النص المفهرس

صفحات 161-180

- ١٦١ - الحادى عشر
الجزء
وقال موسى ياربنا إنك أعطيت فرعون وملاء زينة وأموالا فى الحياة
الدنيا, اللهم ياربنا زدهم ضلالا على ضلالهم ...
وقد سار على هذا الرأى صاحب الكشاف. فقد قال ما ملخصه : فإن
-قلت ما معنى قوله: ((ليضلوا عن سيلك))!
قلت: هو دعاء بلفظ الأمر كقوله: ربنا أطمس واشدد . وذلك أنه لما
- عرض عليهم آيات الله وبيناته عرضا مكررا، وردد عليهم النصائح والمواعظ.
. زمانا طويلا . وحذرهم من عذاب الله ومن انتقامه، وأنذرهم سوء عاقبة
- ما كانوا عليه من الكفر والضلال ، ورآهم لا يزيدون على عرض الآيات
إلا كفرا، وعلى الإنذار إلا إستكبارا، وعن النصيحة إلا نبواً، ولم يبق له
مطمع فيهم، وعلم بالتجربة وطول الصحبة أو يوحى من الله، أنه لا يجىء
- منهم إلا الغى والضلال ...
لما رأى منهم كل ذلك: اشتد غضبه عليهم، وكره حالهم، فدعا الله عليهم
بما علم أنه لا يكون غيره وهو ضلالهم ...
فكأنه قال: ليثبتوا على ماهم عليه من الضلال ... )) (١).
وعلى أية حال فهذه الأقوال الثلاثة ، لكل واحد منها إتجاهه فى التعبير
عن ضيق موسى - عليه السلام - الإصرار فرعون وشيعته على الكفر،
ولما هم فيه من نعم لم يقابلوها بالشكر، بل قابلوها بالجحود والبطر ..
وإن كان الرأى الأول هو أظهرها فى الدلالة على ذلك، وأقربها إلى
- سياق الآية الكريمة.
قال الشوكانى: وقرأ الكوفيون ((ليضلوا)) بضم الياء. أى ليوقعوا
(١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٠٢٥
(م ١١ - سورة يونس)

سورة
يونس
- ١٦٢ -
الإضلال على غيرهم . وقرأ الباقون بالفتح أى يضلون فى أنفسهم (١).
وقوله: «ربنا اطمس على أموالهم، واشدد على قلوبهم ، فلا يؤمنوا
حتى يروا العذاب الأليم، دعاعليهم بما يستحقونه من عقوبات بسبب
إصرارهم على الكفر والضلال.
والطمس: الإهلاك والإتلاف ومحو أثر الشيء يقال: طمس الشىء.
ويطمس طموحا إذا زال بحيث لا يرى ولا يعرف لذهاب صورته .
والشد : الربط والطبع على الشىء ، بحيث لا يخرج منه ماهو بداخله، .
ولا يدخل فيه ما هو خارج عنه .
والمعنى: وقال موسى مخاطبا ربه: ياربنا إنك آتيت فرعون وملاً، زينة.
وأموالا فى الحياة والدنيا، وقد أعطيتهم ذلك ليشكروك، ولكنهم لم يفعلوا،
بل قابلوا عطاءك بالجحود، اللهم ياربنا (( أطمس على أموالهم، بأن تهلكها
وتزيلها وتمحقها من بين أيديهم ، حتى ترحم عبادك المؤمنين ، من سوء .
استعمال الكافرين لنعمك فى الإفساد والأذى .
(( واشدد على قلوبهم، بأن تزيدها قسوة على قسوتها، وعناداً على.
عنادها ، مع استمرارها على ذلك ، حتى يأتيهم العذاب الأليم الذى لا ينفع ..
عند إقيانه إيمان ، ولا تقبل معه قوبته، لأنهما حدثا فى عير وقتهما .
قال الجمل: وهذا الطمس هو أحد الآيات التسع التى أوفيها موسى.
- عليه السلام -- (٢).
وقال الإمام ابن كثير : وهذه الدعوة كانت من موسى - عليه السلام ...
غضبالله - تعالى - ولدينه على فرعون وملئه، الذين تبين له أنه لا خير ..
(١) تفسير ((فتح القدير) الإمام الشوكانى حـ ٢ ص ٠٤٧٠
(٢) حاشية الجمل على الجلالين حـ ١ ص ٠٣٧٠

