النص المفهرس

صفحات 141-160

- ١٤١ - الحادى عشر
الجزء
إلى أقوامهم، ليخرجوهم من ظلمات الكفر إلى الإيمان، فهود - عليه
السلام - أرسلناه إلى قوم عاد، وصالح - عليه السلام - أرسلناه إلى
ثمود، وهكذا أرسلنا رسلا كثيرين إلى أقوامهم .
وقوله: ((فجاءوهم بالبينات، أى : فأتى كل رسول قومه بالمعجزات
الواضحات، وبالحجج الساطعات الدالة على صدقه فيما يبلغه عن ربه .
وقوله: (( فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل ، بيان لموقف هؤلاء
الأقوام الجاحدين. من رسلهم الذين جاءوا لهدايتهم وسعادتهم.
والمفسرين فى معنى هذه الجملة الكريمة أقوال:
فمنهم من يرى أن الضمائر فى ((كانوا، ويؤمنوا، وكذبوا، تعود على
أقوام الرسل الذين جاءوا من بعد نوح - عليه السلام - ، وأن المراد
بقوله ((من قبل)): أى من قبل مجىء الرسل إليهم .
والمعنى على هذا الرأى: ثم بعثنا من بعد نوح - عليه السلام - رسلا
كثيرين إلى أقوامهم فجاءوا بالمعجزات الدالة على صدقهم ، إلا أن هؤلا.
الأقوام الأشقياء. استمروا على كفرهم وعنادهم، وامتنعوا عن الإيمان بما
كذبوا به من قبل مجىء الرسل إليهم، وهو إفراد الله - تعالى - بالعبادة والطاعة
فكان حالهم فى الأصرار على الكفر والجحود قبل مجىء الرسل إليهم، كحالهم
بعد أن جاءهم بالهدى ودين الحق، حتى لكأنهم لم يأنهم من بشير ولا نذير".
ومن المفسرين الذين قالوا بهذا الرأى الإمام البيضاوى فقد قال: قوله:
« فما كان ليؤمنوا، أى: فما استقام لهم أن يؤمنوا لشدة شكيمتهم فى
الكفر، وخذلان اته إياهم .. بما كذبوابه من قبل، أى بسبب تعودهم تكذيب
الحق، وتمرنهم عليه ((قبل بعثة الرسل - عليهم الصلاة والسلام -،(١).
(١) تفسير البيضاوى ج ١ ص ٤٥٤، طبعة مصطفى الحلى - الطبعة
خالثانية سنة ١٣٨٨ هـ.

- ١٤٢ - يونس
سورة
ومنهم من يرى - أيضاً - أن الضمائر تعود على أقوام الرسل الذين
جاءوا من بعد نوح - عليه السلام - إلا أن المراد بقوله (( من قبل)):
أى : من قبل ابتداء دعوة الرسل لهؤلاء الأقوام.
وعليه يكون المعنى : ثم بعثنا من بعد نوح - عليه السلام - رسلا كثيربن
إلى أقوامهم، فجاءوهم بالأدلة الواضحة الدالة على صدقهم، إلا أن هؤلاء
الأقوام قابلوا رسلهم بالتكذيب من أول يوم ، واستمروا على ذلك حتى
آخر أحوالهم معهم، فكان تكذيبهم لهم من قبل. أى: فى أول مجيئهم
إليهم.
ومن المفسرين الذين قالوا بهذا الرأى : الإمام ابن كثير فقد قال قوله :
((فما كان ليؤمنوا بما كذبوابه من قبل، أى: فما كانت الأمم لتؤمن بما
جاءتهم به رسلهم، بسبب تكذيبهم إيلهم أول من أرسلوا إليهم، كما قال
- تعالى -: ((ونقلب أفئدتهم وأبصارهمكما لم يؤمنوا به أول مرة)) (١).
ومنهم من يرى أن الضمير فى قوله ((كانوا ويؤمنوا)) يعود على أقوام
الرسل الذين جاءوا من بعد نوح - عليه السلام - وأن الضمير فى قوله
« كذبوا ، يعود إلى قوم نوح، وعلى هذا الرأى يكون المعنى.
ثم بعثنا من بعد نوح - عليه السلام - رسلا إلى أقوامهم. فجاءوا
بالآيات البينات الدالة على صدقهم ، ولكن هؤلاء الأقوام استمروا فى
كفرهم وعنادهم، وأبو أن يؤمنوا بوحدانية الله التى كذب بها قوم نوح
من قبل .
ومن المفسرين الذين قالوا بهذا الرأى الإمام ابن جرير فقد قال قوله: (فى
كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل، يقول: « فما كانوا ليصدقوا بما
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ طبعة دار الشعب ص ٢٣٠ المجلد الرابع.

