النص المفهرس
صفحات 81-100
- ٨١ ٠ ثم بين - سبحانه - جال السفينة وهى تمر بهم عباب الماء فقال: ( وهى تجرى بهم فى موج كالجبال). والموج: ما ارتفع من ماء البحر عند اضطرابه. وأصله من ماج الشىء بموج إذا اضطرب ومن قوله - تعالى - وتركنا بعضهم يومئذيموج فى بعض.)) قال صاحب الكشاف: فإن قلت. بم أتصل قوله - تعالى - وهى تجرى بهم.»؟ قلت : اتصل بمحذوف دل عليه اركبوا فيها باسم الله ، كأنه قيل: فركبوا فيها وهم يقولون: باسم الله، وهى تجرى بهم. أى تجرى بهم وهم فيها فى موج كالجبال، يريد موج الطوفان ، شبه كل موجة بالجبل فى تراكمها وارتفاعها .. ، (١) . و قوله - سبحانه - :( و نادی نو ح ابنه و کان فی معزل: يا بنى ار كب معنا ولا تكن مع الكافرين ) تصوير لتلك اللحظة الرهيبة الحاسمة التى أبصر فيها نوح - عليه السلام - ابنه الكافر وهو منعزل عنه وعن جماعة المؤمنين . والمعزل : مكان العزلة ، أى : الانفراد. أى : وقبل أن يشتد الطوفان وترتفع أمواجه، رأى نوح ابنه كمان، وكان هذا الإبن فى مكان منعزل ، فقال له نوح بعاطفة الأبوة الناصحة الملهوفة يا بنى اركب معنا فى السفينة ، ولا تكن مع القوم الكافرين الذين -ملفهم الطوفان بين أمواجه عما قريب. ولكن هذه النصيحة الغالية من الأب الحزين على مصير ابنه ، لم تجد أذنا واعية من هذا الإبن العاق المغرور ، بل رد على أبيه بقوله: ( سآوى إلى جبل يعصمنى من الماء ... ) أى: قال: سألتجى. إلى جبل من الجبال الشاهقة، لمكى أتحصن به من وصول الماء إلى ... وهنا يرد عليه أبوه الرد الأخير فيقول - كما حكى القرآن عنه - : (قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم ... ) (١) تفسير الكشاف = ٢ ص ٢٧٠ ٦٦ - سورة هود . - ٨٢ - أى: قال نوح لابنه: لا معصوم اليسوم من عذاب الله إلا من رحمه - سبحانه - بلطفه وإحسانه، وأما الجبال وأما الحصون ... وأما غيرهما من وسائل النجاة، فسيعلوها الطوفان، ولن تغنى عن المحتمى بها شيئا . وعبر عن العذاب بأمر الله ، تهويلا لهأنه ... وقوله : ((وحال بينهما الموج فكان من المغرقين، بيان المعاقبة السيئة التى آل إليها أمر الابن الكافر . أى : وحال وفصل الموج بهديره وسرعته بين الإبن وأبيه ، فكانت النتيجة أن صار الابن الكافر من بين المكافرين المغرقين . والتعبير بقوله: ((وحال ... ، يشعر بسرعة فيضان الماء واشتداده، حتى لكأن هذه السرعة لم مهلهما ليكملا حديثهما. والتعبير بقوله: ((فكان من المغرقين)) يشير إلى أنه لم يغرق وحده، وإنما غرق هو وغرق معه كل من كان على شاكلته فى الكفر ، وهكذا تصور لنا هذه الآية الكريمة مادار بين نوح وابنه من محاورات فى تلك اللحظات الحاسمة المؤثرة ، التى يبذل فيها كل أب ما يستطيع بذله من جهود لنجاة ابنه من هذا المصير المؤلم .... وبعد أن غرق الكافرون ، ونجا نوح ومن معه من المؤمنين ، وجه الله - تعالى - أمره إلى الأرض وإلى السماء ... فقال: ((وقيل يا أرض ابلعى ماءك، ويا سماء أقلعى، وغيض الماء، وقضى الأمر، واستوت على الجودى، وقيل بعدا للقوم الظالمين )). أى: وبعد أن أدى الطوفان وظيفته فأغرق بأمر الله - تعالى - العكافرين، قال الله - تعالى - الأرض: ((يا أرض ابلعى ماءك)). أى: أشربى أيتها الأرض ما على وجهك من ماء ، وأبتلعيه بسرعة فى باطنك كما يبتلع الإنسان طعامه فى بطنه بدون استقرار فى الفم. وقال - سبحانه - للسماء , ويا سماء أقلمى)) أى: أمسكى عن إرسال المطر - ٨٣ - يقال: أقلع فلان عن فعله إقلاعا، إذا كف عنه وترك فعله . ويقال : أقلعت الحمى عن فلان ، إذا تركته : فامتثلتا - أى الأرض والسماء - لأمر الله - تعالى - فى الحال، فهو القائل وقوله الحق: ((إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون)). وقوله ((وغيض الماء)) أى: نقص ونضب. يقال: غاض الماء يغيض، إذا قل ونقص . والمراد به هنا: الماء الذى نشأ عن الطرفان)). وقوله: ((وقضى الأمر، أى: تم ونفذ ما وعد الله -- تعالى - به نبيه نوحا - عليه السلام - من إهلا كه للقوم الظالمين. والضمير فى قوله: ((وأستوت على الجودى)) السفينة، والجودى . جبل بشمال العراق بالقرب من مدينة الموصل . وقيل هو جبل بالشام .... أى : واستقرت السفينة التى تحمل نوحا والمؤمنين بدعوته ، على الجبل المعروف بهذا الاسم ، بعد أن أهلك الله أعداءهم . قال ابن كثير ما ملخصه : وكان خروجهم من السفينة فى يوم عاشوراء من المحرم ، فقد روى الإمام أحمد عن أبى هريرة قال: مر النبى - صلى الله عليه وسلم - بأناس من اليهود ، وقدصاموا يوم عاشوراء ، فقال لهم : ما هذا الصوم ؟ قالوا . هذا اليوم الذى نجى الله موسى وبنى إسرائيل من الغرق ، وغرق فيه فرعون . وهذا يوم استوت فيه السفينة على الجودى . فصامه نوح وموسى - عليهما السلام - شكرالله. فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - أنا أحق بموسى، وأحق بصوم هذا اليوم . فصامه ، وقال لأصحابه . من كان أصبح منكم صائما فليتم صومه ، ومن كان قد أصاب من غذاء أهله، فليتم بقية يومه ،(١) (١) سورة يس الآية ٨٢ (٢) تفسير ابن كثير جـ ٤ صـ ٢٥٧ - ٨٤ - ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: وقيل : عدا للقوم الظالمين» أى: هلا كا وسحقا وطردا من رحمة الله - تعالى - القوم الذين ظلموا أنفسهم بإيثارهم الكفر على الإيمان ، والضلالة على الهداية. قال الجمل: (( وبعدا)، مصدر بعد - بكسر العين - ، يقال بعد بعدا - بضم فسكون - وبعداً - بفتحتين - إذا بعد بعدا بعيدا بحيث لا يرجى عوده ، ثم أستعير للهلاك ، وخص بدعاء السوء. وهو منصوب على المصدر بفعل مقدر. أى: وقيل بعدوا بعدا .... ))(١). هذا وقد تكلم بعض العلماء عن أوجه البلاغة والفصاحة فى هذه الآية كلاما طويلا ، فيكتفي بذكر جانب من قاله فى ذلك الشيخ القاسمى فى تفسيره)) قال - رحمه الله - ما ملخصه: «هذه الآية بلغت من أسرار الإعجاز غايتها، وحوت من بدائع الفوائدنهايتها. وقــ اهتم علماء البيان بإبراز ذلك، ومن أوسعهم مجالا فى مضمار معارفها الإمام (( السكاكى، فقد أطال وأطفب فى كتابه، المفتاح، فى الحديث عنها ... فقد قال - عليه الرحمة - فى بحث البلاغة والفصاحة، .... ((إذ قد وقفت على البلاغة، وعثرت على الفصاحة، فأذكر لك على سبيل الأنموذح، آية أكشف لك فيها من وجوههما ماعسى أن يكون مستورا عنك، وهذه الآية هى قوله - تعالى - ((وقيل يا أرض ابلعى ماءك، وباسمان أقلعى، وغيض الماء، وقضى الأمر .... )) والنظر فى هذه الاية من أربع جهات: من جهة علم البيان، ومن جهة علم الممافى ، ومن جهة الفصاحة المعنوية، ومن جهة الفصاحة اللفظية . أما النظر فيها من جهة علم البيان ..... فتقول: إنه - عز سلطانه - لما أراد أن يبين معنى هو: أردنا أن نرد ما انفجر من الأرض إلى بطنها فارتد، وأن تقطع طوفان السماء فانقطع، وأن نغيض الماء النازل من السماء فغاض (١) حاشية الجمل على الجلالين حـ ٢ ص ٤٠٠ ٠٠ ٨٥ ٠ لما أراد ذلك: بنى الكلام على التشبيه، بأن شبه الأرض والسماء بالمأمور الذى لايتأتى منه أن يعصى أمره .... فقال: يا أرض ابلعى ماءك، ويا سماء أقلعى ... ثم قال: (( ما.ك)) بإضافة الماء إلى الأرض على سبيل المجاز، تشبيها لاتصال الماء بالأرض ، باتصال الملك بالمالك . ثم اختار لاحتباس المطر لفظ الإقلاع الذى هو ترك الفاعل للفعل .. ، وأما النظر فيها من حيث علم المعانى .... فذلك أنه اختير « يا، دون سائر أخواتها، لكونها أكثر فى الاستعمال ... واختير لفظ ((أبلعى، على «ابتلعى، لكونه أخصر ... ثم أطلق الظلم ليتناول كل نوع منه، حتى يدخل فيه ظلمهم لأنفسهم .... وأما النظر فيها من جانب الفصاحة المعنوية فهى كما ترى . نظم للمعافى لطيف، وتأدية لها ملخصة مبينة، لا تعقيد يعثر الفكر فى طلب المراد ، ولا التواء يشيك الطريق إلى المرقاد ، بل إذا جربت نفسك عند استماعها، وجدت ألفاظها تسابق معانيها ، ومعانيها تسابق ألفاظها ، فما من لفظة فى تركيب الآية وفظمها تسبق إلى أذنك ، إلا ومعناها أسبق إلى قلبك . وأما النظر فيها من جانب الفصاحة اللفظية : فألفاظها على ماترى عربية ، مستعملة جارية على قوانين اللغة ، سليمة من التنافر ، بعيدة عن البشاعة .... ولا نظن الآية مقصورة على ماذكرت ، فلعل ما تركت أكثر ماذكرت(١). ثم ختم - سبحانه - قصة نوح مع قومه فى هذه السورة، بتلك الضراعة التى تضرع بها نوح - عليه