النص المفهرس

صفحات 61-80

١.١
ومرادهم بقولهم: بادى الرأى ، أى: أوله من البدء. يقال: دأ يبدأ إذا
فعل الشىء أولا، وعليه تكون الياء مبدلة من الهزة لافكار ما قبلها ،ويؤيده
قراءة أبى عمرو ((بادى الرأى)).
أى: وما تراك اتبعك يا وح إلا الذين هم أقلنا شأنا، وأحقرة! حالا، من
غير أن يتثبتوا من حقيقة أمرك، ولو تثبتوا وتفكروا ما اتبعوك. ويصح
أن يكون مرادهم بقولهم ((بادى الرأى)) أى اتبعوك ظاهرا لاباطنا، ويكون
لفظ ((بادى، من البدء بمعنى الظهور. يقال: بدأ الشىء يبدو بَدْوًا وُدُوءًا
وبداء أى ظهر وعليه يكون المعنى: وما نراك إتبعك يا نوح إلا الذين هـ)
أهوفنا أمرا، ومع ذلك فإن إتباعهم لك إنما هو فى ظاهر أمرهم ، أما بواطنهم
فهى تدين بعقيدتنا .
وشبيه بهذه الجملة قوله - تعالى - «قالوا أنؤ من لك واقبعك الأرولون(١)
قال صاحب الكشاف: وإنما استرذلوا المؤمنين لفقرهم وتأخرهم فى
الأسباب الدنيوية، لأنهم أى الملأ من قوم نوح - كانوا جهالا ما كانوا
يعلمون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا، فكأن الأشرف عندهم من له جاه ومال
كما ترى أكثر المتسمين بالإسلام، يعتقدون ذلك، ويبنون عليه إكرامهم
وإهانتهم، ولقد زل عنهم أن التقدم فى الدنيا - مع ترك الآخرة - لا يقرب
أحدا من الله وإنما يبعده، ولا يرفعه بل يضعه ، فضلا عن أن يجعله سببا فى
الاختيار للنبوة والتأهيل لها .... ،(٢)
ثم أضافوا إلى مزاعمهم السابقة زعما جديدا فقالوا: وما نرى لكم علينا
من فضل بل نظنكم كاذبين )
والفضل : الزيادة فى الشرف والغنى وغيرهما ما يتميزبه الإنسان عن غيره.
(١) سورة الشعراء الآية ١١١
(٢) تفسير الكشاف حـ ٢ صـ ٢٦٥

والمراد به هنا : آثاره التى تدل عليه.
أى : أنت يانوح لست بشرا مثلنا، وأتباعك هم أحقرةا شأنا، وما نرى
لك ولمتبعيك شىء من الزيادة علينا لا فى العقل ولا غيره، بل اننا لنعتقد أنكم
كاذبون فى دعواكم أنكم على الحق ، لأن الحق فى نظرنا هو فى عبادة هذه
الأصنام التى عبدها من قبلنا آباؤنا .
وهكذا نرى أن الملأ من قوم نوح - عليه السلام - قد علاءا كفرهم بما
جاء به بثلاث علل، أولها : أنه بشر مثلهم، وثانيها: أن أتباعه من فقرائهم
وثالثها : أنه لا مزية له ولأتباعه عليهم ...
وهى كلها علل باطلة ، تدل على جهلهم ، وانطماس. بصيرتهم ، ويدل على
ذلك، رد نوح - عليه السلام - الذى حكاه القرآن فى قوله - تعالى -:
(( قال يا قوم أرأيتم إنْ كنتُ على بيْنَةٍ من ربّ، وآتانى رحمةً
مِنْ عِندِهِ، فَعُمَّتْ عَلِيكُمْ أَنْزِ مُكُوهَا وأنتم لها كارهونَ (٢٨)
ويا قومٍ لا أسألكُم عليه مالاً إنْ أجرِىَ إلا عَلَى الله، وما أنا بطارِد
الذِينَ آمَنُوا إِنَّهم ملاقُورْهم ولكنى أراكم قوماً تجهلون (٢٩) ويا قومٍ
من ينصرُفى من اللهِ إنْ طردْتُهُم أفلا تذكرونَ (٣٠) ولا أقولُ لَكُم
عندى خزانُ اللهِ ولا أعلمُ الغيبَ ولا أقولُ إِنِي مَلَكٌ ، ولا أقولُ
للمذِينَ تَزْدَرِى أعينُكُم لن يُؤْقِيَهُمُ اللهُ خيراً، اللهُ أعلم بما فى أنفُسِهِم
إنى إذاً لمن الظالمينَ (٣١))).
أى : قال نوح - عليه السلام - فى رده على الملأ الذين كفروا من قومه:
((يا قوم، أى: يا أعلى وعشيرتى الذين يسرنى ما يسردم ويؤلمنى ما يؤلمهم.
((أرأيتم إن كنت على بينة من ربى)) أى: أخبرونى إن كنت على بصيرة
من أمرى ، وحجة واضحة من ربى ، بها يتبين الحق من الباطل.