الحادى عشر
الجزء - ١٤٣ -
جاءتهم به رسلهم، وبما كذب به قوم نوح، ومن قبلهم من الأمم الخالية ... ) (١).
وعلى أية حال فهذه الأقوال الثلاثة ، تدل على أن هؤلاء الأقوام عموا
وصموا عن الحق، واستمروا على ذلك دون أن تحولهم الآيات البينات التى
جاءهم بها الرسل عن عنادهم وضلالهم .
وقوله : ( كذلك فطبع على قلوب المعتدين ) بيان لسنة الله - تعالى-
فى خلقه التى لا تتخلف ولا تثبدل . والطبع: الختم والاستيثاق بحيث لا يخرج
من الشىء ما دخل فيه، ولا يدخل فيه ما خرج منه .
أى : مثل ذلك الطبع المحكم نطبع على قلوب المعتدين المتجاوزين للحدود
فى الكفر والجحود، وذلك بخذلانهم، وتخليتهم وشأنهم، لانهما كهم فى
الغواية والضلال .
ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك، جانبا من قصة موسى- عليه السلام.
مع فرعون وملئه، فبدأت بحكاية بعض المحاورات التى دارت بينه وبينهم ،
فقال - تعالى - :
ثُمَ بَعَثْنَا مِنْ
يَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَرُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِهِه ◌ِعَايَئِنَا فَأَسْتَكْبَرُواْ
وَكَانُوْ قَوْمًا تُجْرِمِينَ ﴿﴾ فَلَّا جَآءَ هُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ
إِنَّ هَذَا لَسِحْرُ هُبِينٌ (﴾ قَالَ مُوسَىَ أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَ كُّ
أَسِحْرُ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّحِرُونَ ﴿ قَالُواْ أَجِثْتَنَا لِلْفِتَ عَّ
وَجَدْنَا عَلَيْهِ،َ ابَآءَنَا وَتَكُونَ لَكُمُ الْكِبْرِيَةُ فِ الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُّ
.لَكَا عِمُؤْمِنِينَ
(١) تفسير ابن جرير جـ ٧ ص ١٠٠ طيعة دار المعرفة - بيروت.

سورة - ١٤٤ - يونس
وقوله - سبحانه - ( ثم بعثنا ... ) معطوف على ما قبله وهو قوله:(ثم
بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم ... ) من باب عطف القصة على القصة ،
وهو من قبيل عطف الخاص على العام ؛ لما فى هذا الخاص من عبر وعظات.
والمعنى: ثم بعثنا من بعد هؤلاء الرسل الكرام الذين جاءوا لأقوامهم
بالأدلة والبينات ، (موسى وهارون عليهما السلام .. إلى فرعون ) الذى قال
لقومه ( أنا ربكم الأعلى ) وإلى ( ملئه) أى: خاصته وأشراف مملكته
وأركان دولته ، ولذلك اقتصر عليهم ، لأن غيرهم كالتابع لهم .
(بآياتنا) أى: بعثناهما إليهم مؤيدين بآياتنا، الدالة على قدرتناووحدانيتنا
وعلى صدقهما فيما يبلغاه عنا من هدايات وتوجيهات.
ويرى كثير من المفسرين أن المراد بقوله (بآياتنا) الآيات التسع التى
جاء ذكرها فى قوله تعالى فى سورة الإسراء ((ولقد آتينا موسى تسع آيات
بينات . ٠٠٠٠٠ (١) .
قال الجمل: وتقدم فى الأعراف منها ثمانية . ثنتان فى قوله-تعالى-فأ اقى
موسى عصاه فإذا هى ثعبان مبين (٢))) وقوله: (( ونزع يده فإذا هى بيضاء
للناظرين (٣)» .
وواحدة فىقوله - تعالى -: ((ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص
من الثمرات لعلهم يذكرون (٤))) وخمسة فى قوله -تعالى -: ((فأرسلنا عليهم
... (٥)، والتاسعة فى هذه
الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ..
السورة - سورة يونس - فى قوله - تعالى -: «ربنا أطمس على أموالهم (٦)).
(١) الآبة ١٠١
(٤) الآية ١٠٤
(٣) الآية ١٠٨
(٢) الآية ١٠٧
(٥) الآية ١٣٣
(٦) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٠٣١٥

الجزء - ١٤٥ - الحادى عشر
ثم بين - سبحانه - موقف فرعون وملئه من دعوة موسى لهم فقال :
« فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين)).
والاستكبار : إدعاء الكبر من غيراستحقاق، والفاء فصيحة، والتقدير:
ثم بعثنا من بعد أولئك الرسل موسى وهارون إلى فرعون وملئه ، فأتياهم
ليبلغاهم دعوة الله، ويأمر أنهم بإخلاص العبادة له، فاستكبروا عن طاعتهما،
وأعجبوا بأنفسهم، وكانوا قوما شأنهم وديدنهم الإجرام ، وهو إرتكاب
· ما عظم من الذنوب، وقبح من الأفعال .
ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الجملة: فاستكبروا
- عن قبولها، وهو أعظم الكبر أن يتهاون العبيد برسالة ربهم بعد تبينها،
. ويتعظموا عن تقبلها (١)».
ثم بين - سبحانه - ما تفوهوا به من أباطيل عندما جاءهم موسى بدعوته
.فقال: ((فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا أسحر مبين)).
أى : فلما وصل إليهم الحق الذى جاءهم به موسى - عليه السلام - من
- عندنا لامن عند غير فا« قالوا)) على سبيل العناد والحقد والغرور ((إن هذا))
،الذى جئت به ياموسى (( لسحر مبين)) أى: سحر واضح ظاهر لا يحتاج إلى
تأمل أو تفكير .
والتعبير بقوله ((جاءهم ، يفيد أن الحق قد وصل إليهم بدون تعب منهم،
. فمكان من الواجب عليهم - لوكانوا يعقلون - أن يتقبلوه بسرور واقتناع.
وفى قوله: من عندنا، تصوير لشناعة الجريمة التى ارتكبوها فى جانب
· الحق، الذى جاءهم من عند الله - تعالى - لا من عند غيره .
والمراد بالحق هنا: الآيات والمعجزات التى جاءهمبها موسى - عليه السلام
لتكون دليلا على صدقه فيما يبلغه عن ربه .
(١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٢٦٤.
(م - ١٠ سورة يونس )