السلام - بشأن ولده، وبذلك الرد الحكيم الذى ود به الخالق - عز وجل - على نوح - عليه السلام، وبتعقيب على القصة بدل على وحدانية الله - تعانى -، وعلى صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيما يبلغه عن ربه قال - تعالى -: (١) راجع تفسير القاسمى - ٩ ٣٤٤٦٠٥ وتفسير المنارجـ ١٢ ص ٩٠ - ٨٦ ٠ (( ونادَى نوحُ ربّه فقالَ: ربِّ إنَّ ابِى مِنْ أَهْلِى، وإنّ وعدَك الحقُّ وأنتَ أحَكَمُ الحاكِينَ (٤٥) قال يا نوحُ إنّه ليسَ من أهلك إنّه عملٌغيرُ صالحٍ، فلا تسألْنِ ما ليسَ لكَ به علمٌ إنى أمِطُكَ أَذْ تكونَ من الجاهلينَ (٤٦) قال ربِّ إٌ، أعوذُ بكَ أن أسألكَ ما ليسَ لِ به علمٌ، وإلا تغفِرْ لى وترَّمْنِى أُ كُنْ من الخاسرينَ (٤٧) فيلَ يانوحُ اهبِطْ بسَلامٍ مِنا وبركاتٍ عليكَ وَلَى أممٍ ثُمَّن مَعكَ، وأممٌ ـنُمتِّعْهُمْ ثم يمتهم مِنَّا عذابٌ أليمٌ (٤٨) تِلكَ من أنباء الغيبِ نوحِيها إليكَ ما كنتَ تعلّهاَ أَنتٍَ ولا قومُكَ من قبلِ هذَا فاصْبِرْ، إنَّالعاقبةَ للمتقين (٤٩))). والمراد بالنداء فى قوله - سبحانه -: ونادى فو ح ربه.، الدعاء والضراعة إلی الله - تعالى- والجملة الكريمة معطوفة على ما قبلها . أى: وبعد أن تخلف ابن نوح عليه السلام عن الركوب معه فى السفينة، وقضى الأمر هلاك الكافرين ونجاة المؤمنين .. تضرع أو ح .- عليه السلام - إلى ربه فقال فى استعطاف ورجاء : يارب ! إن إبنى «كنعان)، « من أهلى، قطعة منى، فأسألك أن ترحمه برحمتك « إن وعدك الحق)) أى: إن كل وعد تعده لعبادك هو الوعد الحق وأنت - ياربى - قد وعدتنى بنجاة أهلى إلا من سبق عليه القول منهم، لكن فى هذا الموقف العصيب أطمع فى عفوك عن ابنى وفى رحمتك له . وقوله: ((وأنت أحكم الحاكمين)) أى: وأنت يا إلهى - لاراد لما نحكم به، ولا معقب لحكمك، وحكمك هو الحق والعدل، وهو المنزه عن الخطا والمحاباة، لأنه صادر عن كال العلم والحكمة ... - ٨٧ - واكتفى نوح - عليه السلام - بأن يقول: رب إن ابنى من أهلى. وإن وعدك الحق، وأنت أحكم الحاكمين )) دون أن يصرح بمطلوبه وهو نجاة ابنه تأدباً مع الله - تعالى-، وحياء منه - سبحانه - واعتقاداً منه بأنه - سبحانه - عليم بما يريده ، وخبير بما يجول فى نفسه .... وهذا لون من الأدب السامى، سلكه الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - فى مخاطبتهم لربهم - عز وجل - ومن أولى منهم بذلك ؟ !! ولعل فوحا - عليه السلام - عندما تضرع إلى ربه - سبحانه - بهذا الدعاء لم يكن يعلم أن طلب الرحمة أو النجاة لإبنه الكافر ممنوع، فكان حاله فى ذلك كحال النبى - صلى الله عليه وسلم - عندما قال لعمه أبي طالب: (لأستغفرن لك ما لم أنه عن ذلك، واستمر يستغفر له إلى أن نزل قوله - تعالى - , ما كان لنبى والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولوكانوا أولى قربى .... ، (أ) وقال الشيخ القاسى: وإنما قال نوح ذلك - أى:رب إن ابنى من أهلى ... ألح - لفهمه من الأهل ذوى الفرابة الصورية، والرحمة النسبية ، وغفل - لفرط التأسف على إبنه - عن إستثنائيته - تعالى - بقوله: ((إلا من سبق عليه القول، ولم يتحقق أن إبنه هو الذى سبق عليه القول ، فاستعطف ربه بالاسترحام، وعرض بقوله ( وأنت أحكم الحاكمين ) إلى أن العالم العادل الحكيم لا يخلف وعده) (١) وقوله - سبحانه - (قال يا نوح إنه ليس من أهلك ٠٠٠٠) رد من الله تعالى - على فوح فيما طلبه منه. أى: قال الله - تعالى - مجيبا لنوح - عليه السلام - فيما سأله إياه: يا نوح (١) راجع تفسيرنا لسورة التوبة حـ ٠٣١٢ (٢) تغير القاسمى حـ ٩ ص ٣٤٤٨ - ٨٨ - إن ابنك هذا ( ليس من أهلك) لأن مدار الأهلية مبنى على القرابة الدينية ، وقد انقطعت بالكفر ، فلا علاقة بين مسلم و كافر . أو ليس من أهلك الذين وعدتك بنجاتهم ، بل هو ممن سبق عليه القول بسبب كفره). فالمراد نفى أن يكون من أهل دينه واعتقاده، وليس المراد نفى أن يكون من صلبه، لأن ظاهر الآية يدل على أنه إبنه من صلبه، ومن قال بغير ذلك فقوله ساقط ولا يلتفت اليه ، لخلوه عن الدليل . قال ابن كثير : وقد نص غير واحد من الأئمة على تخطئة من ذهب فى تفسیر هذا إلا أنه ليس بابنه ، وإنما كان ابن زنية . ٠٠ وقال ابن عباس وغير واحد من السلف: ما زنت أمرأة فى قط، ثم قال: وقوله أنه ليس من أهلك ) أى : الذين وعدتك بنجاتهم . وقول ابن عباس فى هذا هو الحق الذى لا محيد عنه؛ فإن الله - تعالى - أغير من أن يمكن أمرأة فى من الفاحشة )!