الجزء
- ١٦٣ - الحامى عشر
فيهم، كما دعا نوح - عليه السلام - على قومه فقال: (رب لا تذر على الأرض
من الكافرين ديارا ... ) ولهذا استجاب الله -تعالى- لموسى - عليه السلام -
هذه الدعوة فيهم .. )(١) .
فقال: (قال قد أجيبت دعوتكما فاستقما، ولا تتبعان سبيل الذين
لا يعلمون ) .
أى: قال الله - تعالى - لموسى وهارون عليهما السلام -: أبشرا فقد
أجبت دعوتكما فى شأن فرعون وملئه ((فاستقيما، على أمرى، وأمضيا
فى دعوتكما الناس إلى الحق ، وأثبتا على ما أنتما عليه من الإيمان بى،
والطاعة لأمرى ..
((ولا نتبعان سبيل الذين لا يعلمون)، ما جرت به سنتى فى خلقى، ولا
بدركون طريق الخير من طريق الشر .
وكان الجواب من الله - تعالى - لموسى وهارون . مع أن الداعىموسى
فقط كما صرحت الآية السابقة ، لأن هارون كان ؤمن على دعاء أخيه موسى
والتأمين لون من الدعاء .
هذا . ومن الحكم والعظات التى نأخذها من هاتين الآيتين الكريمتين:
أن من علامات الإيمان الصادق . أن يكون الإنسان غيورا على دين الله،
ومن مظاهر هذه الغيرة أن يتمنى زوال النعمة من بين أيدى المصرين على
جحودهم وفسوقهم وبطرهم لأن وجود النعم بين أيديهم كثيرا ما يكون
سببا فى إيذاء المؤمنين ، وإدخال القلق والحيرة على نفوس بعضهم ...
وأن الداعى متى توجه إلى الله - تعالى - بقلب سليم، ولسان صادق،
كان دعاؤه مرجو القبول عنده - سبحانه -
(١) تفسير ابن كثير حـ ٤ ص ٢٢٥.

يونس
- ١٦٤ -
سورة
ثم ختم - سبحانه - قصة موسى - عليه السلام -مع فرعون فى هذه السورة
الكريمة، ببيان سنه من سفنه التى لا تتخلف، وهى حسن عاقبة المؤمنين وسوء
عاقبة المكذبين فقال - تعالى -
وَجَزْنَا بِنِيّ إِسْرَِّلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ:
فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَجَدُوا حَتََّ إِذَا أَدْرَ كَهُ الْغَرَقُ قَالَ ءَآَمَنْتُه
◌َُّلاَإِلَهَ إلَّا الَّذِىّ،َ امَنَتْ بِهِ يَنُواْ إِسْرَ غِلَ وَأَنْ مِنَ الْمُسْلِينَ (٣)
ءَ الْكَلْنَ وَقَدْ عَصَبْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٢) فَلْيَوْمَ ◌ُِّيكَ
◌ِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَ ايَةُ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ
ءَايَكِنَا لَغَفِلُونَ ﴾ وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِّ إِسْرَءِيلَ مُبَوَّأُ صِدْقٍ
وَرَزَقْنَهُ مِنَ الطََّتِ فَا أَخْتَلَفُواْ ◌َّى ◌َ هُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ
يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيَمَا كَانُواْ فِهِ يَخْتَلِفُونَ (2)
قوله - سبحانه - ((وجاوزنا)) هو من جاوز المكان، إذا قطعه وفخطاه
وخلفه وراء ظهره . وهو متعد بالباء إلى المفعول الأول الذى كان فاعلا فى
الأصل ، وإلى الثانى بنفسه .
والمراد بالبحر هنا: بحر القلزم، وهو المسمى الآن بالبحر الأحمر.
وقوله («بغيا وعدوا)) أى ظلما واعتداء. يقال بغى فلان على فلان بغيا، إذا
تطاول عليه وظلمه. ويقال: عدا عليه عدوا وعدوانا إذا سلبه حقه .
وهما مصدران منصوبان على الحالية بتأويل اسم الفاعل . أى : باغين
وعادين. أو على المفعولية لأجله أى : من أجل البغي والعدوان .
والمعنى: وجاوزنا ببنى إسرائل البحر، وهم تحت رعايتنا وقدر تنا، حيث
جعلناه لهم طريقا يبا، فساروا فيه حتى بلغوانهايته، فأتبعهم فرعون وجنوده
لا الطلب الهداية والإيمان ، ولكن لطلب البغي والعدوان.

الجزء
- ١٦٥ -
الحادى عشر
قال الآلوسي: وذلك أن الله - تعالى - لما أخبر موسى وهارون - عليهما
السلام - بإجابته دعوتهما، أمرهما بإخراج بنى إسرائيل من مصر ليلا،
فرجا بهم على حين غفلة من فرعون وملئه، فلما أحس بذلك، خرج هو
وجنوده على أثرهم مسرعين ، فالنفت القوم فإذا الطامة الكبرى وراءهم،
فقالوا ياموسى، هذا فرعون وجنوده وراءنا، وهذا البحر أمامنا فكيف
الخلاص، فأوحى الله - تعالى - إلى موسى، أن اضرب بعصاك البحر، فضربه
فانفلق اثنى عشر فرقا كل فرق كالطود العظيم ، وصار لكل سبط طريق
فسلكوا، ووصل فرعون ومن معه إلى الساحل وبنو إسرائيل قد خرجوا
من البحر ومسلكهم باق على حاله ، فلكه فرعون وجنوده، فلما دخل
آخرهم وهم أولهم بالخروج من البحر، انطبق عليهم وغشيهم من اليم ما غشيهم (١).
ثم حكى - سبحانه - ما قاله فرعون عندما نزل به قضاء الله الذى لا يرد
فقال - تعالى -: (( حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذى آمنت
به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين».
أى: لقد أتبع فرعون وجنوده بنى إسرائيل بغيا وحدوا، فانطبق
عليه البحر، ولفه تحت أمواجه ولججه، حتى إذا أدر كه الغرق وعاين الموت
وأيقن أنه لانجاة له منه، قال آمنت وصدقت . بأنه لا معبودبحق سوى الإله
الذى آمنت به بنو إسرائيل، وأنا من القوم الذين أسلموا نفوسهم لله وحده
وأخلصوها لطاعته .
ولما كان هذا القول قد جاء فى غير أوانه، وأن هذا الإيمان لا ينفع
لأنه جاء عند معاينة الموت ، فقد رد الله - تعالى - على فرعون بقوله-سبحانه-
(((الآن وقد عصيت قبل، وكنت من المفسدين)).
أى: الآن تدعى الإيمان حين يئست من الحياة، وأيقنت بالموت،
والحال أنك كنت قبل ذلك من العصاة المفسدين فى الأرض، المصرين على
. (١) تفسير الآلوسي ٦ ١١ ص ١٦٠.