١٤٠ - يونس
سورة
وقولهم - كما حكى القرآن عنهم - ((إن هذا لسحر مبين)) بالقسم المؤكدة
يدل على تبجحهم الذميم، وكذبهم الأثير، حيث وصفوا الحق الذى لا باطل.
معه، بأن سحر واضح، وهكذا عندما تقسو القلوب، وتفسق النفوس،
تتحول الحقائق فى زعمها إلى أكاذيب وأباطيل .
ثم حكى القرآن الكريم رد موسى - عليه السلام - على مفترياتهم فقال.
(((قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا ولا يفلح الساحرون)).
وفى الآية الكريمة كلام محذوف دل عليه المقام: والتقدير :
قال موسى لفرعون وملته منكرا عليهم غرورهم وكذبهم، ((أتقولون
للحق)) الذى هو أبعد ما يكون عن السحر ، حين مشاهد تكم له.
أتقولون عنه ((إن هذا لسحر مبين).
ياسبحان الله !! أفلا عقل لكم يحجزكم عن هذا القول الذى يدل على
الجهالة والغباء، انظروا وتأملوا ((أسحر هذا) الذى ترون حقيقته بأعينكم،
وترتجف من عظمته قلوبكم، والحال أنه ( لا يفلحالساحرون، فىأى عمل
من شأنه أن يهدى إلى الخير والحق .
فقد حذفت جملة ((إن هذا لسحر مبين)) لدلالة قوله , أسحر هذا ، عليها.
قال صاحب الكشاف : فإن قلت: هم قطعوا بقولهم: إن هذا السحر ..
مبين على أنه سحر فكيف قيل لهم أنقولون: أسحر هذا؟
قلت: فيه أوجه: أن يكون معنى قوله: ((أتقولون للحق)): أتعيونه
وتطعنون فيه ، وكان عليكم أن تذعنوا له وتعظموه ، من قولهم : فلان.
يخاف القالة، وبين الناس تقاول ، إذا قال بعضهم لبعض ما يسو .....
وأن يحذف مفعول أتقولون وهو مادل عليه قولهم: إن هذا السحر
مبين، كأنه قيل: أتقولون ما تقولون: يعنى قولهم: إن هذا لسحر مبين﴾.
ثم قيل : أسحر هذا ؟

الجزء
- ١٤٧ -
الحادى عشر
وأن يكون جملة قوله ((أسى هذا ولا يفلح الساحرون، حكاية لكلامهم،
كأنهم قالوا. أجتمانا بالسحر تطلبان به الفلاح, ولا يفلح الساحرون ... )) (١)
وقال الجمل: قوله - تعالى - ((قال موسى أتقولون ... ، أى: قال
جملا ثلاثة: الأولى: ((أتقولون للحق لما جاء كم)) والثانية (( أسحر هذا))
والثالثة ( ولا يفلح الساحرون ).
وقوله (لاحق)أىفىشأنه ولأجله، وقوله ( لما جاء كم)أى: حين مجيئه
إياكم من أول الأمر من غير تأمل وتدبر، وهذا ما ينافى القول المذكور .
وقوله : ( قال موسى أتقولون للحق لما جاء كم) هذا مقول القول حذف
لدلالته ماقبله عليه ، وإشارة إلى أنه لا ينبغى أن يتفوه به.
وقوله - سبحانه - حكاية عن موسى أسحر هذا ) مبتد أوخبر ، وهو
إستفهام إنكار مستأنف من جهته - عليه السلام - تكذيبا لقولهم،
وقوبيخا إثر توبيخ، وتجهيلا بعد تجهيل)(٢).
وقوله : (ولا يفلح الساحرون) جملة حالية من ضمير المخاطبين، وقدجى.
بها تأكيدا للإنكار السابق ، وما فيه من معنى التوبيخ والتجهيل.
أى أتقولون للحق أنه سحر، والحال أنه لا يفلح فاعله، أى : لا يظفر
بمطلوب، ولا ينجو من مكروه، وأنا قد أفلحت، وفزت بالحجة ، ونجوت
من الهلكة.
ثم كشف القرآن الكريم عن حقيقة الدوافع التى جعلتهم يصفون الحق
بأنه سحر مبين فقال - تعالى -: ﴿ قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا
وتكون لكما الكبرياء فى الأرض، وما نحن لكما بمؤمنين ) .
(١) تفسير الكشاف ج ٣ ص ٢٤٧.
(٢) حاشية الجمل على الجلالين ج ٢ ص ٣٦٥.