(((وآتانى رحمة عن عنده)) أي: ومنحنى بفضله وإحسانه النبوة التى هى
طريق الرحمة لمن آمن بها، واتبع من إختاره الله لها. فالمراد بالرحمة هنا النبوة
«فعميت عليكم)) أى. فأخفيت عليكم هذه الرحمة ، وغاب عنكم الانتفاع
بهداياتها ، لأنكم من استحب العمى على الهدى.
يقال : عمى على فلان الأمر: أى أخفى عليه حتى صاربالنسبة اليهكالأعمى
قال صاحب المنار : قرأ الجمهور فهميت - بالتخفيف - كخفیت وزنا
ومعنى. قال - تعالى - ,فعميت عليهم الأنباء يومئذ فهم لا يتساءلون،
وقرأ حمزة والكسائى وحفص بالتشديد والبناء للمفعول ((فعميت)) أى:
فحجبها عنكم جهلكم وغروركم ...
والتعبير بعميت مخففة ومشددة أبلغ من التعبير بخفيت وأخفيت، لأنه
مأخوذ من العمى المقتضى لأشد أنواع الخفاء (١)
والاستفهام فى قوله: ((أفلزمكموها وأنتم لها كارهون)) الإنكار والنفى.
أى: إذا كانت الهداية إلى الخير التى جئتكم بها قد خفيت عليكم مع وضوحها
وجلائها، فهل أستطيع أنا وأ باعى أن نجبركم إجبارا، ونقركم قسرا على
الإيمان بى، وعلى التصديق بنبوتى، والحال أنكم كارهون لها نافرون منها .. ؟
كلا إننا لا نستطيع ذلك لأن الإيمان الصادق يكون عن اقتناع واختيار
لا عن إ کراه وإجبار .
قال صاحب الظلال ما ملخصه: واللفظ فى القرآن قد يرسم بجرسه صورة
كاملة للتفاسق "غنى بين الألفاظ .. ومن أمثلة ذلك قوله - تعالى - فى قصة نوح
مع قومه ((أفلزمكموها .... )، فأنت تحس أن كلمة أفلز لكموها قصور جو
الإكراه، بإدماج كل هذه الضمائر فى النطق، وشد بعضها إلى بعض كما
یدمح الكارهون مع ما یکرهون ، ويشدون الیه وهم نافرون ، وهکذا حدو
(١) تفسير المنار = ١٢ ص ٦٤

- ٦٤ ٠٠
لون من التناسق فى التعبير أعلى من البلاغة الظاهرية، وأرفع من الفصاحة
اللفظية ، (١) .
ثم وجه نوح - عليه السلام - ندا. ثانيا إلى قومه زياد فى التلطف معهم.
وطمعا فى إثارة وجدانهم نحو الحق فقال: «ويا قوم لا أسألكم عليه مالا)،
آى: لا أطلب منكم شيئا من المال فى مقابل تبليغ ما أمرنى ربى بتبليغه
إليكم ؛ لأن طلبى هذا قد يجعلكم تتوهمون أنى محب للمال ....
((إن أجرى إلا على الله)) - تعالى - وحده، فهو الذى يشينى على دعونى
إلى عبادتكم له ، وفى هذه الجملة إشارة إلى أنه لا يسأل الله - تعالى - مالا،
وإنما يسأله ثوابا، إذ ثواب الله يسمى أجراء لأنه: زاء على العمل الصالح.
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - فى سورة الشعراء: ((وما أسألكم
عليه من أجر إن أجرى إلا على رب العالمين،. وجملة ( وما أنا بطارد الذين
آمنوا، معطوفة على جملة « لا أسألكم عليه مالا، لأن مضمونها كالنتيجة
لمضمون المعطوف عليها، اذ أن زهده فى مالهم يقتضى تمسكه بأتباعه المؤمنين.
الطرد : الأمر بالبعد عن مكان الحضور فقيرا أو زجرا.
أى: وما أنا طارد الذين آمنوا بدعونى، سواء أكانوا من الفقراء أم من
الأغنياء ، لأن من استغنى عن مال الناس وعطائهم لا يقيسههم بمقياس الغنى
والجاه والقوة .... والم يقيهم بمقياس الإيمان والتقوى.
قال الآلوسي : والمروى عن ابن جريج أنهم قالوا له يا نوح ان أحببت أن
نتبعك فأطرد هؤلاء الأراذل - وإلافلن ترضى أن نكون نحن وهم فى الأمرسواء
وذلك كما قال زعماء قريش للنبى - صلى الله عليه وسلم - شأن فقراء
الصحابة : أطرد هؤلاء عن مجلسك ونحن نتمك فإنا نستحى أن نحاس معهم
فى مجلسك .... (٨)
(١) تفسير فى ظلال القرآن جـ ١٢ ص ٥٤٢
(٢) تفسير الآلوسي : ١٠ صـ ٣٥

- ٢٥ -
وجملة)، أنهم ملاقوا ربهم، تعليل لنفى طردهم .
أى: أن أطردهم عن مجلسى أبدا، لأنهم قد آمنوا بى، ولأن مصيرهم
إلى الله - تعالى -، فيحاسبهم على سرهم وعلنهم ، أما أنا فأكتفى منهم بظواهرهم
التى تدل على صدق إيمانهم ، وشدة إخلاصهم .
وجاءت هذه الجملة بصيغة التأكيد ، لأن الملأ الذين كفروا من قومه
كانوا ينكرون البعث والحساب ..
وقوله: ((ولكنى أراكم قوما تجهلون)) إستدراك مؤكد لمضمون ما قبله،
أى: لن أطردهم، لأن ذلك ليس من حقى بعد أن آمنوا، وبعد أن
تكفل الله بمحاسبتهم، ولكنى مع هذا البيان المنطقى الواضح، أراكم قوما
تجهلون القيم الحقيقية التى يقدر بها النبي عند الله ، وتجهلون أن مرد الناس
جميعا إليه وحده - سبحانه - ليحاسبهم على أعمالهم، وتتطاولون على المؤمنين
تطاولا يدل على طفيانكم وسفادتكم.
. وحذف مفعون ((تجهلون)) للعلم به، والإشارة إلى شدة جهلهم.
أى: تجهلون كل ما ينبغى ألا يجهله عاقل
ثم وجه إليهم نداء ثالثا لعلهم يفيئون إلى رشدهم فقال: ((ويا قوم من
بمصرفى من الله إن طردتهم، أفلا تذكرون)).
أى : افترضوا ياقوم أنى طردت هؤلاء المؤمنين الفقراء من مجلسى،
فمن ذا الذى يحمينى ويحيرنى من عذات الله، لأنه - سبحانه - ميزانه فى تقييم
الناس ليس كميزانكم، إذ أكرم الناس عنده هو أتقاهم وليس أغناهم، وهؤلاء
المؤمنون الفقراء هم أكرم عنده - سبحانه- منكم، فكيف أطردهم؟
والاستفهام فى قوله: ((أفلا تذكرون، لتويخهم وزجرهم. والجملة
معطوفة على مقدر .
(٥ - سورة هود)

