس عند ظهورها وأهجرها يوما إذاتك ضاحكا وقد أنكر بعض اللغويين أن يكون فى كلام العرب ضحكت بمعنى حاضت(٢). أى: وفى أعقاب قول الملائكة لإبراهيم لا تخف ... كانت امرأته قائمة لقضاء بعض حاجاتها، فلما سمعت ذلك , ضحكت، سرورا وفرحا لزوال خوفه (١) تفسير القرطبى ج ٩ ص ٧٠ (١) تفسير فتح القدير للشوكانى < ٢ ص ٥١٠ ٠٠ ١٢٢ - ((فبشرناها)، عقب ذلك بمولودها (« إسحاق)) كما بشرناها بأن إسحاق سيكون من نسله (( يعقوب)). فهى بشارة مضاعفة. إذ أنها تحمل فى طياتها أنها ستعاش حتى ترى ابن ابنها ... ولا شك أن المرأة عندما تكون قد بلغت سن اليأس . ولم يكن لها ولد ، ثم تأتيها مثل هذه البشارة يهتز كيانها، ويزداد عجبها، ولذا قالت على سبيل الدهئمة والاستغراب: «ياوليتا أللد وأنا عجوز وهذا بعلى شيخا إن هذا لشىء عجيب)». وكلمة: يا ويلتا ، تستعمل فى التحسر والتألم والتفجع عند نزول مكروه. والمراد بها هنا : التعجب لا الدعاء على نفسها بالويل والهلاك ، وهى كلمة "كثيرة الدوران على أفواه النساء إذا طرأ عليهن ما يدهشن له، ويتعجين منه. أى : قالت بدهشة وعجب عندما سمعت بشارة الملائكة لها بالولد وبولد الولد: يا للعجب أألد وأنا امرأة عجوز، قد بلغت سن اليأس من الحمل منذ زمن طويل، ((وهذا بعلى، أى: زوجى إبراهيم , شيخاء كبيرا متقدما فى السن. قال الجمل : وهاتان اخلتان - وأنا عجوز وهذا بعلى شيخا - فى محل النصب على الحال من الضمير المستتر فى (( أألد))، وشيخا حال من بعلى، والعامل فيه اسم الإشارة لما فيه من معنى الفعل ،(١). وقولها - كما حكى القرآن عنها -، إن هذا لشىء عجيب، أى: إن هذا الذى بشرتمونى به من حصول الولد لى فى تلك السن المتقدمة ((لشىء عجيب)) فى مجرى العادة عند النساء وقد رد عليها الملائكة بقولهم: «قالوا أتمجبين من أمر الله ، ؟ !! أى: أتستبعدين على قدرة الله - تعالى - أن يرزقك الولد وأنت رزوجك فى هذه السن المتقدمة ؟ لا إنه لا ينبغى لك أن تستبعدى ذلك، لأن قدرة الله (١) حاشية الجمل على الجلالين <ـ٢ ص ٤١١ لا يعجزها شىء. فالاستفهام هنا المراد به إفكار تعجب، واستبعادها البشارة، وإزالة أثر ذلك من نفسها إزالة تامة . وقوله: «رحمة الله وبر كاته عليكم أهل البيت، حكاية لما قاله الملائكة لها، زيادة فى سرورها وفى إدخال الطمأنينة على قلبها. أى رحمة الله الواسعة، وبركاته وخيراته النامية عليكم أهل البيت الكريم وهو بيت إبراهيم - عليه السلام -. قال صاحب الكشاف : وإنما أنكرت عليها الملائكة تعجبها، لأنها كانت فى بيت الآيات، ومهبط المعجزات, والأمور الخارقة للعادات ، فكان عليها أن تتوقر، ولا يزدهيها ما يزدهى سائر النساء الناشئات فى غير بيت النبوة وأن تسبح الله وتمجده ، مكان التعجب . وإلى ذلك أشارت الملائكة فى قولهم ((رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت)). أرادوا أن هذه وأمثالها مما يكرمكم به رب العزة، ويخصكم بالإنعام به يا أهل بيت النبوة، فليس بمكان عجب . والمكلام مستأنف علل به إنكار التعجب . كأنه قيل: إياك والتعجب ، فإن أمثال هذه الرحمة والبركة متكاثرة من الله عليكم))(١). ،قوله - سبحانه - ((إنه حميد مجيد ، تذييل بديع قصد به وجوب مداومها على حمد الله وتمجيده على أن وهبها الولد بعد أن بلغت سن اليأس من الحمل. أى إنه - سبحانه - ((حميد)) أى: مستحق للحمد لكثرة نعمه على عباده ((مجيد)) أى كريم واسع الإحسان ، فليس بعيدا منه أن يعطى الولد للآباء بعد الكبر . قال صاحب المنار ما ملخصه . وأصل المجد فى اللغة أن تقع الإبل فى أرض (١) تفسير الكشاف < ٢ ص ٢٨١ - ١٢٤ - واسعة المرعى ، كثيرة الخصب ، يقال. مجدت الإبل تمجد من باب نصر - مجدا ومجادة ، وأمجدها الراعى . والجد فى البيوت والأنساب ما يعده الرجل من سعة كرم