١٤٨ - يونس
تفسير سورة
واللفت: الصرف واللى. يقال: لفته يلفته لفتا، أى: صرفه عن
وجهته إلى ذات اليمين أو الشمال .
أى: قال فرعون وملؤه لموسى - عليه السلام - بعد أن جاءهم بالحق
المبين: أجئتنا ياموسى بما جئتنا به ( لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا) أى :
لتصرفنا عن الدين الذى وجدنا عليه آباءنا، وتكون لك ولأخيك هارون
( الكبرياء فى الأرض ) أى السيادة والرياسة والزعامة الدينية والدنيوية
فى الأرض بصفة عامة ، وفى أرض مصر بصفة خاصة .
ثم أكدوا إفكارهم لما جاءهم به موسى - عليه السلام - من الدين الحق
فقالوا - كما حكى القرآن عنهم - (وما نحن لكم) بمؤمنين) أى: وما نحن لكما
مصدقين فيما جئتما به، لأن تصديقنا لكما يخرجنا عن الدين الذى وجدنا عليه
آباءنا، وينزع منا ملكنا الذى تتمتع بكبريائه خاصتنا، وتعيش تحت سلطانه
وقهره عامتنا .
وأفردوا موسى- عليه السلام - بالخطاب فى قولهم (أجئتنا لتلفتنا .. )،
لأنه هو الذى كان يجابههم بالحجج التى تقطع دابر باطلهم، ويرد على أكاذيهم
بما يفضحهم ويكشف عن غرورهم وغبائهم .
وجمعوا بين موسى وهارون - عليهما السلام - فى قولهم (وتكون (٢)
الكبرياء فى الأرض، وما نحن لكما بمؤمنين ) باعتبار شمول الكبرياء
والرياسة والملك لهما، وباعتبار أن الإيمان بأحدهما يستلزم الإيمان بالآخر.
هذا، والذى بتدبر هذه الآية الكريمة ، يرى أن التهمة التى وجها فرعون
وملؤه إلى موسى وهارون - عليهما السلام -، هى تهمة قديمة جديدة فقوم
فوح - مثلا - يمتنعون عن قبول دعوته، لأنه فى نظرهم جاء بما جاء به
بقصد التفضل عليهم ، وفى هذا يقول القرآن الكريم : ( ولقد أرسلنا نوحا
إلى قومه فقال ياقوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره، أفلا تتقون. فقال

- ١٤٩ -
الجزء -
الحادى عشر
الملأ الذين كفروا من قومه، ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم (١).
أى : يريد أن تكون له السيادة والفضل عليكم ، فيكون زعما وأنتم له تابعون.
ولقد أفاض فى شرح هذا المعنى صاحب الظلال - رحمه الله - عند
تفسيره لهذه الآية الكريمة فقال ما ملخصة :
وإذن فهو الخوف من تحطيم معتقداتهم الموروثة ، التى يقوم عليها
نظامهم السياسى والاقتصادى، وهو الخوف على السلطان فى الأرض، هذا
السلطان الذى يستمدونه من خرافات عقائدهم الموروثة .
إنها العلة القديمة الجديدة، التى تدفع بالطغاة إلى مقاومة دعوات الإصلاح
ورمى الدعادة بأشنع التهم ، والفجور فى مقاومة الدعوات والدعاة .. إنها هى
(الكبرياء فى الأرض) وما تقوم عليه من معتقدات باطلة، يحرص المتجبرون
على بقائها متحجرة فى قلوب الجماهير ، بكل ما فيها من زيف وفساد، وأوهام
وخرافات، لأن تفتح القلوب على العقيدة الصحيحة ، خطر على القيم
الجاهلية الموروثة .. .
وما كان رجال من أذكياء قريش - مثلا - ليخطئوا إدراك ما فى رسالة
محمد - صلى الله عليه وسلم - من صدق وسمو، وما فى عقيدة الشرك من
تهافت وفساد، ولكنهم كانوا يخشون على مكانتهم الموروثة، القائمة على
ما فى تلك العقيدة من خرافات وتقاليد، كما خشى الملأمن قوم فرعون على
سلطانهم فى الأرض، فقالوا متعجبين (وما نحن لكما بمؤمنين)(٢).
ثم حكمت الآيات الكريمة بعد ذلك ما طلبه فرعون من ملته، وما دار
بين موسى - عليه السلام - وبين السحرة من محاورات فقال - تعالى -:
(١) سورة المؤمنون الآيتان ٠٢٤،٢٣
(٢) تفسير ( فى ظلال القرآن ) للأستاذ سيد قطب حـ ١١ ص ٠٤٦٦

ـــورة - ١٥٠ - يونس
وَقَالَ فِرْعَوْنُ أَنْتُونِى بِحِكُلِّ سَحِرٍ عَلِيٍ (#)
فَلَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُ مُوسَى أَلْقُواْ مَا أَنتُم مُلْقُونَ () فَلَّآ
أَلْقَوْ قَالَ مُوسَى مَاِثْتُ بِ الّخْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُ: إِنَّ اللَّهَلَا
يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ ﴾ وَيُحِقُّ ◌َللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَتِهِ، وَلَوْ
-
كُهَ اْمُجْرِمُونَ (®
أى : وقال فرعون لخاصته بعد أن رأى من موسى الإصرار على دعوته
ودعوة قومه إلى عبادة الله وحده، وبعد أن شاهد عصاه وقد تحولت إلى
ثعبان مبين .
قال فرعون الخاصته بعد أن رأى كل ذلك من موسى - عليه السلام -
((انتونى)) أيها الملأ (( بكل ساحر عليم)) أى: بكل ساحر من أفراد مملكتى
تكون عنده المهارة التامة فى فن السحر، والخبرة الواسعة بطرقه وأساليبه.
وقوله: فلما جاء السحرة ... )، معطوف على كلام محذوف يستدعيه المقام
والتقدير، فامتثل القوم أمر فرعون وأسرعوا فى إحضار السحرة، فلما جاءوا
والتقوا بموسى - عليه السلام - وخيروه بقولهم (( إما أن تلقى وإما أن
نكون أول من ألقى ».
( قال لهم موسى) على سبيل التحدى (ألقوا ما أنتم ملقون) من ألوان
سحركم (( ليرى الناس حقيقة فعلكم، وليميزوا بين حقى وباطلكم.
( فلموا ألقوا) أى: فلما ألقى السحرة حبالهم وعصيهم ...
( قال ) لهم ( موسى) على سبيل السخرية مما صنعوه.
( ما جئتم به السحر إن الله سيبطله، إن الله لا يصلح عمل المفسدين)
أى : قال لهم موسى: أيها السحرة، إن الذى جنتم به هو السحر بعينه،
وليس الذى جئت به أنا ما وصفه فرعون وملؤه بأنه سحر مبين .
وإن الذى جئتم به سيمحقه الله ويزيل أثره من النفوس، عن طريق ما أمرنى الله به
- سبحانه - من إلقاء عصاى، فقد جرت سنته - سبحانه - أنه لا يصلح عمل