- ٦٦ -
أى: أتصرون على جهلكم ؛ فلا تتذكرون أن لهم رباً ينصرهم إن
طاردتهم؟ إن بقيتم على هذا الإصرار سيكون أمركم فرطا ، وستتعرضون
للعذات الأليم الذى هلككم
ثم أخذ نوح - عليه السلام - فى تفنيد شبهاتهم ، وفى دحض مفترياتهم،
وفى تعريفهم بحقيقة أمره فقال: ( ولا أقول لكم عندى خزائن الله ولا
أعلم الغيب ولا أقول إنى ملك .. ))
والخزائن: جمع خزانة - بكسر الخاء - وهو المكان الذى يخزن فيه
المل أو الطعام أو غير هما خشية الضياع. والمراد منها هنا : أنواع رزقه
- سبحانه - التى يحتاج إليها عباده. وأضيفت إليه - سبحانه - لاختصاصه
بها وملكيته لها .
أى: إنى لا أقول لكم إذ النبوة التى وهبنى الله إياها، تجعلنى أملك
خزائن أرزاقه - سبحانه - فأصير بذلك من الأثرياء، وأعطى من أشاء
بغير حساب ...
كلا إنى لا أملك شيئاً من ذلك، وإنما أنا عبد الله ورسوله، أرسلنى
لأخرجكم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان .
وهذه الجملة المكريمة رد على قولهم السابق ! ((وما نرى لكم علينا من فضل)).
وأيضا لا أقول لكم إنى أعلم الغيوب التى اختص الله بعلمها ، فأدعى
قدرة ليست للبشر، أو أزعم أن لى صلة بالله - تعالى - غير صلة النبوة، أو
أدعى الحكم على قلوب الناس وعلى منزلتهم عند الله، كما ادعيتم أنتم فقلتم
٠٠،
((وما تراك اتبعك إلا الذين أراذلتا بادى الرأى.
وأيضاً فإنى لا أقول لكم إنى ملك ، بل أنا بشر مثلكم آكل مما
تأكلون منه، وأشرب مما قشربون منه، إلا أن الله - تعالى - اختصنى من
بينكم بالنبوة ، والبشرية مقتضى للنبوة وليست مانعا منها - كما تزعمون -
حيث قلتم (« ما نراك إلا بشراً مثلنا ،.

- ٦٧ -
.. ولم يكتف نوح - عليه السلام - بهذا الرد المبطل لدعاواهم الفاسدة، بل
أضاف إلى ذلك - كما حكى القرآن عنه ـ ((ولا أقول للذين نزدرى أعينكم
أن يؤنيهم الله خيرا، الله أعلم بما أنفسهم، إنى إذا لمن الظالمين)).
وقوله: ((تزدرى، من الازدراء بمعنى التحقير والانتقاص . يقال :
أزدرى فلان فلافا إذا احتقره وعابه.
أى: أنا لا أقول لكم بأنى أملك خزائن الله، أو بالى أعلم الغيب ، أو
بأنى ملك من الملائكة ، ولا أقول لكم - أيضا - فى شأن الذين تنظرون
إليهم نظر احتقار واستصغار: إنهم - كما تزعمون - ((لن يؤتيهم الله خيرا))
يسعدهم فى دينهم ودنياهم وآخرتهم ، بل أقول لكم إنه - سبحانه - سيؤفيهم
ذلك - إذا شاء -؛ لأنه - سبحانه - هو الأعلم بما فى نفوسهم من خير
أو شر. أما أنا فلا علم لى إلا بظواهرهم التى تدل على إيمانهم وإخلاصهم!
و ((إنى إذن لمن "ظالمين) لنفسى ولغيرى إذا ادعيت أية دعوى من
هذه الدعاوى.
قال البيضاوى ما ملخصه. وأسند - سبحانه - الازدراء إلى الأعين فى
قوله « زدرى أعينكم ((للمبالغة والتنبيه على أفهم استرذلوهم بادى الرؤية .- أى
بمجرد نظرهم إليهم - من غير روية بسبب ماعاينوه من رثاثة حالهم وقلة
منالهم . دون تأمل فى معانيهم وكالاتهم، ١٩).
:« الإستاد من باب المجاز العقلى. لأن الازدراء ينشأ عن مشاهدة
الصفات الحقيرة ((فىنظر الناظر)) فتكون الأعين سببا فى هذا الازدراء.
وأكد جملة (( إنى إذن لمن الظالمين)) بعدة مؤكدات، تحقيقاً لظلم كل من
يدعى شيئاً من هذه الدعادى ، وتكديبا لأولئك الكافرين الذين احتقروا
المؤمنين، وزعموا أن الله - تعالى - لن يؤتيهم خيرا.
(١) تفسير البيضاوى صـ ٤٦٧

