النص المفهرس

صفحات 61-80

الجزء
٠ - ٧٧ - الحادى عشر
وقوله: ( أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ) تذييل قصد به تأكيد
مدحهم ومسرتهم.
أى : أولئك المتصفون بتلك الصفات الكريمة هم أصحاب دار السلام،
وهم خالدون فيها خلودا أبديا، لا خوف معه ولا زوال .
ثم بين - سبحانه - مصير الظالمين، بعد أن بين حسن عاقبة المحسنين ،
ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حى عن بينة فقال - تعالى -: ((والذين
كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها ، وترهقهم ذلة، ما لهم من الله من عاصم،
كأنما أغشيت قطعا من الليل مظلماء .....
أى : إذا كان جزاء الذين أحسنوا الحسنى وزيادة، فإن جزاء الذين
اجترحوا السيئات ، واقترفوا الموبقات، سيئات مثل السيئات التى ارتكبوها
كما قال - تعالى - ((وجزاء سيئة سيئة مثلها)).
والمقصود أنهم كماكسبوا السيئات فى الدنيا، فإن الله - تعالى - يجانبهم
عليها فى الآخرة بما يستحقون من عذاب ومصير سى ..
وقوله: (( وترهقهم ذلة، أى: وتغشاهم وتغطيهم ذلة عظيمة، ومهانة
شديدة . وفى إسناد الرهق إلى أنفسهم دون وجوههم ، إيذان بأنها محطة
بهم من كل جانب .
وقوله: ((ما لهم من اللّه من عاصم)، أى: ليس لهم أحد يعصمهم أو يجيرهم
أو يشفع لهم ، بحيث ينجون من عذاب الله - تعالى-
وقوله: « كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما، تصوير بديع
الظلام الحسى والمعنوى الذى يبدو على وجوه هؤلاء الظالمين.
أى: كأنما ألبست وجوههم قطعا من الليل المظلم، والسواد الحالك،
حتى صارت شديدة السواد واضحة الكدرة والظلمة .

سورة
يونس
- ٧٨ -
وقوله: «أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون، بيان لسوء عاقبتهم »
وتعاسة أحوالهم .
أى : أولئك المتصفون بتلك الصفات الذميمة ، أصحاب النار هم فيها
خالدون خلودا أبديا لا نهاية له .
وهكذا نرى فى هذه الآيات الكريمة تصويرا بديعا لما عليه المؤمنون
الصادقون من صفات حسنة ، ومن جزاء كريم، يتجلى فى رفع درجاتهم،
وفى رضا الله - تعالى - عنهم، كما نرى فيها - أيضا - وصفا معجزا لأحوال
الخارجين عن طاعته؛ وعن المصير المؤلم ، الذى ينتظرهم يوم القيامة، ((يوم
لا تملك نفس لنفس شيئا، والأمر يومئذ لله ».
ثم حكى - سبحانه - جانبا من الأقوال التى تدور بين المشركين وبين
شركاتهم يوم القيامة ، فقال - تعالى -:
وَيَوْمَ تَخْتُرُهُمْ جِعًا
ثُمَّنَقُولُ لِلَّذِينَ أَثْرَ كُواْ مَكَانَكُمْ أَنُ وَغُرَّ كَاؤُ كُمْ فَزَيَلْنَا بَيْنَهٍَُ
وَقَالَ ثُرَ كَاؤُهُم مَّا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (﴾ فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِدًا
بَيْنَنَ وَ يَبْنَكُمْ إِن ◌ُا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَفِنَ (٦ مُنَلِكَ ◌َبْلُواْ كُلُّ
نَفْسِ مَّ أَسْلَفَتْ وَرُواْإِلَى اللَّهَوْلَهُمْ الْحَّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُراً
يُقْتَرُونٌ !
وقوله: «تحشرهم، أو تجمعهم يوم القيامة للحساب، يقال: حشر القائد
جنده ، إذا جمعهم للحرب أو لأمر من الأمور .
ويوم ظرف زمان منصوب بفعل مقدر .
والمعنى : وأذكر أيها الرسول الكريم أو أيها الإنسان العاقل، يوم تجمع
الناس كافة، لنحاسبهم على أعمالهم فى الدنيا .