سورة - ١٦٦ - يونس
تكذيب المحق الذى جاءك به رسولنا موسى - عليه السلام - والظرف.
((الآن)) متعلق بمحذوف متأخر، والاستفهام التقريع والتوبيخ والإنكار.
وقوله: (( وقد عصيت قبل ، جملة حالية من فاعل الفعل المقدر، أى :
الان تدعى الإيمان والحال أفك عصيت قبل وكنت من المفسدين .
قال الإمام ابن كثير: وهذا حكاه الله - تعالى - عن فرعون من قوله
هذا فى اله ذاك، من أسرار الغيب التى أعلم الله - تعالى - بها رسوله- صلى
الله عليه وسلم -، ولهذا قال الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله - :
حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن سلمة ، عن على بن زيد ،عن
يوسف بن مهران ، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-
لما قال فرعون: ((آمنت أنه لا إله إلا الذى آمنت به بنو إسرائيل، قال
جبريل لى: بامحمد لو أريتنى وقد أخذت حالا من حال البحر - أى طينا
أسود من طين البحر - فدسته فى قمه مخافة أن تناله الرحمة)).
ورواه الترمذى ، وابن جرير، وابن أبى حاتم فى تفاسيرهم، من حديث
حماد بن سلمة ، وقال الترمذى : حديث حسن .
ثم ساق ابن كثير بعد ذلك جملة من الأحاديث فى هذا المعنى (١).
وقوله - سبحانه -: ((فاليوم ننجيك بيدنك لتكون لمن خلفك آية ... ))
تهكم به ، وتخييب لآماله، وقطع دابر أطماعه والمعنى: إن دعواك الإيمان الآن
مرفوضة، لأنها جاءت في غير وقتها ، وإننا اليوم بعد أن حل بك الموت، فلقى
بحسمك الذى خلا عن الروح، على مكان مرتفع من الأرض، لتكون عبرة
وعظة الأحياء الذين يعيشون من بعدك سواء أكانوا من بنى إسرائيل أم من
غيرهم ، حتى يعرف الجميع بالمشاهدة أو الإخبار ، سوء عاقبة المكذبين،
وأن الألوهية لا تكون إلا لله الواحد الأحد، الفرد الصمد .
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٠٢٢٧ طبعة دار الشعب.

- ٦٧
الجزء
الحادى عشر
قال الإمام الشوكانى: قوله (( فاليوم ننجيك ببدنك ... ، قرىء ننجيك
بالتخفيف ، والجمهور على التثقيل ...
أى : فلقيك على نجوة من الأرض. وذلك أن بنى إسرائيل لم يصدقوا
أن فرعون قد غرق، وقالوا: هو أعظم شأنا من ذلك ، فألقاء الله على نجوة
· من الأرض أى مكان مرتفع من الأرض حتى شاهدوه ...
ومعنى (( ببدنك)): بجسدك بعد سلب الروح منه. وقيل معناه بدرعك
والدرع يسمى بدنا ، ومنه قول كعب بن مالك :
ترى الأبدان فيها مسبغات على الأبطال واليلب المعينا
أراد بالأبدان الدروع (١) - وبالبلب - بفتح الياء واللام -الدروع المانية
كانت تتخذ من الجلود ...
وقوله. ((وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون، تذييل قصد به دعوة
الناس جميعا إلى التأمل والتدبر، والاعتبار بآيات الله، وبمظاهر
. حدرته .
أى: وإن كثيرا من الناس لغافلون عن آياتنا الدالة على وحدانيتا
-وقدرتنا عن إهلاك كل ظالم جبار .
قال ابن كثير : وكان هلاك فرعون يوم عاشوراء ، كما قال البخارى :
- حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا غندر ، حدثنا شعبة ، عن أبى بشر ، عن سعيد
ابن جبير، عن ابن عباس قال: قدم النبى - صلى الله عليه وسلم - المدينة واليهود
تصوم يوم عاشوراء فقالوا: هذا يوم ظهر فيه موسى على فرعون. فقال التي
- صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: أنتم أحق بموسى منهم فصوموه» (٢).
(١) تفسير فتح القدير ج ٢ ص ٤٧٠ .
(٢) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٢٢٩