- ٦٨ -
وهكذا نجدنوح - عليه السلام - يشرح لقومه بأسلوب مهذب حكيم
حقيقة أمره، ويرد على شيهاتهم بما يزدقها ...
-
وعندما وجدوا أنفسهم عاجزين عن الرد على نبيهم بأسلوب مقارعة الحجة
بالحجة، لجأوا ـ على عادة طبقتهم - إلى أسلوب التحدى وقد أخذتهم العزة
بالإثم فقالوا - كما حكى القرآن عنهم -:
((قَالُوا يا نوح قد جادَلْتَنَفأكثرتَ جِدالَنَا، فَأْتِنَاً بما تعِدُنَا إِنْ
كنتَ من الصادقينّ (٣٢) قالَ إنما يأتيُكُم به اللهُ إنْ شاءَ وما أنتُمُ
◌ُمْجِزِينَ (٣٣) ولا ينفعُكُم نُصْحِى إنْ أردتُ أَنْ أَنْصَح لكم، إذْ كانَّ
اللهُ يِرِيدُ أنْ يُعْوِيُّكُم هو ربُكُم وإليه تُرجَعون (٣٤)).
أى : قال قوم نوح - عليه السلام - له بعد أن غلبهم بحجته ، وعجزوا
عن الدفاع عن أنفسهم: «يانوح قد جاداتنا فأكثرت جدالنا .
٠٬٠٠
أى: خاصمتنا وفازعتنا فأكثرت فى ذلك حتى لم تترك لنا منفذا للرد عليك
والجدال هو المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة. وأصله - كما يقول الآلوسى -
من جدلت الحبل إذا أحكمت فتله ، ومنه الجديل - أى الحبل المفتول - ،
وجدات البناء أحكمته، والأجدل : الصقر المحمكم البنية ، والمجدل - كه -بر
القصر المحكم البناء ....
وسميت المنازعة فى الرأى جدالا، لأن كل واحد من المتجادلين كأنما ا
يقتل الآخر عن رأيه - أى يصرفه عنه.
.. . .
وقيل : الأصل فى الجدال الصراع ، وإسقاط الإنسان صاحبه على الجدالة
- بفتح الجيم - أى: الأرض الصلبة، (١).
(١) تفسير الآلومى جـ ١٢ ٥ ٤١

- ٦٩ -
ثم أضافوا إلى هذا العجز عن مجابهة الحجة سفاهة فى القول فقالوا : فأتنا
بما تعدنا إن كنت من الصادقين ».
.* أى: لقد سئمنا مجادلتك لنا ومللناها، فأتنا بالعذاب الذى تتوعدنا به،
إن كنت من الصادقين فى دعواك النبوة ، وفى وعيدك لنا بعقاب الله ، فإننا
مصرون على عبادة آلهتنا ، وكارهون لما تدعونا إليه .
وهذا شأن الجاهل المعاند، إنه يشهر السيف إذا أعجزته الحجة ، ويعلن
التحدى إذا يئس عن مواجهة الحق .....
ولكن نوحا - عليه السلام - لم يخرجه هذا التحدى عن سمته الكريم ،
ولم يقعده عناد قومه عن مداومة النصح لهم، وإرشادهم إلى الحقيقة التى ضلوا
عنها، فقد رد عليهم بقوله (( إنما يأتيكم به الله - إن شاء - وما أتم بمعجزين)).
أى: إنما يأتيكر بهذا العذاب الذى تستعجلونه الله - تعالى - وحده ، إن
شاء ذلك ، لأنه هو الذى يملكه((وما أنتم بمعجزين، أى: وما أتم بمستطيمين
الهروب من عذابه متى اقتضت مشيئته - سبحانه - إنزاله بكم، لأنه - تعالى -
لا یعجزه شىء .
- ثم أضاف إلى هذا الاعتراف بقدرة الله - تعالى - اعترافا آخر بشمول
إرادته فقال: «ولا ينفعكم نصحى إن أردت أن أنصح لكم».
والنصح معناه: تحرى الصلاح والخير للمنصوح مع إخلاص النية من
شوائب الرياء .
يقال: نصحته ونصحت له ... أى: أرشدته إلى مافيه صلاحه.
ويقال: رجل ناصح الجيب إذا كان فقى القلب طاهر السريرة. والناصح
الخالص من كل شىء .
١
أى: إنى قد دعوتكم إلى طاعة الله ليلا ونهارا، ولم أقصر معكم فى النصيحة

- ٧٠ -
ومع ذلك فإن نصحى الدائم لن يفيدكم شيئا ، مادامت قلوبكم فى عمى عنه ،
وأسماعكم فى صمم منه، ونفوسكم على غير استعداد له .
وجواب الشرط فى قوله (( إن أردت أن أنصح لكم)) محذوف لدلالة
ما قبله عليه .
وقوله ((إن کان اله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون: زيادة
تأكید منه - عليه السلام - لعموم قدرة الله وإرادته .
أى: إن كان الله - تعالى - يريد أن يضلكم عن طريق الحق ، ويصرفكم
عن الدخول فيه ، بسبب إصراركم على الجحود والعناد ، فعل ذلك ، لأنه هو
ربكم ومالك أمركم، وإليه وحده ترجعون يوم القيامة ، ليجازيكم الجزاء
الذى نستحقو نه .
وهكذا نجد فوحا - عليه السلام - قدسلك فى دعوته إلى فقه، أحكم
السبل ، واستحمل أبلغ الأساليب ، وصبر على سفاهة قومه صبرا جميلا .
وعند هذا الحد من قصة نوح مع قومه ، تنتقل السورة الكريمة انتقالا
سريعا بقارتها إلى الحديث عن مشركى مكة، الذين أنكروا أن يكون القرآن.
من عند الله، ووقفوا من نبيهم - صلى الله عليه وسلم - موقفا يشبه موقف.
قوم نوح منه - عليه السلام -، فترد عليهم بقوله - تعالى -:
((أم يقولُون افتراهُ قُلْ إنِ افترَيْتُه فَعَلىَّ إجرامى، وأنا برى*
مما تُجرِمُون (٣٥)».
وأم هنا منقطعة بمعنى بل التى للإضراب ، وهو انتقال المتكلم من غرض
إلى آخر .
والافتراء: الكذب المتعمد الذى لا توجد أدنى شبهة لقائله .

