النص المفهرس

صفحات 101-120

- ٠١٠١
ثم أضافوا إلى إصرارهم هذا استخفافا به وبما يدعو إليه فقالوا: ((إن
نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء .... »
ومعنى أعتراك: أصابك ومسك. يقال عراه الأملة واعتره أى أصابه.
وأصله من قولهم : عراه يسروه، أى: غشيه وأصابه . ومنه قول الشاعر :
وإنى لتعرونى لذكراك هزة ... أى تصيبنى ..
أى: أى مانحن بتاكى آلهتنا عن قولك، وما نحن لك بمتبعين، بل عليك
أن تيأس بأسا تاما من استجابتنا لك ، وحالتك التى نراها بأعيننا تجعلنا نقول
لك : إن سبك لآلهتنا جعل بعضها - لا كلها - يتسلط عليك، ويوجه قدرته
نحوك، فيصيك بالجنون والهذيان والأمراض ...
ولم يقولوا: ((اعتراك آ لهتنا بسوء، بل قالوا: «بعض آلهتنا، تهديدا له
وإشارة إلى أنه لو تصدت له جميع الآلهة لأهلكته إهلاكا .
وهكذا نراهم قد ردوا على نبيهم ومرشدهم بأربعة ردود، تدرجوا فيها
من سىء إلى الأسوأ، ومن القبيح إلى الأقبح .. مما يدل على توغلهم فى
الطغيان، وبلوغهم النهاية فى العناد والكفر والججود
قال صاحب الكشاف ما ملخصه: ( أن نقول الا اعتداك بعض آلهتنا
بو٠٠٠)
أى: مسك بجنون لسبك اياها، وصدك عنها، وعداوتك لها، مكافأة
لك منها على سوء فعلك بسوء الجزاء، فمن ثم صرت تتكلم بكلام المجانين
وتهذى بهذيان المبرسمين .....
ثم قال . وقد دلت ردودهم المتقدمة على أن القوم كانوا جفاة غلاظ
الأكباد، لا يبالون بالبهت، ولا يلتفتون إلى النصح ، ولا تلين شكيمتهم
الرشد .
وهذا الأخير دال على جهل مفرط ، وبله متناه ، حيث إعتقدوا فى حجارة

- ١٠٢-
أنها تنتصر وتنتقم .... ) (١)
والآن وبعد أن إستمع هود - عليه السلام - إلى ردودهم القبيحة
ماذا كان موقفه منهم ؟
لقد كان موقفه منهم: موقف المتبرىء من شركهم ,والمتحدى لطغيانهم
والمعتمد على الله - تعالى - وحده فى الإنتصار عليهم، ولقد حكى القرآن
رده عليهم فقال :
( قال إنى أشهد اقله وأشهدوا أنى برىء مما تشر كون. من دونه، فكيدوز
جميعا ثم لا تنظرون. إنى توكلت على الله ربی وربكم ما من دابة إلا هو آخـ
بناصيتها، إن ربى على صراط مستقيم. فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت:
اليكم ويستخلف ربى قوما غيركم ولا تضرونه شيئا ، إن ربى على كل شى
حفيط).
أى: قال هود - عليه السلام - للطغاة من قومه بعزة وثقة (إنى أشه
الله) الذى لا رب سواه على براءتى من عبادتكم لغيره.
( وأشهدوا) أنتم أيضا على ( أفى برىء ما تشر كون من دونه)
أى: على براءتى من كل عبادة تعبدونها لغير الله - تعالى - لأنها عباء
باطلة ، يحتقرها العقلاء ؛ ويتنزه عنها كل إنسان يحترم نفسه.
فأنت تراه فى هذه الآية الكريمة يعلن إحتقاره لآلهتهم ، وبراءته من
شركهم، وإستخفافه بأصنامهم التى زعموا أن بعضها قد أصابة بسوء، ويوا
هذه البراءه بإشهاد الله - تعالى - وإشهادهم.
وذلك كما يقول الرجل لخصمه إذا لم يبال به : أشهد الله وأشهدك:
أفى فعلت بك كذا وكذا، وقلت فى حقك كذا وكذا .... فافعل أن
ما بدا لك !!
(١) تفسیر الکشاف < ٢ ص ٢٧٥

- ١٠٣ -
ثم ينتقل من براءته من شركهم، إلى تحديهم بثقة وإطمئنان فيقول :
( فكيدوفى جميعا ثم لا تنظرون )
أى: لقد أعلنت أمامكم بكل قوة ووضوح أنى برىء من شرككم ،
وهأنذا فى مواجهتكم، فأنضموا إلى آلهتكم، وحاربوفى بما شتم من ألوان
المحاربة والأذى بدون تريث أو إمهال ، فإنى لن أكف عن الجهر بدعوته. ،
ولن أتراجع عن احتقار الباطل الذى أنتم عليه .
وهذا - كما يقول صاحب الكشاف - من أعظم الآيات، أن يواجه
بهذا الكلام رجل واحد أمة عطاشا إلى إراقة دمه ، يرموته عن قوس واحدة
وذلك لثقته بربه، وأنه يعصمه منهم، فلا تنشب فيه مخالبهم ... (١))
ثم ينتقل بعد ذلك إلى بيان السبب الذى دعاه إلى البراءة من شركهم، والى
عدم المبالاة بهم فقال - كما حكى القرآن عنه - (إنى توكلت على الله ربى
وربكم .... )
أى: إنى فوضت أمري الى الله الذى هو ربي وربكم، ومالك أمرى
وأمركم ، والذى لا يقع فى هذا الكون شىء الا بإرادته ومشيئته .
وفى قوله: (ربي وربكم) مواجهة لهم بالحقيقة التى ينكرونها ، لإفهامهم
أن أفكارهم لا قيمة له ، وأنه افكار عن جحود وعناد .... فهو - سبحانه -
ربهم سواء أقبلوا ذلك أم رفضوه. وقوله ( مامن دابة الا هو آخذ بناصيتها)
تصوير بديع لشمول قدرته - سبحانه - والأخذ : هو التناول للشىء عن
طريق الغلبه والقهر .
والناسية : منبت الشعر فى مقدم الرأس ، ويطلق على الشعر النابت نفسه.
قال الإمام الرازى : وأعلم أن العرب اذا وصفوا انسانا بالذلة والخضوع
قالوا: ما صية فلان الا بيد فلان. أى أنه مطيع له ، لأن كل من أخذت
(١) تفسیر الکشاف × ٢ ص ٢٧٦

- ١٠٤ ...
بناصيه فقد قهرته . وكانوا إذا أسروا أسيرا وأراديا اطلاقه جزوا ناصيته
ليكون ذلك علامة لقهره خرطبوا فى القرآن بما يعرفون .... ) (١)
والمعنى: أنى اعتمدت على الله ربي وربكم: ما من دابة تدب على وجه
الأرض الا والله - تعالى - مالكها وقاهر لها، وقادر عليها ، ومتصرف فيها
كما يتصرف المالك فى ملكه .
وفى هذا التعبير الحكيم صورة حسية بديعة تناسب المقام ، كما تناسب
غلظة قوم هود وشدتهم . وصلابة أجسامهم وبنيتهم ، وجفاف حسهم
ومشاعرهم ... فكأنه - عليه السلام - يقول لهم: انكم مهما بلغتم من
القوة والبطش ، فما أنتم الا دواب من تلك الدواب التى يأخذ ربى بناصيتها،
ويقهرها بقوته قهراً يهلكها - اذا شاء ذلك - فكيف أخشى دوابا مثلكم مع
تو کلی علی الله ربی و « بكم ؟ !!
ثم يتبع هذا الوصف الدال على شمول قدرة الله - تعالى - بوصف آخر
يدل على عدالته وتنزهه عن الظلم فيقول: ( ان ربى على صراط مستقيم)
أى : ان ربى قد اقتضت سنته أن يسلك فى أحكامه طريق الحق والعدل
وما دام الأمر كذلك فلن يسلطكم عن لأنه - حاشاه - أن يسلط من كان
متمسكا بالباطل ، على من كان متمسكا بالحق .
واكتفى هنا بإضافة الرب إلى نفسه، للاشارة إلى أن لطفه - سبحانه -
يشمل هودا وحده ولا يشملهم، لأنهم أشر كوا معه فى العبادة آلهة أخرى.
ثم ختم هود - عليه السلام - رده على قومه، بتحذيرهم من سوء
عاقبة إصرارهم على كفرهم فقال: (فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت
به اليكم ... )
أى : فإن تتولوا عن دعونى، وتعرضوا عن الحق الذى جئتكم به من عند
ربى . فتكون عاقبتكم خسرا، وأمركم فرطا .
(١) تفسير الفخر الرازى - ٧ ص ١٣

- ١٠٥ -
أما أنا فقد أديت واجى ، وأبلغتكم ما أرسلت به إليكم من عند ربى
بدون تكاسل أو تقصير: وقوله ( ويستخلف ربى قوما غيركم ولا تضرونه
شيئاً) وعيد لهم بإهلاكهم وإحلال غيرهم محلهم .
أى: وهو - سبحانه -- سيهلككم بسبب إصراركم على كفركم فى الوقت
الذى يشاؤه ، ويستخلف من بعدكم قوما آخرين سواكم ، يرثون دياركم
وأموالسكم ، ولن تضروا اللّه شيئا من الضرر بسبب إصراركم على كفركم ،
وإنما أنتم الذين تضرون أنفسكم بتعريضها للدمار فى الدنيا، وللعذاب الدائم
فى الآخرة .
وقوله: « إن ربى على كل شىء حفيظ، أى: إن ربى قائم على كل شىء
بالحفظ والرقابة والهيمنة ، وقد اقتضت سنته - سبحانه - أن يحفظ رسله
وأولياءه ، وأن يخذل أعداءه .
وإلى هذا تكون السورة الكريمة قد ساقت لنا بأسلوب بليغ حكيم ، جانبا
من الحوار الذى دار بين هود وقومه وهو يدعوهم إلى عبادة الله وحده ، فماذا
كانت نتيجة هذا الحوار والجدال ؟
لقد كانت نتيجته إنجاء هود والذين آمنوا معه ، وإهلاك أعدائهم.
قال - تعالى - ((ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا،
ونجيناهم من عذاب غليظ ، وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله
واتبعوا أمر كل جبار عنيد. وأتبعوا فى هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ، ألا
إن علة اكفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود.
والمراد بالأمر فى قوله - سبحانه - ((ولما جاء أمرنا، الأمر بنزول
العذاب بهم .
أى: وحين جاء أمرنابتحقيق وعيدنا فى قوم هود ، وبتنفيذ ما أردناه من
إهلاكهم وتدميرهم (« نجينا هودا والذين آمنوا معه، نتيجة مصحوبة ((برحمة))
عظيمة كائنة ((منا)) بسبب إيمانهم وعملهم الصالح .