الجزء
١
- ٧٩ - الحادى عشر
(( ثم نقول للذين أشركوا مكافكم أنتم وشركاؤكم)، أى: ثم نقول للمشركين
منهم فى هذا اليوم العصيب، إلزموا مكانكم أنتم وشركاؤكم فلا قبر حوه حتى
يقضى الله قضاءدفيكم. فقوله: ((مكانكم، ظرف مكان منصوب بفعل مقدر.
وقوله (شركاؤكم) معطوف على ضمير الفعل المقدر، وقوله (أنتم) تأكيد له.
أى قفوا مكانكم أنتم وشركاؤكم .
وجاء العطف بثم، الإشارة إلى أن بين حشرهم وبين ما يقال لهم، مواقف.
أخرى فيها من الأهوال ما فيها، فثم هنا للتراخى النسبى.
وقال - سبحانه - مكانكم أنتم وشركاؤكم - مع أن المشركين كانوا
يعتبرون معبوداتهم شركاء الله - من باب التهكم بهم. والإشارة إلى أن
ما عبدوهم لم يكونوا فى يوم من الأيام شركاء لله، وإنما المشركون هم
الذين وصفوهم بذلك افتراء و كذبا .
وجاء وصفهم بالشرك فى حيز الصلة، للإيذان بأنه أكبر جناياتهم؛ وأن
شركهم بالله - تعالى - هو الذى أدى بهم إلى هذا المصير المؤلم .
وقوله : (فزبلنا بينهم ) أى: ففرقنا بينهم، وقطعنا ما بينهم من صلات،
وميزفا بعضهم عن بعض كما يميز بين الخصوم عند التقاضى والمساءلة .
وزيلنا : من التزبيل بمعنى التمييز والتفريق . يقال: زيلت الشىء أزيله
إذا نحيته وأبعدته ، ومنه قوله - تعالى - : ( لو نزيلوا لعذبنا الذين كفروا
منهم عذابا أليما (١) ) أى : لو تميزوا وتفرقوا.
وعبر بالفاء للدلالة على أن هذا التفريق والتمييز ؛ قد حدث عقب الخطاب
من غير مهلة . وجاء الأسلوب بصيغة الماضى مع أن هذا التزيبل سيكون فى
الآخرة، للإبذان بتحقق الوقوع، وإلى زيادة التوبيخ والتحسير لهم .
وقوله: ( وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون) معطوف على ما قبله.
(١) سورة الفتح الآية ٢٥.

سورة
- ٨٠ -
يونس
والمراد بالشركاء : كل ما عبد من دون الله من إن وجن وأوثان
وغير ذلك .
أى: وقال شركاؤهم الذين أشركوهم فى العبادة مع الله - تعالى -: إنكم
أيها المشركون لم تكونوا لنا عابدين فى الدنيا، وإنما كنتم تعبدون أشياء
أخرى زينها الشيطان لكم ؛ فانقدتم له بدون تدبر أو تعقل .
والمقصود بقولهم هذا التعرى من المشركين، وقوبيخهم على أفكارهم
الفاسدة .
وقوله: ((فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم الغافلين،
تأكيد لهذا التبرى والإنكار، ورجوع إلى الشهادة الحق فى ذلك .
و((إن، فى قوله (( إن كنا)) مخففة من الثقيلة .. أى: فكفى أن يكون
الله - تعالى - شهيدا وحكما بيننا وبينكم، فهو - سبحانه - يعلم
حالنا وحالكم ، ويعلم أننا كنا فى غفلة عن عبادتكم لنا ، بحيث إننا
ما فكرنا فيها ولا رضينا بها .
ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات الكريمة ببيان أحوال الناس فى
هذا اليوم العظيم فقال: « هنالك قبلو كل نفس ما أسلفت، وردوا إلى الله
مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون)).
أى : هنالك فى ذلك الموقف الهائل الشديد ، تختبر كل نفس مؤمنة
أو كافرة، ما سلف منها من أعمال، فترى ما كان نافعاً أو ضاراً من هذه
الأعمال، وترى الجزاء المناسب عن كل عمل بعد أن عاد الجميع إلى الله مولاهم
الحق ، ليقضى بينهم بقضائه العادل ، وقد غاب عن المشركين فى هذا الموقف
ما كانوا يفترونه من أن هناك آلهة أخرى ستشفع لهم يوم القيامة .
وهكذا نرى الآيات الكريمة تصور أحوال الناس يوم الدين تصويراً