آبائه وكثر ذنوالهم. ووصف الله كتابه بالمجيد، كما وصف نفسه بذلك، لسعة هداية كتابه، وسعة كرمه وفضله على عباده .... ،(١). ثم حكى - سبحانه - ما كان من إبراهيم بعد أن سكن خوفه، واطمأن إلى ضيوفه فقال: ((فلما ذهب عن إبراهيم الروع، أى : الخوف والفزع، بسبب أطمئنانه إلى ضيوفه، وعلمه أنهم ليسوا من البشر . ((وجاءته البشرى)) منهم بالولد، واتصال النسل، فازداد سرورا بهم. بعد كل ذلك ، أخذ إبراهيم (( يحادلنا فى قوم لوط، أى: يجادل رسلنا ويحاورهم فى شأن قوم لوط ، وفى كيفية عقابهم ، بعد أن أخبروه بانهم ذاهبون لإهلاكهم . وأضاف - سبحانه - المجادلة إلى نفسه مع أنها كانت مع الملائكة، لأن نزولهم لإهلاك قوم لوط إنما كان بأمره - تعالى -، فمجادلة إبراهيم لهم هى مجادلة فى تنفيذ أمره - تعالى - . وقال - سبحانه - ((يجادلنا، مع أنها كانت فى الماضى، لتصوير هذه الحالة فى الذهن تصويرا حاضرا، حتى تزداد منه العبرة والعظة . وهذه المجادلة التى كافت بين إبراهيم وبين الملائكة الذين أرسلوا لإهلاك قوم لوط ، قد حكاها - سبحانه - فى سورة العنكبوت فى قوله: « ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية ١- أى القرية التى يسكنها قوم لوط - إن أهلها كانوا ظالمين . قال إن فيها لوطا، قالوا نحن أعلم يمن فيها لننجينه وأهله إلا امر أته كانت من الغابرين، الآيتان ٣١ - ٠٣٢ (١) تفسير المنار - ١٢ ص ١٣٠ وهذا التفسيرة للمجادلة التى دارت بين إبراهيم والملائكة فى عقاب قوم لوط هو الصحيح لأن خير تفسير القرآن هو ما كان بالقرآن . وما ورد من أقوال تخالف ذلك فلا يلتفت إليها، لعدم استنادها إلى النقل الصحيح . وقوله - سبحانه - ((إن إبراهيم لحليم أواه ، غيب)) بيان للدواعى التى حملت إبراهيم - عليه السلام - على مجادلة الملائكة فى شأن اهلاك قوم لوط . والحليم: هو الصورعلى الأذى ، الصفوح عن الجناية؛ المقابل لها. بالإحسان . والأواه: هو الذى يكثر التأوه من خشية الله . قال الآلوسي : وأصل النأوه قوله آه ونحوه مما يقوله المتوجع الحزين. وهو عند جماعة كناية عن كمال الرأفة ورقة القلب . وأخرج ابن جرير وابن أبى حاتم وغيرهما عن عبد الله بن شداد قال رجل: يارسول الله ما الآواه ؟ قالى: الخاشع المتضرع الكثير الدعاء، (١). والمنيب : السريع الرجوع الى الله - تعالى - بالتوبة والاستغفار. أى أن إبراهيم الصبور على الأذى ، صفوح عن الجناية، كثير التضرع إلى الله، سريع الرجوع إلى فى كل ما يحبه ويرضاه. ولكن حلم إبراهيم وإذابته .... لم يرد قضاء الله العادل فى شأن قوم لوط ولذا قال الملائكة له - كماحكى القرآن عنهم -: ((با إبراهيم أعرض عن هذا ، إنه قد جاء أمر ربك، وانهم آتيهم عذاب غير مردود » أى: قال الملائكة لإبراهيم: ((يا إبراهيم أعرض عن هذا، الجدال فى أمن قوم لوط، وفى طلب إمهال عقوبتهم (( إنه قد جاء أمر ربك، بإهلاكهم ((إنهم)) بسبب إصرارهم على ارتكاب الفواحش ((آ قيهم)) من ربهم ((عذاب)) (١) تفسير الآلوسی < ١١ ص - ١٢٦ ٠ شديد ((غير مردود)) عنهم لا بسبب الجدال ولا بأى سبب سواه، فإن قضاء الله لابرد عن القوم المجرمين. هذا ، وقد ذكر الشيخ القاسمى بعض الفوائد والأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآيات فقال: قال بعض المفسرين: لهده الآيات ثمرات وفوائد: منها : أن حصول الولد المخصص بالفضل نعمة ، وأن هلاك العاصى نعمة - أيضا - لأن المشرى قد فسرت بولادة إسحاق لقوله ((فبشرتها بإسحاق وفسرت بهلاك قوم لوط ، لقوله: قالوا لاتخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط ، ومنها: إستحباب نزول المبشر - بالكر - على المبشر - بالفتح - لأن الملائكة أرسلهم الله - تعالى - لذلك. ومنها : أنه يستحب البشر أن يتلقى البشارة بالشكر الله - تعالى - على ما بشر به . فقد حكى عن الأصم أنه قال: جاؤوه فى أرض يعمل فيها، فلما فرغ غرز مسحاته، وصلى ركعتين . ومنها: أن السلام مشروع ، وأنه ينبغى أن يكون الرد أفضل لقول إبراهيم (( سلام)) بالرفع وهو أدل على الثبات والدوام. ومنها: مشروعية الضيافة، والمبادرة اليها ، واستحباب مبادرة الضيف بالأكل منها . ومنها : استحياب خدمة الضيف ولو للمرأة، لقول مجاهد: وامرأته قائمة؛ أى فى خدمة أضياف إبراهيم ..... وخدمة الضيفان من مكارم الأخلاق : ومنها: جواز مراجعة الأجانب فى القول، وأن صوتها ليس بعورة. ومنها . أن أمرأة الرجل من أهل بيته، فيكون أزواجه - صلى الله عليه وسلم - من أهل بيته (١): (١) تفسير القاسمي حـ ٩ صـ ٣٤٦٧ ومنها : - كما يقول الإمام ابن كثير - استدل على أن الذبيح هو اسماعيل لا إسحاق، وأنه يمتنع أن يكون هو إسحاق، لأنه وقمت البشارة به، وأنه سيولد له يعقوب، ف كيف يؤمر ابراهيم بذبحه وهو طفل صغير، ولم يولد له بعد يعقوب الموعود بوجوده، ووعد الله حق لاخلف فيه، فيمتنع أن يؤمر بذبح اسحاق والحالة هذه ، فتعين أن يكون الذبيح اسماعيل، وهذامن أحسن الاستدلال وأصحه : .،(١) ((ولما جاءتْ رسُّنْاَ لوطاً سىء بهم وضاقَ بهم ذرعاً، وقالَ هذَا يومٌ عصيبٌ (٧٧) وجاءهُ قومُهُ يُهْرَ عُونَ إليه، ومن قبلُ كَانُوا يعملونَ السيئاتٍ ، قالَ يا قومِ هؤلاء بناتِي هنّ أطهرُ لكُم فاتُوا اللهَ ولا تخزُونٍ فى مَيْفِى أليسَ منَكُم رجلٌ رشيدٌ (٧٨) قالوا لقد علمتَ مالَنَا فى بناتِكَ مِنْ حقٍّ، وإنَّكَ لتعلَمُ مَا نُرِيدُ (٧٩) قَالَ لو أَنْ لِ بُكُمْ قوةٌ أُوْ آوِى إلى رَكْنٍ شديدٍ (٨٠) قالوا يا لوطُ إذَّا رسلُ ربِّكَ لَنْ يَصِلُواْ إليكَ فَأَسْرٍ بِأَهلِكَ بِقِطْعِ من الّيلِ ولا يَلْتَفِتْ منَكمْ أحدٌ إلاّ امرأتَكَ، إنَّه يُصِيبُها ما أصابهم، إن موعِدَهُم الصبحُ، أَليسَ الصبحُ بقريبٍ (٨١) فلما جاء أمرُنَاَ جعلنا عالِيهاَ سافِهاَ وأمْطَرنَ عليها حجارةٌ مِنْ سِجِيلٍ منضودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عندَ ربِّكَ وما هِىَ من الظالمينَ بِيَعيدٍ (٨٣))). ثم انتقلت السورة الكريمة الى الحديث عما دار بين لوط وبين الملائكة وبينه وبين قومه من حوار وجدال فقال - تعالى - : (١) تفسير ابن كثير حـ ٤ صـ ٢٦٦ - ١٢٨ - - تلك هى قصة لوط مع الرسل الذين جاءوالإهلاك قومه المجرمين، كل حكتها سورة هود . - وقد وردت هذه القصة فى سور أخرى وبأساليب متنوعة ، ومنها سورة الأعراف، والحجر، والشعراء، والنمل، والعنكبوت: والصافات. والذاريات . والقمر .... قال الإمام ابن كثير : ولوط هو ابن هاران بن آزر ، فهو ابن أخى إبراهيم، وكان قد آمن مع عمه ابراهيم وهاجر معه إلى أرض الشام ، فبعثه الله إلى أهل بلدة سدوم وما حولها يدعوهم إلى وحدانية الله - تعالى -، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عما كانوايرتكبون من المآثم والمحارم والفواحش التى اخترعوها دون أن يسبقهم بها أحد من بنى آدم ولا من غيرهم، وهو إتيان الذكور دون الإناث، وهذا شىء لم يكن أحد من بنى آدم يعهده ولا يألفه ولا يخطر بباله، حتى صفع ذلك أهل. سدوم - وهم قرية بوادى الأردن عليهم لعائن الله ، (١) - وقد بدأ - سبحانه - القصة هنا بتصوير ما اعترى لوضا - عليه السلام - من ضيق رغم عندما جاءته الرسل فقال: ((ولما جاءت رسلنا لوطاسئ بهم ٠٠٠٠) - أى: وحين جاء الملائكة إلى لوط - عليه السلام - بعد مفارقتهم لإبراهيم، ساءه وأحزنه مجيئهم ، لأنه كان لا يعرفهم، ويعرف أن قومه قوم سوء، فخشى أن يعتدى قومه عليهم ، بعادتهم الشفيعة، وهو عاجز عن الدفاع عنهم .... قال ابن كثير ما ملخصه: ((يخبر الله - تعالى - عن قدوم رسمله من الملائكة إلى لوط - عليه السلام - بعد