النص المفهرس
صفحات 21-40
- ٣١ - وقد ذكر بعض المفسرين فى سبب نزول هذه الآية روايات منها: أنه كان الرجل من الكفار يدخل بيته ، ويرخى ستره ، ويحنى ظهره، وبتغشى بثوبه ثم يقول: هل يعلم انته ما فى قلبى فنزلت هذه الآية . وقيل : نزلت فى المنافقين ، كان أحدهم إذا مر بالغبى - صلى الله عليه وسلم- ثنى صدره. وتغشى بثوبه لئلا يراه ، د وقيل نزلت فى الأخفس بن شريق، وكان رجلا حلو المنطق، حسن السياق للحديث، يظهر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - المحبة، ويضمر فى قلبه ما يضادها ... ، (١) وعلى أية حال فإن الآية الكريمة تصور تصويرا بديعاجهالات بعض الضالين بعلم الله - تعالى - المحيط بكل شىء، كما تصور تصويرا دقيقا أوضاعهم الحسية حين يارون إلى فراشهم، وحين يلتقون بالنبي - صلى الله عليه وسلم - والضمير المجرور فى قوله : منه ، يعود إلى الله -- تعالى - وعليه يكون المعنى ألا إن هؤلاء المشركين يلوون صدورهم عن الحق الذى جاءهم به نبيهم - صلى الله عليه وسلم - توهما متهم أن فعلهم هذا يخفى على الله - تعالى . ومنهم من يرى أن الضمير فى قوله« منه» بعود إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - وعليه يكون المعنى: ألا إن هؤلاء المشركين يعرضون عن لقاء النبى - صلى الله عليه وسلم- ويطأطئون رءوسهم عند رؤيته، ليستخفوا منه، حتى لايوثرفيهم بسحريانه ومع أن كلا القولين له وجاهته وله من سبب النزول ما يؤيده، إلا أننا نميل إلى كون الضمير يعود على الله - تعالى - لأن قوله - تعالى - بعد ذلك «يعلم ما يسرون وما يعلنون)، يؤيد عودة الضمير إليه - سبحانه - إذ علم السر والملن مرده إليه وحده . (١) تفسير الآلوسى جـ ١١ ص ١٨٥ - ٢٢ - وافتتحت الآية الكريمة بحرف التنبيه (( ألا، وجىء به مرة أخرى فى قوله (( ألا حين يستغتشون ثيابهم ... ) للاهتمام بمضمون الكلام، وللفت. أنظار السامعين إلى ما بلغه هؤلاء الضالون من جهل وأنطاس بصيرة. ثم بين - سبحانه - أنه لا يخفى عليه شيء من أحوالهم فقال: ((ألا حين يستفشون ثيابهم: يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور)، أی : ألا يعلم هؤلاء الجاهلون آنهم حین یاوون إلى فراشهم، ويتدرون بئيابهم، يعلم الله - تعالى - ما يسرونه فى قلوبهم من أفكار ، وما يعلنونه بأفواههم من أقوال، لأنه - سبحانه - محيط بما تضمره النفوس من خفايا، وما يدور بها من أسرار . وجملة (« إنه عليم بذات الصدور، تعليلية لتأكيد ما قبلها من عليه - سبحانه بالسر والعلن. والمراد بذات الصدور: الأسرار المستكنة فيها. هذا، وقد ذكر أن كثير رواية أخرى فى سبب نزول هذه الآية فقال : قال ابن عباس : كانوا يكرهون أن يستقبلوا السماء بفروجهم وحال وقاعهم، فأنزل الله هذه الآية رواه البخارى من حديث ابن جريج ... وفى لفظ آخر له قال ابن عباس : أناس كانوا يستحيون أن يتخلوا فيفضوا إلى السماء ، وأن يجامعوا نساءهم فيفضوا إلى السماء ، فنزل ذلك فيهم ... ، (١) وظاهر من هذا الكلام المنقول عن ابن عباس. أنها نزلت فى شأن جماعة من المسلمين هذا شأنهم ، ولعل مراده أن الآية تنطبق على صنيعهم وليس فعلهم هو سبب نزولها ، لأن الآية مسوقه للتوبيخ والذم ، والذين يستحقون ذلك هم أولئك المشركون وأشباههم الذين أعرضوا عن الحق، وجهلوا صفات الله (١) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٢٣٨ - ٢٣ - تعالى - قال الجمل بعد أن ذكر قول ابن عباس: وتنزيل الآية على هذا القول بعيد جدا ، لأن الاستحياء من الجماع وقضاء الحاجة فى حال كشف العودة إلى جهة السماء، أمر مستحسن شرعا، فكيف يلام عليه فاعله ويذم بمقتضى سياق الآية ، (١) وإذا فالذى يستدعيه السياق ويقتضيه ربط الآيات، كون الآية فى ذم المشركين ومن على شاكلتهم من المنحرفين عن الطريق المستقيم ثم ساقه - سبحانه - ما يدل على كمال قدرته، وسابغ فضله ، وشمول عليه فقال - تعالى - : ((وماَ مِنْ دابَّةٍ فى الأرضِ إلا على الله رزقُها، ويعلمُ مستقرَّها ومُستودَمها، كلٌّ فى كتابٍ مبينٍ (٦) وهو الذى خلقَ السمواتِ والأرضَ فى سنَّةٍ أيامٍ، وكان عرشه على الماء ليبلُوَكَم أيَكُم أحسنُ عملاً ، ولئنْ قُلتَ إنكُم مبعوثونَ من بعدِ الموت، ليقولَزِ الذينَ كفرُوا، إنْ هذَا إِلا سحرٌ مبينٌ (٧). قال الألوسى ماملخصه: الدابة إسم لكل حيوان ذى روح ، ذكرا كان أو أنثى، عاقلا أو غيره، ما خوذ من الدبيب وهو فى الأصل المشى الخفيف ... واختصت فى العرف بذوات لقوائم الأربع . والمراد بها هنا المعنى اللغوى باتفاق المفسرين .... (٢) قال - تعالى - ((والله خلق كل دابة من ماء، فمنهم من يمشى على بطنه، (١) حاشية الجمل على الجلالين <ـ ٢ ص ٣٨٠ (٢) تفسير الآلوسى «١٢ ٢٠٠ - ٢٤ - ومنهم من يمشى على رجلين ، ومنهم من يمشى على أربع ، يخلق الله ما يشاء، إن الله على كل شيء قدير (١) والمراد برزقها : طعامها وغذاؤها الذى به قوام حياتها . والمعنى: وما من حيوان يدب على الأرض، إلا على الله - تعالى - غذاؤه ومعاشه ، فضلا منه - سبحانه - وكرما على مخلوقاته . وقدم - سبحانه - الجار والمجرور ((على الله، على متعلقة وهو ((رزقها)) لإفاده القصر. أى على الله وحده لا على غيره رزقها ومعاشها. وكون رزقها ومعاشها على الله - تعالى - لاينا فى الأخذ بالأسباب، والسعى فى سبيل الحصول على وسائل العيش ، لأنه - سبحانه - وإن كان قد تكفل بأرزاق خلقه ، إلا أنه أمرهم بالاجتهاد فى استعمال كافة الوسائل المشروعة من أجل الحصول على ما يغنيهم ويسد حاجتهم . قال - تعالى -: هو الذى جعل لكم الأرض ذلولا، فامشوا فى مناكبها، وكلوا من رزقه وإليه النشور » (٢) وجملة ((ويعلم مستقرها ومستودعها، بيان لشمول علمه - سبحانه - لكل شىء فى هذا الكون . والمستقر والمستودع: إسما مكان لمحل الاستقرار والإيداع للدابة فى هذا الكون، سواء أكان ذلك فى الأضلاب أم فى الأرحام أم فى القبورأم فى غيرها قال الشوكانى: أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم وأبو الشيخ، عن ابن عباس فى قوله ((ويعلم مستقرها، قال: حيث تأوى. (( وستودعها)) قال: حيث تموت. (١) سورة النور الآيه ٤٥ (٢) سورة الملك الآ يه ١٥ - ٢٥ - وأخرج ابن أبى شيبة وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: مستقرها فى الأرحام ومستودعها حيث تموت . قال : ويؤيد هذا التفسير الذى ذهب اليه ابن مسعود ما أخرجه الترمذى الحكيم فى نوادر الأصول والحاكم وصححه وابن مرد، يه والبيهقى فى الشعب عن ابن مسعود عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال: إذا كان أجل أحدكم بأرض ، أتيحت له اليها حاجة ، حتى إذا بلغ أقصى أثره منها فيقبض - فتقول الأرض يوم القيامة: هذا ما أستودعتنى)) (٢) وقوله: (( كل فى كتاب مبين) تذييل قصد به بيان دقة علمه - سبحانه - يعد بيان شرل هذا العلم وإحاضته بكل شىء. والتنوين فى : كل)) هو تنوين العوض، أى : كل ما يتعلق رزق هذه الدواب ومستقرها ومستودعها مسجل فى كتاب مبين ، أى: فى كتاب واضح جلى ظاهر فى علم الله - تعالى - ، بحيث لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ، وهذا الكتاب هو اللوح المحفوظ . ثم ساق - سبحانه - ما يشهد بعظيمقدرته فقال - تعالى -: (وهو الذى خلق السموات والأرض في ستة أيام ... ، والأيام جمع يوم ، والمراد به هنا مطلق الوقت الذى لا يعلم مقداره إلا الله - تعالی .. أى: وهو - سبحانه - الذى أنشأ السموات والأرض وما بينهما، على غير مثال سابق، فى ستة أيام من أيامه - تعالى - ، التى لا يعلم مقدار زمانها إلا هو . وقيل : أنشأهن فى مقدار ستة أيام من أيام الدنيا . قال سعيد بن جبير - رضى الله عنه - : كان قادرا على خلق السموات (١) تفسير فتح القدير للشوكانى حـ ٢ صـ ٤٨٥ - ٢٦ - والأرض وما بينهما فى لمحة ولحظة ، نخلقهن فى ستة أيام ، تعليما لعباده التثبت والتأنی فی الأمور . وقد جاءت آيات تدل على أنه - سبحانه - خلق الأرض فى يومين، وخلق السموات فى يومين ، وخلق مابينهما فى يومين، وهذه الآيات هى قوله - تعالى -: ( قل أئنكم لتكفرون بالذى خلق الأرض فى يومين وتجعلون له أندادا، ذلك رب العالمين . وجعل فيها رواسى من فوقها ، وبارك فيها، وقدر فيها