- ٧١ -
والإجرام : اكتاب الجرم وهو الشىء القبيح الذى يستحق
فاعله العقاب .
يقال: أجرم فلان وجرم واجترم، بمعنى اقترف الذنب الموجب للعقوبة
والمفسرين فى معنى هذه الآية اتجاهان:
الاتجاه الأول يرى أصحابه : أنها معترضة بين أجزاء قصة نوح مع
قومه، وأنها فى شأن مشركى مكة الذين أنكروا أن يكون القرآن من
عند الله .
وعليه يكون المعنى : لقد سقنا لك يامحمد من أخبار السابقين ماهو الحق
الذى لا يحوم حوله باطل ، واسكن المشركين من قومك لم يعتبروا بذلك ، بل
يقولون إنك قد افتريت هذا القرآن، قل لهم: إن كنت قد فتريته - على
سبيل الفرض - فعلى وحدى تقع عقوبة إجرامى وافترائى الكذب، وأنا
يرى من عقوبة إجرامكم وافترائكم الكذب .
أما الاتجاه الثاني فيرى أصحابه أن الآية الكريمة ليست معترضة، وإنما
هى من قصة نوح عليه السلام - وعليه يكون المعنى: بل أيقول قوم نوح إن
فوحا - عليه السلام - قد افترى واختلق ماجاء به من عند نفسه ثم نسبه إلى الله
- تعالى -، قل لهم إن كنت فـ افتريته فعلى سوء عاقبة إجرامى وكذبى، وأنا
بريء مما تقترفونه من منكرات ، وماتكتسبونه من ذنوب .
ويبدو لنا أن الاتجاه الأول أرجح، لأن التعبير عن إفكارهم بيقولون،
وعن الرد عليهم بقل، الدالير على الحال والاستقبال، يقوى أن الآية الكريمة
فى شأن مشرکی مکه .
وقد اقتصر الإمام ابن جرير على الاتجاه الأول، ولم يذكر شيئا عن
الاتجاه الثانى مما يدل على ترجيحه للاتجاه الأول فقال ماملخصه: يقول
- تعالى - ذكره: أيقول يا محمد هؤلاء المشركون من قومك، افترى محمد هذا
القرآن وهذا الخبر عن نوح، قل لهم: إن افتريته فتخرصته واختلقته فعلى

- ٧٢ ١
إثمى فى افترانى ما اقتريت علی دبى دونكم ... وأنا برىء مما تذنبون
وتأثمون فى حقى وحق ربكم ... )، (١) .
.. وإلى هنا نرى الآيات الكريمة قد حكت لنا جانبا من مجادلة قوم أو ح له،
ومن تطاولهم عليه ، ومن تحديهم لدعوته ، كما حكت لنا رده عليهم بأسلوب
حكيم، جعلهم يعجزون عن مجابهته فماذا كان من شأنه وشأنهم بعد ذلك ؟
٠٠ ٠
لقد تابعت السورة الكريمة حديثها عن هذه القصة، فبينت بعد ذلك قضاء
الله العادل فى هؤلاء الظالمين، حيث حكت لنا ما أوراه الله إلى نوح - عليه
السلام - فى شأنهم، وما أمره بصنعه .... فقال - تعالى - :
((وأوحى إلى نوحٍ أَنَّه لن يؤمِنَ من قَوْمِك إلا مَن قد أَمَن،
فلا تَبْتَِّسْ بما كانُوا يفعلونَ (٣٦) واصنَعِ الفُلَكَ بأعيُنِنْا وَوَحْينا ولا
تخاطبّقِ فى الذينَ ظلمُوا، إنهم مغرقونَ (٣٧) ويَصْنَعُ الفُلكَ وكلما مرّ
عليه ملأٌ من قومِه سخِرُوا منهُ قال إنْ تسخَرُوا مِنَّا فإنّا نسخرُ منكم كما
تسخرونَ (٣٨) فسوفَ تعلمونَ مَنْ يأتيهِ عذابٌ يُخْزِيهِ وتَحِلُّ عليه
عذابٌ مُقِيمٌ (٣٩))).
وقوله - سبحانه -: ( وأوحى إلى نوح أنه ان يؤمن من قومك إلا من
قد آمن ) معطوف على قوله ( قالوا بأن ح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا ... ).
أى: بعد أن خ قوم نوح فى طغيانهم ، وصموا آذانهم عن سماع دعوته ..
أوحى الله - تعالى - إلى نوح بأن يكتفى بمن معه من المؤمنين، فإنه لم يبق
فى قومه من يتوقع إيمانه بعد الآن، وبعد أن مكث فيهم زمنا طويلا يدعوم
إلى الدخول فى الدين الحق ، فلم يزدهم دعاءه إلا فرارا ..
(١) تفسير ابن جرير جـ ١٢ ص ٢٠
ط

