النص المفهرس
صفحات 101-120
- ١٠١ - الجزء الحادى عشر إلا مدة قصيرة من النهار ((يتعارفون بينهم، أى: لا تتسع تلك المدة إلا للتعارف فيما بينهم . وقوله: ((كأن لم يلبثوا)) جملة حالية من ضمير الجمع فى يحشرهم. وخصت الساعة بكونها من النهار : لأنها أعرف لهم من ساعات الليل. والمقصود بالتشبيه : بيان أن هذه السنوات الطويلة التى قضاها هؤلاء المشركون فى الدنيا يتمتعون بلهوها ولعبها، ويستبعدون معها أن هناك بعثا وحسابا .... قد زالت من ذاكرتهم فى يوم القيامة، حتى لكأنهم لم يمكثوا فيها سوى وقت قصير لا يتسع لأكثر من التعارف القليل مع الأقارب والجيران والأصدقاء، وحتى لكأن ذلك النعيم الذى تقلبوا فيه دهرا طويلا لم يروه من قبل ... وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - فى سورة الأحقاف : کانهم یوم یرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار)) (١). وقوله - سبحانه- فى سورةالروم ( ويوم تقوم الساعة بقسم المجرمون مالبثوا غير ساعة)(٢). فإن قيل : إن هناك بعض الآيات ذكرت أنهم عندما يسألون يجيبون بأنهم لبثوا فى الدنيا يوما أو بعض يوم، أو عشية أو ضحاها كما فى قوله - تعالى -: ( قال كم لبثتم فى الأرض عدد سنين . قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم)(٣). وكما فى قوله - تعالى- (كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها) (٤). فكيف نج مع بين هذه الآيات التى اختلفت إجابتهم فيها ؟ (١) الآية ٣٥ (٢) الآية ٠٥٥ (٣) سورة المؤمنون الآية ٠١١٣،١١٢ (٤) سورة النازعات الآية الأخيرة . - ١٠٢ - يونس سورة فالجواب: أن أهل الموقف نتلفون فى تقدير الزمن الذى لبثوه فى الدنيا على حسب أختلاف أحوالهم، وعلى حسب أهوال كل موقف ، فإن فى يوم القيامة مواقف متعددة بعضها أشد من بعض . وقوله ( يتعارفون بينهم ) جملة حالية أيضا من ضمير الجمع فى يحشرهم. قال القرطبى : وهذا التعارف توبيخ وافتضاح، يقول بعضهم لبعض: أنت أضللتنى وأغويتنى وحملتنى على الكفر، وليس تعارف شفقة ورحمة وعطف .... والصحيح أنه لا ينقطع هذا التعارف التوبيخى عند مشاهدة أهوال القيامة ، لقوله - تعالى - ( ولو ترى إذ الظالمون موقوفون يرجع بعضهم إلى بعض القول ) ... فأما قوله: ( ولا يسأل حميم حمما) وأشباهه فمعناه: لا يسأله سؤال رحمة وشفقة ... )(١). وقوله : ( قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين ) جملة مستأنفة مسوقة لبيان حكم الله عليهم فى آخرتهم بعد أن ضيعوا دنياهم. والمراد بلقاء الله: مطلق الحساب والجزاء الكائن فى يوم القيامة. أى: أن هؤلاء الأشقياء الذين أعرضوا عن الحق؛ وأفكروا الحشر، قد خسروا سعادتهم الأبدية ، وحق عليهم العذاب المهين ؛ بسبب كفرهم وطغيانهم، وعدم اهتداتهم إلى طريق النجاة . وقوله: ( وإما نزينك بعض الذى نعدهم أو نتوفينك فإلينامر جعهم ... ) تأكيد لخسرانهم، ولوقوع العذاب بهم، وتسلية للرسول - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه منهم و (إن) شرطية. و(ما) مزيدة لتأكيد معنى الشرط». وجملة ( فإلينا مرجعهم ) جواب الشرط وما عطف عليه . (١) تفسير القرطبى - بتصريف وتلخيص - ج٨ ص ٠٣٤٨ الجزء - ١٠٣ - الحادى عشر والمعنى: إن هؤلاء المشركين الذين ناصبوك العداوة أيها الرسول الكريم "لا يخفى علينا أمرهم. ونحن إما نرينك يبصرك بعض الذى نعدهم به من العذاب الدنيوى، وإما (تتوفينك) قبل ذلك، وفى كلتا الحالتين فإن مرجعهم إلينا وحدنا فى الآخرة، فتعاقبهم العقوبة التى يستحقونها . وقال - سبحانه - ( بعض الذى فعدهم ) للإشارة إلى أن ما سينزل بهم .من عذاب دنيوى ، هو جزء من العذاب المدخر لهم فى الآخرة . وقد أنجز الله - تعالى - وعده لنبيه - صلى الله عليه وسلم -، فسلط عليهم القحط والمجاعة ، حتى كانوا لشدة جوعهم يرون كأن بينهم وبين السماء . دخانا، ونصر المسلمين عليهم فى غزوتى بدر والفتح، وكل ذلك حدث فى حياة النبى - صلى الله عليه وسلم - . وقال - سبحانه - (بعض الذى نعدهم) ولم يقل بعض الذى وعدفاهم، لاستحضار صورة العذاب، وللدلالة على تجدده واستمراره . أى: فعدهم وعدا متجددا على حسب ماتقتضيه حكمتنا ومشيئتنا، من إنذار عقب إنذار، ومن وعيد بعد وعيد. والمراد من الشهادة فى قوله (( ثم الله شهيد على ما يفعلون)) لازمها وهو المعاقبة والمجازاة، فكأنه - سبحانه- يقول: ثم الله - تعالى- بعد ذلك معاقب لهم على ما فعلوه من سيئات ، وماير تكبونه من منكرات . قال صاحب الكشاف : فإن قلت: اللّه شهيد على ما يفعلون فى الدارين فما معنى ثم؟ قلت : ذكرت الشهادة والمراد مقتضاها ونتيجتها وهو العقاب ، فكأنه قال: ثم الله معاقبهم على ما يفعلون. ويجوز أن يراد أن اللهمؤد شهادته على أفعالهم يوم القيامة حين بنطق جلودهم وألسنتهم وأيديهم فتكون شاهدة ١٠٤ - يونس سورة : عليهم)) (١). هذا، وفى معنى هذه الآية وردت آيات أخرى منها قوله - تعالى - = ((وإما ترينك بعض الذى نعدهم أو نتوفينك، فإنما عليك البلاغ وعلينه الحساب)، (٢) وقوله - تعالى -: «فاصبر إن وعد الله حق، فإما نرينك بعض الذى نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون،(٣). ثم بين - سبحانه - أن من مظاهر رحمته بعباده، أن جعل لكل أمة رسولا بيديها إلى الحق وإلى الطريق المستقيم فقال - تعالى -: ((ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضى بينهم بالقسط وهم لا يظلمون)). أى: أنه - سبحانه - اقتضت حكمته ورحمته أن يجعل لكل جماعة من الناس، رسولا يبلغهم ما أمره الله بتبليغه ، ويشهد عليهم بذلك يوم القيامة، فإذا جاء رسوهم وشهد بأنه قد بلغهم ما أمره الله به ، قضی - سبحانه- بينه وبينهم بالعدل، لحكم بنجاة المؤمن وبعقوبة السكافر، ولا يظلم ربك أحدا . قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: فكل أمة تعرض على اللّه تعالى - بحضرة رسولها، وكتاب أعمالها من خير أو شر شاهد عليهم، وحفظتهم من الملائكة شهود أيضا أمة بعد أمة ، وهذه الأمة الشريفة وإن كانت آخر الأمم فى الخلق ، إلا أنها أول الأمم يوم القيامة ، يفصل بينهم ويقضى لهم كما جاء فى الصحيحين عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، المقضى لهم قبل الخلائق)) فأمته إنما حازت قصب السبق بشرف رسولها - صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين -(٤). (١) تفسير الكشاف ج ٢ ص٠٢٣٩ (٢) سورة الرعد الآية ٤٠ .. (٣) سورة غافر الآية ٠٧٧ (٤) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٤١٩. الجزء - ١٠٥ - الحادى عشر وقوله: ((ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين)) حكاية لأقوالهم الدالة على طغيانهم وفجورهم . أى: أن هؤلاء لم يكتفوا بالإعراض عن دعوة الحق، بل قالوا لرسولهم. صلى الله عليه وسلم - الذى حذرهم من عذاب الله إذا ما إستمروا فى كفرهم: متى يقع علينا هذا العذاب الأليم الذى تهددنا به؟ إننا نتعجله فأت به إن كنت أنت وأصحابك من الصادقين فى دعواكم أن هناك عذابا ينتظرنا. وهذا القول منهم يدل على توغلهم فى الكفر والجحود، وعدم اكتراثهم بما يخبرهم به الرسول - صلى الله عليه وسلم. ولذا أمر الله تعالى: رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يرد عليهم فقال: (( قل لا أملك لنفسى ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله ... )). أى: قل يا محمد لهؤلاء الجاهلين المتعجلين للعذاب: إنى لا أملك لنفسى. فضلا عن غيرها شيئا من الضر فأدفعه عنها، ولا شيئا من النفع فأجلبه لها، لكن الذى يملك ذلك هو الله وحده، فهو - سبحانه - الذى يملك أن ينزل العذاب بكم فى أى وقت يشاء، فلماذ تطلبون منى ما ليس فى قدرتى. وعلى هذا التفسير يكون الاستثناء منقطعا . ويجوز أن يكون متصلا فيكون المعنى: قل لهم يا محمد إننى لا أملك لنفسى شيئا من الضر أو النفع، إلا ماشاء الله - تعالى - أن يجعلنى قادرا عليه منهما ، فإننى أملكه بمشيئته وإرادته . وقدم - سبحانه - الضر على النفع هنا، لأن الآية مسوقة للرد على المشركين ، الذين تعجلوا نزول العذاب الذى هو نوع من الضر. أما الآية التى فى سورة الأعراف، وهى قوله - تعالى - ((قل لا أملك. لنفسى نفعا ولا ضرا إلا ماشاء