النص المفهرس
صفحات 41-60
- ٤١ - ثم بين - سبحانه - سوء صير الذين لا يريدون بأقوالهم وأعمالهم وجه الله - تعالى - فقال : ((مَنْ كَانَ يريدُ الحياةَ الدُّنيا وزينتَها نوفِّ إليهم أعمالهَم فيها ومُ فيهاَ لا يُبْخَسون (١٥) أولئكَ الذينَ ليسَ لهُم فى الآخرةِ إلا النارُ وحَبِطَ ما صنّعُوا فيها وباطلٌ ما كانوا يعملونَ (١٦). أى: من كان يريد، بأقواله الحسنة وبأعماله الطبية على حسب الظاهر، الحصول على ( الحياة الدنيا وزينتها ) من مال وجاه ومنصب وغير ذلك من المتع الدنيوية ، بدون التفات إلى ما يقربه من ثواب الآخرة. من كانوا يريدون ذلك ( نوف إليهم أعمالهم فيها ) أى: فوصل إليهم - بإرادتنا ومشيئتنا - ثمار جهودهم وأعمالهم فى هذه الدنيا . والتعبير بكان فى قوله ( من كان يريد ... ) يفيد أنهم مستمرون على إرادة الدنيا بأعمالهم ، بدون تطلع إلى خير الآخرة . وعدى الفعل (نوف) بإلى ، مع أنه يتعدى بنفسه ، لتضمينه معنى فوصل. وقوله - سبحانه - ( وهم فيها لا يبخسون ) تذييل قصد به تأكيد ماسبقه، وتبیین مظهر من مظاهر عدل الله - تعالى - مع عباده فى دنياهم , والبخس : نقص الحق ظلما. يقال: بخس فلان فلانا حقه إذا ظلمه ونقصه . أى: وهم فى هذه الدنيا لا ينقصون شيئا من نتائج جهودهم وأعمالهم، حتى ولو كانت جهوداً لا إخلاص معها ولا إيمان . ثم بين - سبحانه - سوء مصيرهم فى الآخرة فقال: أولئك الذين ليس لهم فى الآخرة إلا النار وحبط ماصنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون . أى: أولئك الذين أرادوا بأقوالهم وأعمالهم الحياة الدنيا وزينتها، ليس ٠ - ٤٢ - ـم فى الآخرة إلا النار، لأنهم استوفوا ما تقتضيه صور أعمالهم الحسنة فى الدنيا بقيت عليهم أوزار نباتهم السيئة فى الآخرة (( وحبط ما صنعوا فيها، أى: وفد ما صنعوه فى الدنيا من أعمال لخير ، لأنهم لم يقصدوا بها وجه الله - تعالى - وإنما قصدو بها الرياء رضى الناس ... وقوله (( وباطل ما كانوا يعملون، أى: وباطل فى نفسه ما كانوايعملونه ، الدنيا من أعمال ظاهرها البر والصلاح، لأنه لا ثمرة له ولاثواب فى الآخرة لأن الأعمال بالنيات، وفيات هؤلاء المرائين، لم تكن تلتفت إلى ثواب الله، إنما كانت متجهة انجاها كليا إلى الحياة الدنيا وزينتها، إلى إرضاء المخلوق ا الخالق . وشبيه بهاتين الآيتين قوله - إتعالى -: ((من كان يريد حرث الآخرة زد له فى حرثه ، ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له فى الآخرة من نصيب))(١) . وقوله - تعالى - : (( من كان بريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن تريد، ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموماً مدحورا. ومن أرد الآخر وسعى لها سعيها وهو مؤمن، فأولئك كان سعيهم مشكورا. كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا. انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض، وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً (٢). هذا، ومن العلماء من يرى أن هاتين الآيتين مسوقتان فى شأن الكفار ومن على شاكلتهم من الضالة كاليهود والنصارى والمنافقين ... لأنقوله - تعالى- أولئك الذين ليس لهم فى الآخرة إلا النار ... )، لا يليق إلا بهم. (١) سورة الشورى الآية ٢٠ - ٤٣ - والذى نراه أن هاتين الآيتين تتناولان الكفار ومن على شا كلهم تناولا أوليا ، ولكن هذا لا يمنع من أنهما يندرح تحت وعيدهما كل من قصد بأقواله وأعماله الحياة الدنيا وزينتها ، ونبذ كل معافى الإخلاص والطاعة لله رب العالمين . وبما يشهد لذلك أن هناك أحاديث كثيرة، حذرت من الرياء، وتوعدت مقترفه بأشد أنواع العقوبات ، ومن هذه الأحاديث مارواه أبو داود عن أبى هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من تعلم علما ءا يبتغى به وجه الله، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا، لم يجد عرف الجنة يوم القيامة - أى رائحتها . (١). وصفوة القول : أن الآيتين الكريمتين تسوقان سنة من سنن الله مع عباده فى هذه الدنيا ، وهى أن الله - تعالى. لا ينقص الناس شيئاً من ثمار جهودهم وأعمالهم فى هذه الدنيا، إلا أن هذه الجهود وتلك الأعمال