سورة
- ١٦٨ -
بو نس
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك بعض مظاهر فعمه على بنى إسرائيل بعد أن.
أهلك عدوهم فرعون فقال - تعالى -: ولقد بوأنا بنى إسرائيل وأصدق.
ورزقناهم من الطيبات ... ،
وقوله : «بوأنا، أى: أنزلنا وأسكنا، من النبوء، وهو اتخاذ المباءة أى
المنزل والمسكن .
وفى إضافة الميوأ إلى الصدق مدح له ، فقد جرت عادة العرب على أنهم
إذا مدحوا شيئا ضافره إلى الصدق فقالوا : رجل صدق إذا كان متحليا
بمكارم الأخلاق .
قال الألوسى: والمراد بهذا المبوأ- كمارواه ابن المنذروغيره عن الضحاك .:
الشام ومصر، فإن بنى إسرائيل الذين كانوا فى زمان موسى - عليه السلام -
وهم المرادون هنا، ملكوا ذلك حسبما ذهب إليه جمع من الفضلاء .
وأخرج أبو الشيخ وغيره عن قتادة أن المراد به الشام وبيت المقدس،
واختاره بعضهم، بناء على أن أولئك لم يعودوا إلى مصر بعد ذلك .
وأنت تعلم أنه ينبغى أن يراد يبنى إسرائيل على القولين، ما يشمل ذريتهم.
بناء على أنهم ما دخلوا الشام فى حياة موسى - عليه السلام - ، وإنما دخلها
أبناؤهم - بقيادة يوشع بن نون ...
وقيل المراد به أطراف المدينة إلى جهة الشام، ويبنى إسرائيل ، الذين.
كانوا على عهد نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -)» (١).
والمعنى: ولقد أنزلنا بنى إسرائيل بعد هلاك عدوهم فرعون منز لا صالح)
مرضيا، فيه الأمان والاطمئنان لهم، وأعطيناهم فوق ذلك الكثيرمن ألوان.
المأكولات والمشروبات الطيبات التى أحللناها لهم .
(١) تفسير الآلوسي : ١١ ص ٠١٦٧

الحادى عشر
الجزء - ١٦٩ -
وقوله: «فما اختلفوا حتى جاءهم العلم ... )) تويخ لهم على موقفه
الجحودى من هذه النعم التي أنعم الله بها عليهم.
أى: أنهم ما تفرقوا فى أمور دينهم ودنياهم على مذاهب شتى، إلا منبه
ماجاءهم العلم الحاسم لكل شبهة، وهو ما بين أيديهم من الوحى الذى أمره
الله - تعالى -أن يتلوه حق تلاوته، وأن لا يستخدموه فى التأويلات الباطلة
فالجملة الكريمة توبخهم على جعلهم العلم -الذى كان من الواجب عليهم أن يستعم
فى الحق والخير - وسيلة الاختلاف والابتعاد عن الطريق المستقيم
وقوله: (( إن ربك يقضى بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون
تذييل قصد به الزجر عن الاختلاف واتباع الباطل
أى : إن ربك يفصل بين هؤلاء المختلفين، فيجازى أهل الحق بما يستحقوا
من ثواب ، ويجازى أهل الباطل بما يستحقونه من عقاب .
وبعد هذا الحديث المتنوع عن قصة موسى - عليه السلام - مع فرعور
وملته، ومع قومه بنى إسرائيل، وجه القرآن خطابا إلى النبى - صلى أن
عليه وسلم - تثبيتا لقلبه، وتسلية له عما أصابه من أذى، فقال - تعالى -:
فَإِن كُنتَ
◌ِ شَكِّ قِمَّا أَفْنَا إِلَيْكَ فَسُعَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَبَ مِنْ
قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (0)
وَلَاتَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَُّوْ ◌ِعَايَتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ اْخَدِينَ ﴾
إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَكُ رَبِّكَ لَ يُؤْمِنُونَ ﴾ وَلَوْ جَاءَهُمْ كُلٌّ
٩٧
ءَايَةٍ خَّى ◌َرَوَا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ
والمراد (( ما أنزلنا إليك، هنا: ما أوحاه الله - تعالى - إلى نبيه - صلى الله
عليه وسلم - من قصص حكيم يتعلق بأنبياء الله - تعالى - ورسله .

سورة
- ١٧٠ -
يونس
قال الألوسى: وخصت القصص بالذكر ، لأن الأحكام المنزلة عليه
- صلى الله عليه وسلم -ناسخة لأحكامهم، ومخالفة لها، فلا يتصور سؤ الهم عنها (١).
والمراد بالكتاب : جنسه فيشمل التوراة والإنجيل .
والمعنى: فإن كنت -أبها الرسول الكريم - على سبيل الفرض والتقدير -
فىشك مما أنزلنا إليك من قصص حكيم كقصة موسى وفوح وغيرهمادفاسال
«الذين يقرءون الكتاب من قبلك)، وهم علماء أهل الكتاب، فإن ما قصصناه
علیك ثابت فی کتبهم .
فليس المراد من هذه الآية ثبوت الشك الرسول - صلى الله عليه وسلم-،
وإنما المراد على سبيل الفرض والتقدير، لا على سبيل الثبوت .
قال ابن كثير : قال قتادة بن دعامة: بلغنا أن رسول الله - صلى الله
عليه وسلم قال لا أشك ولا أسأل .
وكذا قال ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن البصرى. وهذا فيه تثبيت
ثلاًمة، وإعلام لهم بأن صفة نبيهم - صلى الله عليه وسلم - موجودة فى الكتب
المتقدمه التى بأيدى أهل الكتاب، كما قال- تعالى-((الذين يتبعون الرسول النبى
الأمى الذى يجدونه مكتوبا عندهم فى التوراة والإنجيل ... )، (٢).
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - فى شأن عيسى - عليه السلام -: « أ أنت
قلت للناس اتخذونى وأمى إلهين من دون الله؟ قال سبحانك ما يكون لى أن
أقول ما ليس لى بحق. إن كنت قلته فقد علمته ... ))
فعيسى - عليه السلام - يعلم علم اليقين أنه لم يقل ذلك ، وإنما يفرض
قوله فرضا، ليستدل عليه بأنه لو قاله لعلمه الله - تعالى - منه.
(١) تفسير الألوسى = ١١ ص ١٦٨.
(٢) تفسير ابن كثير = ٤ ص ٠٢٣١