(٢) وجملة ( إنه عمل غير صالح) تعليل لنقى الأهلية . وقد قرأ الجمهور ( عمل ) بفتح الميم وتنوين اللام - عنى أنه مصدر مبالغة فى ذمه حتى لكأنه هو نفس العمل غير الصالح وأصل الكلام أنه ذو عمل غير صالح ، فذف المضاف للمبالغة بجعله عين عمله الفاسد لمداومته عليه . وقرأ الكسائى ويعقوب ( عمل) بوزن فرح بصيغة الفعل الماضى - أى: إنه عمل عملا غير صالح وهو الكفر والعصيان ، فحذف الموصوف وأقيمت صفته مقامه . قال صاحب الكشاف وقوله: ( إنه عمل غير صالح ) تعليل لإنتفاء كونه من أهله . وفيه إيذان بأن قرابه الدين غامرة لقرابة النسب ، وأن نسيبك فى دينك ومعتقدك من الأباعد فى المنصب وإن كان حبشيا وكنت قرشيا لصيقك (١) تفسير ابن كثير حـ ٤ ص ٢٥٩ - ٨٩ - وخصيصك ، ومن لم يكن على دينك وإن كان أمس أقاربك رحما فهو أبعد بعيد منك )(١) وقال الفخر الرازى : هذه الآية تدل على أن العبرة بقرابة الدين لابقرابة النسب ، فإن هذه الصورة كانت قرابة النسب حاصلة من أقوى الوجوه، ولكن لما انتفت قرابه الدين، لاجرم نفاه الله - تعالى - بأبلغ الألفاظ وهو : ( إنه ليس من أهلك )(٢) والفاء فى قوله : ( فلا تسألن ماليس لك به علم .. ) للتفريع . أى: ما دمت قد وقفت على حقيقة الحال ، فلا تلتمس منى ملتمسا لا تعلم على وجه اليقين ، أصواب هو أم غير صواب ، بل عليك أن تتثبت من صحة ما تطلبه، قبل أن تقدم على طلبه . وجملة ( إنى أعظك أن تكون من الجاهلين) تأكيد لما قبلها، ونهى له عن مثل هذا السؤال فى المستقبل ، بعد أن أعلمه بحقيقة حال ابنه . أى: إنى أنهاك يانوح عن أن تكون من القوم الجاهلين ، الذين يسألون عن أشياء لا يتحققون وجه الصواب فيها . وهنا بين الله - تعالى - أن نوحا - عليه السلام - قد تنبه إلى ما أرشده اليه ربه ، فبادر بطلب العفو والصفح منه - سبحانه - فقال: (قال رب إنى أعوذ بك أن أسألك ما ليس لى به علم ... ). أى: قال نوح - عليه السلام - ملتمسا الصفح من ربه: رب إنى أستجير بك، وأحتمى بجنابك من أن أسألك شيئا بعد الآن ، ليس عندى علم صحيح بأنه جائز ولائق ( وإلا تغفر لى ) مافرط منى من قول، وما صدر عنى من فعل . (١) تفسير الكشاف < ٢ ص ٢٧٣ (٢) تفسير الفخر الرازرى - ١٨ ص ٣ - ٩٠ - (وترحمنى) برحمتك الواسعة التى وسعت كل شىء. ( أکن من الخاسرين) الذين خسروا أنفسهم بالاحتجاب عن علمك وحكمتك. ثم بشر - سبحانه - نبيه نوحا - عليه السلام - بقبول قوبته فقال: (قيل يا نوح أهبط بسلام منا، وبركات عليك وعلى أمم ممن معك ..... ) والسلام: التحية المقرونة بالأمان والإطمئنان ، وأصله السلامه، والباء فیه للصاحبة والبر كات . جمع بر کة وهی ثبوت الخير ونماؤه وز يادته ، واشتقاقها من البرك، وهو صدر البعير. يقال: برك البعير إذا ألقى بركة أى صدره على الأرض وثبت . ومنه البركه لثبوت الماء فيها . والأم : جمع أمة ، وهى الجماعة الكثيرة من الناس ، يجمعها نسب واحد أو لغة واحدة ، أو موطن واحد . أى: قال الله - تعالى - مبشرا فوحا - عليه السلام - بقبول توبته: يا نوح اهبط من السفينة مصحوبا منا بالأمان مما تكره ، وبالخيرات النامية والنعم الثابتة عليك، وعلى أمم متشعبة ومتفرعة وناشئة من الأمم المؤمنة التى ستهبط معك، بعد أن نج كم الله - تعالى - بفضله ورحمته من العذاب ، الذى حل بالكافرين من قومك . وكان مقتضى الظاهر أن يقال : قال يانوح اهبط بسلام ... ولكن جاء التعبير بقيل ، مسايرة للتعبيرات السابقة فى أجزاء القصة، مثل قوله - سبحانه - «وقيل ياأرض ابلعى ماءك .... ، وقوله: «وقيل بعدا للقوم الظالمين ). وقوله ( أهبط بسلام ... ) فيه إشارة إلى أنه كانقبل الهبوط فى ضيافة الله ورعايته، وأنه لولا عناية الله به وبمن معه من المؤمنين، لما نجحت السفينة من ذلك الطوفان العظيم . والتعبير بقوله (منا ) لزيادة التكريم، وتأكيد السلام. أى: أنزل بسلام - ٩١ - ناشىء من عندنا ، وليس من عند غيرنا ؛ لأن كل سلام من غيرنا لاقيمة له بجانب سلامنا . وقوله ( عليك وعلى أمم ممن معك ) متعلق بسلام وبر كات . وفى هذا إشارة إلى أنه - سبحانه - سيجعل من ذرية نوح ومن ذرية من معه من المؤمنين ، أما كثيرة ستكون محل كرامة الله وأمانه وبر كاته . وقوله - سبحانه - (وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم) كلام مستأنف مسوق للاحتراز والتحذير من سوء عاقبة المخالفة لأمى اقه ... أى: أن الأمم التى ستكون من نسلك ومن نسل أتباعك يا نوح على قسمين: قسم منهم له منا السلام، وعليه البركات بسبب إيمانه وعمله الصالح ... وقسم آخر سنمتعه فى الدنيا بالكثير من زينتها وخيراتها ،°م يصيبه يوم القيامة عذاب أليم بسبب جحوده لنعمنا، وعصيانه أرسلنا . فعلى كل عاقل أن يجتهد فى أن يكون من القسم الأول، وأن يتجنب القسم الثانى . ثم اختتم الله - تعالى- قصة نوح-عليه السلام - مع قومه فى هذه السورة: بقوله: ( تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك، ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين ) . واسم الإشارة ( تلك) يعود إلى ماقصه الله - تعالى - من قصة نوح مع قومه فى هذه السورة . والأنباء: جمع نبأ وهو الخبر الهام ، والغيب : مصدر غاب، وهو مالا تدركه الحواس ولا يعلم ببداهة العقل . أى: تلك القصة التى قصصناها عليك يامحمد بهذا الأسلوب الحكيم، مز أخبار الغيب الماضية ، التى لا يعلم دقائقها وتفاصيلها أحد سوانا . ونحن ( نوحيها إليك) ونعرفك بها عن طريق وحينا الصادق الأمين . - ٩٢ ٠ وهذه القصة وأمثالها (ما كنت تعلمها) أنت يا محمد ، وما كان يعلمها (قومك) أيضا ، بهذه الصورة الصادقة الحكيمة ، الخالية من الأساطير والأ كاذيب . ( من قبل) هذا الوقت الذى أوحيناها إليك فيه. ومادام الأمر كذلك (فاصبر) صبرا جميلا على تبليغ رسالتك، وعلى أذى قومك كما صبر أخوك نوح من قبل . وجملة (إِن العاقبة للمتقين) تعليل للأمر بالصبر. والعاقبة : الحالة التى تعقب حالة قبلها، وقد شاعت عند الإطلاق فى حالة الخير كما فى قوله - تعالى - (والعاقبة للتقوى). وأل فيها للجنس، واللام فى قوله ( للمتقين ) للاختصاص . أى: إن العاقبة الحسنة الطيبة فى الدنيا والآخرة، للمتقين الذين صافوا أنفسهم عن كل ما لا يرضى الله- تعالى -، وليست لغيرهم ممن استحبوا العمى على الهدى . والآية الكريمة تعقيب حكيم على قصة نوح - عليه السلام - قصد به الامتنان على النبى - صلى الله عليه وسلم - والموعظة، والتسلية. فالامتنان نراه فى قوله - تعالى - ( ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا ) . والموعظة نراها فى قوله - سبحانه - ( فأصبر ) . والتسلية نراها فى قوله - عز وجل - ( إن العاقبة للمتقين ). وبعد ، فهذه قصة نوح - عليه السلام - كما وردت فى هذه السورة الكريمة . ومن العبر والعظات والهدايات والحقائق التى تأخذها منها ما يأتى: ١ - الدلالة على صدق النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يبلغه عن ربه، وعلى أن هذا القرآن من عند الله - تعالى - ، فقد أخبرنا عن قصة نوح- عليه السلام - مع قومه ، وعن غيرها من القصص ، التى هى من أنباء الغيب، والتى لا يعلم حقيقتها وتفاصيلها أحد سوى الله - عز وجل - . - ٩٣ - ٢ - أن نو حا ۔ علیه السلام -قد سلكفیدعو ته إلی الله - تعالى -،أحسن الأساليب وأحكمها ، فقد دعا قومه إلى عبادة الله - تعالى - وحده فى الليل وفى النهار . وفى السر وفى العلانية ، وأقام لهم ألوانا من الأدلة على صدقة ، ورغبهم فى الإيمان بشتى ألوان الترغيب ، وحذرهم من الكفر بشتى أنواع التحذير ، وصبر على أذاهم صبرا جميلا ، ورد على سفاعاتهم وأقوالهم بمنطق سليم، أبطل به حججهم ... مما جعلهم يكفون عن مناقشته، ويلجأون إلى التحدى والتعنت ... وما أحوج الدعاة إلى الله - عز وجل - إلى التماس العبرة والعظة من قصة فوح مع قومه . ٣ - أن النسب مهما شرف وعظم أن ينفع صاحبه عند الله، إلا إذا كان معه الإيمان والعمل الصالح، وأن الإيمان والصلاح ليسا مرتبطين بالوراثة والأغضاب لأنه لو كان الأمر كذلك لكافت ذرية نوح