- ٧٣ -
وقوله: (( فلا تبتئس بما كانوا يفعلون)) تسلية له - عليه السلام - عما
أصابه منهم من أذى .
والابتئاس: الحزن. يقال : ابتأس فلان بالأمر، إذا بلغه ما يكرهه
ويغمه . والمبتئس : الكاره الحزين فى استكانة .
أى: فلا تحزن بسبب إصرارهم على كفرهم ,وتماديهم فى سفاهاتهم
وطغيانهم ، فقد آن الأوان للانتقام منهم.
قال الإمام ابن كثير : يخبر اللّه - تعالى - فى هذه الآية، أنه أوحى إلى
نوح لما استعجل قومه نقمة الله بهم ، وعذابه لهم ، فدعا عليهم نوح دعوته
وهى «رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا، فعند ذلك أوحى الله
- تعالى - إليه ((أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن، فلا تحزن عليهم ،
ولا يهمنك أمرهم ،(١).
وقوله: ((واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ... )، معطوف على قوله ..
فلا تبتئس ......
والفلك: ماعظم من السفن . ويستعمل هذا اللفظ الواحد والجمع، والمراد
به هنا سفينة واحدة عظيمة قام بصنعها نوح - عليه السلام - .
والباء فى قوله ((بأعيننا، لللابسة، والجار والمجرور فى موضع الحال
من ضمير أصنع.
أى: واصفع الفلك يا نوح (( حالة كونك بمرأى منا، وتحت رعايتنا
وتوجيهنا وإرشادنا عن طريق وحينا .
وقوله - سبحانه - ((ولا تخاطنى فى الذين ظلموا إنهم مغرقون، نهى له
عن المراجعة بشأنهم .
أى : ولا تخاطبنى يانوح فى شأن هؤلاء الظالمين ، بأن ترجونى فى رحمتهم
أو فى دفع العذاب عنهم ، فقد صدر قضائى بإغراقهم ولا راد لقضائى.
(١) تفسير ابن كثير جـ ، ص ٢٥٢ طبعة دار الشعب.

- ٧٤ -
وقوله - تعالى - ((ويصنع الفلك)) بيان لامتثال نوح لأمر ربه.
وجاء التعمير بالفعل المضارع مع أن الصنع كان فى الماضى ؛ استحضارا
الصورة الصنع، حتى لكأن نوحا - عليه السلام - يشاهد الآن وهو يصنعها.
ثم بين - سبحانه - موقف قومه منه وهو يصنعها وقال: (( وكلما مر عليه
ملأ من قومه سخروا منه .... ، .
والسخرية: الاستهزاء. يقال: سخر فلان من فلان وسخر به، إذا
استخف به وضحك منه .
أى: امتثل نوح لأمر ربه ، فطفق يصنع الفلك، فكان السكافرون من
قومه كلما مروا به وهو يصنعها استهزءوا به ، وتعجبوا من حاله ، وقالوا له على
سبيل التهكم به ، بانوح صرت نجارا بعد أن كنت نبيا ، كماجاء فى بعض الآثار.
وهنا يردعليهم نوح بقوله:( إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كمانسخرون)).
أى قال نوح لهم: إن تسخروا منى ومن أتباعى اليوم لصنعنا السفينة ،
وتستجهلوا منا هذا العمل ، فإنا سنسخر منمكم فى الوقت القريب سخرية محققة
فى مقابل سخريتكم الباطلة.
قال الإمام الرازى: وقوله (( إن تسخروا منا فإنا نخر منكم كما تسخرون))
فيه وجوه :
الأول : التقدير: إن تسخروا منا فى هذه الساعة فإنا نسخر منكم سخرية
مثل سخريتكم إذا وقع عليكم الغرق فى الدنيا والخزى فى الآخرة .
الثانى: إن حكمتم علينا بالجهل فيما نصنع فإنا تحكم عليكم بالجهل فيما أنتم
عليه من الكفر والتعرض لسخط الله وعذابه، فأتم أولى بالسخرية منا .
الثالث: إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم ، واستجهالكم أقبح وأشد ،
لأنكم لا تستجهلون إلا لأجل الجهل بحقيقة الأمر، والاغترار بظاهر الحال،
كما هو عادة الأطفال،(١).
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٧ ص ١٢٤

- ٧٥ -
ثم أضاف نوح - عليه السلام - إلى تهديدهم تمديدا آخر فقال: فسوف
تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم)).
أى: فسوف تعلمون عما قريب ، من منا الذى سينزل عليه العذاب
المخزى المهين فى الدنيا ، ومن منا الذى سيحل عليه العذاب الدائم الخالد
فى الآخرة .
وبهذا نرى أن هذه الآيات الكريمة قد قررت حكم الله الفاصل فى شأن
قوم نوح - عليه السلام -، بعد أن لبث فيهم زمنا طويلا يدعوهم إلى الحق،
ولكنهم صموا آذانهم عنه فماذا كان من أمره وأمرهم بعد ذلك .
كان من أمره وأمرهم بعد ذلك أن أمر الله - تعالى - فوحا - عليه السلام-
أن يحمل فى السفينة بعد أن أتم صنعها من كل نوع من أنواع الحيوانات ذكرا
وأنثى، ثم نزل الطوفان ، وسارت السفينة بمن فيها، وأغرق الله - تعالى -.
الظالمين، وقد حكى - سبحانه - كل ذلك فقال - تعالى -.
((حتى إذا جاء أمرُنا وفارَ التَّنُورُ، فلناَ احِلْ فِيهَاَ مِنْ كُلِّ ذَوْجَيْنٍ
اثنَيْنِ وأهلكَ إِلا من سبق عليه القولُ ومَنْ آمَن، وما آمن معَهُ إلا
قليلٌ (٤٠) وقالَ اركبُوا فيها باسم الله تَجْرِيهاَ ومُرْسَها إنَّ ربى لغفورٌ"
رحيمٌ (٤١) وهى تجرِى بهِم فى موجٍ كالجبالِ ونادَى نوحٌ ابنَه وكانَ
فى مَعزِلٍ يا بنىَّ اركب معنا ولا تكن مع الكافرينَ (٤٢) قالَ سآوى
إلى جبلٍ يَعْصِمُنِى من الماء قالَ لا عاصمَ اليومَ من أمْرِ اللهِ إلا مَنْ
رحِمَ وحالَ بينهما الموج فكانَ من المُغْرِقِينَ (٤٣) وقيل يا أرضُ ابْلَعِى
ماءكِ ويا سماء أَفْلِ وغيضَ الماءِ وَقُضِىَ الأمرُ واستوتْ على الْجُودِىِّ
وقيلَ بُعْدًا للقوم الظالمينَ (٤٤))).
فقوله - سبحانه - ( حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا أجمل فيها من كل