٠ ١٠٦ -
((ونجيناه، كذلك ,من عذاب غليظ، أى: من عذاب ضخم شديدم ضاعف
رك هؤلاء الطغاة وراءه صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية .
ووصف العذاب بأنه غليظ، بهذا التصوير المحسوس، يتناسب كل التناسب
مع جو هذه القصه ، ومع ما عرف عنه قوم من ضخامة فى الأجسام ، ومن
تفاخر بالقوة ..
قال - تعالى - (فأما عاد فاستكبروا فى الأرض بغير الحق وقالوا من
أشد منا قوة ... (١)
وكان عذابهم كماجاء فى آيات أخرى بالريح العقيم ، ومن ذلك قوله
- تعالى - ((وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتمه. سخرها عليهم سبع ليال
وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى، كأنهم أعجاز نخل خاوية .. ،
واسم الإشارة فى قوله - سبحانه -((وقلك عاد ... )) يعود إلى القبيلة
أو إلى آثارهم التى خلفوها من بعدهم. أى: وتلك هى قصة قبيلة عاد مع نبيها
هود - عليه السلام - وتلك هى عاقبتها وكانت الإشارة للبعيد تحقير الهم،
وتهوينا من شأنهم بعد أن انتهوا، وبعدوا عن الأنظار والأفكار ، وقد كانوا
يقولون : من أشد منا قوة ..
وقوله: (( جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله ، واتبعوا أمر كل جبار
عنيد ٠٠٠)) بيان لجرائمهم التى استحقوا بسبها العذاب الغليظ.
والجحد : الإفكار الشديد للحق الواضح .
وآيات ربهم: الحجج والبراهين التى جاء بها الأنبياء من ربهم للدلالة
علی مدقهم .
والجبار : هو الشخص المتعالى المتعاظم على الناس ، المترفع عن
الاستجابة للحق.
(١) سورة فصلت الآية ١٥

- ١٠٧ -
والعنيد: المعاند الطاغى الذى يعرف الحق ولكنه لا يتبعه.
أى: وتلك هى قصة قبيلة عاد مع نبيها، كفروا بآيات ربهم الدالة على
صدق أنبيائه، وعصوا رسله الذين جاءوا لهدايتهم، واتبع سفلتهم وعوامهم
أمر كل رئيس متجبر متكبر معاند منهم ، بدون تفكر أو تدبر .
وقال - سبحانه - ((وعصوا رسله، مع أنهم قد عصوا رسولا واحدا هو
هود - عليه السلام - ، الإشارة إلى أى معصيتهم لهذا الرسول كأنها معصية
للرسل جميعا، لأنهم قد جاءوا برسالة واحدة فى جوهرها وهى : عبادة الله
- تعالى - وحده ، والتقيد بأوامره ونواهيه .
والإشارة أيضا إلى ضخامة جرائمهم، وإبراز شفاعتها حيث عصوا
رسلالا رسولا :
وقد وصفهم - سبحانه - فى هذه الآية بثلاث صفات هى أعظم الصفات
فى القبح والشناعة : أولها: جحودهم لآيات ربهم . وثانيها: عصيانهم لرسله .
وثالثها : اتباعهم أمر رؤسائهم الطغاة .
ثم ختم - سبحانه - قصتهم مع نبيهم فى هذه السورة بقوله: «واتبعوا فى
هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ... ))
والاتباع: اقتفاء أثر الشىء بحيث لا يفوته . يقال: اتبع فلان فلانا
إذا اقتفى أثره لکی یدر که أو يسير على نهجه .
واللعنه : الطرد بإهانة وتحقير .
أى: أنهم هلكوا مشيعين ومتبوعين باللعن والطرد من رحمة الله فى
الدنيا والآخرة .
وقوله: (( ألا أن عادا كفروا ربهم، ألا بعدا لعاد قوم هود)) تسجيل
لحقيقة حالهم، ودعاء عليهم بدوام الهلاك، وتأكيد لسخط الله عليهم.
أى: ألا أن قوم عاد كفروا بنعم ربهم عليهم ، ألا سحقا وبعدالهم عن

- ١٠٨-
رحمة الله، جزاء جحودهم للحق، وإصرارهم على الكفر، واستحبابهم العمى
على الهدى .
وتكرير حرف التنبيه ((ألا، وإعادة لفظ (عاد، للمبالغة فى تهويل حالهم
وللحض على الاعتبار والاتعاظ بما لهم .
هذا ، ومن العبر البارزة فى هذه القصة :
١ - أن الداعى إلى الله، عليه أن يذكر المدعوين بما يستثير مشاعرهم،
ويحقق إطمئنانهم إليه، ويرغبهم فى اتباع الحق، ببيان أن انباعهم لهذا الحق
سيؤدى إلى زيادة غناهم وقوتهم وأمنهم وسعادتهم ....
وأن الانحراف عنه سيؤدى إلى فقرهم وضعفهم وهلاكهم ....
انظر إلى قول هود - عليه السلام -: (( ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا
إليه، يرسل السماء عليكم مدرارا، ويزدكم قوة إلى قوتهكم، ولا تقولوا مجرمين)).
٢ - وأن الداعى إلى الله - تعالى - عندما يخلص الله دعوته، ويعتمد عليه
- سبحانه - فى تبليغ رسالته ، ويغار عليها كما يغار على عرضه أو أشد ...
فإنه فى هذه الحالة سيقف فى وجه الطغاة المناوئين للحق ، كالطود الأشم،
دون مبالاة بتهديدهم ووعيده ... لأنه قد آوى إلى ركن شديد.
وهذه العبرة من أبرز العبر فى قصة هود عليه السلام-
ألا تراه وهو رجل فرد يواجه قوما غلاظا شدادا طغاة، إذا بطشوا
بطشوا جبارين ، يدلون بقوتهم ويقولون فى زهو وغرور : من
أشد مناقوة .
ومع كل ذلك عندما يتطاولون على عقيدته ؛ ويراهم قد أصروا على عصيانه.
يواجهم بقوله: (( إنى أشهد الله وأشهدوا أنى برىء مما تشركون . من
دونه فكيدنى جميعا ثم لا تنظرون .. »