ومن معه من المؤمنين الذين نجوا معه فى السفينة. كلها من المؤمنين الصالحين، مع أن المشاهد غير ذلك. ورحم الله الإمام القرطى فقد قال - ما ملخصه - عند تفسيره لقوله - تعالى- ( قال يانوح إنه ليس من أملك ... ): (وفى هذه الآية تسلية للآباء فى فساد أبنائهم وإن كان الاباء صالحين ، فقد روى أن ابنا لمالك بن أنس ارتكب أمرا لا يليق بمسلم، فعلم بذلك مالك فقال: ( الأدب أدب الله، لا أدب الاباء والأمهات، والخير خير الله، لاخير الآباء والأمهات ... ))(١). ٤ - أن سؤال نوح - عليه السلام - ماسأله لابنه لمیکن - كما قال صاحب المناون معصية الله - تعالى، خالف فيها أمره أو نهيه، وإنما كانت خطأ فى اجتهاد رأى بنية صالحة . وإنما عدها القه - تعالى - ذنبا له لأنها كانت دون مقام العلم الصحيح اللائق بمنزلته من ربه . هبطت بضعفه البشرى، وما غرس فى الفطرة من الرحمة - ٩٤ -- والرأفة بالأولاد إلى إتباع الظن . ومثل هذا الاجتهاد لم يعصم منه الأنبياء، فيقعون فيه أحيانا ليشعروا بحاجتهم إلى تأديب ربهم وتكميله إياه آنا بعدآن، بما يصعدون به فى معارج العرفان)،(١) . ٥ - إن القرآن فى إراد القصص والأخبار، لا يهتم إلا بإبراز النافع المفيد منها ، أما ما عدا ذلك مالافائدة من ذكره، فيمل القرآن الحديث عنه. فمثلا فى قصة نوح - عليه السلام - هنا، لم يتعرض القرآن لبيان المدة التى قضاها نوح فى صنع السفينة ، ولا لبيان طول السفينة وعرضها وارتفاعها ، ولا لتفاصيل الأنواع التى حملها معه فى السفينة، ولا لبيان الفترة التى عاشها نوح ومن معه فيها ... ولا لبيان المكان الذى هبط فيه فوح بعد أن أستوت السفينة على الجودى ... ولا لبيان الزمان الذى استغرقه الطوفان فوق الأرض .. وما ورد فى ذلك من أقوال وأخبار، أكثرها من الإسرائيليات "لنى لا يؤيدها ديل من الشرع أو العقل . ومن المسائل التى تكلم عنها كثير من العلماء، وذهبوا بشأنها مذاهب شتى مسألة الطوفان . وقد أصد الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده - رحمه الله - فتوى فى هذا الشأن، ملخصها كما يقول صاحب المنار : أن ظواهر القرآن والأحاديث أن الطوفان كان عاما شاملا لقوم نوح الذين لم يكن فى الأرض غيرهم فيجب اعتقادة، ولكنه لا يقتضى أن يكون عاما للأرض ، إذ لا دليل على أنهم كانوا يملؤون الأرض ... وهذه المسائل التاريخية ليست من مقاصد القرآن، ولذلك لم يبينها بنص قطعى ، فنحن نقول بما تقدم إنه ظاهر النصوص ، ولا فتخذه عقيدة دينية قطعية، فإن أنبت العلم خلافه لا يضرنا، لأنه لا ينقض نصا قطعيا عندنا)(٢). (٢) تفسير المنار جـ ١٢ ص ١٠٨ تفسير المنار جـ ١٢ ص ٨٦ ١ - ٩٥ -- ٦ - أن سنة الله - تعالى - فى خلقه لا تتخلف ولا قتبدل وهى أن العاقبـ للمتقين ، مهما طال الصراع بين الحق والباطل ، وبين الأخيار والأشرار. فلقد مكث - عليه السلام - فى قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إ! عبادة الله وحده، وقد لقى خلال تلك المدة الطويلة مالقى من الأذى ... ولكن كانت النتيجة فى النهاية نجاته ومن معه من المؤمنين، وإغراق أعداء بالطوفان العظيم . ولقد أفاض صاحب الظلال - رحمه الله - وهو سيتحدث عن هذا المعز فقال ما ملخصة : ( ثم نقف الوقفة الأخيرة مع قصة نوح ، لنرى قيمة الحفا المسلمة فى ميزان الله - سبحانه - . إن حفنة من المسلمين من أتباع نوح - عليه السلام - تذكر بعض الروايات ، أنهم اثنا عشر،هم كانوا حصيلة دعوة فوح فى ألف سنة إلا خمسه عاما ... إن هذه الحفنة، - وهى نمرة ذلك العمر الطويل والجهد الطويل -، استحقت أن يغير الله لها المألوف من ظواهر هذا الكون، وأن يجرى ذلك الطوفان الذى يغمر كل شىء .... وأن يجعل هذه الحفنة وحدها . وارثة الأرض بعد ذلك ، وبذرة العمر ان فيها ... وهذه هى عبرة الحادث السكوفى العظيم .. إنه لا ينبغى لأحد يواجه الجاهلية بالإسلام، أن يظن أن الله تار الجاهلية وهو يدعو إلى إفراد الله - سبحانه - بالربوبية. كما أنه لا ينبغى له يقيس قوته الذاتية إلى قوى الجاهلية فيظن أن الله تاركه لهذه القوى، وم عبده الذى يستنصر به حين يغلب فيدعوه: ( أفى مغلوب فانتصر ). إن القوى فى حقيقتها