أقواتها فى أربعة أيام سواء للسائلين ثم استوى إلى السماء وهى دخان فقال لها وللأرض ائنيا طوعا أوكرها ، قالتا أتينا طائعين . فقضاهن سبع سموات فى يومين ، وأوحى فى كل سماء أمرها ... ،(١) وجملة،وكان عرشه على الماء)، اعتراضية بين قوله ((خلق السموات والأرض)). وبين (( ليبلوكم أيكم أحسن عملا، ويجوز أن تكون حالية من فاعل خلق وهو الله - تعالى - وعرش الله - تعالى - من الألفاظ التى لا يعلمها البشر إلا بالاسم . وقد جاء ذكر العرش فى القرآن الكريم إحدى وعشرين مرة. ونحر مكلفون بأن نؤمن بأن له - سبحانه - عرشا، أما كيفيته فنفوض علمها إليه - تعالى -. والمعنى: أن الله - تعالى - خلق السموات والأرض فى ستة أيام، وكان عرشه قبل خلقهما لی تحته شیء سوى الماء. قالوا : وفى ذلك دليل على أن العرش والماء كانا موجودين قبل وجود السموات والأرض . قال القرطبى: قوله: ((وكان عرشه على الماء، بين - سبحانه - أن خلق العرش والماء، كان قبل خلق الأرض والسماء .... (١) سورة فصلت الآيات من ٩ - ١٢ - ٢٧ ٠٠ ثم قال: وروى البخارى عن عمران بن حصين قال كنت عند النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ جاءه قوم من بني تميم فقال: ((أقبلوا البشرى يابني تميم)) قالوا: بشرقتا فأعطنا. فدخل ناس من أهل اليمن فقال : اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنوتميم ، قالوا: قبلنا، جئنا لنتفقه فى الدين ، ولنسألك عن هذا الدين ونسألك عن أول هذا الأمر . قال: (( كان الله ولم يكن شىء غيره، وكان عرشه على الماء. ثم خلف السموات والأرض ، وكتب فى الذكر كل شىء ،(!) وقال ابن كثير بعد أن ذكر هذا الحديث وغيره: وفى صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاصر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء، . وروى الإمام أحمد عن لقيط بن عامر العقيلى قال : قلت يا رسول الله ، أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: كان فى عماء ، ماتحته هواء، ومافوقه هواء، ثم خلق العرش بعدذلك (٢) والعماء: السحاب الرقيق، أى فوق سحاب مدبرا له ، وعاليا عليه . والسحاب ليس تحته سوى الهواء، ولير فوقه سوى الهواء. والمراد أنه ليس مع الله - تعالى - شىء آخر. وقوله - سبحانه - «ليبلوكم أيكم أحسن عملا)، جملة تعليلية. ويلوكم من الابتلاء بمعنى الاختبار والامتحان . أى: خلق ماخلق من السموات والأرض وما فيهما من كائنات ، ورقب فيهما جميع ما تحتاجون إليه من أسباب معاشكم، ليعاملكم معاملة من يخبر غيره، ليتميز المحسن من المسىء، والمطيع من العاصى، فيجازى المحسنين والطائعين. بما يستحقون دن ثواب، ويعاقب المسيئين والعلمين بما هم أعله من عقاب. (١) تفسير القرطبى جـ ١٢ ص ٨ (٢) راجع تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٢٤٠ طبعة الشعب. - ٢٨ - قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف قيل: « أيكم أحسن عملا)) وأعمال المؤمنين هى التى تتفاوت إلى حسن وأحسن، فأما أغمال المؤمنين والكافرين فتفاوتها إلى حسن وقبيح ؟ قلت: الذين هم أحسن عملاهم المتقون وهم الذين استبقوا إلى تحصيل ماهو مقصود الله - تعالى - من عباده، خصم بالذكر ، واطرح ذكر من وراءهم، تشريفا لهم ؛ وتنبيها على مكانهم منه ، وليكون ذلك لطفا للسامعين، وترغيبا فى حيازة فضلهم,(١). ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببيان موقف الكافرين من البعث والحساب فقال: (( ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين)). ! أى ، ولئن قلت يامحمد لهؤلاء الكافرين الذين أرسلك الله لإخراجهم من ظلمات الكفر إلى فور الإيمان، لئن قلت لهم « إنكم مبعوثون، يوم القيامة ((من بعد الموت)) الذى سيدر ككم فى هذه الدنيا عند نهاية آجالكم ((ليقولن)) لك هؤلاء الكافرون على سبيل الأفكار والتهكم ما هذا الذى تقوله يا محمد ((إلا سحر مبين)) أى: إلا سحر واضح جلى ظاهر لا لبس فيه ولاغموض. وقرأ حمزة والكائى وخلف ((إلا ساحر مبين، فتكون الإشارة بقوله ( هذا)، إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - أى: أنه فى زعمهم يقول كلاما ليسحرهم »، وليصرفهم عما كان عليه آباؤهم وأجدادهم. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك لونا من ألوان غرور المشركين ، كما بين أحوال بعض الناس فى حالتى السراء والضراء فقال - تعالى -: (( وأَمْنْ أخَّرَنَاَ عنْهُمُ العذابَ إلى أُمةٍ ممدودَةٍ ليقولُن ما يحبُسه، ألاَ يومَ يأتيهِمْ ليسَ مصروفاًعنْهُم وحاقَ بهم ما كانُوا به يستهزِنُون (٨) (١) تفسير الكفاف حـ ٢ ص٢٦٠ ٠٠١٩٠٠٠ ولئِنْ أَذَفَنَاَ الإنسانَ منا رحمةً ثم برعناها منه، إنّه ليؤوسٌ كفورٌ (٩) ولئن أذقناَهُ نعماء بعد ضراء مسَّتْهُ ليقولَن ذهَب السيئاتُ عَنّ، إنّه فَرِحٌ فخورٌ (١٠) إلا الذينَ صبرُوا وعمَلُوا الصَّالحاتِ أولئكَ لَهُمْ مغفرةٌ وأجرٌ كبيرٌ (١١)). قال القرطى ما ملخصه: الأمة: اسم مشترك يقال على ثمانية أوجه : فالأمة تكون الجماعة ، كقوله - تعالى -: ، وجد عليه أمة من الناس ... ،، والآمة: أيضا أتباع الأنبياء عليهم السلام، والأمة : الرجل الجامع للخير الذى يقتدى به، لقوله - تعالى - ((إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا، والأمة: الدين والملة، كقوله - تعالى -: ((إنا وجدنا آباءنا على أمة، والأمة: الحين والزمان كقوله - تعالى - ((وأذكر بعد أمة))، والأمة: القلعة، وهو طول الإنسان وارتفاعه ، يقال من ذلك: فلان حسن الأمة، أى القامة والأمة : الرجل المنفرد بدينه وحده، لا يشركه فيه أحد. قال - صلى الله عليه وسلم: يبعث زيد بن عمروبن نفيل أمة وحده، والأمة: الام ، يقال : هذه أمة زيد ، أى أم زيد ... )،(١) والمراد بالامة هنا : الحين والزمان والمدة . والمعنى: ولئن أخرفا - بفضلنا كرمنا -- عن هؤلاء المشركين ((العذاب» المقتضى لحجودهم لآياتنا، وتكذيبهم الرسلما , إلى أمة معدودة، أى: إلى وقت معين من الزمان على حسب إرادتنا وحكمتنا؛ (( ليقولن، على سبيل التهكم والاستهزاء، واستعجال العذاب، ((ما يحبه، أى: ما الذى جعل هذا الغذاب الذى حذرنا منه محمد - صلى الله عليه وسلم - محبوسا عنا، وغير نازل بنا ... ولاشك أن قولهم هذا، يدل على بلوغهم أقصى درجات الجهالة والطغيان، (١) تفسير القرطبى جـ ٩ ص! ٠٠ ٣٠ - حيث قابلوا رحمة الله - تعالى - المتمثلة هنا فى تأخير العذاب عنهم، بالاستهزاء والاستعجال، ولذا رد الله - تعالى - عليهم بقوله: (( ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم ، وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون)) أى: ألا إن ذلك العذاب الذى استعجلوه واستخفوا به ، يوم ينزل بهم ، أن يصرفه عنهم صارف ، وأن يدفعه عنهم دافع ، بل سيحيط بهم من كل جانب ، بسبب استهزائهم به وإعراضهم عمن حذرهم منه . واللام فى قوله ((ولئن أخرنا عنهم العذاب، موظئة للقسم، وجواب القسم قوله (( ليقوان ما يحبسه)). والأقرب إلى سياق الآية أن يكون المراد بالعذاب هنا: عذاب الاستئصال الدقيوى، إذهو الذى استعجلوا نزوله، أما عذاب الآخرة فقد كانوا منكرين له أصلا، كما حكى عنهم - سبحانه - فى الآية السابقة فى قوله: (( ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين)». قال الآلوسي: والظاهر أن المراد العذاب الشامل للكفرة، ويؤيد ذلك ما أجرجه ابن المنذر وابن أبى حاتم عن قتادة قال: لما نزل «اقترب للناس حسابهم، قال ناس : إن الساعة قد اقتربت فتناهوا، فتناهى القوم قليلا ، ثم عادوا إلى أعمالهم السوء، فأنزل الله - تعالى -: ( أفى أمر الله فلا تستعجلوه)» فقال أناس من أهل الضلالة: هذا أمر الله - تعالى - قد أتى، فتناهى القوم ثم عادوا إلى مكرهم مكر السوء، فأنزل الله هذه الآية))(١). وفى قوله - سبحانه ((إلى أمة ممدودة)» إيماء إلى أن تأخير العذاب عنهم ليس لمدة طويلة ، لأن ما يحصره العد: جرت العادة فى أساليب العرب أن يكون قليلا، ويؤيد ذلك أنه بعد فترة قليلة من الزمان نزل بهم فى غزوة لمو القتل الذى أهلك صناد يدهم ، والأسر الذى أذل كبرياءم . (١) تفسير الآلوسي جـ ١٢ ص ٠١٤ - ٣١ - وافتحت جملة ((ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم)) بأداة الاستفتاح ((ألا))، للاهتمام بمضمون الخبر، وللإشارة إلى تحقيقه، وإدخال الروع فی قلوبهم. وعبر بالماضى ((حاق)) مع أنه لم ينزل بهم بعد، الإشارة، إلى انه آجه لاريب فيه، عندما يأذن الله .