الجزء - ١٥١ - الحادى عشر
المفسدين وصفيعكم هذا هو من نوع الإفساد وليس من نوع الإصلاح.
وقوله : ( ويحق اللّه الحق بكلماته ولو كره المجرمون) تأكيد اسنة
أقه - تعالى - فى تنازع الحق والباطل، والصلاح والفساد.
أى : أنه جرت سنة الله تعالى - أن لا يصلح عمل المفسدين، بل بمحقه
ويبعاله، وأنه - سبحانه - يحق الحق أى يثبته ويقويه ويؤيده ((بكلماته))
النافذة، وقضائه الذى لا يرد، ووعده الذى لا يتخلف(ولوكره المجرمون»
. ذلك لأن كراهيتهم لإحقاق الحق وإبطال الباطل، لا تعطل مشيئة الله، ولا
تحول بين تنفيذآياته وكلماته،وة- كان الأمر كذلك، فقد أوحى الله إلى موسى , أن
ألق عصاك فإذا هى تلقف ما يأفكون، فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون ... ، (١).
ثم انتقلت السورة الكريمة للحديث عن جانب ما دار بين موسى - عليه
السلام - وبين قومه بنى إسرائيل، إثر الحديث عن جانب ما دار بينه وبين
فرعون وملئه وسحرته فقال - تعالى - :
فَمَآءَامَنَ لِمُوسَىَ إِلَّا ذُرِيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ، عَّه
◌َخَوْفٍ مِنِفِرْ عَوْنَ وَلَِمْ أَنْ يَقِْهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِ الْأَرْضِ.
وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ ﴿﴾ وَقَالَ مُوسَى يَنْقَوْمِإِن كُنتُمْءَمَنْتُم ◌ِنَّه
بَعَلَيْهِ تَوَتَّقُواْ إِن كُنتُ مُسْلِينَ ﴿ فَقَالُواْ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَهُ
◌َبَّنَا لَاتَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِالتَِّينَ (٨) وَنَجْنَا بِرَحْتِكَ مِنّ
الْقَوْمِ الْكَفِ ينَ ® وَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوُّ
لِقَوْمُكَ بِحِصْرَ بُونَّاً وَأَجْعَلُواْ بُوْتَكُمْ قِلَةً وَأَقُِّواْ الصَّلَةُ وَيَشْرِ
الْمُؤْمِنِينَ
١٧
(١) سورة الأعراف الآيتان ١١٧، ٠١١٨

- ١٥٢ -
. سورة
!و نس
قال الجمل: قوله - سبحانه - ((فما آمنلموسى إلا ذرية من قومه .. ).
لما ذكر الله - تعالى - ما أتى به موسى - عليه السلام - من المعجزات ..
العظيمة الباهرة، أخبر - سبحانه - أنه مع مشاهدة هذه المعجزات، ما آمن
لموسى إلا ذرية من قومه. وإنما ذكر الله هذا تسلية لنبيه محمد - صلى الله
عليه وسلم - ((لأنه كان كثير الاهتمام بإيمان قومه، وكان يغتم بسبب
إعراضهم عن الإيمان به، واستمرارهم على الكفر والتكذيب ، فبين اللّه له
أن له أسوة بالأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -، لأن ما جاء به موسى من
المعجزات، كان أمرا عظيما، ومع ذلك فما آمن له إلا ذرية من قومه (١).
والآية الكريمة معطوفة على كلام محذوف يدل عليه السياق، والتقدير:
نقد أتى موسى - عليه السلام - بالمعجزات التى تشهد بصدقه، والتى على
رأسها، أن ألقى عصاه فإذا هى تبتلع ما فعله السحرة، ومع كل تلك البراهين
الدالة على صدقه ، فما آمن به إلا ذرية من قومه ...
والمراد بالذرية هنا : العدد القليل من الشباب ، الذين آمنوا بموسى، بعد ..
أن تخلف عن الإيمان آباؤهم وأغنياؤهم .
قال الآلوسي: قوله (( إلا ذرية منقومه أى إلا أولادبعض بنى إسرائيل.
حيث دعا - عليه السلام - الآباء فلم يجيبوه خوفا من فرعون، وأجابته.
طائفة من شبانهم . فالمراد من الذرية : الشبان لا الأطفال (٢) .
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٢٦٧.
(٢) تفسير الألوسى - ١٢ ص ٠١٤٨
ط