ليست متكافئة ولا متقاربة .. إن الجاهلية تما قواها .. ولكن الداعى إلى الله يستند إلى قوة الله. والله يملك أن يسخر بعض القوى الكونية - حينما يشاء و كيفما يشاء -، وأيسر هذه القوى يد على الجاهلية من حيث لا تحتسب !! .... - ٩٦ ٠ والذين يسلكون السبيل إلى الله ليس عليهم إلا أن يؤدوا واجبهم كاملا، ثم يتركوا الأمور لله فى طمأنينة وثقة. وعندما يغلبون عليهم أن يلجأوا إلى الناصر المعين، وأن يحاروا إليه وحده كما جار عبده الصالح فوح: (فدعاربه أفى مغلوب فانتصر ) ... ثم عليهم أن ينتظروا فرج الله القريب، وانتظار الفرج من الله عباده ، فهم على هذا الانتظار ،أجورون .... والعاقبة للمتقين )(١). ثم تابعت السورة الكريمة حديثها عن قصة هود - عليه السلام - مع قومه، بعد حديثها عن قصة نوح - عليه السلام - مع قومه، فقال - تعالى - : ((وإلَى عادٍ أخاهُم هُوداً، قال يا قومِ اعبدُوا اللهَ ما لكُم من إلَّهِ غيرُه، إنْ أَنتُم إلا مُفْتَرُونَ (٥٠) ياقومٍ لا أسألكم عليه أجراً، إنْ أجرِىَ إلا على الذى فَطَرْنِى أفلاَ تَعْقِلُون (٥١) وياقومٍ استغفِرُوا ربكم ثُمَّ توبوا إليه يُرْسِل السماء عليهمُ مِدْراراً ويزِدْكُم قوةً إلى قوتِكُم ولا تتولّوا مجرِمين (٥٢) قالُوا يا هودَ ما جئناَ يبيِنَّةٍ، وما نحن بتارِكِى آلهتِناَ عن قولِكَ وما نحنُ لك بمؤمنين (٥٣) إنْ نقولُ إلا اعتراكَ بعضُ الْهَتِناَ بسوءٍ، قال إنى أُشهِدُ اللهَ واشهدُوا أني بريء مما تُشْرِكُونَ (٥٤) من دُونِهِ فكيدُونِي جميعاً ثم لا تُنْظِرُون (٥٥) إنى توكلتُ على اللّهِ رَبِّى وربحُ ما منْ دابةٍ إلا هو آخذٌ بناصِبِها، إنَّ ربى على صراطٍ مستقيم (٥٦) فإن تولَّوْا فقد أَبْلَتَكُم ما أُرسِلِتُ به إليهمُ ويَستخلِفُ رِّى قوماً غيركم ولا تضُرُّونَه شيئاً، إنّ رِّ على كلٌ شىءٍ حفيظٌ (٥٧) ولما جاء أمرنا نجينا هوداً والذينَ آمنُوا معَهُ برحمةٍ (١) فى ظلال القرآن جـ ١٢ ص ٨٥ الأستاذ سيد قطب. ٠-٠٩٧ منَّا، ونجيناهُم من عذابٍ غليظِ (٥٨) وتلك عادٌ جحدوا بآياتٍ ربهم وعصَوْا رُسُلَه واتبعُوا أَمْرَ كُلُّ جبارٍ عنيد (٥٩) وأُتْبِعُوا فى هذِهِ الدنيا لعنة ويومَ القيامَةِ. ألا إنَّ عاداً كفرُوا ربّهم، ألاَ بُعْدًا لعادٍ قوم هود (٦٠))). تلك هى قصة هود - عليه السلام - مع قومه كما حكتها هذه السورة ، وقد وردت قصته معهم فى سور أخرى منها : سورة الأعراف ، والشعراء ، والأحقاف ... وينتهى نسب هود إلى نوح -عليهما السلام -فهو - كمافال بعض المؤرخين -: هود بن عبد الله بن رباح بن الخلود ن عاد بن عوض بن أرد بن سام ابن نوح)١١). وقومه هم قبيلة عاد - نسبة إلى أبيهم الذى كان يسمى بهذا الاسم -، وكانت مساكنهم بالأحقاف - جمع حقف وهو الرمل الكثير المائل - ، وهذا المكان يسمى الآن بالربع الخالى جنوب الجزيرة العربية . وكان قوم هود - عليه السلام - يعبدون الأصنام، فأرسله الله إليهم هدايتهم . ويقال إن هودا - عليه السلام - قد أرسله الله إلى عاد الأولى، أما عاد الثانية فهم قوم صالح، وبينهما زهاء مائة سنة . وقوله - سبحانه -: (( وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لمكم من إله غيره .... معطوف على قصة نوح التى سبق الحديث عنها . أى: وكما أرسلمنا توحا إلى قومه ايأمرهم بعبادة الله وحده. أرسلنا إلى (١) قصص الأنبياء ص .• لفضيلة الشيخ عبد الوهاب البخار. : ٧ - سورة هود ) ٠٠٠ ٩٨ - قبيلة عاد أخاهم هوداً ، فقال لهم ماقاله كل فى لقومه : يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره . ووصفه - سبحانه - بأنه ((أخاهم)) لأنه من قبيلتهم فى النسب ، أو لآنه أخوهم فى الإنسانية وناداهم بقوله: «ياقوم)» زيادة فى التلطف معهم، إستجلاباً لقلوبهم، وترضيه لنفوسهم، وجملة ((مالكم من إله غيره)) فى معنى العلة لما قبله . أى: أنا آمركم بعبادة الله وحده، لأنه ليس هناك إله آخر يستحق العبادة سواه، فهو الذى خلقكم ورزقكم ، وهو الذى يحييكم ويميتكم ... ثم ختم - سبحانه - الآية بقومه: (( إن أنتم إلا مفترون)). والافتراء: الكذب المتعمد الذى لاشبهة لصاحبه فى النطق به . أى: ما أنتم إلامتعمدون للكذب فى جعلكم