- تعالى - بذلك . ثم بين - سبحانه - جانبا من طبيعة بنى آدم إلا من عصم الله فقال- تعالى - (ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليؤوس كفور .... والمراد بالإنسان منا الجنس على أرجح الأقوال ، فيشمل المسلم وغيره، بدليل الاستثناء الآتى بعد ذلك فى قوله، إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات)). قال الفخر الرازى ما ملخصه: المراد بالإنسان هنا مطلق الإنسان ويدل عليه وجوه : الأول: أنه - تعالى - أستثنى منه قوله ( إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات)) والاستثناء يخرج من الكلام مالولاه لدخل ، فثبت أن الإنسان المذكور فى هذه الآية داخل فيه المؤمن والكافر . الثانى: أن هذه الآية موافقة على هذا التقرير لقوله -سبحانه -: والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملو الصالحات ... الثالث : أن مزاج الإنسان مجهول على الضعف والجز. قال ابن جريج فى تفسير هذه الآية : بان آدم إذا نزلت بك نعمة من الله فأنت كفور، فإذا نزعت منك فیؤوس قنوط )، (١). وقيل المراد بالإنسان منا جفس الكفار فقط ، لأن هذه الأوصاف تناسبهم وحدهم . (١) تفسير الفخر الرازى = ١٧ ص ١٩٠ طبعة عبد الرحمن محمد. - ٣٢ - والمراد بالرحمة هنا: رحمة الدنيا، وأطلقت على أثرها وهو النعمة كالصحة والغنى والأمان وما يشبه ذلك من ألوان النعم . واليؤوس والكفور : صيغتا مبالغة للشخص الكثير اليأس والقنوط، الشديد الجحود لنعم الله - تعالى - يقال: يئس من الشىء ييأس، إذا قنط منه. والمعنى: ولئن منحنا الإنسان - بفضلنا وكرمنا - بعض فعمنا، كالصحة والغنى والسلطان والأمان ((ثم نزعناها منه)) أى: ثم سلبناها منه، لأن حكمتنا تقتضى ذلك . : (إنه)) فى هذه الحالة ((ليؤوس كفور)) أى: الشديد اليأس والقنوط من أن يرجع إليه ماسلب منه أو مثله، ولكثير الكفر ان والجحود لما سبق أن تقلب فيه من نعم ومنن . قال الشوكانى : وفى التعبير بالذوق ما يدل على أنه يكون منه ذلك عند سلب أدفى نعمة ينعم الله بها عليه ؛ لأن الإذاقة والذوق أقل ما يوجد به الطعم » (١) . وفى قوله (( ثم نزعناها منه)) إشارة إلى شدة تعلقه بهذه النعم، وحرصه على بقائها معه . وجملة ((إنه ليؤوس كفور)) جواب القسم، وأكدت بأن وباللام، لقصد تحقيق مضمونها، وأنه حقيقة ثابتة . ٨ وهى تصوير بليغ صادق لما يعترى نفس هذا الإنسان عندما تسلب منه النعمة بعد أن ذاقها ، فهو - لقلة إيمانه وضعف ثقته بربه - قد فقد كل أمل فى عودة هذه النعمة إليه ، ولكأن هذه النعمة التى سلبت منه لميرها قبل ذلك. ثم بين - سبحانه - حالة هذا الإنسان اليؤوس الكفور، عندما تأتيه (١) تفسير فتح القدير للشوكانى جـ ٢ ص ٤٨٥، - ٣٣ - السمراء بعد الضراء فقال: ((ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته، ليقولز ذهب السيئات عنی ، إنه لفرح حور ،. والنعماء: النعمة التى يظهر أثرها على صاحبها ، واختير لفظ النعماء لمقابلته للضراء . والضراء: ما يصيب الإنسان من مصائب يظهر أثرها السىء عليه. والمراد بالسيئات: الأضرار التى لحقته كالفقر والمرض . والمعنى: ولئن أذقنا هذا الإنسان اليؤوس الكفور ((نعماء بعد ضراء مته)) كفحة بعد مرض، وغنى بعد فقر ، وأمن بعدخوف، ونجاح بعد فشل ... ((( ليقولن ذهب السيئات عنى ، أى: ليقولن فى هذه الحالة الجديدة ببطر وأشر، وغرور وتكبر، لقد ولت المصائب عنى الأدبار ، ولن تعود إلى . وعبر - سبحانه - فى جانب الضراء بالمس؛ الإشارة إلى أن الإصابة بها أخف مما تذوقه من نعماء، وأن لطف الله شامل لعباده فى كل الأحوال. وجملة (( إنه لفرح بخور) جواب القسم. أى : إنه الشديد الفرح واليطر بالنعمة. كثير التباهي والتفاخر بما أعطى منها، مشغول بذلك عن القيام بما يجب عليه نحو خالقه من شكر وثناء علیه - سبحانه - . وإنها - أيضا - لصورة