الله ... ، فقد قدم فيها النفع على الضر، لأنها مسوقة لبيان الحقيقة فى ذاتها، وهى أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ٦ - ١٠٦ - سورة یو نس "لا يملك لنفسه شيئا من التصرف فى هذا الكون، وللإشعار بأن النفع هو المقصود بالذات من تصرفات الإنسان. وقوله: ((لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون)) تأكيد لما قبله ، وتقرير لقدرة الله - تعالى - النافذة. أى: لكل أمة من الأمم أجل قدره الله - تعالى - لانتهاء حياتها، فإذا حان وقت هذا الأجل هلكت فى الحال دون أن تتقدم على الوقت المحدد لموتها ساعة أو تتأخر أخرى . ٠ ثم ساقت السورة الكريمة ألوانا أخرى من الأجوبة التى لقتهما الله - تعالى- لرسوله - صلى الله عليه وسلم - لكى يرد بها على المشركين الذين تعجلوا العذاب كما صورت أحوالهم عندما يرون العذاب، فقال - تعالى -: قُلْ أَرَةَ يْتُمْ إِنْ أَسَكُرْ! ◌ُذُّابُو ◌َلَّا أَوْ نَهَارًا مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٢﴾ أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءَ امَنُ بِهِت ◌َ الْغَلْنَ وَقَدْ كُنتُمْ بِهِ، تَسْتَعِْلُونَ (َه ◌ُمَّ فَيْلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّ بِمَا كُنٌُ. نْسِبُونَ (2) وَيَسْتَّعُونَكَ أَحَقُّ هُوَّ قُلْ إِى وَرَبِ إِنَّهُ لَّ وَمَا أَنْتُمْ يُعْجِزِينَ ﴾ وَلَوْ أَنَّ ◌ِكُلِّ نَفْسِ ظَتْ مَافِ اْأَرْضِ لآ فْتَدَتْ بِهِ، وَأَسَرُ واْ النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوَأُ الْعَذَابَ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بأَلْقِسْطٍ وَهُمْ لَا يُظْلُونَ ( ٥٤ وقوله (( أرأيتم)، بمعنى أخبرونى. وكلمة أرأيت تستعمل فى القرآن للتنبيه والحث على الرؤية والتأمل، فهو استفهام للتنبيه مؤداء: أرأيت كذا أوعرفته؟ - ١٠٧ - الحادى عشر الجزء إن لم تكن أبصرته أو عرفته فانظره وتأمله وأخبر نى عنه . ولما كانت الرؤية للشىء سبباً لمعرفته والإخبار عنه ، أطلق السبب وأريد المسبب فهو مجاز مرسل علاقته السببية والمسببية . وقوله: (( بياتا)) أى: ليلا، ومنه البيت لأنه يبات فيه . يقال: بات يديت بيتاً ويباتاً . والمعنى : أخبرونى أيها الجاهلون الحمقى : أى دافع جعلكم تتعجلون نزول العذاب ؟ إن وقوع العذاب سواء أكان بالليل أم بالنهار لا يمكن دفعه، .ولا يمكن أن يعجله عاقل، لأنه - كما يقول صاحب الكشاف - : كل مكروه ، مر المذاق ، موجب للنفار منه، فكيف ساغ لكم أن تستعجلوا نزول شىء فيه هلاككم ومضرتكم ؟ !! وقال - سبحانه - ((بياتا، ولم يقل ليلا، للإشعار بمجىء العذاب فى وقت غفلتهم و نومهم بحيث لا يشعرون به، فهم قد يقضون جانباً من الليل فى اللهو واللعب ، ثم ينامون فيأتيهم العذاب فى هذا الوقت الذى هجعوا فيه. فالآية الكريمة توبيخ لهم على استعجالهم وقوع شىء من شأن العقلاء أنهم یرجون عدم وقوعه، ولذا قال القرطى قوله: ((ماذا يستعجل منه المجرمون، استفهام معناه التهويل والتعظيم، أى: ما أعظم ما يستعجلون به. كمايقال لمن يطلب أمرا تستوخم عاقبته. ماذا تجنى على نفسك (١). وجواب الشرط لقوله: ((إن أنا كم ... ، محذوف والتقدير: إن أتا كم عذابه فى أحد هذين الوقتين أفزعكم وأهلككم فلماذا تستعجلون وقوع شىء هذه نتائجه؟ (١) تفسير القرطى ج ٨ ص ٣٥٠ - ١٠٨ - سورة يو فس وقد ذكر صاحب الكشاف وجهاً آخر بعد أن ذكر هذا الوجه فقال فإن قلت : فهلا قيل ماذا يستعجلون منه؟ قلت : أريدت الدلالة على موجب ترك الاستعجال وهو الإجرام؛ لأن من شأن المجرم أن يخاف التعذيب على إجرامه، ويهلك فزعاً من مجيئه وإن أبطأ فضلا عن أن يستعجله، ويجوزاً! يكون ماذا يستعجل منه المجرمون، جوابا للشرط. كقولك إن أقبتك ماذ تطعمنى ؟ (١) . وقوله - سبحانه - ((أثم إذا ما وقع آمنتم به ... )) زيادة فى تجهيام وتأنيبهم والهمزة داخلة على محذوف، و«ثم، حرف عطف يدل على الترتيب والتراخى وجىء به هنا للدلالة على زيادة الاستبعاد . والمعنى: إنكم أيها الجاهلون لستم بصادقين فيما تطلبون، لأنكم قيل وقوع العذاب تتعجلون وقوعه ، فإذا ما وقع وشاهدتم أهواله ، وذقت مرارته .. آمنتم بأنه حق ، وتحول استهزاؤكم به إلى تصديق وإذعان وتحصر وقوله: ((الآن وقد كنتم به تستعجلون)، قصد به زيادة إيلام. وحسرتهم ولفظ ((الآن)) ظرف زمان بدل على الحال الحاضرة، وهو فى محل نصب على أنه ظرف لفعل مقدر . أى. قيل لهم عند إيمانهم بعد وقوع العذاب: الآن آمنتم بأنه حق ، مـ أنكم قبل ذلك كنتم به تستهزئون، وتقولون للرسول - صلى الله علي وسلم - ولأتباعه: ((متى هذا الوعد إن كنتم صادقين)). ألا فلتعلموا أن إيمانكم فى هذا الوقت غير مقبول؛ لأنه جاء فى غير أوانه ، وصدق الله إذيقول: ((فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنابما كتابه مشركي فلم يك ينفعهم إيمانهم لمارأوا بأسنا، سنة اللّه التى قد خلت فى عباده، وخسـ (١) تفسير الكشاف ج ٢ ص ٢٤٠ الجزء - ١٠٩ - الحادى عشر هنالك الكافرون (١). وقوله : (( ثم قيل الذين ظلوا ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون إلا بما كنتم تكبون، تأكيد لتوبيخهم وتأنيهم بعد أن نزل بهم العذاب، وهو معطوف على لفظ ((قيل)) المقدر قبل لفظ, الآن)). أى : قيل لهم: الآن آمنتم بأن العذاب حقيقة بعد أن كنتم به تستعجلون ثم قيل لهؤلاء الظالمين الذين أصروا على الكفر واقتراف المنكرات: ذوقوا عذاب الخلد أى العذاب الباقى الدائم ، إذ الخلد والخلود مصدر خلد الشىء إذا بقى على حالة واحدة لا يتغير . والاستفهام فى قوله: «هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون، للنفى والإنكار . أى لا تجزون إلا بالجزاء المناسب لما كنتم تكسبونه فى الدنيا من كفر بالحق، وإيذاء للدعاة إليه، وتكذيب بوحى الله - تعالى - ثم قال - سبحانه - «ويستفبئونك أحق هو، النبأ: كما يقول الراغب .. خبر ذو فائدة عظيمة ، يحصل به علم أو غلبة ظن (١). والاستنباء : طلب الأخبار الهامة . أى: إن هؤلاء الضالين يطلبون منك - أيها الرسول الكريم - على سبيل التهكم والاستهزاء، أن تخبرهم عن هذا العذاب الذى ةوعدتهم به، أهو واقع بهم على سبيل الحقيقة ، أم هو غير واقع ولكنك تحدثهم عنه على سبيل الإرهاب والتهديد ؟ (١) سورة غافر الآيتان ٨٤، ٨٥ (٢) المفردات فى غريب القرآن ص ٤٨١ ــورة - ١١٠ - يولى وقوله: ((قل إى وربى إنه لحق وما أنتم بمعجزين)) إرشاد من الله- تعال! لنبيه - صلى الله عليه وسلم - إلى الجواب الذى يرد به عليهم. ولفظ ((إى)) بكسر الهمزة وسكون الياء - حرف جواب وقصديق بمعن فعم ، إلا أنه لا يستعمل إلا مع القسم. أى : قل لهم يا محمد: نعم وحق ربى إن العذاب الذى أخبرتكم لا محيص لكم عنه، وما أنتم بمعجزى الله - تعالى - إذا أراد أن ينزله ب) فى أى وقت يريده، بل أنتم فى قبضته وتحت سلطانه وملكه، فاتقوا الله بأن تخلصوا له العبادة، وتتبعوا رسوله - صلى الله عليه وسلم - فما جاء؟ به من عنده - سبحانه - وقد أكد - سبحانه - الجواب عليهم بأتم وجوه التأكيد؛ لأنهم كانو قوما ينكرون أشد الإنكار أن يكون هناك عذاب وحساب وبعد وجنة ونار . قال ابن كثير: وهذه الآية ليس لها نظير فى القرآن إلا آيتان أخر بان بأمر الله - تعالى - رسوله فيهما أن يقسم به على من أنكر المعاد، أ الآية الأولى فهى قوله - تعالى -: ((وقال الذين كفروا لا تأتينا الساد قل بلى وربى لتأمينكم .... (١) وأما الآية الثانية فهى قوله - تعالى - ((زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل إلى وربى لتبعثن ... )) (٢). وجملة ((وما أنتم بمعجزين، إما معطوفة على جواب القسم، أو مستأفة سبقت لبيان عجزهم عن الخلاص، وتأكيد وقوع العذاب عليهم . ثم بين - سبحانه - أنهم أن يستطيعوا افتداء أنفسهم من العذاب عن (١) سورة سبأ الآية ٣ (٢) سورة التغابن الآية ٧ الجزء - ١١١ - الحادى عشر وقوعه فقال - تعالى -: ((ولو أن لكل نفسى ظلمت ما فى الأرض لا افتدت به » . أى: ولو أن لكل نفس تلبست بالظلم بسبب شركها وفسوقها، جميع ما فى الأرض من مال ومتاع ، وأمكنها أن تقدمه كفداء لها من العذاب يوم. القيامة ، لقدمته سريعا دون أن تبقى منه شيئا حتى تفتدى ذاتها من