التى ظاهر الصلاح، إن المقصود بها الحياة الدنيا وزينتها ، وجدوا نتائجها وثمارها فى الدنيا فحسب. وإن كان المقصود بها رضا الله - تعالى - وثواب الآخرة، وجدوا ثمارها وفتاتجها الحسنة يوم القيامة، بجانب تمتعهم بما أحله الله هم فى الدنيا من طيبات. وذلك لأن العمل للحياة الأخرى - فى شريعة الإسلام - ، لا يحول بين العمل النافع فى الحياة الدنيا، ولا ينقص شيئاً من آثاره ونمارة ، بل إنه يزكيه وينميه ويباركه .. ور حم الله "فائل: ليس أحد يعمل حسنة إلا وفى ثوانها، فإن كان مسلما مخلصا وفى ثوابها فى الدنيا والآخرة ، وإن كان كافرا وفى نوابها فى الدنيا . وبعد أن بين - سبحانه - حال الذين يريدون الحياة الدنيا وزينتها ، (١) من كتاب رياض الصالحين للإمام النووى من باب وتحريم الرياء صـ ٦١٩ ٤٤ - أتبع ذلك بيان حال الذين يريدون الحق والصواب فيما يفعلون ويتركون فقال - تعالى -: ((أَفَمَنْ كانَ على بينةٍ من ربه ويتلوهُ شاهدٌ منه، ومن قبله كتابُ موسَى إماماً ورحمةً، أولئكَ يؤمنونَ به، ومَن يكفُر به من الأحزابِ فالنارُ موعدُه ، فلاتكُ فى مِرْيةٍ منه إنه الحقُّ من ربَكَ ولكنّ أكثرَ الناسِ لا يؤمنونَ (١٧)» . قال صاحب المنار ما ملخصه: البيئة ماتبين به الحق من كل شىء بحسبه كالبرهان فى العقليات والنصوص فى النقليات، والخوارق فى الإلهيات، والتجارب فى الحسيان، والشهادات فى القضائيات. والاستقراء فى إثبات الكليات، وقد نطق الفرآن بأن الرسل قد جاءوا أقوامهم بالبينات وأن كل فى منهم كان يحتج على قومه بأنه على بينة من ربه وأنه جاءه ببينة من ربهم، كما ترى فى قصصهم فى هذه السورة وفى غيرها ... )،(١). وقوله: ((ويتلوه .. )) من التلو بمعنى الاقتفاء والاتباع. يقال: قلا فلان فلانا إذا كان قابعا له ومقتفيا أثره. والمراد بههنا: التأييد والتقوية. وللمفسرين أقوال متعددة فى المقصود بقوله - تعالى -: ((أفمن كان على بينة من ربه )، وبقوله - سبحانه - ((ويتلوه شاهد منه)). وفى مرجع الضمائر فى قوله , ربه - ويتلوه - ومنه وأقرب هذه الأقوال إلى الصواب أن يكون المقصود بقوله - تعالى - (أفمن كان على بينة من ربه، الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأتباعه المؤمنون وبقوله - تعالى - ,ويتلوه شاهد منه)) القرآن الكريم الذى أنزله الله - تعالى - على نبيه - صلى الله عليه وسلم - ايكون معجزة له شاهدة بصدقه. ١ - ٤٥ - والضمير فى قوله «من ربه، يعود إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وفى قوله «ويتلوه، يعود إلى القرآن الكريم، وفى قوله ((منه)) يعود إلى الله - تعالى - . وعلى هذا القول يكون المعنى: أفمن كان على حجة واضحة من عند ربه هديه إلى الحق والصواب فى كل أقواله وأفعاله، وهو هذا الرسول الكريم وأتباعه. ويؤيده ويقوبه فى دعوته شاهد من ربه هو هذا القرآن الكريم المعجز لسائر البشر .... أفمن كان شأنه كمن ليس كذلك؟ أو اقن كان هذا شأنه كمن استحوذ عليه الشيطان جعله لا يريد إلا الحياة الدنيا وزينتها ؟ كلا إنها لا يستوبان . وشهادة القرآن الكريم بصدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - فى دعوته، تتجلى فى إعجازه ، فقد تحدى النبى - صلى الله عليه وسلم - أعداءه أن يأتوابسورة من مثله فيجزوا مع فصاحتهم وبلاغنهم ، فثبت بذلك أن هذا القرآن من عند الله - تعالى - . وإنما جعلنا هذا القول أقرب الأقوال إلى الصواب، لأنه هو الذى يتسق مع ما يفيده ظاهر الآية الكريمة، ولأننا عندما نقرأ هذه السورة الكريمة وغيرها ، نجد أن الرسل الكرام كثيراما يؤ كدون لأقوامهم - أنهم- أى الرسل- على بينة من دبهم. فهذا نوح - عليه السلام - يقول لقومه: « يا قوم أر أيتم إن كنت على بيئة من ربى وآتانى رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون» . وهذا صالح - عليه السلام - يقول لقومه: « يا قوم أرأيتم إن كنت على زينة من ربى وآنافى منه رحمة ، فمن ينصرنى من الله إن عصبته .... - ٤٦ - وهذا شعيب - عليه السلام - يقول لقومه: «يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربى ، ورزقنى منه رزقا حسنا ... ) وهكذا بجدكل فى يؤكد لقومه أنه