- ١٠٩ -
أرأيت كيف واجه هودا - عليه السلام - هؤلاء الغلاظ الشداد بالحق
الذى يؤمن به دون مبالاة بوعيدهم أو تمديدهم .. ؟
وهكذا الإيمان بالحق عندما يختلط بالقلب .... يجعل الإنسان يجهر به
دون أن يخشى أحداً إلا الله - تعالى -
ثم واصلت السورة الكريمة حديثها عن قصص بعض الأنياء مع أقوامهم
فتحدثت عن قصة صالح - عليه السلام - مع قومه، فقال - تعالى -
(( وإلى نمودَ أخاهُم صالحاً قال يا قوم اعبدُوا اللهَ مالكم من إلّهِ
غيرُه، هو أنشأْكُمُ من الأرضِ واستعمرَ كُمُ فيها، فاستغْفِرُوهُ ثم تُوبُوا
إليه إنّ رَبّى قريبٌ مُجِيبٌ (٦١) قالُوا يا صالحٌ قد كنتَ فينا مَرْجُواً
قبلَ هذَا، أتنهاناً أن نعبدَ ما يعبُدُ آباؤنا وإنََّاَ لفِى شَكّ مما تدعوناً
إليه مُريبٌ (٦٢) قال يا قومٍ أرأيتم إن كنتُ على بينةٍ من ربّى،
وآتانى منه رحمةً فمن ينصرُّفِى من اللهِ إنْ عصيتُه فا نَزِيدُونِى غير
تخسير (٦٣) ويا قومِ هذه ناقَةُ الله لكمِ آيَةً ، فذرُوها تاَ كلْ فى أرضٍ
اللهِ ولا تمشوها بسوءٍ فيأخذَ كُم عذابٌ قَرِيبٌ (٦٤) فعقرُوها فقال
عَتِّمُوا فى دارِ كُم ثلاثةَ أيامٍ ذلك وعدٌ غيرُ مكذوبٍ (٦٥) فلمّا جاء أمرنا
تجيْناً صالحاً والذينَ آمنُوا معَهُ برحمةٍ مِنَّا ومِنْ خِزْىٍ يَوْمَئِذٍ ، إن
ربِّك هو القوىُ العزيزُ (٦٦) وأُخذَ الذينَ ظلموا الصيحةَ فأصبحُوا فى
دِيارِهِمْ جائمينَ (٦٧) كأنْ لم يفنَوْا فيها، ألا إنّ نمودَ كفرُوا ربّهم
ألاَ بُعداً لتُود (٦٨)»
هذه قصة صالح - عليه السلام - مع قومه كما ذكرتها هذه السورة، وقد
وردت هذه القصة فى سور أخرى منها سورة الأعراف ، والشعراء؛.
والعمل ، والقمر ..

- ١١٠ -
وصالح - عليه السلام - ينتهى نسبه إلى فوج - عليه السلام - فهو صالح
بن عيد بن آسف بن ماسح بن عبيد بن حاذر بن ثمود ... بن نوج.
ونمود : إسم للقبيلة التى منها صالح، سميت باسم جدها ثمود ، وقيل
سميت بذلك لقلة مائها، لأن الثمد هو الماء القليل.
وكانت مساكنهم بالحجر - بكسر الحاء وسكون الجيم ـ وهو مكان يقع
بين الحجاز والشام إلى وادى القرى ، وموقعه الآن - تقريبا - المنطقة التى بين
الحجاز وشرق الأردن ، وما زال المكان الذى كانوا يسكنونه يسمى بمدائن
صالح حتى اليوم ...
وقبيلة صالح من القبائل العربية ، وكانوا خلفاء لقوم هود - عليه السلام
فقد قال - سبحابه -: ((واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم فى
الأرض تتخذون من سورلها قصورا، وتنحتون الجبال يبوتا ... )) (١)
وكانوا يعبدون الأصنام، فأرسل الله - تعالى - اليهم صالحاً ليأمرهم
بعبادة الله وحدة .
وقوله: (( وإلى ثمود أخاهم صالحا قال ياقوم اعبدوا الله ما لمكم من إله
غيره ... ، معطوف على ما قبله من قصتى فوج وهود - عليهما السلام -
أى: وأرسلنا إلى قبيلة ثمرد أخاهم فى النسب والموطن صالحا - عليه السلام
فقال لهم تلك الكلمة التى قالها كل فى لقومه : يا قوم اعبدوا الله وحده ، فهو
الإله الذى خلقكم ورزقكم ، وليس هناك من إله سواه يفعل ذلك.
ثم ذكرهم بقدرة الله - تعالى - وبنعمه عليهم فقال: ((هو أنها كم من.
الأرض واستعمركم فيها ،
والإنشاء : الإيجاد والإحداث للشىء على غير مثال سابق.
(١) سورة الأعراف الآية ٧٤
٠%