العذاب المهين . ومفعول ((افتدت)) محذوف. أى لا فتدت نفسها به. ولو هنا امتناعية، أى: امتنع افتداء كل نفس ظالمة ، لا متناع ملكها. لما تقدی به ذاتها وهو جميع ما فى الأرض من أموال ، ولامتناع قبول ذلك منها فيما لو ملكته على سبيل الفرض . وقوله ((وأسروا الندامة لما رأوا العذاب)) بيان لما انتابهم من حسرات عند مشاهدتهم لأهوال العذاب المعد لهم . و((أسروا)) من الإسرار بمعنى الإخفاء والكتمان. يقال: أسر فلان الحديث . أى: خفض صوته به ، ويقابله الإعلان والجهر، ومنه قوله -تعالى -: وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور)). والندامة والندم : ما يحده الإنسان فى نفسه من آلام وحسرات على أقوال أو أفعال سيئه ، فات أو ان تداركها . أى : أخفى هؤلاء الظالمون الندامة حين رأوا بأبصارهم مقدمات العذاب، وحين أيقنوا أنهم لا نجاة لهم منه، ولا مصرف لهم عنه . قال صاحب الكشاف: قوله - سبحانه - ((وأسروا الندامة لما رأوا - ١١٢ - يونس سورة العذاب، لأنهم بهتوا لرؤيتهم مالم يحتسبوه، ولم يخطر ببالهم، وعاينوا من شدة الأمر وتفاقمه ، ما سلبهم قواهم ، وبهرهم، فلم يطيقوا عنده بكا. ولا صراخا ولا ما يفعله الجازع. سوى إسرار الندم والحسرة فى القلوب، كما ترى المقدم للصلب يثخنه مادهمه من فظاعة الخطب ويغلب ، حتى لا ينبس بكلمة ويبقى جامدا عبهوة !.. وقيل : أيهر رؤساؤهم الندامة من سفلتهم الذين أضلوهم ، حياء منهم وخوفا من توبيخهم ... وقيل أسروا الندامة: أظهروها من قولهم أسر الشىء إذا أظهره وليس هناك تجلد)،(١) ٠٠ وقوله: « وقضى بينهم بالقسط وهم لا يظلمون ، بيان لعدالة الله فى 2 أحكامه بین عباده . أى: وقضى الله - تعالى - بين هؤلاء الظالمين وبين غيرهم بالعدل)× دون أن يظلم أحدا . ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ما يدل على كمال قدرته، وسعة رحمته، وعلى أنه وحده الذى يملك التحليل والتحريم، ويعلم السر وأخفى فقال - تعالى -: أَ إِنَّ ◌َِّمَا فِ السَّمَنَتِ وَالْأَرْضِّ "َ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَنْكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (َ هُوَيْجِيءَ وُّيْتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨) يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَ تُكُم مَّوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَآءُ لِّمَا فِ الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ( ٥٧ ١٠١//٥٣١١٥ /٥// قُلُ بِفَضْلِ اللَّهِ وَ بِرَحْمَتِهِ، فَبِذَلِكَ فَلْيَقْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِمّ يَجْمَعُونَ (٥) (١) تغير الكشاف ج ٢ ص ٠٢٤١ - ١١٣ - الحادى عشر الجزء ◌ُلُّ أَوَيْتُمْ مَِّ أَوَّلَ اللهُ لَكُم مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلُ مِنْهُ حَامًا وَحَلَلًا تُلِّءَاللّهُ أَذِنَ لَكُّأَمْ عَلَى الَِّتَفْتَرُونَ (﴾ وَمَا ظَنَّ الَّيْنَ يَفْتَرُونَ لَعَلَى اللَّهِالْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَّمَةِ إِنَّ اللّه ◌َذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَيْكِنَّ: أُ كُتَّهُمْ لَا يَشْكُرُونَ ﴾ وَمَا تَكُونُ قِ شَأَنٍ وَمَاتَتْلُوْ مِنْهُ مِنْ مُرَّ إِنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلِ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًّا إِذْ تُفِضُونَ" فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن ◌َّبِّكَ مِن مِثْقَلِ ذَرَّةٍ فِ اَلْأَرْضِ وَلَ فِ السَّمَآءِ وَلَ أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِ كِتَابٍ مُبٍِ ٦١ أى: ألا إن ته وحده لا لغيره، ملك ما فى السموات وما فى الأرض من مخلوقات، وهو - سبحانه - يتصرف فيها وفق إرادته ومشيئته كما يتصرف المالك فيما يملكه، فهو يعطى من يشاء ويغفر لمن يشاء، ويتوب على من يشاء ((لا يسأل عما يفعل وهم يسألون)). وقوله: ((ألا إن وعد الله حق)) أى: ألا إن كل ما وعد الله به الناس من ثواب وعقاب وغيرهما ، ثابت