صادقة لهذا الإنسان العجول القاصر، الذى يعيش فى لحظته الحاضرة، فلا يتذكر فيما مضى، ولا يتفكر فيما سيكون عليه حاله بعد الموت ، ولا يعتبر بتقلبات الأيام، فهو ينوس كفور إذا نزعت منه النعمة، وهو بطر خور إذا عادت إليه، وهذا من أسوأ ماتصاب به النفس الإنسانية من أخلاق مرذولة . ( ٣ - سورة هود) - ٣٤ - وقوله: ((إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات ... )) استثناء من هؤلاء الناس الذين لا يصبرون عند الشدة، ولا يشكرون عند الرخاء. أى : إلا الذين صبروا على النعمة كماصبروا على الشدة، وعملوا فى الحالتين الأعمال الصالحات التى ترضى الله - تعالى - . (أولئك)) الموصوفون بذلك , لهم، من الله - تعالى - ((مغفرة) عظيمة تمسح ذنوبهم ((وأجر كبير)) منه. سبحانه - لهم. جزاء صبرهم الجميل ، وعملهم الصالح . وفى الصحيحين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((والذى نفسى بيده ، لا يقضى الله لمؤمن قضاء إلا كان خيرا له، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وليس ذلك لأحد غير المؤمن)) . ثم بين - سبحانه - بعض أقوال المشركين، التى كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يضيق بها صدره، وتحزن منها نفسه ، فقال - تعالى -: ((فَلَعَلَّكَ تاركٌ بَعْضَ ما يوحَى إليكَ وضائِقٌ بِهِ صَدْرُك، أنْ يقولوا لولاً أُنْزِلَ إليه كنزٌ أو جاء معه ملكٌ، إنما أنتَ نذيرٌ، واللهُ على كلِّ شىءٍ وكيلٌ (١٢))) . قال الفخر الرازى - رحمه الله -: روى عن ابن عباس - رضى الله عنهما- أن رؤساء مكة قالوا يا محمد، اجعل لنا جبال مكة ذهبا إن كنت رسولا، وقال آخرون : اثتنا بالملائكة يشهدون بنبوتك. فقال: لا أقدر على ذلك ، فنزلت هذه الآية)) (١). (١) التفسير الكبير للفخر الرازى جـ ١٧ ص ١٩٢ طبعة عبد الرحمن مجد سنة ١٣٥٧ هـ . - ٣٥ - ولفظ (( لعل) - كما يقول الآلوسي - للترجى، وهو يقتضى التوقع)» ولا يلزم من وقع الشىء وقوعه ولا ترجح وقوعه، لجواز أن يوجد ما يمنع منه، فلا يشكل بأن توقع ترك التبليع منه - صلى الله عليه وسلم - معمالا يليق بمقام النبوة، لأن المانع منه هنا ثبوت عصمته - صلى الله عليه وسلم - عن كنتم شىء أمر بتبليغه .... والمقصود بهذا الأسلوب هنا تحريضه - صلى الله عليه وسلم - وتهييج داعيته لأداء الرسالة ، ويقال نحو ذلك فى كل توقع نظير هذا التوفع )) (١). و ((قارك)) اسم فاعل من الفعل ترك. و((ضائق)) اسم فاعل من الفعل عناق، وهو معطوف على ((تارك)). والمراد ببعض ما يوحى إليه صلى الله عليه وسلم . فى قوله - سبحانه- ((فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك)): ما نزل عليه - صلى الله عليه وسلم - من قرآن فيه استهزاء بآلهتهم، وتسفيه لعقولهم التى استساغت أن تشرك مع الله - تعالى - فى عبادتها آلهة أخرى، والضمير المجرور فى قوله - سبحانه - « وضائق به صدوك،، يعود إلى البعض الموحى به ، وقيل يعود للتبليغ ، وقيل للتكذيب . وجملة ((أن يقولوا)) فى محل نصب على أنها مفعول لأجله ، أى : كراهة أو خشية أن يقولوا . ، والكنز: يطلق على الحال الكثير المجموع بعض إلى بعض سواء أكان فى بطن الأرض أم على ظهرها، ومرادهم بإنزاله هنا : أن ينزل على الرسول - صلى الله عليه وسلم - من السماء مال کثیر یغنیه هو وأصحابه, ويجعلهمفىرغد من العيش ، بدل ما يبدو على بعضهم من فقر وقاقة ... والمعنى: ليس خافيا علينا - أيها الرسول الكريم - ما يفعله المشركون مبك ، من تكذيب لدعوتك ، ومن جحود لرسالتك، ومن مطالب متعنته يطلبونها منك ... (١) تفسير الآلوسى جـ ١٢ ص ١٨. طبعة منير الدمشقى. - ٣٦ - ليس خافيا علينا شيئا من ذلك، ولعلك إزاء مسالكهم القبيحة هذه، تارك تبليغ بعض ما يوحى إليك ، وهو ما يثير غضبهم ، وضائق صدرك بهذا التبليغ، كراهة تكذيبهم لوحى الله، واستهزائهم بدعوتك، وقولهم لك على سبيل التعنت : هلا أنزل إليك من السماء كثير تستغنى به و تغنى أتباعك، وهلا كان معك ملك يصاحبك فى دعوتك ، ويشهد أمامنا بصدقك. ويؤيدك فى تحصيل مقصودك ... لا - أيها الرسول الكريم - لا