الجزء
- ١٧١ -
الحادىعشر
أى: إن كنت قلته -على سبيل الفرض والتقدير - فقولى هذا لا يخفى عليك.
قال صاحب الكشاف ما ملخصه: فإن قلت: كيف قال الله - تعالى-
لرسوله - صلى الله عليه وسلم -: فإن كنت فى شك مما أنزلنا إليك ... ))؟
قلت: هو على سبيل الفرض والتمثيل، كأنه قيل: فإن وقع لك شك -
مثلا- وخيل لك الشيطان خيالا منه تقديرا «فاسأل الذين يقرءون الكتاب،
والمعنى: أن الله عز وجل - قدم ذكر بنى إسرائيل، وهم قرأة الكتاب،
ووصفهم بأن العلم قد جاءهم، لأن أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
مكتوب عندهم فى التوراة والإنجيل ، وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، فأراد
أن يؤكد علمهم بصحة القرآن، وصحة نبوة محمد - صلى اله عليه وسلم-ويبالغ
فى ذلك فقال: فإن وقع لك شك فرضا وتقديرا. فسل علماء أهل الكتاب.
يعنى أنهم من الإحاطة بصحة ما أنزل إليك ، بحيث يصلحون لمراجعة مثلك،
فضلا عن غيرك .
فالغرض وصف الأحبار بالرسوخ فى العلم بصحة ما أنزل إلى رسول الله
- صلى الله عليه وسم - لا وصفه بالشك فيه ...
ويجوز أن يكون على طريق التهيج والإهاب كقوله ((فلا تكونن ظهيرا
الكافرين ... )) ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم - عند نزوله : لا أشك
ولا أسأل بل أشهد أن الحق)).
وقيل: خوطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمراد خطاب أمته.
ومعناه : فإن كنتم فى شك ما أنزلنا إليكم ... )، (١).
وقوله « لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين، كلام مستأنف
مؤكد لا جتثاث إرادة الشك .
(١) تفسير الككاف ج ٢ ص ٠٢٥٣

.. ..
سورة - ١٧٢ - يونس
والتقدير: أقسم لقدجاء الحق الذى لا ليس فيه من ربك لامن غيره »
فلا تكونن من الشاكين المترددين فى صحة ذلك .
وقوله: «ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين».
تعريض بأوائك الشاكين والمكذبين له - صلى الله عليه وسلم - من قومه.
أى : ولا تكونن من القوم الذين كذبوا بآيات الله الدالة على صدقك فيما
تبلغه عنا، فتكون بذلك من الخاسرين الذين أضاعوا دنياهم وأخراهم .
قال الآلوسي : وفائدة النهى فى الموضعين التهييج والإلهاب نظير مامر.
والمراد بذلك الاعلام بأن الامراء والتكذيب قد بلغا فى القبح والمحذورية.
إلى حيث ينبغى أن ينهى عنهما من لا يمكن أن يتصف بهما، فكيف بمن
يمكن انصافه بذلك ... )» (١).
وقوله: (( إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون، ولوجاءتهم كل آية
حتى يروا العذاب الأليم، توبيخ للكافرين على إصرارهم على الكفر».
وجحودهم للحق .
والمراد بكلمة ربك: حكمه النافذ، وقضاؤه الذى لا يرد، وسنته التى.
لا تتغير ولاتتبدل فى الهداية والاضلال .
والمراد بالآية: المعجزات والبراهين الدالة على صدق الرسول - بدت له ..
أى: إن الذين حكم الله - تعالى - عليهم بعدم الإيمان - لأنهم استحبوا.
العمى على الهدى - لا يؤمنون بالحق الذى جئت به - أيها الرسول الكريم.
مهما سقت لهم من معجزات وبراهين دالة على صدقك ...
ولكنهم يؤمنون بأن ما جئت به هو الحق ، حين يرون العذاب الأليم
وقد نزل جم من كل جانب .
وهنا سيكون إيمانهم كلا إيمان، لأنه جاء فى غير وقته، وصدق الله
إذ يقول: (( فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا .. )، (١).
(١) تفسير الألوسى جـ ١١ ص ١٦٨.
(٢) سورة غافر الآية ٨٥.