ثبوتا لا ريب فيه ، وواقع وقوعا لا محيص عنه . وصدرت الآية الكريمة بأداة الاستفتاح ((ألا، الدالة على التنبيه، لحض الغافلين عن هذه الحقيقة على التذكر والاعتبار والعودة إلى طريق الحق . وأعيد حرف التنبيه فى جملة ((ألا إن وعد الله حق)، لتمييزها بهذا التنبيه عن سابقتها ، لأنها مقصودة بذاتها ؛ إذ أن المشر كين كانوا يظنون أن ما وعدهم به الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو من باب الترغيب والترهيب وليس من باب الحقائق الثابتة . (٨٢ - سورة يونس ) سورة - ١١٤ - بو نس ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : - ولكن أكثرهم لا يعدون، أى ولكن أكثر هؤلاء الناس الذين بمشت إليهم يا محمد، لا يعلمون ماجئت به علمانافعا لسوء استعداده ، وضعف عقولهم، وخبث نفوسهم. وقال أكثرهم إنصافا للقلة المؤمنة التى علمت الحق فاقبعته وصدقته، ووقفت إلى جانب الرسول - صلى الله عليه وسلم- تؤيده وتفتدى دعو ته بالنفس والمال وقوله: «هو يحي ويميت وإليه ترجعون، بيان لكمال قدرته، إثربيان عظم ملكوته، ونفاذ وعده . أى: هو - سبحانه -الذى يحيى من يريد إحياءه، ويميت من يريد إماتته وإليه وحده ترجعون جميعا، فيحاسبكم على أعمالكم، ويجازى الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى . ثم وجه - سبحانه - نداء إلى الناس ، أمرهم فيه بالانتفاع بما اشتمل عليه القرآن الكريم، من خيرات وبركات فقال -تعالى -: (يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم . وشفاء لما فى الصدور. وهدى، ورحمة للمؤمنين)). والموعظة معناها: التذكير بالتزام الحق والخير(واجتناب الباطل والشر، بأسلوب يلين القلوب ، ويرفق النفوس . والشفاء: هو الدواء الشافى من كل ما يؤذى ، ويجمع على أشفيه. والهدى: هو الإرشاد والدلالة بلطف إلى ما يوصل إلى المقصد والبغية والرحمة معناها الإحسان ، أو إرادة الإحسان . والمعنى: يا أيها الناس قد جاءكم من الله -تعالى- كتاب جامع لكل ما تحتاجون إليه من موعظة حسنة ترق لها القلوب، وتخشع لها النفوس، وتصلح بها الأخلاق ومن شفاء الأمراض صدوركم ، ومن هداية لكم إلى طريق الحق والخير ، ومن رحمة للمؤمنين ترفعهم إلى أعلى الدرجات وتكفر ما حدث منهم من سيئات . - الحادى عشر -- ١١٥ - الجزء وجاء هذا الإرشاد والتوجيه عن طريق النداء ، استمالة لهم إلى الحق بألطف أسلوب، وأكمل بيان، حتى يتوبوا إلى رشدهم، ويتنبهو أمن غفلتهم. ووصفت الموعظة بأنها من ربكم، لتذكيرهم بما يزيدها تعظيما وقبولا، لأنها لم تصدر عن مخلوق تحتمل توجيهاته الخطأ والصواب ، وإنما هى صادرة من خالق النفوس ومربيها ، العليم بما يصلحها ويشفيها . وقيد الرحمة بأنها للمؤمنين. لأنهم هم المستحقون لها، بسبب إيمانهم وتقواهم . قال الآلونى ما ملخصه: واستدل بالآية على أن القرآن يشفى من الأمراض البدنية كما يشفى من الأمراض القلبية، فقد أخرج ابن مردويه عن أبى سعيد الخدرى قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إنى أشتكى صدرى . فقال - عليه الصلاة والسلام -: اقرأ القرآن. يقول الله - تعالى -: شفاء لما فى الصدور ، . وأخرج البيهقى فى الشعب عن واثلة بن الأسقع أن رجلا شكا إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - وجع حلقه. فقال له عليك بقراءة القرآن)). وأنت تعلم أن الاستدلال بهذه الآية على ذلك مما لا يكاد يسلم. والخبر الثانى لا يدل عليه ، إذ ليس فيه أكثر من أمره - صلى الله عليه وسلم - الشاكى بقراءة القرآن إرشاداً له إلى ما ينفعه ويزول به وجعه . ونحن لا ننكر أن لقراءة القرآن بركة. قد يذهب الله بسنبها الأمراض والأوجاع ، وإنما تنكر الاستدلال بالآيه على ذلك. والخبر الأول وإن كان ظاهراً فى المقصود. لكن ينبغى تأويله. كأن يقال: لعله - صلى الله عليه وسلم - اطلع على أن فى صدر الرجل مرضاً معنوياً قلبياً، قد صار سبباً للمرض الحسى البدنى. فأمره - صلى الله عليه وسلم - بقراءة القرآن ليزول عنه الأول فيزول الثانى . سورة - ١١٦ - يو أس والحسن البصرى ينكر كون القرآن شفاء الأمراض. فقد أخرج