مفارقتهم لإبراهيم ... فأقوالوطا (١) تفسير ابن کثیر حـ ٢ ص ٢٣٠ ٠٠ - عليه السلام - وهو على ما قيل فى أرص له. وقيل فى منزله ، ووردواعليه وهم فى أجمل صورة تكون ، على هيئة شبان حسان الوجوه، ابتلاء من الله، وله الحكمة والحجة البالغة ، فساءه شأنهم .... )) (١) - وقوله: ((وضاق بهم ذرعا)) تصوير بديع لنفاذ حيلته، واغتمام نفسه وعجزه عن وجود حيلة للخروج من المكروه الذى حل بهم . قال القرطبى : والذرع مصدر ذرع. وأصله : أن يذرع البعير بيديه فى سيره ذرعا على قدر سعة خطوه فإذا حمل عليه أكثر من طاقته ضاق عن ذلك وضعف ومد عنقه . فضيق الذرع عبارة عن ضيق الوسع. وقيل هو من ذرعه القىء أى غلبة . أى : ضاق عن حبه المكروه فى نفسه. وانما ضاق ذرعه بهم لمارأى من جمالهم ، وما يعله من فسوق قومه ٠٠٠٠) (٢) - و,ذرعا، تمييز محول عى الفاعل. أى: ضاق بأمرهم ذرعه. ((وقال هذا يوم عصيب»: أى وقال لوط - عليه السلام - فى ضجر وألم: هذا اليوم الذى جاءنى فيه هؤلاء الضيوف، يوم ((عصيب، أى: شديد هو له وکر به . وأصل العصب . الشد والضغط ، فكأن هذا اليوم لشدة وقمه على نفسه قد عصب به الشر والبلاء ، أی : شد به . قال صاحب تفسير التحرير والتنوير : ومن بديع ترتيب هذه الجل أنها جاءت على ترتيب حصولها فى الوجود، فإن أول ما يسبق إلى نفس الكاره للأمر أن يساء به ويتطلب المخلص منه، فإذا علم أنه لا مخلص له من ضاق به ذرعا. ثم يصدر تعبيرا عن المعانى يريح به نفسه ،(٢) (١) تفسير ابن كثير حـ ٤ صـ ٢٦٦ (٢) تفسير القرطبى ٩٥٠ هـ ٧٤ (٣) تفسير التحرير والتنوير للشيخ ابن عاشور حـ ١٢ ٠ ١٣٥ (٩ - سورة هود) - ١٣٠ - ثم بين - سبحانه - ما كان من قو لوط - عليه السلام - عندما علموا بوجود هؤلاء الصيوف عنده فقال: « وجاءه قومه يهرعون اليه . ومن قبل كانوا يعملون السيئات ٢٠٠٠٠ - ويهرعون - بضم الياء وفتح الراء على صيغة المبنى للمفعول - أى: يدفع بعضهم بعضا بشدة، كأن سائقا يسوقهم الى المكان الذى فيه لوط وضيوفه . يقال: هرع الرجل وأهرع - بالبناء للمفعول فيهما - إذا أجل وأسرع لدافع يدفعه إلى ذلك . قال الألوسى: والعامة على قراءته مينيا المفعول ، وقرأ جماعة يهرعون - بفتح الياء مع البناء الفاعل - من هرع - بفتح الهاء والراء - وأصله من الهرع وهو الدم الشديد السيلان، كأن بعضه يدفع بعض! (١). أى : وبعد أن علم قوم لوط بوجود هؤلاء الضيوف عند نبيهم، جاءوا إليه مسرعين يسوق بعضهم بعضا إلى بيته من شدة الفرح، ومن قبل هذا المجىء، كان هؤلاء القوم الفجرة، يرتكبون السيئات الكثيرة، التى من أقبحها إتيانهم الرجال شهوة من دون النساء . وقد طوى القرآن الكريم ذكر الفرض الذى جاءوا من أجله، وأشار إليه بقوله: ( ومن قبل كانوا يعملون السيئات ) الإشعار بأن تلك الفاحشة صارت عادة من العادات المتأصلة فى نفوسهم الشاذة، فلا يسعون إلا من أجل قضائها. ثم حكى القرآن بعد ذلك ما بادرهم به نبيهم بعد أن رأى مياجهم وتدافعهم نحو داره فقال: ( قال ياقوم هؤلاء بناتى من أطهر لكم) ... والمراد بيناته هنا: زوجانهم ونساؤهم اللاتى يصلحن للزواج، وأضافهن إلى نفسه؛ لآن كل فى أب لامته من حيث الشفقة وحسن التربية والتوجيه. (١) تفسير الآلوسي < ١٢ ص ٠٩٥ قال ابن كثير: قوله -تعالى - (دقال ياقوم هؤلاء بناتى من أطهر لكم ... ). يرشدهم إلى نسائهم، فإن النبى للأمة بمنزلة الوالد ، فأرشدهم إلى ماهو أنفع لهم، كما قال لهم فى آية أخرى: «أتأتون الذكران من العالمين. وتذرون ماخلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون ، .... قال مجاهد: لم يكن بناته، ولكن كن من أمته، وكل نى أبو أمته ... وقال سعيد بن جبير : يعنى نساؤهم، هن بناته وهو أب لهم ... ،(١). ومنهم من يرى أن المراد ببناته هنا : بناته من صلبه، وأنه عرض عليهم الزواج بهن .... ويصيف هذا الرأى أن لوطا - عليه السلام - كان له بنتان أو ثلاثة - كما جاء فى بعض الروايات -، وعدد المتدافعين من قومه إلى بيته كان كثيرا ، فكيف تكفيهم بنتان أو ثلاثة للزواج .. ؟ ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب ، وقد رجحه الإمام الرازى بأن قال ما ملخصه: « وهذا القول عندى هو المختار، ويدل عليه وجوه: منها: أنه قال «هؤلاء بناتى من أطهر لكم، وبناته اللاتى من صلبه لا تكفى الجمع العظيم ، أما نساء أمته ففيهن كفاية للكل ... ومنها : أنه صحت الرواية أنه كان له بنتان وهما: زنتا وزعورا، وإطلاق لفظ البنات على البنتين لا يجوز، لما ثبت أن أقل الجمع ثلاثة ... ،(٢). والمعنى : أن لوطا - عليه السلام - عندما رأى تدافعهم نحو بيته لارتكاب الفاحشة التى ما سبقهم بها من أحد من العالمين، قال لهم : برجاء ورفق ((ياقوم، هؤلاء نساؤكم للأبى بمنزلة بنانى ارجعوا إليهن فاقضوا شهوةكم مع هن ، فهن أطهر لكم نفسيا وحسيا من التلوث برجس اللواط، وأفعل التفضيل هنا وهو « أطهر) ليس على بابه، بل هو للمبالغة فى الطهر. (١) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٠٢٦٨ (٢) تفسير الفخر الرازى ج١٨ ص ٣٢ . - ١٢٢ - قال القرطى: وليس ألف أطهر للتفضيل، حتى يتوهم أن فى نكاح الرجال طهارة، بل هو كقولك اله أكبر - أى كبير -.... ولم يكابر الله - تعالى- أحد حتى يكون الله - تعالى - أكبر منه ... ))(١) . ٠٠ ثم أضاف إلى هذا الإرشاد لهم إرشادا آخر فقال: ((فاتقوا الله ولا تخزون فى ضيفى ٠،٠٠٠ قال الجمل ، ولفظ الضيف فى الأصل مصدر ، ثم أطلق على الطارق ليلا إلى المضيف ، ولذا يقع على المفرد والمذكر وضديهما لمفظ واحد، وقد يتنى فيقال: ضيفان، ويجمع فيقال: أضياف وضيوف ... ))(٢). وتخزون : من الخزى وهو الإهانة والمذلة . يقال : خزى الرجل يخزى خزباً ... إذا وقع فى بلية وذل بذلك . أى: بعد أن أرشدهم إلى نسائهم، أمرهم بتقوى الله ومراق بته، فقال لهم: فاتقوا الله، ولا تجعلونى مخزيا مفضوحا أمام ضبوفى بسبب اعتدائكم عليهم، فإن الاعتداء على الضيف كأنه اعتداء على المضيف . ويبدو أن لوطأ - عليه السلام - قد قال هذه الجملة ليلمس بها نخوتهم إن كان قد بقى فيهم بقية من نخوة ، ولكنه لما رأى إصرارهم على فجورم وبخهم بقوله : « أليس منكم رجل رشيد)) يهدى إلى الرشد والفضيلة. وينهى عن الباطل والرذيلة . فيقف إلى جانى . ويصرفكم عن ضيوفى؟ ولكن هذا النصح الحكيم من لوط لهم لم يحرك قوبهم الميتة الآسنة . ولا فطر تهم الشاذة المنكوسة . بل ردوا عليه بقولهم: : قالوا لقد علمت مالنا فى بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد .. أى: قال قوم لوط له بسفاهة ووقاحة : لقد علمت يالوط عليالاشك (١) تفسير القرطبى جـ ٩ ص ٠٨٦ (٢) حاشية الجمل على الجلالين ج ٢ ص ٤١٣. - ١٣٣ - ـعه، أننا لا رغبة لنا فى النساء ، لا عن طريق الزواج ولا عن أى طريق خر، فالمراد بالحق هنا: الرغبة والشهوة . قال الشوكانى: قوله (( مالنا فى بناتك من حق ، أى: مالنا فيهن من شهوة ولا حاجة ، لأن من احتاج إلى شىء فكأنه حصل له فيه نوع حق ، ومعنى أنسبوه إليه من العلم أنه قد علم منهم المكالبة على إقيان الذكور وشدة الشهوه .