الحادى عشر
- ١٧٣ -
الجزء
وسيكون «الهم كحال فرعون ، الذى عندما أدركه الغرق قال آمنت ..
وبذلك قرى الآيات الكريمة قد نهت عن الشك والامتراء فى شأن الحق
الذى جاءبه الرسول - صلى الله عليه وسم - بأبلغ أسلوب، وأقوى بيان،
كما بينت سنة من سنن الله فى خلقه، وهى أن من لا يأخذ بأسباب الهدى
لا يهتدى، ومن لا يفتح بصيرته للنور لا يراه، فتكون نهايته إلى الضلال،
مهما تكن الآيات والبينات الدالة على طريق الحق .
ثم فتحت السورة الكريمة للمكذبين باب الأمل والنجاة ، فذكرتهم بقوم
يونس -عليه السلام -الذين نجوامن العذاب بسبب إيمانهم، كماذكرتهم بإرادة الله
التامة، وقدرته النافذة، ودعتهم إلى الاعتبار والاتعاظ بما اشتمل عليه هذا الكون ..
استمع إلى السورة الكريمة وهى تسوق كل ذلك وغيره بأسلوبها البليغ
المؤثر فتقول :
فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ ،َامَنَتْ
أَفَتَفَعَهَ إِيمَُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآءَامَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ
الْخِزْىِ فِىِ الْحَيَزَةِ الدُّنْيَا وَمَّعْنَدُهُمْ إِلَى حِينٍ (٨﴾ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ
"كَمَنَ مَنْ فِ الْأَرْضِ كُهُمْ جِعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ خَّى يَكُونُواْ
مُؤْيِنِينَ ® وَمَا كَانَ لِنَفْسِ أَنْ تُؤْمِنَ إَّ بِذْنِ اللهِ وَيَجْعَلُ
اَلِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَيَعْقِلُونَ (٨) قُلِ أَنْظُرُواْ مَاذَا فِ السَّمَلَوَّتِ
وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي آْآَيَلْتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمِ لََّ يُؤْمِنُونَ (َ فَهَلْ
يَنْظُرُونَ إِلَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْ مِن قَبْلِهِمَّ قُلْ فَانْتَظِرُواْ إِيه
مَعَكُم مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٥) ثُمَّتَجِى رُسُلَ وَالَّذِينَ ءَ امَنُواْ كَّلِكَه
حَقًّا عَلَيْنَا نُنْهِ الْمُؤْ مِنَ. هـ
.٣

سورة
بو أس
- ١٧٤ -
قال القرطبى ما ملخصه: روى فى قصة يونس - عليه السلام - عن
جماعة من المفسرين، أن قوم يونس كانو بنينوى من أرض الموصل -
بالعراق - وكانوا يعبدون الأصنام، فأرسل الله إليهم يونس يدعوهم إلى
الإسلام، وترك ماهم عليه فأبوا، فقيل: إنه أقام يدعوهم تسع سنين فينس من.
إيمانهم. فقيل له : أخبرهم أن العذاب مصبحهم إلى ثلاث ففعل. وقالوا:
هو رجل لا يكذب فارقبوه، فإن أقام معكم وبين أظهركم فلا عليكم ، وإن.
ارتحل عنكم ، فهو نزول العذاب لاشك ...
فلما كان الليل تزود يونس وخرج عنهم، فأسبحوا فلم يجدوه، فآمنوا"
وقابوا، ودعوا الله ولبسوا المسوح، وفرقوا بين الأمهات والأولاد من.
الناس والبهائم ، وردو المظالم ..
قال الزجاج : إنهم لم يقع بهم العذاب ، وإنما رأوا العلامة التى تدل على ..
العذاب، ولورأوا العذاب لما نفعهم الإيمان (١).
وكلمة ((لولا)، فى قوله - سبحانه - ((فلولا كانت قرية آمنت ... ».
للحث والتحضيص ، فهى بمعنى هلا .
والمقصود بالقرية أهلها . وهم أقوام الأنبياء السابقين، وهى اسم كان ..
وقوله ((آمنت)) خبرها. وقوله ((فنفعها إيمانها، معطوف على ((آمنت)) ..
والمعنى: فهلا عاد المكذبون إلى رشدهم وصوابهم، فآمنوا بالحق الذى
جاءتهم به رسلهم، فنجوا بذلك من عذاب الاستئصال الذى جل بهم فقطع.
(١) تفسير القرطى جـ ٨ ص ٣٨٢

الجزء - •
الحادىعشر
دابرهم ، كما نجامنه قوم يونس - عليه السلام - فإنهم عندما رأوا اماراته
العذاب الذى أنذرهم به فييهم آمنوا وصدقوا، فكشف الله عنهم هذا العذاب
الذى كاد ينزل بهم، ومتعهم بالحياة المقدرة لهم، إلى حين إنقضاء آجالهم
فى هذه الدنيا .
قال الإمام الشوكانى: والاستثناء بقوله: «إلا قوم يونس .. ، منقطع ،
وهو استثناء من القرى لأن المراد أهلها .
والمعنى: فلا قرية واحدة من القرى التى أهلكناها آمنت إيمانا معتدا به.
- وذلك بأن يكون خالصا لله - قبل معاينة العذاب، ولم تؤخره كما أخره
فرعون، لكن قوم يونس : لما آمنوا، إيمانا معتدا به قبل معاينة العذاب،
أو عند أول المعاينة قبل حلوله بهم((كشفنا عنهم عذاب الخزى)) أى الذل
والوان - .
وقيل بجوز أن يكون متصلا. والجملة فى معنى النفى. كأنه قيل: ما آمنته.
قرية من القرى المالكة إلا قوم يونس ... )) (١).
وقال الشيخ القاسمى ما ملخصه : وما يرويه بعض المفسرين هنا من أن.
العذاب تدلى عليهم ، وجعل بدور على رءوسهم ... ونحو هذا، ليس له أصل
لا فى القرآن ولا فى السنة ...
وفى الآية إشارة إلى أنه لم توجد قرية آمنت بأجمعها بنبيها المرسل إليها
من سائر القرى ، سوى قوم يونس .
والبقية دأيهم التكذيب (( كلهم أو أكثرهم، كماقال - تعالى -: ((وكذلك
ما أرسلنا من قبلك فى قرية من نذير إلا قال مقرفوها إنا وجدنا آباء ناعلى أمة.
وإنا على آثارهم مقتدون».
(١) تفسير فتح القدير ج ٢ ص ٠٤٧٣