الجزء - ٦٥ - الحادى عشر
والمراد بالريح الطيبة: الريح المناسبة لسير السفن، والموافقة لاتجاهها.
أى: هو - سبحانه - وحده الذى ينقلكم من مكان إلى آخر فى البر
والبحر، حتى إذا كنتم فى إحدى مرات تسيير كم راكين فى السفن التى -خرها
لكم، وجرت هذه السفن لمن فيها بسبب الريح الطيبة إلى المكان الذى
تقصدونه، وأنتم فى حالة فرح غامر، وسرور شامل ... (, جامتها ريح
. عاصف، وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم ... )).
والريح العاصف: هى الريح الشديدة القوية. يقال: عصفت الريح
. وأعصفت، فهى عاصف إذا اشتدت فى سرعتها وهيجانها ..
والموج: ماارتفع من مياه البحار، والظن هنا بمعنى اليقين أو الاعتقاد
الراجح. وقوله : ((أحيط بهم)) أى: أحاط بهم البلاء من كل ناحية . يقال
لمن وقع فى بلية، قد أحيط به . وأصل هذا أن العدو إذا أحاط بعدوه
جعله على حافة الهلاك .
أى بعد أن جرت السفن بهؤلاء القوم فى البحر وهم فى فرح وحبور،
جاءت إليهم ريح عاصفة شديدة السرعة والتقلب، وارتفع إليها الموج
من كل مكان، واعتقد ركابها - الذين كانوا منذ قليل فرحين مبتهجين -
أنهم قد أحاط بهم الهلاك كما يحيط العدو بعدوه .
وقوله: ((بهم، فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة، لأنه كان الظاهر أن
يقال: حتى إذا كنتم فى الفلك وجرين بكم، لكن جاء الكلام على أسلوب
الالتفات، المبالغة فى تقبيح أحوالهم، وسوه دمفيعهم، وإعمال شئونهم،
قال صاحب الكشاف: فإن قلت ما فائدة صرف الكلام من الخطاب
إلى الغيبة؟ قلت المبالغة كأنه يذكر لغيرهم حالهم ايعجبهم منها، ويستدعى
منهم الإنكار والتقبيح ، (١).
(١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٠٢٣١
(٥ - سورة يونس )

سورة
- ٦٦ - يونس
وقوله: ((دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من.
الشاكرين )» بيان لما قالوه بعد أن داهمتهم الرياح العاصفة، والأمواج
العالية وبعد أن أيقنوا أنهم على حافة الموت .
أى فى تلك الساعات العصيبة، واللحظات الحرجة، توجهوا إلى الله.
وحده قائلين : نقسم لك ياربنا، وبامن لا يعجزك شىء، لتن أنج يتنامن تلك
الأحوال التى نحن فيها، لنكونن من الشاكرين لك ، المطيعين لأمرك،
المتبعين لشرعك .. .
وهنا، وبعد هذا الدعاء العريض، هدأت العاصفة، وانخفضت الأمواح،
وسكنت النفوس بعض السكون، ووصلت السفن إلى شاطئ الأمان فماذا.
كانت النتيجة ؟
كانت النتيجة كما صورها القرآن الكريم: «فلما أنجاهم إذاهم يبغون فى.
الأرض بغير الحق ... )).
أى : فين أجاهم الله - تعالى - بفضله ورحمته من هذا الكرب العظيم
الذى كانوا فيه ، إذاهم يسعون فى الأرض فساداً ، وير تكبون البغى.
الفاضح الذى لا يخفى قبحه على أحد .
وقيد البغى بكونه بغير الحق، لأنه لا يكون إلا كذلك ، إذ البغى معناه:
تجاوز الحق . يقال : بغى الجرح إذا تجاوز حده فى الفساد.
فقوله: ((بغير الحق، تأكيد لما يفيده البغى من التعدى والظلم؛ فهو بغى
ظاهر سافر لا يخفى قبحه على أحد .
وقيل قيده بذلك ليخرج البغى على الغير فى مقابلة بغيه . فانه يسمى بغيا
فى الجملة، لكنه بحق. وهو قول ضعيف، لأن دفع البغى لا يسمى بغيا. وإنما
يسمى انصافا من الظالم ، ولذا قال القرآن الكريم: ولمن اقتصر بعد ظلمه
فأولئك ما عليهم من سبيل)) (١) وجاء التعبير بالفاء وإذا الفجائية، الإشعار
(١) سورة الشورى الآية ٤١