-١١ : -
وإستعمركم من الإعمار ضد الخراب فالسين والتاء للمبالغة. يقال : أعمر
فلان فلافا فى المكان وإستعمره، أى جعله يعمره بأنواع البناء والغرس
والزرع ...
أى: اعبدوا الله - تعالى - وحده، لأنه - سبحانه - هو الذى أبتد أ خلقكم
من هذه الأرض ، وأبوكم آدم ما خلق إلا منها وهو الذى جعلكم المعمرين
لها، والساكنين فيها «تتخذون من سهولها قصوراً، وتنحقون الجبال
بيوتا ... ،
قال - تعالى - فى شأنهم.، أتتركون فيما هاهنا آمنين . فى جنات وعيون.
وزروع ونخل طلعها مضيم . وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين فاتقوا الله
وأطيعون.)،(١)
فأنت ترى أن صالحا - عليه السلام - قد ذكرهم بجانب من مظاهر قدرة الله
ومن أفضله عليهم ، لكى يستميلهم إلى التفكير والتدبير، وإلى تصديقه فيما
يدعوهم اليه .
والفاء فى قوله (( فاستغفروه ثم توبوأ اليه)) للتفريع على ما تقدم.
أى : إذا كان الله - تعالى ، هو الذى أنشأكم من الأرض واستعمر كم فيها
فعليكم أن تخلصوا له العبادة. وأن تطلبوا مغفرته عما سلفه منكم من ذنوب
ثم تتوبوا إليه قوبة صادقة: تجعلكم تندمون على ما كان منكم فى الماضى
من شرك وكفر ، وتعزمون على التمسك بكل ما يرضى الله - تعالى -
فى المستقبل.
ثم فتح أمامهم باب الأمل فى رحمة الله - تعالى - فقال: (( إن ربى قريب
مجيب . .
(١) سورة الشعراء الآيات من ٦، ١ - ١٥٠

- ١١٢ -
أى: إن ربى قريب الرحمة من المحسنين، مجيب الدعاء الداعين المخلصين،
فاقبلوا على عبادته وطاعته، ولا تقنطوا من رحمة اله .
ثم حكى القرآن ما رد به قوم صالح عليه فقال: ((قالوا يا صالح قد كنت
فينا مرجوا قبل هذا .. .
أى: قال قوم صالح له بعد أن دعاهم لما يسعدهم: يا صالح لقد كنت فينا
وجلا فاضلا نرجوك لمهمات الأمور فينا لعلمك وعقلك وصدقك .. ، قبل أن
تقول ما قلته، أما الآن وبعد أن جئتنا بهذا الدبن الجدید فقد خاب رجاؤنا
فيك ، وصرت فى رأينا رجلا مختل التفكير ...
فالإشارة فى قوله (( قبل هذا، إلى الكلام الذى خاطبهم به حيث بعثه
الله إليهم.
والاستفهام فى قولهم (أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا للتعجيب والإنكار.
أى : أجئتنا بدعوتك الجديدة لتنهانا عن عبادة الآلهة التى كان يعبدها
آباؤنا من قبلنا ؟
لا، إننا لن نستجيب لك، وإنما نحن قد وحدنا آباءنا على دين وإنتاعلى
آثارهم نسير .
ثم ختموا ردهم عليه بقولهم:((وإننا افى شك ما تدعوننا إليه مريب)).
ومريب : اسم فاعل من أراب. تقول: أربت فلانا فأنا أريبه، إذا فعلت
به فعلا يوجب لديه الريبة أى : القلق والاضطراب .
أى : لن نترك عبادة الأصنام التى كان يعبدها آباؤنا، وإننا افى شك
كبير ، وريب عظيم من صحة ما تدعونا إليه .
فانظر كيف قابل هؤلاء السفهاء الدعوة إلى الحق بالتصميم على الباطل،
ولكن صالحا - عليه السلام - لم ييأس بل يرد عليهم بأسلوب حكيم فيقول:
, قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربى، وآتانى منه رحمة، فمن
ينصرفى من أمته إن عصيته، فما تزيدوفنى غير تخسير))

- ١١٣ -
أى قال صالح - عليه السلام -.. لقومه: يا قوم أخبرونى إن كنت على
حجة واضحة من ربى ومالك أمرى .
وآثائى منه رحمة ، أى : وأعطافى من عنده لا من عندغيره رحمة عظيمة
حيث اختارفى لحمل رسالته . وتبليغ دعوته .
وجملة ((فمن ينصر فى من الله إن عصيته)) جواب الشرط وهو قوله « إن
كنت على بينة .,.,
أى: إذا كان الله - تعالى - قد منحنى كل هذه النعم. وأمرفى بأن
أبلغكم دعوته , فمن ذا الذى يجير فى ويعصمنى من غضبه, إذا أنا خالفت أمره
أو قصرت فى تبليغ دعوته ، احتفاظ برجائكم فى، ومسايرتى لكم فى باطلكم؟
لا ، إننى سأستمر فى تبليغ ما أرسلت به إليكم، ولن يمنعنى عن ذلك ترغيبكم
أو ترهيبكم .
وقوله «فما تزيدوننى غير تخير، تصريح منه بأن ما عليه هو الحق الذى
لا يقبل الشك أو الريب ، وأن مخالفته توصل إلى الهلاك والخسران .
والتخمير: مصدر خسر. يقال خر فلان فلانا إذا نسبه إلى الخسران.
أى : فما تزيدوننى بطاعتكم ومعصية ربى غير الوقوع فى الخسران ، وغير
التعرض لعذاب الله وسخطه, وحاشاى أن أخالف أمر ربى إرضاء لكم ...
فالآية الكريمة تصور تصوير ابليغا ما كان عليه صالح - عليه السلام- من
إيمان عميق بالله - تعالى -، ومن ثبات على دعوته , ومن حرص على ضاعته
- سبحانه -
ثم أرشد صالح - عليه السلام - إلى المعجزة الدالة على صدقه فيما يبلغه
عن ربه فقال :
((ويا قوم هذه فاقة الله لكرآيه ... ، أى: معجزة» اضحة د نه على صدقى
وفى إضافة الناقة إلى الله - تعالى - تعظيم لها وتشريف لحالما، وتنبيه على
(٨ - سورة هود)