الألوهية لغير الله - تعالى. ثم بين لهم بعد ذلك أنه لا يريد منهم جزاء ولا شكورا فى مقابل دعوة إياهم إلى الحق فقال: (( ويا قوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجزى إلا على الذى فطونى .... . وفطرنى: أى خلقنى وأبدعنى على غير مثال سابق. يقال: فطر الأمر أى: ابتدأه وأنشأه. وفطر الله الخلق: أى خلقهم وأوجدهم . وأصل الفطر الشق ، ثم استعملى فى الخلق والإنشاء مجازا . والمعنى: وياقوم لا أريد منكم على ما أدعوكم إليه أجرا منكم ، وإنم أجرى تكفل به الله الذى خلقنى بقدرته، فهو وحده الذى أطلب منه الأجـ والعطاء ... ومقصده من هذا القول ، إزالته ماعسى أن يكون قد حاك فى نفوسه من أنه مادعاهم إلى مادعاهم إليه، إلا لأنه رجل يبتغى منهم الأجر الذي﴾ موسرا فيهم ... - ٩٩ - والهمزة فى قوله ((أفلا تعقلون)) للإستفهام الإنكارى، وهى داخله علی ھذوف . أى: أتجهلون ماهو واضح من الأمور، فلا تعقلون أن أجر الناصحين المخلصين، إنما هو من الله - تعالى - رب العالمين ورازقهم. ثم أرشدهم إلى ما يؤدى إلى زيادة غناهم وقوتهم ، وحذرهم من سوء عاقبة البطر والأشرفقال: وياقوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدوارا، ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين)). والاستغفار : طلب المغفرة من الله - تعالى - وعدم المؤاخذة على الخطايا: والتوبة : العزم على الإقلاع عن الذنب ، مع الندم على ماحصل منه فى الماضى. أى: ويا قوم استغفروا ربكم بما فرط منكم من شرك وعصيان ، ثم عودوا إليه بالتوبة الصادقة النصوح . وثم هنا للترتيب الرقى ، لأن الإقلاع عن الذنب مع المداومة على ذلك؛ مقدم على طلب المغفرة . وجملة (( يرسل السماء عليكم مدرارا) جواب الأمر فى قوله (, استغفروا)). والمراد بالسماء هنا السحاب أو المطر، قسمية للشىء باسم مصدره. ومدرارا: مأخوذ من الدر أى : سيلات اللبن وكثرته . °م استعير للطر الغزير. يقال : درت السماء بالمطر قدر وقدر درا ... إذا كثر نزول المطرمنها. وهو حال من السماء، ولم يؤنث مع أنه حال من مؤنث، باعتبار أن المراد بالسماء هنا المطر أو السحاب . والمعنى: أن هودا - عليه السلام - قال لقومه يا قوم اعبدو الله واستغفروه وتوبوا إليه ... فإنكم إن فعلتم ذلك أرسل الله - تعالى - عليكم المطر غزيرا متتابعا فى أوقات حاجتكم إليه، لتشربوا منه وتسقوا به دوابكم وزروعكم ... وجملة ((ويزدكم قوة إلى قوقكم، معطوفة على ما قبلها. - ١٠٠ - . أى: وايضا إن فعلتم ذلك زادكم الله - تعالى - عزا إلى عزكم، وشدة إلى شدتكم التى عرفتم بها ، ووهبكم الأموال الطائلة ، والذرية الكثيرة ... قال الآلوسي: «رغبهم - عليه السلام - بكثرة المطر، وزيادة القوة، لأنهم كانوا أصحاب زروع وبساتين وعمارات . وقيل: حبس أله عنهم القطر وأعظم أرحام نسائهم ثلاث سنين ، فوعدهم هود على الاستغفار والتوبة كثرة الأمطار، ومضاعفة القوة بالتناسل ... )،(١) ثم حذرهم من مقابلة نعم الله بالكفر والجحودفقال: ((ولا تتولوا مجرمين)». والتولى: هو الإعراض عن الشىء بإصرار وعناد. أى: ولا تقولوا عما دعوتكم إليه وأقم مصرون على ما أنتم عليه من إجرام وجحود وعناد. وإلى هنا يكون هود - عليه السلام - قد وضح لقومه دعو ته، ورغبهم فى الإسجابة لها ، وحذرهم من الإعراض عنها، وناداهم بلفظ - ياقوم - ثلاث مرات، ترددا إليهم، وتذكيرا لهم بآصرة القرابة التى تجمعهم وإياه. لعل ذلك يستثير مشاعرهم، ويحقق إطمأنانهم إليه، فإن الرائد لا يكذب أهله . ولكن قوم هود - عليه السلام - قابلوا كل ذلك بالتطاول عليه، والسخرية منه فقالوا: (( قالوا ياهود ماجئتنا ببينة .... ) والبيئة: ما يتبين به الحق من الباطل . أى: قالوا له ياهود انك لم تجتنابحجة تقنعنا بأنك على الحق فيما تدعوا اليه ، وترضى نفوسنا وطباعنا وعاداتنا ... ثم أضافوا إلى ذلك قولهم: (( وما نحن بتاركى آلهتنا عن قولك)). أى: وما نحن بتار كى آلهتنا بسبب قولك لنا الخالى عن الدليل: اتركوا عبادتها واجعلوا عبادتكم لله وحده . ثم أكدوا إصرارهم على كفرهم بقولهم ((وما نحن بمؤمنين، أى: بيمستجيبين لك ومصدقين . (١) تفسير الآلوسى = ١٢ ص ٧٣