تترك شيئا من تبليغ ما أمرك الله بتبليغه. هؤلاء المشركين ، ولا يضق صدرك بأفعالهم الذميمة، وبأقوالهم الباطلة ، بل واصل دعوتك لهم إلى طريق الحق، فما عليك إلا الإنذار، أما نحن فإلينا إيابهم، وعلينا حسابهم . وعبر - سبحانه - عن تأثر الرسول - صلى الله عليه وسلم - من مواقفهم. المتعنتة باسم الفاعل ((ضائق)) لا بالصفة المشبهة ((ضيق)،، لمراعاة المقابل وهو قوله ((تارك))، والإشارة إلى أن هذا الضيق مما يعرض له - صلى الله عليه وسلم - أحيانا، وليس صفة ملازمة له، لأن اسم الفاعل يقتضى الحدوث. والانقطاع، بخلاف الصفة المشبهة فتقتضى الثبات والدوام. وأبرز - سبحانه - هنا صفة الإنذار للرسول - صلى الله عليه وسلم - مع أن وظيفته الإنذار والتبشير، لأن المقام هنا يستوجب ذلك ، إذ أن هؤلاء المشركين قد تجاوزوا كل حد فى الإساءة إليه - صلى الله عليه وسلم -. وقوله - سبحانه - ((والله على كل شىء وكيل) تذييل قصد به زيادة تثبيته وتحريض على المضى فى تبليغ دعوته . أى: سر فى طريقك - أيها الرسول الكريم - غير مبال بما يصدر عنهم. من مضايقات لك، والله - تعالى - حافظ لأحوالك وأحوالهم ، وسيجازيهم بالجزاء الذى يتناسب مع جرائمهم وكفرهم. - ٢٧ - والمتأمل فى هذه الآية الكريمة يراها تعبر أكمل تعبير عن الفترة الحرجة التى نزلت فيها هذه السورة الكريمة ، فقد سبق أن قلنا عند التعريف بها، إنها نزلت فى الفترة التى أعقبت وفاة التصبرين الكبيرين للرسول - صلى الله عليه وسلم - وهما أبو طالب وخديجة - رضى الله عنها - وكانت هذه الفترة من (أشق الفترات على الرسول - صلى الله عليه وسلم -، حيث تكاثر فيها إيذاء المشركين له ولأصحابه ... فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة تحث النبى - صلى الله عليه وسلم - على الثبات والصبر ، وعلى تبلغ مايوحى إليه ، مع عدم المبالاة بما يصنعه المشركون فى طريقه من عقبات ... هذا، وقد سبق أن بينا عند التعريف بهذه السورة - أيضا - ، أن من العلماء من برى أن هذه الآية مدنية ، ولعلك معى - أيها القارىء الكريم - فى أنه لا يوجد أى دليل فقلى أو عقلى يؤيد ذلك ، بل الذى تؤيده الأدلة ويؤيده سبب النزول أن الآية مكية كبقية السورة . وهناك آيات أخرى مكية تشبه هذه الآية فى أسلوبها وموضوعها ، ومن هذه الآيات قوله - تعالى -: ((وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشى فى الأسواق ، لولا أنزل إليه ملك فیکون معه نذيرا . أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها .... )،(١). ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك زعما آخر من مزاعمهم الكثيرة، وهو دعواهم أن القرآن مفترى، وتحداهم أن يأتوا بعشر سور من أمثال هذا القرآن المفترى فی زعمهم ، فقال - تعالى - : ((أم يقولُونَ افتراهُ، قل فأتُوا بعشرٍ سُوَرٍ مثله مفترياتٍ ، وادْعُوا (١) سورة الفرقان الآيتان ٨٠٧. - ٣٨ - مَن استطمُم من دونِ الله إنْ كنتُم صادقينَ (١٣) فإنْ لم يستجيبُوا لكم فاعلموا أنما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ، وأن لاَ إِلَه إلا هُوَ فهلْ أنتم مسلمون (١٤))) . و((أم، هنا منقطعة بمعنى بل التى للإضراب، وهو انتقال المتكلم من غرض إلى آخر والافتراء، الكذب المتعمد الذى لاتوجد أدنى شبهة لقائله . والمعنى: إن هؤلاء المشركين لم يكتفوا بما طلبوه منك يا محمد ، بل تجاوزوا ذلك إلى ماهو أشد جرما ، وهو قولهم إنك افتريت القرآن الكريم ، واخترعته من عند نفسك . وقوله: ((قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات ، وأدعوا من استطعتم من من دون الله ٠٠٠٠)) أمر من الله - تعالى - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - بان يرد عليهم بما يخرس ألسنتهم ، ويكبت نفوسهم . أى: قل لهم يا محمد على سبيل التحدى: إن كان الأمر زعمون من أنى قد أفتريت هذا القرآن، فأنا واحد منكم وبشر مثلكم، فماتوا أتم عشر سور مختلفات من عند أنفسكم ، تشبه ماجئت به فى حسن النظم، وبراعة الأسلوب، وحكمة المعنى، وادعوا لمعاونتكم فى بلوغ هذا الأمر كل