١١٤٠٠-
أنها فاقة مخصوصة ليست كغيرها من النوق التى تستعمل فى الركوب والنحر
وغيرهما. لأن الله - تعالى - قد جملها معجزة لنبيه صالح - عليه السلام - ولم
بجعلها كغيرها .
وقد ذكر بعض المفسرين من صفات هذه الناقة وخصائصها. ما: يؤيده
نقل صحيح ، لذا أضربنا عن كل ذلك صفحا ، ونكتفى بأن نقول: بأنها
كانت ناقة ذات صفات خاصة ميزة، تجعل قوم صالح يعلمون عن طريق هذا
التمييز لها عن غيرها أنها معجزة دالة على صدق قبيهم - عليه السلام - فيما
يدعوهم إليه .
وقوله:« فذروها تأكل فى أرض الله، ولا نموها بسوء فيأخذكـ عذاب
قريب، أمر لهم بعدم التعرض لها بسوه وتحذير لهم من نتائج مخالفة أمره.
أى : اتركوا الناقة حرة طليقة تأكل فى أرض الله الواسعة؛ ومن رزقه
الذى تكفل به لمكل دابة ، واحذروا أن تمسوها بشىء من السوء مهما كان
قليلا ، فإنكم لو فعلتم ذلك عرضتم أنفسكم لعذاب الله العاجل القريب.
والتعبير بقوله (( فيأخذكم)) بفاء التعقيب وبلفظ الأخذ، يفيد سرعة الأخذ
وشدته، لأن أخذه - سبحانه - أليم شديد.
ولكن قوم صالح - عليه السلام - لم يستمعوا إلى تحذيره، بل قابلوه
بالطغيان والعصيان، (( فمقروها)، أى: فعقروا الناقة ((وعتوا عن أمر ربهم
وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين))(١).
والفاء معطوفة على محذوف: أى خالفراما نهاهم عنه نبيهم فعقر وها أى نحر وها
وأصل العقر : قطع عرقوب البعير، ثم استعمل فى النحر لأن ناحر البعير
يعقله ثم ينحره فقال لهم صالح - عليه السلام - بعد عقرها (تمتعوا فى داركم ثلاثة
أيام ذلك وعد غير مكذوب ».
(١) سورة الأعراف الآية ٧٧

- ١٥ ٢٠
والتمتع: الانتفاع بالمتاع، وهو اسم لما يحتاج اليه الإنسان فى هذه الحياة
من مأكل ومشرب وغيرهما .
والمراد بدارهم : أماكن سكناهم التى يعيدون فيها .
أى: قال لهم نبيهم بعد نحرهم للناقة: عيشوا فى بلدكم هذا، متمتعين بما فيه
من نعم لمدة ثلاثة أيام فقط ، فهى آخر ما بقى لكم من متاع مذه الدنيا، ومن
أيام حياتكم .
(( ذلك ) الوعد بنزول العذاب بكم بعد هذه المدة القصيرة.
. وعد غير مكذوب، فيه لأنه صادر من الله - تعالى - الذى لا يخلف وعده.
وعبر عن قرب نزول العذاب بهم بالوعد على سبيل التهكم بهم .
قال الجمل: ((ومكذوب، يجوز أن يكون مصدرا على وزن مفعول، وقد
سقاء من ألفاظ نحو : المجنود والمنقول والمنشور والمغبون، ويجوز أن يكون
اسم مفعون على بابه وفیه تأويلان: أحدهما : غیر مکدوبفیه ، ثمحذفحرف
الجر فاتصل الضمير مرفوعا مستترا فى الصفة ومثله: يوم مشهود. والثانى: أنه
جعل هو نفسه غير مكذوب، لأنه قد وفى به، وإذا وفى به فقد صدق)،(١)
ولقد تحقق ماقوعدهم به نبيهم ، فقد حل بهم العذاب فى الوقت الذى حدده
لهم ، قال - تعالى -«فلما جاء أمرنا، أى: فلما جاء أمرنا بإنزل العذاب بهم فى
الوقت المحدد.
(( نجينا صالحا والدين آمنوا معه برحمة منا)، أى برحمة عظيمة كائنة منا.
ونجيناهم أيضا«من خزى ض، أى: من خزى وذل ذلك اليوم الهائل
الشديد الذى نزل فيه العذاب بهم با عمالفين من قوم صالح - عليه السلام - فأبادهم
فالتنوين فى قوله (( يومئذ، عوض عن المضاف إليه المحذوف.
وقوله - سبحانه - ((إن ربك هو القوى العزيز، تسلية للرسول - صلى
الله عليه وسلم - وللمؤمنين عما أصابهم من أذى.
(١) حاشية الجمل على الجلالين حـ ٤ ص ٤٠٨