جاءهم على بينة من ربه، وما دام الأمر كذلك، فسيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو أفضل من جاء قومه على بيئة من ربه ، والمؤمنون به - صلى الله علية وسلم - يقتدون به فى ذلك. ويرى بعضهم أن المراد بالبيئة القرآن الكريم، وبالشاهد إعجازه، وبالموصول مؤمنو أهل الكتاب، وأن الضميرين فى قوله ((ويتلوه - ومنه)) يعودان إلى القرآن الكريم وإعجازه . وعلى هذا الرأى يكون المعنى: أفمن كان على برهان من ربه يدل على حقية الإسلام وهو القرآن، ويؤيده ويقويه - أى القرآن - شاهد منه على كونهمن عند الله وهذا الشاهد هو إعجازه للبشر عن أن يأتوا بسورة من مثله . قال الآلوسي ما ملخصه: قوله: ((أفمن كان على بينة من ربه)): أصل البينه الدلالة الواضحة عقلية كانت أو محسوسة، وتطلق على الدليل مطلقا .. والتنوين فيها للتعظيم ، أى: بينة عظيمة الشأن والمراد بها القرآن، وباعتبار ذلك أو البرهان جاء الضمير الراجع إليها فى قوله (( ويتلوه، مذ كرا، وقرله «ويتلوه) أى يتبعه («شاهد، عظيم يشهد بكونه من عند الله، وهو إعجازه ... ومعنى كون ذلك الشاهد تابعا له، أنه وصف له لا ينفك عنه ... وكذا الضمير فى: ٩٠٠، - يعود إلى القرآن -، وهو متعلق بمحذوف وقع صفته الشاهد، ومعنى كونه منه أنه غير خارج عنه ٠٠٠,(١) ومن المفسرين من يرى أن المراد بالبيئة القرآن الكريم - أيضا - ويرى أن المراد بالشاهد جبريل - عليه السلام - وأن قوله - سبحانه - ((ويتلوه)) من التلاوة بمعنى القراءة لأن التلو بمعنى الاتباع. وعلى هذا الرأى يكون المعنى: أفمن كان على برهان جلى من ربه يدل على (١) تفسير الآلومى جـ١٢ ص ٢٥. ٠٠ ٤٧ - حقية الإسلام وهو القرآن، ويتلو هذا القرآن على الرسول - صلى الله عليه وسلم - شاهد من الله - تعالى - هو جبريل - عليه السلام- فالضمير فى ((ويتلوه)) على هذا الرأى يعود إلى جبريل - عليه السلام- وفى ((منه، يعود على الله - تعالى -. وهناك أقوال أخرى فى تفسير الآية الكريمة، رأينا من الخير أن نضرب عنها صفحا لضيفها (١). وقوله ((ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة، دليل آخر على صدق الذي - صلى الله عليه وسلم - فى دعوته. وهو معطوف على شاهد، والضمير فى قول ((ومن قبله ... )) يعود على شاهد - أيضا -. وقوله (, إماما ورحمة)) منصوبان على الحالية من قوله (( كتاب)). والمعنى: رمن قبل هذا الشاهد إلى صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم وهو القرآن الكريم، أنزل الله الله - تعالى - على موسى كتابه التوراة، مشتمل على صفات الرسول - صلى الله عليه وسلم - و«إمام)) يؤتم به فى أمور الدير والدنيا ، و «رحمة، لبنى إسرائيل من العذاب إذا ما آمنوا به واتبعوا تعاليمه قال الشوكانى: وإنما قدم الشاهد على كتاب موسى مع كونه متأخرا! الوجود، لكونه - أى الساهد بمعنى المعجز - وصفا لازما غير مفارق، فكا أغرق فى الوصفية من كتاب موسى . وهى شهادة كتاب موسى رهو التوراة ، أنه بشر بمحمد - صلى الله على وسلم - وأخبر بأنه رسول الله - تعالى-))(١). واسم الإشارة فى قوله (( أولئك يؤمنون به)) يعود إلى المتصوفين بأن على بينة من ربهم وعم النبى - صلى الله عليه وسلم - وأتباعه المؤمنون الصادقر: (١) راجع تفسير الآلوسى جـ ١٢ ص ٠٢٥ (٢) تفسير فتح القدير للشوكانى جـ ٢ ص ٠٤٨٨ - ٤٨ - أى: أولئك الموصوفون بأنهم على بينة من ربهم، يؤمنون بأن الإسلام الدين الحق ، ويأن رسوله - صلى الله عليه وسلم - رسول صدق ، وبأن آن من عند الله - تعالى - وحده . فالضمير فى قوله (( به)) يعود على كل ماجاء به الرسول - صلى الله عليه ٢ - من عندربه، ويدخل فى ذلك دخولا أوليا القرآن الكريم. وقوله: (( ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده)» بيان اسوء عاقبة غفرين بما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد بيان حسن عاقبة منين به . الأحزاب جمع حزب وهم الذين تحزبوا وتجمعوا من أهل مكة وغيرهم بة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ودعوته. أى: ومن يكفر بهذا "قرآن وبما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - هدايات ، فإن نار جهنم هى الممكان الذى ينتظره ، وينتظر كل متحزب دعوته - صلى الله عليه وسلم - . ٠ وفى جعل الفار موعدا لهذا الكافر بالقرآن، إشعار بأن فيها ما لا يحيط به ـف من ألوان العذاب ، الذى يجعله لا يموت فيها ولا يحيا . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بالحض على النظر الصحيح الذى يؤدى اليقين بأن ماجاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو الحق الذى لا يشوبه ، فقال - تعالى -: «فلاتك فى مرية منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر ں لا يؤمنون » . أى: فلا تك ـ أيها العاقل - فى شك من أن هذا القرآن من عند الله، ، أن ماجاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو الصدق، بل عليك أن د اعتقادا جازما فى صحة ذلك، لأن ماجاء به - صلى الله عليه وسلم - هو ، "ثابت من عند ربك، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون بذلك، لانطاس زهم ، ولنقليدهم لآ بائهم ، ولإيثارهم الغى على الرشد . ٠ ٤٩ - وبذلك نرى الآية الكريمة قد ميزت بين من كان على الحق ومن كان على الباطل ، وساقت حشودا من الأدلة الدالة على صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - فى دعوته، وعلى صحة ما عليه أتباعه، وأمرتهم بالثبات على الحق الذى آمنوا به ، وتوعدت المتحزبين ضد دعوة الإسلام بنار جهنم التى هى بئس القرار . هذا ، وهذه الآية الكريمة هى من الآيات التى قيل بأنها مدنية، وبمراجعتنا لتفسيرها لم نجد ما يؤيد ذلك ، بل الذى نراه أن السورة كلها مكية كما سبق أن أشرنا إلى ذلك فى المقدمة . ثم وصف - سبحانه - الكافرين بالإسلام ببضعة عشر وصفا. وبين سوء مصيرهم، كما بين حسن عاقبة المؤمنين ، وضرب مثلا لحال الفريقين فقال - تعالى - . ((ومَنْ أظلم ممن افترى على الله كذباً، أولئك يعرَضُون على ربهم ويقول الأشهادُ هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ألاَ امنةُ الله على الظالمينَ (١٨) الذينَ يصدّونَ عن سبيلِ اللهِ ويبغونَهَا عِوَجاً، وم بالآخرِةِ م كافرونَ (١٩) أولئكَ لم يكونُوا معجزينَ فى الأرضِ وما كانَ لَهُم مِنْ دونِ الله من أولياء يضاعفُ لهم العذابُ ما كانوا يستطيعونَ السمعَ وما كانُوا يبصرونَ (٢٠) أولئك الذينَ خسِرُوا أَنفُسَهم وضَلَّ عنهم ما كانُوا يفترون (٢١) لا جرم أنَّهم فى الآخرةِ م الأخرونَ (٢٦) إنَّ الذِينَ آمَنُوا وعمِلُوا الصالحاتِ وأخبتُوا إلى ربِّهم أولئكَ أصحابُ الجَنَّقِهم فيها خالدونَ (٢٣) مثلُ الفريقينِ كالأعمَى والأصَمِّ والبصيرِ والسميعٍ هل يستويان مثلاً أفلا تذكرونَ (٢٤))). (٤ - سورة هود ) : - ٥٠ ٠٫ قال الإمام الرازى : اعلم أن الكفار كانت لهم عادات كثيرة ، وطرق مختلفة ، فمنها شدة حرصهم على الدنيا ، ورغبتهم فى تحصيلها ، وقد أبطل الته - تعالى - هذه الطريقه بقوله: ((من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها ... إلى آخر الآية . ومنها أنهم كانوا ينكرون نبوة الرسول - صلى الله عليه وسلم . ويقدحون فى معجزاته، وقد أبطل الله - تعالى - ذلك بقوله (( أفمن كان على بينة من ربه ٠٠٠). ومنها أنهم كانوا يزعمون فى الأصنام أنها شفعاؤهم عند الله، وقد أبطل الله - تعالى - ذلك بهذه الآيات وذلك لأن هذا الكلام افتراء على الله ... )(١). وجملة (( ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا ... )) معطوفة على قوله - تعالى - قبل ذلك , ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده. والاستفهام للإنكار والنفى، والتقدير: لا أحد أشد ظلما من تعمد الكذب على الله - تعالى - بأن زعم بأن الأصنام تشفع لعابديها عنده، أر زعم بأن الملائكة بنات الله، أو أن هذا القرآن اي من عنده - سبحانه .. وقوله : (( أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة على الظالمين)) بيان لما يقال هؤلاء الظالمين على سبيل التشهير والتوبيخ يوم القيامة والأشهاد: جمع شهيد كشريف وأشراف. أو جمع اهد بمعنى حاضر كصاحب وأصحاب والمراد بهم - على الراجح - جميع أهل الموقف من الملائكة الذين كانوا يسجلون عليهم أقوالهم وأعمالهم، ومن الأنبياء والمؤمنين . والمعنى: أولئك