من تتوسمون فيه. المعاونة غير الله - تعالى -، لأنه هو - سبحانه - القادر على أن يأتى بمثله. وجواب الشرط فى قوله - سبحانه - إن كنتم صادقين ، محذوف دل عليه ما تقدم. أى: إن كنتم صادقين فى زعمكم أنى افتريت هذا القرآن، فها قول أنتم عشر سور مثله مفتريات من عند أنفسكم . والمتأمل لآيات القرآن الكريم، يرى أن الله - تعالى - قد تحدى المشركين قارة بأن يأتوا بمعنه كما فى سورتى الإسراء والطور. ففي سورة الإسراء يقول - سبحانه ـ ((قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لاياتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا،(١) وفى سورة الطور يقول - سبحانه ـ((فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين)،(٢). وقارة تحداهم بأن يأتوا بعشر سور من مثله كما فى هذه السورة ، وتارة تحداهم بأن يأتوا بسورة واحدة من مثله کما فى سورتى البقرة ويونس ، ففى سورة البقرة ((وإن كنتم فى ريب مما نزلنا على عبدفا فأتوا بسورة من مثله .... ، (٣) وفى سورة يونس يقول - سبحانه -: «أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة من مثله، وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين، (٤) وقد عجزوا عن الاتيان بمثل أقصر سورة ، وهم من هم فى فصاحتهم ، فثبت أن هذا القرآن من عند الله - تعالى -. وقوله - سبحانه - (( فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله، وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون، إرشاد لهؤلاء المشركين إلى طريق الحق والسعادة لو كانوا يعقلون، إذ الخطاب موجه إليهم لعلهم يشوبون إلى الرشد. والمعنى: قل - أيها الرسول الكريم-لهؤلاء الذين تحديتهم أن يأتوا بعشر سور من مثل القرآن، وأبحت لهم أن يستعينوا فى ذلك بمن شاؤا من البشر، قل لهم: فإن لم يستجب لدعوتكم من استعنتم بهم فى الاتيان بعشر سور من مثل القرآن - وهم لن يستجيبوا لكم قطعا -, فاعلموا، أيها الناس , أن هذا القرآن إنما , أنزل بعلم الله)) وحده، وبقدرته وحدها، ولا يقدر على إنزاله بتلك الصورة أحد سواه . وأعلموا - أيضا -، أنه لا إله إلا هو)) - سبحانه -، فهو الإله الحق ، لذى تعنو له الوجوه، وتخضع له القلوب ، وتتجه إليه النفوس بالعبادة والطاعة . (٠) الآية ٨٨ (٣) الآية ٢٣. (٢) الآية ٣٠. (٤) الآية ٣٨. - ٤٠ - « فهل أنتم ، أيها المشر كون بعد كل تلك الأدلة الواضحة الدالة على وحدانيه اللّه، وعلى أن هذا القرآن من عنده ((مسلمون)) أى: داخلون فى الإسلام، ومتبعون لما جاءكم به الرسول - صلى الله عليه وسلم -. والمراد بالعلم فى قوله ((فاعلموا أنما أنزل ... )): الاعتقاد الجازم البالغ نهاية اليقين ، أى فأيقنوا أن هذا القرآن ما أنزل إلا ملابسا لعلم الله - تعالى - المحيط بكل شىء . والفاء فى قوله (( فهل أنتم مسلمون)) للتفريع، والاستفهام هنا المقصود به الحض على الفعل وعدم تأخيره . أى: فهل أنتم بعد كل هذه الأدلة على صدق ما جاءكم به فبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - تتكون فى أن الإسلام هو الدين الحق؟ إن الشك فى ذلك لا يكون من عاقل ، فبادروا إلى الدخول فى الإسلام إن كنتم من ذوى المقول التى تعقل ما يقال لها. ويرى بعض العلماء أن الخطاب فى هذه الآية موجه إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين، أو إليه وحده - صلى الله عليه وسلم على سبيل التعظيم، وعليه يكون المعنى : ((فإن لم يستجب لكم - أيها المؤمنون - هؤلاء الذين أعرضوا عن دعوة الحق، بعد أن ثبت عجزهم عن الإتيان بما تحديتموهم به ((فاعلموا)) أى فازدادوا علما ويقيناً وثباتا، بأن هذا القرآن ((إنما أنزل بعلم الله) الذى لا يعزب عنه شىء، وازدادوا علما بأنه لا إله إلا هو - سبحانه - مستحق للعبادة والطاعة ، فهل أنتم بعد كل ذلك, مسلمون)) أى ثابتون على الإسلام، وملتزمون بكل أوامره ونواهيه . ومع أننا نرى أن القولين صحيحان من حيث المعنى ، إلا أننا نفضل الرأى الأول القائل بأن الخطاب للمشركين، لأن سياق الآيات السابقة فى شأتهم، فلأن يكون الخطاب لهم هنا أولى .