أبو الشيخ عنه أنه قال: إن الله - تعالى - جعل القرآن شفاء لما فى الصدور، ولم يجعله شفاء الأمراضكم، والحق ما ذكرنا، (١). وقوله ((قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا، هو خير مما يجمعون)) حض للناس على اغتنام ما فى تعاليم الإسلام من خيرات ، وإيثارها على ما فى الدنيا من شهوات . أى : قل يا محمد لمن يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة : اجعلوا فرحكم الأكبر، وسروركم الأعظم ، بفضل الله الذى شرع لكم هذا الدين على لسان رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -، وبرحمته التى وسعت كل شىء وهى بالمؤمنين أوسع ، لا بما تجمعون فى هذه الدنيا من أموال زائلة ومتع فافية . وقد فسر بعضهم فضل الله ورحمته بالقرآن ، ومنهم من فسر فضل الله بالقرآن ، ورحمته بالإسلام، ومنهم من فسرهما بالجنة والنجاة من النار. ولعل تفسيرهما بما يشمل كل ذلك أولى؛ لأنه لم يرد نص صحيح عن الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم - يحدد المراد منهما، ومادام الأمر كذلك فحملهما على مايشمل الإسلام والقرآن والجنه أولى . قال ابن كثير: قوله - تعالى-((قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفر حوا)) أى بهذا الذى جاءهم من الله من الهدى ودين الحق فليفرحوا، أولى مما يفرحون به من حطام الدنيا ومافيها من الزهرة الفانية والذاهبة لا محالة . فعن أيفع بن عبدالكلاعى قال : لما قدم خراج العراق إلى عمر - رضى الله عنه - خرج عمر ومولى له، فجعل بعد الإبل، فإذا هى أكثر من ذلك، فجعل (١) تفسير الآلوسي = ١١ ص ١٤٠ الجزء التاسع -١١٧- عمر يقول: الحمد لله - تعالى -، ويقول مولاه: هذا والله من فضل الله ورحمته. فقال : عمر كذبت ليس هذا هو الذى يقول الله - تعالى - ((قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير ما يجمعون (١))). أى: ليس هذا المال هو المعنى بهذه الآية، وإنما فضل الله ورحمته يتمثل فيها جاءهم من الله - تعالى - من دين قويم، ورسول كريم، وقر آن مبين ودخلت الباء على كل من الفضل والرحمة ، للإشعار باستقلال كل منهما بالفرح به . والجار والمجرور فى كل منهما متعلق بمحذوف، وأصل السكلام: قل لهم يا محمد ليفرحوا بفضل الله وبرحمته ، ثم قدم الجار والمجرور على الفعل الإفادة الاختصاص، وأدخلت الفاء لإفادة السببية، فكأنه قيل: إن فرحوا بشىء فليكن بسبب ما أعطاهم الله - تعالى - من فضل ورحمة، لا بسبب ما يجمعون من زينة الحياة الدنيا . قال القرطبى : والفرح لذة فى القلب بإدراك المحبوب . وقد ذم الله الفرح فى مواضع، كقوله - سبحانه - ((إن الله لا يحب الفرحين)) وكقوله :( إنه لفرح بخور، ولكنه مطلق. فإذا قيد الفرح لم يكن ذما، لقوله - تعالى - ((فرحين بما آتاهم الله من فضله، وكقوله - سبحانه - هنا فبذلك فليفر حوا، أى بالقرآن والإسلام فليفرحوا ... (٢)،. ثم أمر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يرد أيضا على أولئك الذين أحلوا وحرموا على حسب أهوائهم دون أن يأذن الله لهم بذلك فقال . (قل أر أيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا ، قل الله أذن لكم أم على اللّه تفترون)) أى: قل لهم يا محمد - أيضا - أخبرونى (١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٤٢١ (٢) تفسير القرطبي ج ٨ ص ٣٥٤ ٢ :٢ - ١١٨ - يونس تفسير سورة أيها المبدلون لشرع الله على حسب أهوائكم: إن الله - تعالى - قد أفاض عليكم ألوانا منه الرزق الحلال، فجتتم أنتم ، وقسمتم هذا الرزق الحلال ، فجعلتم من حلالا وجعلتم منه حراما ، وقد حكى الله - تعالى - فعلهم هذا فى آيات متعددة، منها قوله - تعالى - وقالوا ما فى بطون هذه الأنعام خالصة لذ كورنا ومحرم على أزواجنا. (١). ٢ قال الإمام ابن كثير : قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم ، نزلت إنكارا على المشركين فيما كانوا يحلون ويحرمون من البحائر والسوائب والوصائل كقوله - تعالى -: ((وجعلوا لله مما ذر أمن الحرث والأنعام نصيبا ... الآيات)). وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن أبى إسحاق، سمعت أبا الأحوص وهو عوف بن مالك بن نملة يحدث عن أبيه قال : أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأفارث الهيئة فقال: ((هل لك مال))؟ قلت: نعم. قال: من أى المال؟ قال قلت: من كل المال . من الإبل والرقيق والخيل والغنم فقال: إذاآتاك الله مالا فلير عليك ثم قال: هل تنتج إبلك صحاحا آذانها ، فتعمد إلى موسى فتقطع آذانها فتقول : هذه بحر. وتشق جلودها وفقول: هذه صرم وتحرمها عليك وعلى أهلك. قال: نعم. قال: فإن ما آتاك الله لك حل. ساعد الله أشد من ساعدك. وموسى الله أحد من موساك (٢)، . ٢ وقوله ((قل آلله أذن لكم أم على اللّه تفترون)) إستفهام قصد به التوبيخ والزجر أى: قل لهم يامحمد على سبيل التوبيخ والزجر: إن الله وحده هو (١) سورة الأنعام . الآية ص ١٣٩ (٢) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٤٢٣ الجزء - ١١٩ - الحادى عشر الذى يملك التحليل والتحريم، فهل هو - سبحانه - أذن لكم فى ذلك، أم عليه تفترون الكذب ؟ لا شك أنه - سبحانه - لم يأذن لكم فى ذلك ، وإنما أنتم الذين حللتم وحرمتم على حسب أهوائكم. لأنه لو أذن لكم فى ذلك، ذلبينه على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - . قال صاحب الكشاف: وقوله: ((آلله أذن لكم، متعلق بأرأيتم، وقل تكرير للتوكيد. والمعنى أخبرونى الله أذن لكم فى التحليل والتحريم، وأقتم تفعلون ذلك بإذنه ، أم تكذبون على الله فى نسبة ذلك إليه. ويجوز أن تكون الهمزة للإفكار وأم منقطعة ، بمعنى بل أقفترون على الله، تقرير الإفتراء. ثم قال : وكفى بهذه الآية زاجرا بليغا عن التجوز فيما يسأل عنه من "الأحكام: وباعثة على وجوب الاحتياط فيه، وأن لا يقول أحد فى شىء جائز أو غير جائز إلا بعد إيقان وإتقان ، ومن لم يوقن فليتق الله وليصمت . وإلا فهو مفتر على أنته(١). « ثم توعدهم - سبحانه - بو- المصير على جرأتهم وكذبهم فقال- وماظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة ... )). أى: هؤلاء الذين أحلوا وحرموا افتراء على الله ماذا يظنون أن الله سيفعل بهم يوم القيامة؟ أيظنون أن اللّه سيتركهم بدون عقاب؟ كلا إن عقابهم الشديد بسبب افتراتهم عليه الكذب . وأبهم - سبحانه - هذا العقاب للتهويل والتعظيم، حيث أباحوا لأنفسم ما لم يأذن به الله - تعالى - . وقال- سبحانه -ـ((وماظن ... )) بصيغة الماضى لتحقق الوقوع، وأكثر أحوال القيامة يعبر عنها بهذه الصيغة لهذا الغرض . (١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٠٢٤٢ سورة - ١٢٠ - يونس وقوله: (( إن الله لذو فضل علىالناس ولكن أكثرهم لا يشكرون، تذييل قصد به حض الناس على شكر خالقهم ، وأتباع شريعته فيما أحل وحرم . أى: إن الله لذو فضل عظيم على عباده، حيث خلقهم ورزقهم، وشرع لهم ما فيه مصلحتهم ومنفعتهم، ولكن أكثرهم لا يشكرونه على هذه النعم لأنهم يستعملونها فى غير ما خلقت له. وبعد أن ذكر - سبحانه - عباده بفضله، وما يجب عليهم من شكره، عطف على ذلك تذكيره زياهم بإحاطة علمه بكل صغيرو كبير فى هذه الكون فقال: (( وما تكون فى شأن، وما قتلو منه من قرآن، ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهوداً .... . أى: وما تسكون - أيها الرسول الكريم - فى شأن من الشئون أو فى حال من الأحوال . وما تتلو من أجل ذلك الشأن من قرآن يهدى إلى الرشد . ولا تعملون - أيها الناس - عملا صغيرا أو كبيرا. إلا كنا عليكم مطلعين . ومن فى قوله ((منه)) للتعليل، والضمير يعود إلى الشأن، إذ التلاوة أعظم شئونه - صلى الله عليه وسلم - ولذا خصت بالذكر. ويجوز أن يعود للقرآن الكريم، ويكون الإضمار قبل الذكر لتفخيم شأنه، وتعظيم أمره . ومن فى قوله ((من قرآن، مزيدة لتأكيد النفى. وقال الآلوسي: والخطاب الأول خاص برأس النوع الإنسانى، وسيد. المخاطبين - على اللّه عليه وسلم - وهذا وهو قوله ((ولا تعملون ... , عام. ويشمل سائر العباد برهم وفاجرهم وقد روعى فى كل من المقامين ما يليق به» فعبر فى مقام الخصوص فى الأول بالشأن، لأن عمل العظيم عظيم، وفى الثانى.