الموصوفون بافتراء الكذب على الله تعالى - يعرضون يوم الحساب ((على ربهم، ومالك أمرهم، كما يعرض المجرم للقصاص منه، ولفضيحته أمام الناس . (١) تفسير الفخر الرازى ج ١٧ ص ٢٠٣ طيعة عبد الرحمن محمد. ۶ ٠ - ٥١- ((ويقول الأشهاد، الذين يشهدون عليهم بأنهم قد افتروا الكذب على الله ((هؤلاء)) المجرمون هم ((الذين كذبوا على ربهم)) بأن نسبوا إليه ما هو سنزه عنه . (( ألا لعنة الله على الظالمين ,الذين وضعوا الأمور فى غير مواضعها، فأوردوا أنفسهم المبالك . وجىء باسم الإشارة ((هؤلاء)) زيادة فى التشنيع عليهم، وفى تميزهم عن غيرم وصدرت جملة (( ألا لعنة الله على الظالمين)) بأداة الاستفتاح ((ألا، لتأكيد الدعاء عليهم بالطرد والإبعاد عن رحمة الله - تعالى - بسبب افترائهم الكذب. والظاهر أن هذه الجملة من كلام الأشهاد. ويؤيد ذلك ما أخرجه الشيخان عن صفوان بن محرز قال: كنت آخذا بيد ابن عمر ، إذ عرض له رجل فقال: كيف سمعت رسول الله - صلى الله عيه وسلم - يقول فى النجوى يوم القيامة؟ قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إن الله - عزوجل - يدنى المؤمن فيضع عليه كنفه - أى ستره وعضده - ويستره من الناس ويقرره ويقول له : أتعرف ذنب كدا؟ أتعرف ذقب كذا؟ حتى إذا قرره بذنوبه ، ورأى فى نفسه أنه قد هلك قالى: فإنى قدسترتها عليك فى الدنيا، وإنى أغفرما لك اليوم، ثم يعطى كتاب حسناته ، وأما الكفار والمنافقون فيقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين)(١). ويجوز أن تكون هذه الجملة من كلام لله - تعالى - على سبيل الاستئناف بعد أن قال الأشهاد , هؤلاء الذين كذبوا على ربهم)). ثم بين - سبحانه - جانبا آخر من أفعالهم الشنيعة فقال: «الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا ... » و ((يصدون)، من يصد بمعنى صرف الغير عن الشىء ومنعه منه. يقال صد يصد صدودا وصدا . (١) تفسير ابن كثير المجلد الرابع ص٢٤٧ طبعة دار الشعب. -٠ ٥٢ - . و(«سبيل الله)) طريقه الموصلة إلى رضائه. والمواد بها ملة الإسلام. و((يبغونها عوجا)، أى يطلبون لها العوج. يقال. بنيت لفلان كذا إذا طلبته له . والعوج - بكسر العين - الميل والزيخ فى الدين والقول والعمل. وكل ما خرج عن طريق الهدى إلى طريق الضلال فهو عوج . · والعوج - بفتح العين - يكون فى المحسوسات كالميل فى الحائط والرمح، وما يشبههما. أى أن مكسور العين يكون فى المعانى ومفتوحها يكون فى المحس والمعنى: ألا لعنة الله وخزيه على الظالمين، الذين من صفاتهم أنهم لا يكتفون بانصرافهم عن الحق، بل يحاولون صرف غيرهم ويطلبون لملة الإسلام العوج ويصفونها بذلك تنفيرا للناس منها . وقوله (( عوجا)) مفعول ثان ليبغون، أو حال من سبيل الله . وقوله (( وهم بالآخرة هم كافرون)) بيان لعقيدتهم الباطلة فى شأن البعث والحساب . أى: وهم بالآخرة وما فيها من حساب وثواب وعقاب كافرون. وكرر الضمير ((م)، لتأكيد كفرهم، والإشارة إلى أنهم بلغوا فيه مبلغا لم يبلغه أحد سواهم، حتى لكأن كفر غيرهم يسير بالنسبة لكفرهم. ثم بين - سبحانه - أنه كان قادرا على تعذيبهم فى الدنيا قبل الآخرة، ولكنه أقر عذابهم إملاء لهم، فقال: ((أولئك لم يكونوا معجزين فى الأرض وما كان لهم من دون الله من أولياء يضاعف لهم العذاب ... )) وقوله : معجزين من الإعجاز بمعنى عدم المقدرة على الشىء. أى: أولئك الذين افتروا على الله الكذب، لم يكن - سبحانه - عاجزة عن إنزال العذاب الشديد بهم فى الدنيا . وما كان لهم من غيره من نصرام بنصرونهم من بأسه لو أراد إهلاكهم . قال الإمام الرازى : قال الواحدى : معنى الإعجاز المنع من تحصيل المراد يقال أعجزنى فلان، أى: منعنى عن مرادى ... - ٥٣ -. والمقصود أن قوله , أولئك لم يكونوا معجزين فى الأرض، دل على أنه لا قدرة لهم على الفرار . وقوله ((وما كان لهم من دون الله من أولياء، دل على أن أحدا لا يقدر على تخليصهم من عذابه. جمع - سبحانه- بين ما يرجع إليهم وبين مايرجع إلى غيرهم , ووضح بذلك انقطاع حبلهم فى الخلاص من عذاب الدنيا والآخرة))(١). : وقوله : ((يضاعف لهم العذاب، جملة مستأنفة لبيان أن من حكمة تأخير العذاب عنهم فى الدنيا ، مضاعفة العذاب لهم فى الآخرة . وقوله:(( ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون)) تصوير بليغ لاستحواذ الشيطان عليهم . أى أن هؤلاء المجرمين بلغ بهم الجهل والعناد والجحود، أنهم ما كانوا يستطيعون السماع للحق الذى حاءهم من ربهم لثقله على نفوسهم الفاسدة، وما كانوا يبصرون المعجزات الدالة على صدق نبيهم - صلى الله عليه وسلم - . فليس المراد فى السماع والإبصار الحسيين عنهم، وإنما المراد أنهم لاقطماس بصائرهم صاروا كمن لا يسمع ولا يرى. تم أكد - سبحانه - سوء مصيرهم فقال: « أولئك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون)). ى: أولئك الذين استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله، هم الذين خسروا أنفسهم وأوردوها المهالك بسبب تعمدهم الكذب على الله، ((وضل عنهم، أى: وغاب عنهم ما كانوا يفترونه فى الدنيا من اعتقادات باطلة ، وادعاءات فاسدة . وقوله (( لا جرم أفهم فى الآخرة هم الأخسرون، زيادة فى تأكيدخسرانهم (١) تفسير الفخر الرازى = ١٧ ص ٢٠٦. - ٥٤ - وكلة، لا جرم، وردت فى القرآن الكريم فى خمسة مواضع. وفى كل موضع جاءت متلوة بأ: واسمها. وجم والنحاة على أن هذه الكلمة مركبة من ((لا)، و((جرم، تركيب خمسة عشر . ومعناها بعد هذا التركيب معنى الفعل حق أو ثبت ، والجملة بعدها هى الفاعل لهذا الفعل . أى: وثبت كونهم فى الآخرة هم الآخرون. ومن النحاة من يرى أن ((لا، نافية للجنس، و«جرم، أسمها، وما بعدها خبرها . ۔۔ والمعنى. لا محالة ولا شك فى أنهم فى الآخرة هم الأخرون. ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة المؤمنين بعدبيان سوء عاقبة الكافرين فقال - تعالى -: ((إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم، أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون » . قال الجمل: والاخبات فى اللغة هو الخشوع والخضوع وطمأنينة القلب. ولقظ الاخبات يتعدى إيإلى وباللام !. فإذا قلت أخبت فلان إلى كذا فمعناه اطمأن إليه. وإذا قلت أخبت له فمعناه: خشع وخضع له. فقوله: «إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، إشارة إلى جميع أعمال الجوارح. وقوله : ,( وأخبتوا إلى ربهم، إشارة إلى أعمال القلوب، وهى الخشوع والخضوع لقه - تعالى - ،(١) . والمعنى: إن الذين آمنوا بالله - تعالى - إيمانا حقا، وعملوا الأعمال الصالحات التى ترضيه - سبحانه - واطمأنوا إلى قضاء ربهم وخشعوا له، أولئك الموصوفون بذلك، هم أصحاب الجنة وهم الخالدون فيها خلودا أبديا وهم الذين رضى الله عنهم ورضوا عنه . (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٠٣٨٩ - ;٥ - ثم ضرب - سبجابه - مثلا لفريق الكافرين ولفريق المؤمنين فقال: مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا ذكرون » . وقوله : ((مثل الفريقين ... ، أى: حالهم وصفتهم. وأصل المثل بمعنى المثل. والمقل: النظير والشبيه ، ثم أطلق على القول سائر المعروف لمماثلة مضربه - وهو الذى يضرب منه - ، لمورده - أى ذی ورد فیه أولا۔۔ ولا يكون إلا فيما فيه غرابة . ثم استعير للصفة أو الحال أو القصة إذا كان لها شأن عجي وفيها غرابة . وإنما تضرب الأمثال لإيضاح المعنى الخفى، وتقريب المعقول من محسوس، وعرض الغائب فى صورة الشاهد ، فيكون المعنى الذى ضرب له لمثل أوقع فى القلوب ، وأثبت فى النفوس . والمعنى: حال الفريقين المذكورين قبل ذلك وهما الكافرون والمؤمنون كحال الضدين المختلفين كل الاختلاف. أما الكافرون خالهم وصفتهم كحال وصفة من جمع بين العمى والصمم . إنهم مع كونهم يرون ويسمعون، لكنهم لم ينتفعوا بذلك ، فصاروا كالفاقذ لها . وأما المؤمنون خالهم وصفتهم كحال وصفة من جمع بين البصر السليم ، .السمع الواعى، لأنهم اقتفعوا بما رأوا من دلائل تدل على وحدانية الله .قدرته، وبما سمعوا من توجيهات تدل على صحة تعاليم الإسلام. والمقصود من هذا التمثيل . تنبيه الكافرين إلى ما هم عليه من ضلال .جهالة، لعلهم بهذا التنبيه يتداركون أمرهم، فيدخلون فى دين الإسلام، تثبيت المؤمنين على ماهم عليه من حق ، وبذلك يزدادون إيمانا على إيمانهم. - ٥٦ - والاستفهام فى قوله« فى يستويات مثلا)، للافكار والنص. أى هل يستوى فى الصفة والحال من كان ذا جمع وبصر بمن فقدهما؟ كلا إنهما لا يستوبان حتى عند أقل العقلاء عقلا. وقوله: ) أفلا تذكرون)) حض على التذكر والتدبر والتفكر . أى : أنشكون فى عدم استواء الفريقين؟ لا إن الشك فى عدم استوائهما لا يليق بعاقل، وإنما اللائق به هو اعتقاد تباين صفتيهما، والدخول فى صفوف المؤمنين الذين عملوا الأعمال الصالحات وأحسنوا إلى ربهم. وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد بينت حال الكافرين، وذكرت من أوصافهم أربعة عشر وصفا، أولها : إفتراء الكذب ... وآخرها: الخسران فى الآخرة. كما بينت حال المؤمنين وبشرتهم بالخلود فى الجنة ، ثم ضربت مثلا لكل فريق وشبهت حاله بما يناسبه من صفات .. وفى ذلك ما فيه من الهداية إلى الطريق المستقيم ، لمن كان له قلب ، أو ألقى السمع وهو شهيد . وبعد هذا الحديث المتنوع عن مظاهر قدرة الله ووحدانيته، وعنإعجاز القرآن الكريم ، وعن حسن عاقبة المؤمنين وسوء عاقبة المكذبين ، ساقت السورة الكريمة بترتيب حكيم ، قصص بعض الأنبياء مع أقوامهم ، وقد استغرق هذا القصص معظم الآيات الباقية فيها ، فقد حدثتنا عن قصة نوح مع قومه، وعن قصة هود مع قومه، وعن قصة صالح مع قومه ، وعن قصة لوطمع قومه ، وعن قصة شعيب مع قومه ، كما تحدثت عن قصة إبراهيم مع رسل الله الذين جاءوة بالبشرى، وعن جانب من قصة موسى مع فرعون . قال الإمام الرازى : أعلم أنه - تعالى - لما ذكر فى تقرير المبدأ والمعاد دلائل ظاهرة، وبينات قاهرة، وبراهين باهرة، أتبعها بذكر قصص الأنبياء وفيه فوائد : أحدها : التنبيه على أن إعراض الناس عن قبول هذه الدلائل والبينات - ٥٧ - ليس من خواص فوم النبى - صلى الله عليه وسلم -، بل هذه العادة الدموية كانت حاصلة فى جميع الأمم السالفة، والمصيبة إذا عمت خفت . فكان ذكر قصصهم، وحكاية إصرارهم وعنادهم, يفيد تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم- وتخفيف ذلك على قلبه ) وثانيها : أنه - تعالى - يحكى فى هذه القصص أن عاقبة أمر أولئك المفكرين كان إلى اللعن فى الدنيا والخسارة فى الاخرة. وعاقبة أمر المحقين إلى الدولة فى الدنيا، و السعادة فى الآخرة، وذلك يقوى قلوب الحقين، ويكر قلوب المبطلين. وثالثها : التنبيه على أنه - تعالى - وإن كان يمهل هؤلاء المبطلين، ولكنه لا يهملهم، بل ينتقم منهم على أكمل الوجوه . ورابعها : بيان أن هذه القصص دالة على فيوة تنبى - صلى الله عليه وسلم- لأنه كان أمياً، وما طالع كتابا ولا تتلمذ على أستاذ، فإذا ذكر هذه القصص على هذا الوجه من غير تحريف ولا خطأ ، دل ذلك على أنه إنما عرفها بالوحى من الله - تعالى _(١) . وقد بدأت السورة الكريمة قصصها بقصة نوح مع قومه ، وقد وردت هذه القصة فى سور متعددة منها سورة الأعراف، وسورة ((المؤمنون)) وسورة نوح ... إلا أنها وردت هنا بصورة أكثر تفصيلا من غيرها. ((ولقَدْ أرسَلنَاَ نوحاً إلى قومِهِ إِنّى لكُم نذيرٌ مبينٌ (٢٤) أنْ لا تعبدُوا إِلا اللّهَ إِّى أخافُ عليكم عذابَ يومٍ أليمٍ (٢٥) فقال الملأ الذين كَفَرُوا من قومِهِ ما نراكَ إِلَّ بشراً مِثْلَنَاَ، وما نراكَ اتَّبِكَ إِلّ الذينَ م أراذِلُنَا بادِى الرَّأَىِ وما نْرَى لِكُم علينا مِنْ فَضْلٍ، بل نظنكم كاذبينَ (٢٦))). (١) تفسير الفخر الرازى ج ٤ ٥ =٢٤ - ٥٨ - وقوله: ((ولقد أرسلنا فوحا إلى قومه ... )) جواب لقسم محذوف. أى: والله لقد أرسلنا نوحا إلى قومه . والدليل على هذا القسم وجودلامه فىبد. الجملة. وافتتحت القصة بصيغة القسم ، لأن المخاطبين بها لما لم يحذروا مانزل بقوم نوح بسبب كفرهم، نزلوا منزلة المنكر لرسالته . وينتهى نسب نوح - عليه السلام - إلى شيث بن آدم - عليه السلام -. وقد ذكر فوح فى القرآن فى ثلاث وأربعين موضعا . وقوم الرجل : م أقر بائه الذين يحتمعون معه فى جد واحد . وقد يقيم الرجل بين الأجانب فيسميهم قومه مجازا المجاورة . وكان قوم نوح يعبدون الأصنام. فأرسل الله إليهم فوحا ليدلهم على طريق الرشاد . قال ابن كثير : قال ابن عباس وغير واحد من علماء التفسير : كان أول ما عبدت الأصنام أن قوماصالحين ماتوا . فبنى قومهم عليهم مساجد، وصوروا صور أولئك الصالحين فيها ليتذكروا حالهم وعبادتهم فيتشبهوا بهم. فلما طال الزمان جعلوا أجسادا على تلك الصور، فلما نمادى الزمان عبدوا تلك الأصنام وسموها بأسماء أولئك الصالحين: ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا. فلما تفاقم الأمر بعث الله - تعالى - رسوله نوحا فأمرهم بعبادة الله وحده)،(١). وقوله .)