- ٧١ -
زوجين اثنين ... ) بيان لمرحلة جديدة من مراحل قصة نوح - عليه السلام -
مع قومه .
و ( حتى) هنا حرف غاية لقوله - تعالى - قبل ذلك (ويصنع
الخ ) .
الفلك ....
والمراد بالأمر فى قوله - سبحانه -(( حتى إذا جاء أمرنا ... ، حلول
وقت نزول العذاب بهم، فهو مفرد الأمور، أى: حتى إذا حل بهم وقت
عذابنا ... قلنا أحمل فيها من كل زوجين اثنين .
ويصح أن يكون المراد به الأمر بالشىء على أنه مفرد الأوامر ، فيكون
المعنى : حتى إذا جاء أمرنا لنوح بركوب السفينة، وللأرض بتفجير عيونها،
وللسماء بإنزال أمطارها ... قلنا احمل فيها ...
وجملة ((وفار التنور، معطوفة على((جاء أمرنا))، وكلمة ((فار) من الفور
والفوران , وهو شدة الغليان للماء وغيره.
قال صاحب المنار ماملخصه: ( والفور والفوران ضرب من الحركه
والارتفاع القوى . يقال فى الماء إذا غلا وارتفع .... ويقال فى النار إذا
هاجت قال - تعالى - ((إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهى تفور)) ...
ومن المجاز: فأر الغضب، إذا اشتد .... »(١)
والمفسرين فى المراد بلفظ «التنور، أقوال منها: أن المراد به الشىء
الذى يخبز فيه الخبز، وهو مايسمى بالموقد أو الكافون ...
ومنها أن المراد به وجه الأرض ...
ومنها : أن المراد به موضع اجتماع الماء فى السفينة ...
ومنها: أن المراد به طلوع الفجر من قولهم : تنور الفجر ...
ومنها : أن المراد به أعالى الأرض والمواضع المرتفعة فيها ..
(١) تفسير المنار جـ ١٢ ص ٠٧٥

- ٧٧ -
وقيل : إن الكلام على سبيل المجاز، والمراد بقوله - سبحانه -،فأو التنور)
التمثيل بحضور العذاب، كقولهم: حمى الوطيس، إذا اشتد القتال(١).
وأرجح هذه الأقوال أولها ، لأن التنور فى اللغة يطلق على الشىء الذى
يخبز فيه، وفورانه معناه: فبع الماء منه بشدة مع الارتفاع والغليان، كما يفور
الماء فى القدر عند الغليان، ولعل ذلك كان علامة لنوح - عليه السلام - على
اقتراب وقت الطوفان .
وقد رجح هذا القول المحققون من المفسرين ، فقد قال الإمام ابن جرير
بعد أن ذكر جملة من الأفوال فى معنى التنور: ((وأولى الأقوال عندنا بتأويل
قوله ((التنور)) قول من قال: هو التنور الذى يخبز فيه، لأن هذاهو المعروف
من كلام العرب . وكلاء العرب لا يوجه إلا إلى الأغلب الأشهر من معانيه عند
العرب ، إلا أن تقوم حجة على شىء منه بخلاف ذلك ، فيسلم لها .
وذلك لأنه جل ثناؤه إنما خاطبهم بماخاطبهم به لافها مهم معنى ما خاطبهم به.
أى : قلنا لنوح حين جاء عذابنا قومه ... وفار التنور الذي جعلنا فورانه
بالماءآية مجىء عذابنا ... أحمل فيها - أى السفينة من كل زوجين اثنين .. ، (٢)
وقال الامال الرازى ما ملخصه : فإن قيل : فما الأصح من هذه الأقوال -
فی معنی التنور ۔ ؟
قلنا : الأصل حمل الكلام على حقيقته، ولفظ التنور حقيقة فى الموضع
الذی یخبز فيه ، فوجب حمل اللفظ عليه ...
ثم قال : والذى روى من أن فور التنور كان علامة هلاك القوم لا يمتنع
لأن هذه واقعة عظيمة، وقد وعد الله - تعالى - المؤمنين النجاة)، فلا بدوأن
(١) راجع تفسير القرطبي ج ٩ ص ١٣
(٢) تفسير ابن جرير حـ ١٢ ص ٠٢٥