الجزء - ١٥٣ - الحادى عشر
والضمير فى قوله ((من قومه، يعود لموسى - عليه السلام -، وعليه.
يكون المعنى :
فما آمن لموسى - عليه السلام - فى دعوته إلى وحدانية الله، إلا عدد قليل
من شباب قومه بنى إسرائيل، الذين كانوا يعيشون فى مصر، والذين كان
فرعون يسومهم سوء العذاب، أما آباؤهم وأصحاب الجاه فيهم، فقد انحازوا
إلى فرعون طمعاً فى عطائه ,وخوفا من بطشه بهم.
ويرى بعض المفسرين أن الضمير فى قوله (من قومه) يعود إلى فرعون
لا إلی موسی .
فيكون المعنى : فما آمن لموسى إلا عدد قليل من شباب قوم فرعون .
قال ابن كثير ما ملخصه مرجحا هذا الرأى: ( يخبر اللّه تعالى) - أنه لم
يؤمن بموسى - عليه السلام - مع ما جاء به من الآيات والحجج، إلا قليل من
قوم فرعون، من الذريه - وهم الشباب -، على وجل وخوف منه ومن ملته.
قال العوفى عن ابن عباس: (إن الذرية التى آمنت لموسى من قوم
فرعون منهم: امر أته، ومؤمن آل فرعون، وخازنه ,وامرأة خازنه.
ثم قال: واختار أن جرير قول مجاهد فى الذرية، أنها من بنى إسرائيل.
لأن قوم فرعون. لعود الضمير على أقرب مذكور.
وفى هذا نظر، لأن من المعروف أن بنى إسرائيل كلهم آمنوا بموسى .
واستبشروا به ، فقد كانوا يعرفون نعته وصفته والبشارة به .
وإذا تقرر هذا فكيف يكون المراد إلا ذرية من قوم موسى وم
بنو إسرائيل؟ (١).
(١) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٠٢٢٢

سورة
- ١٥٤ -
يونس
والذى تراه أن ما اختاره ابن جرير من عودة الضمير إلى موسى - عليه
السلام - أرجح، لأن هناك نوع خفاء فى إطلاق كلمة الذرية على من آمن
من قوم فرعون ، ومنهم زوجته ، وامرأة خازنه .
ولأنه لا دليل على أن بنى إسرائيل كلهم قد آمنوا بموسى، بل الحق أن
منهم من آمن به ، ومنهم من كفر به، كقارون والسامرى وغيرهما .
ولأن رجوع الضمير إلى موسى - عليه السلام - هو الظاهر المتبادر من
الآية، لأنه أقرب مذ كور ، وليس هناك ما يدعو إلى صرف الآية الكريمة
عن هذا الظاهر .
ورحم الله ابن جرير فقد قال فى ترجيحه لما ذهب إليه من عودة
الضمير إلى موسى - عليه السلام - ما ملخصه :
وأولى هذه الأقوال عندى بتأويل الآية، القول الذى ذكرته عن مجاهد
وهو أن الذرية فى هذا الموضع، أريد بها ذرية من أرسل إليه موسى من
بنى إسرائيل، وإنما قلت هذا القول أولى بالصواب، لأنه لم يجرفى هذه الآية
ذكر لغير موسى، فلأن تكون الهاء فى قو له (( منقومه ، من ذ کرموسى
لقربها من ذكره أولى من أن تكون من ذكر فرعون ، لبعد ذكره منها .
ولآن فى قوله «على خوف من فرعون وملئهم، الدليل الواضح على أن
الهاء فى قوله ((إلا ذرية من قومه)) من ذكر موسى لا من ذكر فرعون،
لأنها لو كانت من ذكر فرعون لكان الكلام على خوف منه ، ولم يكن على
خوف من فرعون ... )(١).
وقوله: ( على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم ... ) حال من كلمة
( ذرية)، و(على) هنا بمعنى مع. والضمير فى قوله (ملتهم) يعود إلى ملاً
(١) تفسير ابن جرير حـ ٢ ص ١٠٤ طبعة دار المعرفة - بيروت.

-- ١٥٥ -
الحادىعشر
الذرية، وهم كبار بنى إسرائيل الذين لاذوا بفرعون طمعا فى عطانه أو خوفا
من عقابه أو لم يتبعوا موسى - عليه السلام - .
والضمير فى (يفتنهم) يعود إلى فرعون وخاصته، لأنه هو الآمربالتعذيب
ولأن الملاً إنما كانوا يأتمرون بأمره، وينتهون عن نهيه، فهم كالالة فى يده
يصرفها كيف يشاء .
وجملة ( أن يفتنهم ) فى تأويل مصدر ، بدل اشتمال من فرعون ، أى:
على خوف من فرعون فتنته .
وقوله: ( وإن فرعون لعال فى الأرض وإنه لمن المسرفين ) اعتراض
تذييلى مؤكد لمضمون ما قبله، ومقرر لطغيان فرعون وعدوه.
أى: وإن فرعون لمتكبر متجبر فى أرض مصر كلها ، وإنه لمن المسرفين
المتجاوزين لكل حد فى الظلم والبغى وادعاء ما ليس له .
والمتجبرون والمسرفون يحتاجون فى مقاومتهم إلى إيمان عميق، واعتماد
على الله وثيق، وثبات يزيل المخاوف ويطمئن القلوب إلى حسن العاقبة، ولذا
قال موسى لأتباعه المؤمنين : (يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكاوا إن
كنتم مسلمين ) .
أی قال موسى لقومه قطمينا لقلوبهم، وقد رأىالخوفمن فرعون يعلو
وجوه بعضهم: يا قوم (إن كنتم آمنتم بالله) حق الإيمان، وأسلمتم وجوهكم
له حق الإسلام . فعليه وحده اعتمدوا، وبجنابه وحده تمسكوا، فإن من توكل
على الله واتجه إليه ، كان الله معه بنصره وتأييده.
ثم حكى القرآن جوابهم الذى يدل على صدق يقينهم فقال: فقالوا، أى:
مجيبين لنصيحة نبيهم (على الله) وحده لا على غيره (توكلنا) واعتمدفاو فوضنا
أمورنا إليه .
(ربنا لا تجعلنا فتنة القوم الظالمين) أى: يا ربنا لا تجعلنا موضع فتنة