، إنى لمكم نذير مبين . أن لا تعبدوا إلا الله ... ، بيان الوظيفة التى من أجلها أرسل الله - تعالى - نوحا إلى قومه. قال الشوكانى: قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائى يفتح الهمزة فى (((نى)) على تقدير حرف الجر. أى: أرسلناه بأنى. أى: أرسلناه متلبسا بذلك الكلام وهو أنى لكم نذير مبين . وقرأ الباقون بالمكسر على إرادة القول. أى: أرسلناه قائلا لهم: أنى لكم نذير مبين ، (٢). (١) تفسير ابن كثير < ٣ ص ٢٢٣ (٢) تفسير فتح القدير للشوكانى جـ ٢ ص ٤٩٣ - ٥٩ - وتذير من الإنذار وهو إخبار معه تخويف .. ومبين : من الإبانة بمعنى التوضيح والإظهار .. أى: أرسلناه إلى قومه فقال لهم يا قوم: إنى لكم محذر تحذيرا واضحا من موجبات العذاب، التى تتمثل فى عبادتكم لغير الله - تعالى -. واقتصر على الإنذار ، لأنهم لم يعملوا بما بشرهم به، وهو الفوز برضا الله - تعالى -. إذا ما أخلصوا له العبادة والطاعة. وجملة (( أن لا تعبدوا إلا الله)) بدل من قوله ((إنى لكم نذير مبين)) أى: أرسلناه بأن لا تعبدوا إلا الله . وقوله: ((إنى أخاف عليكم عذاب يوم أليم، جملة تعليلية، تبين حرص نوح الشديد على مصلحة قومه وهنفعتهم . أى إنى أحذركم من عبادة غير الله، لأن هذه العبادة ستؤدى بكم إلى وقوع العذاب الأليم عليكم ، وما حملنى على هذا التحذير الواضح إلا خوفى عليكم ، وشفقتى بكم ، فأنا منكم وأنتم مى بمقتضى القرابة والنسب. ووصف اليوم بالأليم على سبيل الحجاز العقلى، وهو أبلغ من أن يوصف العذاب بالأليم ، لأن شدة العذاب لما بلغت الغاية والنهاية فى ذلك ؛ جعل الوقت الذى تقع فيه وقتا ألما أى مؤلما . ثم حكى - سبحانه - مارد به قوم نوح عليه فقال: ((فقال الملأ الذين كفروا من قومه، ما نراك إلا بشرا مثلنا ، وما نراك أنبعك إلا الذين هم أراذلنا بادى الرأى، وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين ) . والمراد بالملأ : أصحاب الجاه والغنى من قوم نوح. وهذااللفظ اسم جمع لا واحد له من لفظه كرهط وهو - كما يقول الألوسى -: مأخوذ من قولهم فلان ملىء بكذا ؛ إذا كان قادرا علبه ... أو لأنهم متمالئون أى متظاهرون متعاونون، أو لأنهم يملأون القلوب والعيون ..... ٥٠٥١٠ ٦٠ - ووصفهم بالكفر، لتسجيل ذلك عليهم من أول الأمر زيادة فى ذفهم. أى : بعد هذا النصح الحكيم الذى وجهه نوح - عليه السلام - لقومه، رد عليه أغنياؤهم وسادتهم بقولهم، مانراك، يا نوح إلا بشرا مثلنا)، أى: إلا إنسانا مثلنا. ليست فيك مزية تجعلك مختصا بالنبوة دوننا. فهم - لجهلهم وغبائهم - توهموا أن العبوة لاتجامع البشرية، مع أن الحكمة تقتضى أن يكون الرسول بشرا من جنس المرسل إليهم ، حتى تتم فائدة التفاهم معه، والاقتداء به فى أخلاقه وسلوكه . وقد حكى لقرآن قولهم هذا فى أكثر من موضع، ومن ذلك قوله - تعالى- وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم فى الحياة الدنيا ، ماهذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه، ويشرب ما تشربون ولئن أطعتم بشراً مثلكم إنكم إذاً لخاسرون ... (١). ثم إنهم فى التعليل لعدم إتباع نبتهم لم يكتفوا بقولهم ما تراك إلا بشر مثلنا، بل أضافوا إلى ذلك قولهم : وما تراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادى الرأى، ومرادهم بقولهم: ((أراذلنا، أى فقراؤنا ومن لاوزن لهم فينا . قال الجل: ولفظ (« أراذلنا، فيه وجهان: أحدهما أنه جمع الجمع فهو جمع أرذل ـ بضم الذال - جمع رذل - بسكونها - نحو كلب وأكلب وأكالب ... . . والأرذل هو ثانيهما : أنه جمع مفرد وهو أرذل كأكبر وأكابر .. المرغوب عنه (رداءته ، (٢) (١) سورة المؤمنون الآية ٢٣، ٣٤ (٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٣٩١