- ١٧٦ - يونس
تفسير سورة
وفى الحديث الصحيح: عرض على الأنبياء، تجعل الغبى يمر ومعه الفئام
من الناس - أى العدد القليل - والنبى معه الرجل، والنبى معه الرجلان،
والنبى ليس معه أحد ، (١).
وفى الآية الكريمة - أيضا - تسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم - عما
أصابه من حزن بسبب إعراض قومه عن دعوته ، وفيها كذلك تعريض بأهل
مكة، وإنذارلهم من سوء عاقبة الإصرار على الكفر والجحود، وحض لهم
على أن يكونوا كقوم يونس - عليه السلام - الذين آمنوا قبل نزول العذاب
فتفعهم إيمانهم.
ثم أضاف - سبحانه - إلى هذه التسلية لرسوله - صلى الله عليه وسلم -
قسلية أخرى فقال: ((ولوشاء ربك لآمن من فى الأرض كلهم جميعا ... )
ومفعول المشيئة محذوف والتقدير :
ولوشاء ربك - يا محمد - إيمان أهل الأرض كلهم جميعا لآمنوا دون أن
يتخلف منهم أحد، ولكنه - سبحانه - لم يشأ ذلك، لأنه مخالف للحكمة التى
عليها أساس التكوين والتشريع ، والإثابة والمعاقبة. فقد اقتضت حكمته
- سبحانه - أن يخلق الكفر والإيمان، وأن يحذر من الكفر ويحض على
الإيمان، ثم بعد ذلك من كفر فعليه تقع عقوبة كفره ، ومن آمن فله
ثواب إيمانه .
والهمزة فى قوله - سبحانه - ((أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين))
للاستفهام الإنكارى . والفاء للتفريع .
والمراد بالناس : المصرين على كفرهم وعنادهم .
والمعنى : تلك هى مشيئتنا لو أردنا إنفاذها لنقدفاها، ولكن المنش أذلك
-
(١) تفسير القاسمى ج ٦ ص ٠٣٤٠٠

الجزء - ١٧٧ - الحادى عشر
فهل أنت يا محمد فى وسعك أن تكره الناس الذين لم يرد الله هدايتهم على
الإيمان؟
لا. ليس ذلك فى وسعك ولا فى وسع الخلق جميعا، بل الذى فى وسعك
هو التبليغ لما أمر ناك بتبليغه .
وفى هذه الجمله الكريمة تسلية أخرى للرسول - صلى الله عليه وسلم-
ودفع لما يضيق به صدره ، من إعراض بعض الناس عن دعوته.
وقوله - سبحانه - ((وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ... ، تأكيد
لما اشتملت عليه الآية السابقة من قدرة نافذة لله - تعالى - أى: وما صح
وما استقام لنفس من الأنفس؛ أن تؤمن فى حال من الأحوال ((إلا بإذن
الته، أى : إلا بإرادته ومشيئته وتوفيقه وهدايته.
وقوله: (( ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون)) معطوف على محذوف
يدل عليه الكلام السابق دلالة الضد على الضد والرجس : يطلق على الشىء
القبيح المستقذر .
والمعنى: وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله، فيأذن من يشاء من تلك
الأنفس :الإيمان: ويجعل الرجس أى الكفر وما يترتب عليه من عذاب على
القوم الذين لم يستعملوا عقولهم فيما يهدى إلى الحق والخير ، بل استعملوها
فيما يوصل إلى الأباطيل والشرور .
ولما كان التأمل فى ملكوت السموات والأرض ، بعين على التفكير
السليم ، وعلى استعمال العقل فيما يهدى إلى الحق والخير، أمر الله - تعالى-
الناس بالنظر والاعتبار فقال - سبحانه -: ((قل انظروا ماذا فى السموات
والأرض ... ،
أى: قل - أيها الرسول الكريم - لقومك: انظروا وتأملوا وتفكروا
(٢ - ١٢ سورة يونس)