ليهم، فهم من هذه الحيثية كأنهم لاحاجة لهم إلى النساء . ويمكن أن يريدوا: قه لا حق لنا فى فكاحين ..... ((١). وقولهم: ((وإنك لتعلم مانريد، إشارة خبيته منهم إلى العمل الخبيث لذى ألفوه، وهو إتيان الذكور دون النساء أى: وإنك لتعلم علما يقينيا لشىء الذی تریده فلماذا ترجعنا ؟! وقولهم هذا الذى حكته الآية الكريمة عنهم ، يدل دلالة واضحة على أنهم ند بلغوا النهاية فى الخبث والوقاحة وتبلد الشعور ... لذا رد عليهم لوط - عليه السلام - رد اليائس من أر عوائهم عن غيهم ، لمتمنى لوجود قوة إلى جانبه تردعهم وتكف فجورهم .... فقال: ((أن لى کے قره أو آوی إلی ر کن شدید ،. والقوة : مايتقوى به الإنسان على غيره . وآوى : أى ألجأ وأنضوى تقول : أديت إلى فلان فأنا آوى إليه أو ١ أى : انضممت إليه . والركن فى الأصل : القطعة من البيت أو الجبل، والمراد به هنا الشخص قوى الذى يلجأ إليه غيره لينتصر به ... ولو شرطية وجوابها محذوف، والتقدير: قال لوط - عليه السلام - بعد (١) تفسير فتح القدير ج ٢ ص ٥١٤ . -- ١٣٤ - أن رأى من قومه الاستمرار فى غيهم ، ولم يقدر على دفعهم - على سبيل التفجع والتحسر : لو أن معى قوة أدفعكم بها لبطشت بكم . 1 ويجوز أن تكون لو للتمنى فلا تحتاج إلى جواب أى: ليت معى قوة استطيع بمناصرتها لى دفع شركم . وقوله « أو آوى إلى ركز شديد، معطوف على ما قبله، أو ليتنى أستطيع أن أجد شخصا قويا من ذوى المنعة والسلطان أحتمى به منكم ومن تهديدكم لى ... قالوا : وإنما قال لوط - عليه السلام - ذلك ؛ لأنه كان غريبا عنهم ، ولم يكن له نسب أو عشيرة فيهم . وهذا - وبعد أن بلغ الضيق بلوط مابلغ - كشف له الملائكة عن حقيقتهم، وبشروه بما يدخل الطمأنينة على قلبه فقالوا : (( يالوط إتا رسل ربك لن يصلوا إليك، أى: إنا رسل ربك أرسلنا إليك لتخبرك بهلاكهم ، فاطمئن فإنهن لن يصلوا إليك يسوء فى نفسك أو فينا . روى أن الملائكة لما رأوا مالقيه لوط - عليه السلام - من الهم والكرب بسببهم قالوا له : يالوط إن ركنك لشديد ... ثم ضربهم جبريل بجناحه فطمس أعينهم ، فارتدوا على أدبارهم يقولون النجاء، وإليه الإشارة بقوله - تمالى - فى سورة القمر: ((ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم، فذوقوا عذابی و قذر » . وقوله: ((فأسر بأهلك بقطع من الليل)) أى : فاخرج من هذه القرية مصحوبا بالمؤمنين من أهلك فى جزء من الليل يكفي لا بتعادك عن هؤلاء المجرمين . قال القرطى: قرى. «فاسر وفأسر بوصل الهمزة وقطعها لغتان فصيحتان. - ١٣٥ - قال - تعالى - ((والليل إذا يسر)) وقال « سبحان الذي أسرى بعبده ..... وقيل (( فأسر) بالقطع تقال لمن سار من أول الليل .. وسرى لمن سار فى آخره، ولا يقال فى النهار إلا سار ... ))(١) . وقوله: (( ولا يلتفت منكم أحد إلا امر أتك إنه مصيبها ما أصابهم .... ٠٠ .. معطوف على ماقبله وهو قوله : (( فأسر بأهلك . أى: فأسر بأهلك فى جرء من الليل ، ولا يلتفت منكم أحد إلى ماوراءه، اتقاء لرؤية العذاب، ((إلا امرأتك)) يالوط فاتركها ولا تأخذها معك لأنها كافرة خائنة، ولأنها سيصيبها العذاب الذى سينزل بهؤلاء المجرمين فيملكها معهم. قال الإمام الرازى ما ملخصه: قوله «إلا امرأتك، قرأ ابن كثير وأنوعمرو ((إلا امرأتك)) بالرفع، وقرأ الباقون بالنصب. قال الواحدى : من نصب فقد جعلها مستثناة من الأهل ، على معنى : فأسر بأهلك إلا امرأتك أى فلا تأخذها معك ... وأما الذين رفعوا فالتقدير: ولا يلتفت منكم أحد لكن امر أتك تلتفت فيصيبها ما أضابهم . وأما الذين رفعوا فالتقدير : ولا يلتفت منكم أحد لكن امر أتك تلتفت فيصيبها ما أصابهم . روى عن قتادة أنه قال : إنها كانت مع لوط حين خرج من القرية ، فلما سمعت العذاب التفتت وقالت وأقوماه فأصابها حجر فأهلكها)،(٢). وقوله - سبحانه - (( إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب، بشارة أخرى للوط - عليه السلام - الذى تمنى النصرة على قومه . (١) تفسير القرطى ج٠٧٩٥٩ (٢) تفسير الفخر الرازى :١٨ صـ ٣٦. ٠-١٣٦ -- أى: إذ موعد هلاك هؤلاء المجرمين يبتدى. من طلوع الفجر ويتهى مع طلوع الشمس ، أليس الصبح بقريب من هذا الوقت الذى نحدثك فيه؟ قال - تعالى - فى سورة الحجر: ((فأخذتهم الصيحة مشرقين» أى: وهم داخلون فى وقت الشروق . فكان ابتداء العذاب عند طلوع الصبح وانتهاؤه وقت الشروق . والجلة الكريمة (( إن موعدهم الصبيح ... ، كالتعليل للأمر بالإسراء بأهله بسرعة، أو جواب عما جاش بصدره من استعجاله العذاب لهؤلاء المجرمين ، والاستفهام فى قوله سبحانه - ((أليس الصبح بقريب ((التقرير أى: بلى إنه لقريب . قال الألوسى: روى أنه - عليه السلام - سأل الملائكة عن موعد هلاك قومه فقالوا له: موعدهم الصبح . فقال: أريد أسرع من ذلك. فقالوا له: أليس الصبح بقريب . ولعله إنما جعل ميقات هلاكهم الصمح لأنه وقت الدعة والراحة فيكون حلول العذاب حينئذ أفظع، ولأنه أنسب بكون ذلك عبرة للناظرين(١) . نم حكى - سبحانه - فى نهاية القصة ما حل هؤلاء المجرمين من عذاب فقال: ( فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود. مسومة عند ربك وما هى من الظالمين ببعيد)). أى: ((فلما جاء أمرنا، بإهلاك هؤلاء القوم المفسدين,جعلنا عاليها سافلها، أى: جعلنا أعلى بيوتهم أسفلها، بأن قلبناها عليهم، وهى عقوبة مناسبة لجريمتهم حيث قلبوا فطرتهم ، فأتوا الذكر ان من العالمين ، وتركوا ما خلق لهم ربهم من أزواجهم ... وقوله ((وأمطر نا عليها حجارة من سجيل منضود)) زيادة فى «قوبتهم وأمنهم (١) تفسير الآلوسي جـ ١٢ ص ٠١٠١ - ١٣٧ - أى: جعلنا أعلى قراهم أسفلها، وأمطرنا عليهم حجارة ((من سجيل) أى: من حجر وطين مختلط ، قد تججر وتصلب (( منضود)، أى : متتابع فى النزول بدون انقطاع موضوع بعض على بعض ، من الفضد وهو موضع الأشياء بعضها إلى بعض . (« مسومة عند رنك)، أى: معلمة بعلامات من عند ربك لا يعلمها إلا هو، ومعدة إعدادا خاصا لإهلاك هؤلاء القوم. ((وما هى)) أى تلك القرى المهلمكة (من الظالمين) وهم مشر كو مكة ((ببعيد)) أى : ببعيدة عنهم، بل هى قريبة منهم، ويمرون عليها فى أسفارهم إلى الشام. قال تعالى - ((وإنكم لتمرون عليهم مصبحين )، وبالليل أفلا تعقلون))(١) أى: وإنكم يا أهل مكة لتمرون على هؤلاء القوم المهلكين من قوم لوط فى وقت الصباح أى النهار ، وتمرون عليهم ؛ لليل أفلا تقلون ذلك فتعتبروا وتتعطوا؟؟ ويجوز أن يكون الضمير فى قوله (( وما هى)) يعود إلى الحجارة التى أهلك ألقه بها هؤلاء القوم. أى: وما هى تلك الحجارة الموصوفة بما ذكر من الظالمين ببعيد، بل هى حاضرة مهيئة بقدرة الله - تعالى - لإهلاك الظالمين بها. والمراد بالظالمين ما يشمل قوم لوط ، ويشمل كل من عصى الله وتجاوز حدوده، لم يتتبع ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم -. وهكذا كانت نهاية قوم لوط ، فقد انطوت صفحتهم كما انطوت من قبلهم صفحات قوم نوح وهود وصالح - عليهم الصلاة والسلام - هذا ومن العبر والأحكام التى نأخذها من هذه الأبات الكريمة، أنه لا بأس على المسلم من أن يستعين بغيره لنصرة الحق الذى يدعو إليه، ولخدلان الباطل الذى ينهى عنه . (١) سورة الصافات الآيتان ١٣٧ - ٠١٣٨ - ١٣٨ - فلوط - عليه السلام - عندما رأى من قومه الإصرار على غوايتهم ومفاسده تمنى لو كانت معه قوة تزجرهم وتردعهم وتمنعهم عن فسادم . وقد علق الإمام ابن حزم على ما جاء فى الحديث الشريف بشأن لوط - عليه السلام - فقال ما ملخصه: , ظن بعض الفرق أن ما جاء فى الحديث الصحيح من قوله -صلى الله عليه. وسلم -(( رحم الله لوطا، لقد كان يأوى إلى ركن شديد (( إنما هو من باب الإفكار على لوط - عليه السلام - فى قوله « لو أن لى بكم قوة أو آوى إلى رکن شدید۔ والحق أنه لا تخالف بين القولين ، بل كلاهما حق، لأن لوطا - عليه السلام. إنما أراد منعة عاجلة يمنع بها قومه ما هم عليه من الفواحش . من قرابة أو عشيرة أو أتباع مؤمنين ، وما جهل قط لوط - عليه السلام - أنه يأوى من ربه - تعالى - إلى أمنع قوة، وأشدر كن . ولا جناح على لوط - عليه السلام - فى طلب قوة من الناس- فقد قال الله - تعالى - , ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض)». وقد طلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الأنصار نصرته حتى يبلغ كلام ربه ، فكيف يفكر على لوط أمرا هو فعله ؟ !! تافقه ما أنكر ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإنما أخبر أن لوطا كان يأوى إلى ركن شديد، يعنى من نصر الله له بالملائكة، ولم يكن لوط علم بأنهم ملائكة ... )،(١) ثم انتقات السورة الكريمة بعد ذلك فقصت علينا ما كان بين شعيب - عليه السلام - وقومه وكيف أنه دعاهم إلى عبادة الله - تعالى- وحده بأسلوب. (١) تفسير القاسی × ٩ ص ٣٤٧٢ - ١٣٩ - بليغ حكيم، ولكنهم لم يستجيبوا له، فكانت عاقبتهم الهلاك كالذين من قبله قال - تعالى -: (( وإلى مَدْينَ أخاهُمْ شُعيباً، قال يا قومٍ اعبدُوا اللهَ ما لكُم م. إلىٍ غيرُه، ولا تَنْقُصُوا المكيالَ والميزانَ إنّى أراكُ بخيرٍ وإنى أخاف عليكم عذابَ يومٍ محيطِ (٨٤) ويا قومٍ أَوْفُوا المكيالَ والميزان بالقِسْطِ، ولا تبخسُوا الناس أشياءهم ولا تعثَوْا فى الأرض مفسدينَ (٨٥ بقيتُ اللهِ خيرٌ لكم إنْ كنتُم مؤمنينَ وما أنا عليكم بحفيظٍ (٩٦ قالوا يا شعيبُ أصلاتُكَ تَأْمُركَ أن نتركَ ما يعبدُ آباؤنا، أو أن نَفْهَ فى أموالنا ما نشاء إنك لأنتَ الحليمُ الرشيدُ (٨٧) قال يا قومٍ أرأية إنْ كنتُ على بَيِّةٍ مِن رَبِى، ورزقنى منه رزقاً حَسناً، وما أريدُأ. أخالِكُم إلى ما أنها كُم عنه، إن أريدُ إلا الإصلاح ما استطعتُ وما توفيقي إلا بالله عليه توكلتُ وإليه أنيبُ (٨٨) ويا قومٍ لا يحر منا R شِقائِى أنْ يُصِيبَكُم مثلُ ما أصابَ قومَ نوحٍ أو قومَ هودٍ أو قو صالح وما قوم لوطٍ منكم بعيدٍ (٨٩) واستغفروا ربكم ثم توبُوا إل إِنْ رَبى رحيمٌ ودودٌ" (٩٠) قالوا يا شعيبُ ما نفقَهُ كثيراً مما تقولُ وإِ لنراكَ فينا ضعيفاً ولولا رهُُكَ لرجمناكَ وما أنتَ عليناَ بعزيز (١) قالَ با قومٍ أَرَهْطِى أعزُّ عليكُم من اللهِ واتخذتموهُ وراءلم ظِهِرياً إنّ ربى بما تعلمونَ محيطٌ (٩٢) ويا قومٍ اعملوا على مكانتِكُم إنى عام سوفَ تعلمونَ ((من يأتيه عذابٌ يُجْزِيه ومن هو كاذبٌ وارتِبُو إنى معكُّم رقيبٌ (٩٣) ولما جاء أمرناَ نجَّناً شعيباً والذينّ آمنُوا مـ - ١٤٠ - يرحمةٍ منا، وأخذَتِ الذين ظلموا الصيحةَ فأصبحُوا فى ديارِ م جائمينَ (٩٤) كأن لم يغتَوْا فيها، ألا بُعداً لمدينَ كما بَعِدَتْ نمودُ (٩٥))). تلك هى قصة شعيب - عليه السلام - كما حكتها هذه السورة الكريمة, وقد وردت هذه القصة فى سورة أخرى منها: سورقى الأعراف والشعراء ... ومدين، إسم للقبيله التى تنتسب إلى مدين بن إبراهيم - عليه السلام -. وكانوا يسكنون فى المنطقة التى تسمى ( معان) وتقع بين حدود الحجاز والشام . وأهل مدين يسمون أيضا بأصحاب الأيكة ، والأيكة : منطقة مليئة بالشجر كانت مجاورة ة لقريه ( معان)، وكان يسكنها بعض الناس فأرسل اه شعبيا إليهم جميعا . وشعيب هو ابن ميكيل بن إشجر بن مدين بن إبراهيم، فهو أخوم فى النسب . وكان التى صلى الله عليه وسلم - إذا ذكر شعيب قال: (ذلك خطيب الأنبياء ) لحسن مراجعته لقومه ، وقوة حجته . وكان قومه يعبدون الأصنام. ويطففون فى الكيل والميزان ... فدعاهم إلى عبادة الله وحده، وفهاهم عن الخيانة وسوء الأخلاق . ويرى بعض العلماء: أن شعيبا أرسل إلى أعين: أهل مدين الذين أهلكوا بالصيحة؛ وأصحاب الأيكة الذين أخذهم الله بعذاب يوم الظله، وأن الله -تعالى لم يبعث فما مرتين سوى شعيب - عليه السلام -. ولكن المحققين من العلماء اختاروا أنهما أمة واحدة، فأهل مدين م أصحاب الأيكة ، أخذتهم الرجفة والصيحة وعذاب يوم الظله - أبى السحابة - وأن كل عذاب كان كالمقدمة للأخر .