- ١١٦ -
أى: إن ربك - أيها الرسول الكريم - هو القوى الذى لا يعجزه شر
العزيز الذى ذيهون من يقولاه ويرعاه، فلا تبنئس مما أصابك من قومك،
فربك قادر على أن يفعل بهم ، ما فعله بالظالمين السابقين من أمثالهم .
ثم صور القرآن الكريم حال هؤلاء الظالمين تصوير: يدعو إلى الاعتبار
والاتعاظ فقال: « وأخذ الذين ظلموا الصيحة، فأصبحوا فى دياره جائمين.
كأن لم يغنوا فيها، ألا إن نمود كفروا ربهم ألا بعداً لثمود)».
والصيحة: الصوت المرتفع الشديد . يقال: صاح فلان إذا رفع صوته
بقوة. وأصل ذلك تشقيق الصوت , من قولهم: إنصاح الخشب والثوب، إذا.
انشق فسمع له صوت.
((وجائمين)): من الجثوم وهو للناس وللطير بنزلة البروك للإبل. يقال:
جثم الطائر يحثم جئما وجئوما فهو جائم ... إذا وقع على صدره، ولزمه مكانه
فلم يېرحه .
ويغنوا فيها: أى يقيموا فيها . يقال: غنى فلان بالمكان يغنى إذا أقام به
وعاش فيه فى نعمة ورغد .
أى: وأخذ الذين ظلموا من قوم صالح - عليه السلام - العذاب عن
طريق الصيحة الشديدة التى صيحت بهم بأمر الله - تعالى - ((فأصبحوا))
بسببها (( فى دارهم جائمسين)) أى: هلمكى صرعى، ساقطين على وجوههم،
بدون حر كه ...
(( كأن لم يغنوا فيها، أى: كأن هؤلاء القوم الظالمين لم يقيموا فى ديارهم.
عمرا طويلا وهم فى رخاء من عيشهم)) ...
((ألا ان نمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود، أى: ألا إن هؤلاء الظالمين
من قبيلة نمود، كفروا نعمة ربهم وجحودها ؛ ألا بعدا وسحقا وهلاكا
هؤلاء المجرمين من قبيلة ثمود ..

- ١١٧-
وفى تكرار حرف التنبيه (( ألا، وتكرار لفظ « مود، تأكيد لطردهم
من رحمة الله، وتسجيل لما ارتكبوه من منكرات،
وبذلك انطوت صفحة أولئك الظالمين من قوم صالح - عليه السلام - كما
انطوت من قبلهم صحائف قوم نوح وهود - عليهما السلام -.
ومن أبرز العبر والعظات التى نأخذها من قصة صالح مع قومه كما وردت
فى هذه السورة الكريمة : أن النفوس إذا انطمست، والعقول إذا انتكست،
تعجب فما لا عجب فيه ؛ ويستنكر ماهو حق وصدق ، رقسى. ظنها بالشخص
الذى كان بالأمس القريب موضع رجائها وثقتها، لأنه أتاهم بما لم يألفوه ...
حتى ولو كان ما أتاهم به فيه سعادتهم وهدايتهم ...
فصالح - عليه السلام - كان مرجوا فى قومه قبل أن يكون نبيا ، فلما
صار نبيا وبلغهم ما أرسله الله به، خاب أملهم فيه ، وساء ظنهم به، وجاهروه
بالعداوة والعصيان ... مع أنه إنما أتاهم بما يسعدهم ...
وصدق الله إذ يقول: ((سأصرف عن آياتى الذين يتكبرون فى الأرض
بغير الحق، وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها ، وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه
سبيلا ، وإن يرها سبيل الغى يتخذوه سبيلا ، ذلك بأنهم كذبو بآياتنا وكانوا
عنها غافلين ،(١)
هذا ، وقد وردت أحاديث تصرح بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم -
قدمر على ديار ودوهو فى طريقه إلى غزوة تبوك.
ومن هذه الأحاديث مارواه الشيخان عن ابن عمر قال : لما مر رسول الله
- صلى الله عليه وسلم بالحجر قال: لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن
تكونوا باكين ، فإن لم تكونوا باكين ، فلا تدخلوا عليهم، لئلا يصيبكم
ما أصابهم . ثم قفع رأسه وأسرع السير حتى جاوز الوادي))
(١) سورة الأعراف . الآية ١٤٦

- ١٨; +
ثم ساقت السورة الكريمة جانباً من قصة إبراهيم - عليه السلام - مع
الملائكة ، الذير جاءوه بالبشارة ، فقال - تعالى -.
((ولقد جاءتْ رسُلُنَا إبراهيمَ بالبُشْرَى، قالوا سلاماً قالَ سلامٌ
فالبتَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنيذٍ (٦٩) فلما رأَى أيديَهُم لَا تَصِلُ إليه
نكِرَهُمْ وأوْجَسَ مِنْهُمْ خيفَةً قالوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْآَ إلى قومٍ
لوطِ (٧٠) وامر أتُّه قائمةٌ فضحِكَتْ، فبشّرِنَها بإسحاقَ ومِنْ وَرّاء
إسحاقَ يعقوبَ (٧١) قَالَتْ يا وَيَلَنَا أَِّدُ وإِذا عجوزٌ وهذا بَعْلِى شيخاً
إنَّ هذَا لشىٍ مجيبٌ (٧٢) قلوا أَتَّعَجِنَ مِنْ أَمْرِ الهِ رحمةُ اللهِ وبركاتُهُ
عليكُم أهْلَ البيتِ إنّه حميدٌ محِيدٌ (٧٣) فلمَّا ذهبَ عن إبراهيمَ
الرَّوْعَ وجاءَتْهُ الْبُشْرَى يُحَدِلُنَ فى قومٍ لوطٍ (٧٤) إنَّ إبراهيمَ لحيمٌ
أوَّاهٌ منيبٌ (٧٥) يا إبراهيمُ أعْرِضْ عن هذا إنَّهُ قَد جاء أمرُ رَبُّكَ،
إنهم آتيهم عذابٌ غيرُ مردودٍ (٧٦))).
هذه قصة إبراهيم - عليه السلام - مع الملائكة الذى جاءوا لبشارة بابنه
إسحاق ، وبإخباره بإهلاك قوم لوط - عليه السلام -
وقد وردت هذه القصة فى سور أخرى منهاسورة الحجر فى قوله - تعالى -:
((وفبتهم عن ضيف إبراهيم. إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما، قالوا إنا منكم
وجلون .... ،(١)
ومنها سورة الذاريات فى قوله - تعالى - «هل أتاك حديث ضيف إبراهيم
المكرمين. إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما، قال سلام قوم منكرون ... )،(٢)
(١) الآيات من ٥٢ إلى ٦٠.
(٢) الآيات من ٢٤ إلى ٠٣٧