سورةً - ١٧٨ - يونس
فيما اشتملت عليه السموات من شموس وأقمار ، وكواكب ونجوم،
وسحاب وأفكار ...
وفيما اشتملت عليه الأرض من زروع وأنهار، ومن جبال وأشجار،
ومن حيوانات ودواب متنوعة .
انظروا إلى كل ذلك وتفكروا، فإن هذا التفكر يهدى أصحاب العقول
السليمة إلى أن لهذا الكون إلها واحدا عليما قديرا، هو وحده المستحق
للعيادة والطاعة .
وقوله: وما تغنى الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون)، توبيخ للغافلين
عن النظر السليم الذى يؤدى إلى الهداية .
و((ما)، فافيه. والمراد بالآيات: ما أشار إليه - سبحانه - قبل ذلك
بقوله: ((ماذا فى السموات والأرض)) والنذر: جمع نذير. وهو من يخبر
غيره بأمر مخوف حتى يحذره .
والمعنى: انظروا وتفكروا واعتبروا بما فى السموات والأرض من آيات
بينات دالة على وحدانية الخالق وقدرته ...
. ومع ذلك فإن الآيات مهما اتضحت، والنذر مهما تعددت، لا تجدی شيئا،
بالنسبة لمن تركوا الإيمان ، وأصروا على الجحود والعناد:
ويجوز أن تكون (ما)، للاستفهام الإنكارى، فيكون المعنى، وأى شىء
تجدى الآيات السماوية والأرضية، والنذر بحججها وبراهينها ، أمام قوم
جاحدين معاندين، قد استحبوا الكفر على الإيمان ؟
ثم ساق - سبحانه - للمكدبين برسوله - صلى الله عليه وسلم - تهديدا
يخلع قلوبهم فقال: « فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم؛ قل
فانتظروا إنى معكم من المنتظرين)) .

- ١٧٩ -
الجزء
الحادى عشر
قال القرطبى: الأيام هنا بمعنى الوقائع ، يقال: فلان عالم بأ يام العرب أى
بوقائعهم . قال قتادة : يعنى وقائع الله فى قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم .
والعرب تسمى العذاب أياما والنعم أياما، كقوله - تعالى - وذكرهم بأيام الله)).
وكل ما مضى لك من خير أو شر فهو أيام)، (١).
والمعنى: إذا كان الأمر كما قصصنا عليك من إثابتنا للمؤمنين ، وجعل
الرجس على الذين لا يعقلون ، فهل ينتظر هؤلاء المكذبون لدعوتك ، إلا
العذاب الذى نزل بالمكذبين لدعوة الرسل من قبلك؟ فالاستفهام للتهكم والتقريع.
وقوله: ( قل فانتظروا إنى معكم من المنتظرين، أمر من الله - تعالى
لنبيه - صلى الله عليه وسلم - بأن يستمر فى تهديدهم ووعدهم.
أى: قل ـ يا محمد - لهؤلاء الجاحدين للحق الذى جئت به: إذاً فانتظروا
للعذاب الذى نزل بالسابقين من أمثالكم، إنى معكم من المنتظرين لوعد ربى
لى، ولو عيده لكم .
ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات الكريمة بيان سنة من سننه التى
لا تتخلف ولا تتبدل فقال: « ثم ننجى رسلنا والذين آمنوا، كذلك حقا
علينا ننجى المؤمنين ) .
والجملة الكريمة عطف على محذوف. والتقدير: تلك سنتنا فى خلقنا،
نهلك الأمم المكذبة (( ثم فنجى رسلنا، الذين أرسلناهم لإخراج الناس من
ظلمات الكفر إلى نور الإيمان ، وننجى - أيضا - الذين آمنوا برسلمنا
وصدقوهم وقوله , كذلك حقا علينا ننجى المؤمنين، الكاف فى, كذلك، بمعنى
مثل وهى صفة لمصدر محذوف، واسم الاشارة يعود على الإنجاء الذى تكفل
الله به الرسل السابقين ولمن آمن بهم ولفظ (حقا) منصوب بفعل مقدر أى :
حق ذلك علينا حقا أى : مثل ذلك الإنجاء الذى تكفلنا به ارسلنا ولمن آمن
(١) تفسير القرطبى = ٨ ص ٣٨٦.

- ١٨٠ - يواس
سورة
بهم، فنج المؤمنين بك - أيها الرسول الكريم - ، ونعذب المصرين على
تكذيبك ، وهذا وعب أخذناه على ذاتنا فضلا مناو كرما .
(سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا)(١) وبذلك
ترى الآيات الكريمة قد حضت الضالين على الإقتداء بقوم يونس - عليه
السلام - لكى ينجو من العذاب، وذكرتهم بنفاذ إرادة الله وقدرته،
ودعتهم إلى التفكر فى ملكوت السموات والأرض، وأخبرتهم بأن سنة الله
ماضية فى إنجاء المؤمنين ((وفى إهلاك المكذبين)).
وبعد هذا الحديث المتنوع الذى زخر به سورة يونس -عليه السلام-
عن وحدانية الله وقدرته، وعن صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم،
وعن النفس الإنسانية وأحوالها، وعن القيامة وأهوالها ...
بعد كل ذلك وجهت فى ختامها نداء ين إلى الناس أمرتهم فيهما بإخلاص
العبادة لله - تعالى - وبالاعتماد عليه وحده، وبتزكية نفوسهم ...
استمع إلى السورة الكريمة فى ختامها وهى تقول:
قُلْ يَدَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُمْ فِ شَكٍ
مِنْ دِيِ فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تُعْبُدُونَ مِنْ دُونِ آلِهِوَلْكِنْ أَعْبُدُ اللهَ
الَّذِى يَتَوَّكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنَ (﴾ وَأَنْ أَقِمْ
وَجْهَكَ ◌ِّيْنِ حَيْفًاوَلَا تُكُونٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ () وَلَا تَدْعُ مِنْ
دُوِ اللّهِ مَا لَا يَنْفَعُثُ وَلاَ يَضُرُّكٌ فَإِنْ فُعْلَتَ فَإِنَّكَ إِذَا مِّنَ
اٌلِّلِمِينَ
١٠
(١) سورة الإسراء الآية ٧٧.