- ١٥٦ -
سورة
يونس
وعذاب للقوم الظالمين . بأن تمكنهم منا فيسوموننا سوء العذاب، وعندئذ
يعتقدون أنهم على الحق ونحن على الباطل ، لأننا لو كنا على الحق - فى زعمهم-
لما تمكنوا منا، ولما اقتصروا علينا .
ثم أضافوا إلى هذا الدعاء دعاء آخر، أكثر صراحة من سابقه فى المباعدة.
بينهم وبين الظالمين فقالوا ( ونجنا برحمتك من القوم الكافرين ).
أى: نحن لا نلتمس منك يا مولانا ألا تجعلنا فتنة لهم فقط ، بل نلتمس
منك - أيضا - أن تنجنا من شرور القوم الكافرين ، وأن تخلصنا من.
سوء جوارهم، وأن تفرق بيننا وبينهم كما فرقت بين أهل المشرق وأهل.
المغرب .
قال الإمام الشوكانى : وفى هذا الدعاء الذى تضرعوا به إلى الله - دليل
على أنه كان لهم اهتمام بأمر الدين فوق اهتمامهم بسلامة أنفسهم )(١).
وبعد هذا الدعاء المخلص ، وجه الله - تعالى - نبيه موسى وأخاههارون-
عليهما السلام - إلى ما يوصل إلى نصرهما ونصر أتباعهما فقال - تعالى -
( وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا
بيوتكم قبلة ...
وقوله (تبوآً) من النجوم وهو اتخاذ المادة أى المنزل، كالتوطن بمعنى.
اتخاذ الوطن .
يقال بوأنه وبوأت له منزلا إذا أنزلته فيه ، وهيأته له .
والمعنى: وأوحينا إلى موسى وأخيه هارون بعدأن لحفرعون فى طغيانه.
وفى إزال العذاب بالمؤمنين - أن اتخذا لقومكما المؤمنين بيوتا خاصة بهم فى
مصر ، ينزلون بها ، ويستقرون فيها، ويعتزلون فرعون وجنده، إلى أن،
يقضى الله أمرا كان مفعولا .
(١) تفسير ( فتح القدير ) للإمام الشوكانى جـ ٢ ص ٤٦٦.

الجزء
- ١٥٧ -
الحادى عشر
وقوله ( واجعلوا بيوتكم قبله ، أى: واجعلوا هذه البيوتالتى حللتمبها
.مكانا لصلاتكم وعبادتكم ، بعد أن حال فرعون وجنده بينكم وبين أداء
عباداتكم فى الأماكن المخصصة لذلك .
قال القرطبى: المرادصلوا فى بيوتكم سرا لتأمنوا، وذلك حين أخافهم
فرعون ، فأمروا بالصبر واتخاذ المساجد فى البيوت ، والإقدام على الصلاة،
. والدعاء، إلى أن ينجز الله وعده، وهو المراد بقوله ((قال موسى لقومه
استعينوا بالله واصبروا، وكان من دينهم أنهم لا يصلون إلا فى البيع
والكنائس ما داموا على أمن ، فإذا خافوا فقد أذن لهم أن يصلوا فى
بيوتهم ... )، (١) .
وقوله : (( وأقيموا الصلاة، أى : داوموا عليها، وأدوها فى أوقاتها
بخشوع وإخلاص، فإن فى أدائها بهذه الصورة ، وسيلة إلى تفريج
الكروب، وفى الحديث الشريف: ((كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
إذا حزبه أمر صلى ) .
وقوله ((وبشر المؤمنين)) تذييل قصد به بعث الأمل فى نفوسهم متى
أدوا ما كلفوا به .
أى : وبشر المؤمنين بالنصر والفلاح فى الدنيا، وبالثواب الجزيل
فى الآخرة .
قال صاحب الكشاف : فإن قلت كيف فوع الخطاب فثنى أولا ، ثم جمع،
ثم وحد آخرا ؟
قلت : خوطب موسى وهارون - عليهما السلام - أن يتبوآ لقومهما
يوما ويختارها للعبادة، وذلك مما يفوض إلى الأنبياء. ثم سيق الخطاب
(١) تفسير القرطبى حـ ٨ ص ٠٢٧١

سورة - ١٥٨ - يونس
عاما لهما ولقومهما باتخاذ المساجد والصلاة فيها ، لأن ذلك واجب على
الجمهور. ثم خص موسى - عليه السلام - بالبشارة التى هى الغرض
تعظمالها، وللمبشر بها)» (١).
ولأن بشارة الأمة - كما يقول الألوسى - وظيفة صاحب الشريعة
وهى من الأعظم أسر وأوقع فى النفس (٢).
هذا، ومن التوجيهات الحكيمة التى تأخذها من هذه الآية الكريمة، أن
مما يعين المؤمنين على النصر والفلاح ، أن يعتزلوا أهل الكفر والفسوق
والعصيان، إذا لم تنفع معهم النصيحة، وأن يستعينوا على بلوغ غايتهم بالصبر
والصلاة، وأن يقيموا حياتهم فيما بينهم على المحبة الصادقة، وعلى الأخوة
الخالصة ، وأن يجعلوا قوكلهم على الله وحده ((ومن يتوكل على الله فهو حسبه.
إن الله بالغ أمره، قد جعل الله لكل شيء قدرا).
ثم حكى القرآن الكريم بعد ذلك، ما تضرع به موسى- عليه السلام.
إلى الله - تعالى - من دعوات خاشعات ، بعد أن يئس من إيمان فرعون
وملئه فقال - سبحانه - :
وَقَالَ مُوسَى رَبَّنََ إِنَّكَ ءَاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَّ:
◌ِينَهُ وَأَمْوَلً فِى الْخَيَزَةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُواْ عَنْ سَبِيلِكٌ رَبّ
أْمِسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ خَ يَرْ
الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴿ قَالَ قَدْ أُحِبَت ◌َدَّعْوَتُكَ فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَّعَِّ
◌َبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ
والزينة : اسم لما يتزين به الإنسان من ألوان اللباس وأوانى الطعام
(١) تفسير الكشاف = ٢ ص ٢٤٩.
(٢) تفسير الآلوسى جـ ١١ ص ٠١٥٢