٠ ١١٩ -
والمراد بالرسل فىقوله - سبحانه - (ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى)
اعة من الملائكة الذين أرسلهم الله - تعالى - لتبشير إبراهيم بابنه إسحاق.
وقد اختلفت الروايات فى عددهم فعن ابن عباس أنهم ثلاثة وهم: جبريل
ميكائيل وإسرافيل. وعن الضخاك أنهم كانوا تسعة، وعن السدى أنهم كانوا
حد عشر ملكا ...
والحق أنه لم يرد فى عددهم نقل صحيح يعتمد عليه، فلنفوض معرفة عددهم
لى الله - تعالى - .
والبشرى: اسم للتبشير والبشارة وهى الخبر السار ، فهى أخص من الخبر،
- سميت بذلك لأن آثارها تظهر على بشرة الوجة أى: جلده.
وجاءت هذه الجملة الكريمة بصيغة التأكيد للاهتمام بمضمونها، وللرد على
مشركي قريش وغيرهم من كان ينكر هذه القصة وأمثالها.
والباء فى قوله - سبحانه - (( بالبشرى، المصاحبة والملابسة، أى :
جاءوه مصاحبين وملتبسين بالبشرى .
وقوله: ((قالوا سلاما قال سلام، حكاية لتحيتهم له وارده عليهم.
وسلاما)) منصوب بفعل محذوف. أى قالوا فسلم عليك سلاما.
((وسلام) مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف. أى قال أمرى سلام.
وقرأ حمزة والكسانى: قال سلم وهو اسم للمسالمة .
ثم بين - سبحانه - ما فعل إبراهيم مع هؤلاء الرسل من مظاهر الحفاوة
والتكريم فقال: (( فما لبث أن جاء بعجل حنيذ)).
و((ما) فى قوله (( فما لبث، نافية، والفاء للتعقيب، واللبث فى المكان
معناه: عدم الانتقال عنه . والعجل : الصغير من البقر .
والحنيذ : السمين المشوى على الحجارة المحماة فى حفرة من الأرض . يقال:
جئذ الشاة يحتذها حنذاً أى : شواها بهذه الطريقة.

١٢٠٠٠٠ -
أى: فما أبطأ وما تأخر إبراهيم - عليه السلام - عن إكرامهم، بل بمجرد
أن انتهى من رد التحية عليهم ، أسرع إلى أهله لجاءهم بعجل حنيذ ....
وهذا الفعل منه - عليه السلام - يدل على سعة جوده، وعظيم سخاته.
فإن من آداب الضيافة ، تعجيل القرى للضيف ..
قال أبو حيان: والأقربفى إعراب ،فما لبث أن جاء ... ، أن تكون «ماء
فافية، ولبث معناه تأخر وأبطأ، ((وأن جاء)) فاعل لبث والتقدير: فما
تأخر مجيئه ...
ويجوز أن يكون فاعل لبث ضمير إبراهيم، وأن جاء على إسقاط حرف
الجر، أى فما تأخر فى أن جاء بعجل حنيذ ... » (١)
ثم بين - سبحانه - حال إبراهيم عندما رأى ضيوفه لا يأكلون من طعامه
فقال: ((فلما رأى أيديهم لا تصل إليه ذكرهم وأوجس منهم خيفة ... )
ومعنى (( ذكرهم)): نفر منهم، وكره قصرفهم. نقول: فلان نكر حال
فلان - كعلم - وأنكره ذكراً ونكوراً ... إذا وجده على غير ما يعهده فيه ،
ويتوقعه منه .
و((أوجس) من الوجس وهو الصوت الخفي، والمرادبه هنا: الإحساس
الخفى بالخوف والفزع الذى يقع فى النفس عند رؤية ما يقلقها ويخيفها .
أي: فلما رأى إبراهيم - عليه السلام - ضيوفه لا تمتد أيديهم إلى الطعام
الذى قدمه لهم، نفر منهم، وأحس فى نفسه من جهتهم خوفا ورعبا؛ لأن
امتناع الضيف عن الأكل من طعام مضيفه - بدون سبب مقنع - يشعر بأن
هذا الضيف ينوى شرابه ... والتقاليد فى كثير من البلاد إلى الآن تؤيد ذلك.
ولذا قال الملائكة لإبراهيم عندما لاحظوا ما يساور نفسه من الخوف:
(( لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط ،
(١) تفسير البحر المحيط لأبي حيان - . ص٢٤١ طبعة دار الفكر .....