- ٧٨ -
يجمل لهم علامة بها يعرفون الوقت المعين (( فلا يبعد جعل هذه الحالة علامة
لحدوث هذه الواقعة ))(١) .
وجملة (( قلنا أحمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك، جواب إذا
ولفظ (زوجين) تدنية زوج، والمراد به هنا الذكر والأنى من كل نوع
وقراءة الجمهور: «ن كل زوجين اثنين ) بدون تنوين للفظ كل، وبإضافته
إلى زوجين .
وقرأ حفص : (من كل زوجين اثنين) بتنوين لفظ كل وهو تنوين عوض
عن مضاف إليه ، والتقدير: احمل فيها من كل نوع من أنواع المخلوقات التى
أنت فى حاجة إليها ذكرا وأنى .
ويكون لفظ (زوجين) مفعولا لقوله ( احمل) واثنين صفة له .
والمراد بأهله: أهل بيته كزوجته وأولاده، وأكثر ما يطلق لفظ الأهل
على الزوجة ، كما فى قوله - تعالى - ( فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آ نس
من جانب الطور نارا، قال لأهله امكثوا إنى آنست فاراً ... )(٢).
والمراد بأهله : من كان مؤمنا منهم .
وجملة ( إلا من سبق عليه القول ) استثناء من الأهل .
أ : أحمل فيها أهلك إلا من سبق عليه قضاؤنا بكفره منهم فلا تحمله.
والمراد بمن سبق عليه القول : زوجته التى جاء ذكرها فى سورة التحريم
فى قوله - تعالى - ( ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط
كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فانتاهما .. ) وابنه الذى أبى أن يركب
معه السفينة .
قال الألوسى عند تفسيره لهذه الجملة: والمراد زوجة له أخرى تسمى
(١) تفسير الفخر الرازى حـ ١٧ ص ٠٢٢٦
(٢) سورة القصص الآية ٢٩.

- ٧٩ -
( وأعلة ) بالعين المهمله , وفى رواية (والقه) وابنه منها واسمه ( كنعان) ..
و كانا كافرين)(١).
وجملة (ومن آمن) معطوفة على قوله ( وأهلك) أى: واحمل معك من
آمن بك من قومك .
والمعنى الآية الكريمة : لقد امتثم توح أمر وبه له بصفع السفينة، حتى
إذا ما تم صنعها، وحان وقت نزول العذاب بالكافرين من قومه، وتحققت
العلامات الدالة على ذلك ، قال الله - تعالى - لنوح: أحمل فيها من كل نوع
من أنواع المخلوقات التى أقت فى حاجة إليها من ذكر وأنثى، واحمل فيها أيضا
من آمن بك من أهل بيتك دون من لم يؤمن ، وأحمل فيها "كذلك جميع المؤمنين
الذين اتبعوا دعوتك من غير أهل بيتك .
وقـ ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يدل على قلة عدد من آمن به
فقال: (( وما آمن معه إلا قليل)).
أى : وما آمن معه إلا عدد قليل من قومه بعد أن لبث فيهم قرونامتطاولة
يدعوهم إلى الدين الحق ليلا ونهارا، وسرا وعلانية .
قال الألوسى بعد أن ساق أقوالا فى عدد من آمن بنوح - عليه السلام -
من قومه : ... والرواية الصحيحة أنهم كانوا تسعة وسبعين: زوجته، وبنوه
الثلاثة ونساؤهم ، واثنان وسبعون رجلا وامرأة من غيرهم ... ))(٢).
ثم حكى - سبحانه - ما قاله نوح للمؤمنين عند ركوبهم السفينة فقال:
((وقال أركبوا فيها بسم الله مجريها ومرساها إن ربي لغفور رحيم).
ر . مجريها ومرساها، قرأها الجمهور بضم الجيمين فيهما، وهما مصدران
من جرى وأرسى . ونباء فى «باسم الله) للملابسة، والآية الكريمة معطوفة
على جملة، قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين ... ))
(١) تفسير الآلومى حـ ١٢ ص ٠٥٠
.. (٢) تفسير الآلوسي = ١٢ ص ٠٥٠

- ٨٠ -
أى : قلنا له ذلك فامتثل أمرفاً، وقال لمن معه من المؤمنين : سلموا أمركم
لمشيئة الله - تعالى - وقولوا عند ركوب السفينة: باسم الله جربها فى هذا
الطوفان العظيم، وباس الله إرساؤها فى المكان الذى يريد الله - تعالى -
إرساؤها فيه .
قال الشيخ الفاضل ابن عاشور: وعدى فعل (( اركبوا)) بقى، جريا على
الأسلوب الفصيح ، فإنه يقال: ركب الدابة إذا علاها. وأمار كوب الفلك
فيعدى بفى، لأن إطلاق الركوب عليه مجاز، وإنما هو جلوس واستقرار،
فلا يقال : ركب السفينة؛ فأرادوا التفرقة بين الركوب الحقيقي والركوب
المشابه له، وهى تفرقة حسنة ، (١).
وجملة (( إن ربى اغفور رحيم، تعليل للأمر بالركوب المصاحب لذكر
الله - تعالى - :
أى: إن ربى لعظيم المغفرة ولعظيم الرحمة لمن كان مطيعا له مخلصا فى عبادته
قال الإمام ابن كثير -عند تفسير هذه الآية ما ملخصه: يقول الله- تعالى.
إخبارا عن نوح أنه قال للذين أمر بحملهم معه فى السفينة (( اركبوا فيها باسم
الله مجربها ومرساها ... ))
وقال - سبحانه - فى موضع آخر: فإذا استويت أنت ومن معك على
الفلك فقل الحمد لله الذى نجانا من القوم الظالمين. وقل رب أنزلنى منزلا مباركا
وأنت خير المنزاين ,.
ولهذا تستحب التسمية فى ابتداء الأمور: عند الركوب فى السفينة وعلى ؟
الدابة ...
فقد روى الطبرانى عن ابن عباس عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال:
أمان أمتى من الغرق إذا ركبوا فى السفن أن يقولوا : بسم الله الملك ... بسم
اللّه مجريها ومرساها إن وبى لغفور رحيم)) (٢).
(١) تفسير سورة هود ص ٧٣ (٢) تفسير ابن كثير حـ ٤ ص ١٥٥