ھے
الحادى عشر
الجزء - ٥٩
والشراب، ووسائل الركوب ... وغير ذلك ما يستعمله الإنسان فى
زینته ورفاهيته .
والمال : يشعل أصناف الزينة ، ويشمل غير ذلك مما يتملكه الإنسان .
والمعنى : وقال موسى - عليه السلام - مخاطبا ربه، بعد أن فقد الأمل.
فى إصلاح فرعون وملئه : يا ربنا إنك أعطيت فرعون وأشراف قومه
وأصحاب الرياسات منهم ، الكثير من مظاهر الزينة والرفاهية والتنعم ، كما
أعطيتهم الكثير من الأموال فى هذه الحياة الدنيا.
وهذا العطاء الجزيل لهم؛ قد يضعف الإيمان فى بعض النفوس ، إما
بالإغراء الذى يحدثه مظهر النعمة فى نفوس الناظرين إليها، وإما بالترهيب
الذى يملكه هؤلاء المنعمون، بحيث يصيرون قادرين على إذلال غيرهم.
واللام فى قوله ((ربنا ليضلوا عن سبيلك، لام العاقبة والصيرورة أى:
أعطيتهم ما أعطيتهم من الزينة والمال ، ليخلصوا لك العبادة والطاعة ،
وليقابلوا هذا العطاء بالشكر، ولكنهم لم يفعلوا بل قابلوا هذه النعم بالجحود
والبطر، فكانت عاقبة أمرهم الخسران والضلال، فأزل يامولانا هذه النعم
من بين أيديهم .
قال القرطبى : اختلف فى هذه اللام، وأصح ما قيل فيها - وهو قول
الخليل وسيبويه - أنها لام العاقبة والصيرورة. وفى الخبر: (إن الله - تعالى-
ملكا ينادى كل يوم: لدوا للموت وابنوا للخراب، أى: لما كان عاقبة أمرهم
إلى الضلال، صار كأنه أعطاهم ليضلوا)،(١) .
وقال صاحب المنار قوله: «ربنا ليضلوا عن سبيلك، أى: لتكون
عاقبة هذا العطاء إضلال عبادك عن سبلك الموصلة إلى مرضاتك باتباع الحق
والعدل والعمل الصالح، ذلك لأن الزينة ـجب الكبر والخيلاء والطغيان على
(١) تفسير القرطبى = ٨ ص ٠٣٧٤

سورة - ١٦٠ - يونس
الناس، وكثرة الأموال تمكنهم من ذلك، وتخضع رقاب الناس لهم ، كا
قال - تعالى - ( إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى) ...
فاللام فى قوله «ليضلوا)، قسمى لام العاقبة والصيرورة، وهى الدالة على
أن ما بعدها أثر وغاية فعلية لمتعلقها، يترتب عليه بالفعل لا بالسبية،
ولا بقصد فاعل الفعل الذى تتعلق به كقوله - تعالى - ((فالتقطه آل فرعون
ليكون لهم عدوا وحزنا .: .)،(١) .
ومنهم من يرى أن هذه اللام للتعليل، والفعل منصوب بها،
فيكون المعنى :
وقال موسى مخاطبا ربه: ياربنا إنك قد أعطيت فرعون وملأه زينة
وأموالا فى الحياة الدنيا، وإنك بار بناقد أعطيتهم ذلك على سبيل الاستدراج
ليزدادوا طغيانا على طغيانهم ، ثم تأخذهم أخذ عزيز مقتدر .
وشبيه بهذه الجمله فى هذا المعنى قوله - تعالى -: ((ولا يحين الذين كفروا
أنما على لهم خير لأنفسهم، إنما على لهم ليزدادوا إنما ولهم عذاب
مهن » (٢) .
وقد رجح هذا المعنى الإمام ابن جرير فقال: والصواب من القول فى
ذلك عندى أنها لام كى، ومعنى الكلام: ربنا أعطيتهم ما أعطيتهم من زينه
الحياة الدنيا والأموال لتفتنه فيه، ويضلوا عن سبيلك عبادك عقوبة منك
لهم، وهذا كما قال جل ثناؤه («لأسقيناهم ماء غدقا. لنفتتهم فيه ... )، (٣).
ومنهم من يرى أن هذه اللام هى لام الدعاء، وأنها للدعاء عليهم بالزيادة
من الإضلال والغواية فيكون المعنى :
(١) تفسير المنار حـ ١١ ص ٠٤٧٣
(١) سورة آل عمران الآية ١٧٨.
(٣) تفسير ابن جرير حـ ٥٧، ٠١٠٨