- ٦٧ -
الجزء
الحادى عشر
بأنهم قوم بلغ بهم اللؤم والجحود ، أنهم بمجرد أن وطئت أقدامهم بر
الأمان ، نسوا ما كانوا فيه من أهوال، وسارعوا إلى الفساد فى الأرض،
دون أن يردعهم رادع، أو يصدهم ترغيب أو ترهيب .
والتعبير بقوله ((فى الأرض)) للإشارة إلى أن يغلبهم قد شمل أفطارها،
ولم يقتصر على جانب من جوانبها .
وقوله - سبحانه - ((يأيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة
الدنيا ثم إلينا مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون، خطاب منه - سبحانه-
لأولئك البغاة فى كل زمان ومكان ، قصد به التهديد والوعيد .
أى : يأيها الناس الذين تضرعوا إلينا فى ساعات الشدة، وهرولوا إلى
البغى بعد زوال تلك الشدة ، اعلموا أن بغيكم هذا مرجعه إليكم لا إلى غير كم
فأنتم وحد كم الذين ستتحملون سوء عاقبته فى الدنيا والآخرة .
واعلموا أن هذا البغى إنما تتمتعون به متاع الحياة الدنيا التى لا بقاء
لها، وإنما هى إلى زوال وفناء .
واعلموا كذلك أن مردكم إلينا بعد هذا التمتع الفانى . فنخبركم يوم
الدين بكل أعمالكم، ونجازيكم عليها بالجزاء الذى تستحقوفه.
وقوله: (( إنما بغيكم)) مبتدأ وخبره, على أنفسكم، أى هو عليكم
فى الحقيقة لا على الذين تبغون عليهم وقوله: («متاع الحياة الدنيا)): قرأ
حفص عن عاصم (متاع) بفتح العين على أنه مصدر مؤكد لفعل مقدر
أى : تتمتعون به متاع الحياة الدنيا الزائلة الفافية .
وقرأ الجمهور بالرفع على أنه خبر لمبتد أ محذوف والتقدير: هو متاع الحياة
الدنيا. وقوله: ((ثم إلينا مرجعكم فتنبئكم بما كنتم تعملون)، تذييل قصد
به تمديدهم على بغيهم، ووعيدهم عليه بسوء المصير حتى رتدعواوينزجروا.

سورة
- ٦٨ -
يونس
هذا ، ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى:
١ - أن من الواجب على العاقل أن يكثر من ذكر الله فى حالتى الشدة
والرخاء، وأن لا يكون ممن يدعون الله عند الضر وينسونه عند العافية،
ففى الحديث الشريف: «تعرف إلى الله فى الرخاء يعرفك فى الشدة.
٢ - أن الناس جبلوا على الرجوع إلى الله وحده عند المصائب والمحن،
وفىذلك يقول الآلوسی: روى أبو داودوالنسائى و غير هماعن سعدینأبى وقاص
قال: لما كان يوم الفتح فر عكرمة بن أبى جهل فركب البحر فأصابتهم ريح
عاصف، فقال أصحاب السفينة اركابها: أخلصوا فإنآلهتكم لا غنى عنكم شيئا.
فقال عكرمة: لئن لم ينجنى فى البحر إلا الإخلاص ، ما ينتجينى فى البرغيره.
اللهم إن لك عهدا أن أنت عافيتنى ما أنا فيه أن آتى محمدا حتى أضع يدى
فى يده، فلأ جدنه عفوا كريما. قال: فجاء فأسلم.
وفى رواية ابن سعد عن أبى مليكه: أن عكرمة لماركب السفينة وأخذتهم
الريح فجعلوا يدعون الله - تعالى - ويوحدونه فقال ما هذا؟ فقالوا: هذا
مكان لا ينفع فيه إلا الله - تعالى -، قال: ((فهذا ما يدعونا إليه محمد -
صلى الله عليه وسلم - فارجعوا بنا. فرجع وأسلم ... ) (١).
وقال الفخر الرازى: يحكى أن واحدا قال لجعفر الصادق: اذكرلى دليلا
على إثبات الصانع؟ فقال له: أخير فى عن حرفتك. فقال: أنا رجل أتجر
فى البحر . فقال له: صف لى كيفية حالك. فقال: ركبت البحر فانكسرت
السفينة وبقيت على لوح واحد من ألواحها، وجاءت الرباح العاصفة. فقال
جعفر : هل وجدت فى قلبك تضرعا ودعاء. فقال نعم. فقال جعفر: فإلهك
هو الذى تضرعت إليه فى ذلك الوقت)) (٢) .
(١) تفسير الآلوسي جـ ١١ ص ٠٩٧
(٢) تفسير الفخر الرازى جـ ١٧ ص ٢٧.

- ٦٩ -
الجزء - ٩
الحادى عشر
وقد ساق صاحب المنار قصة ملخصها أن رجلا إنجليزيا قرأ ترجمة قوله
- تعالى - ((هو الذى يسيركم فى البر والبحر ... ، فراعته بلاغة وصفها
لطغيان البحر ... وكان يعمل قائدا لإحدى الفر ... فسأل بعض المسلمين:
أتعلمون أن نبيكم - صلى الله عليه وسلم - قد سافر فى البحار؟
فقالوا له لا .... (( فأسلم الرجل لأنه أعتقد أن القرآن ليس من كلام
البشر وإنما هو كلام الله - تعالى .... )) (١).
٣ - دل قوله - تعالى ((بأبها الناس إنما بغيكم على أنفسكم .... على أن
البغى يجازى أصحابه عليه فى الدنيا والآخرة .
فأما فى الآخرةفهو مادل عليه إنذار أهله بأنه - سبحانه - سيجازيهم عليه
أسوأ الجزاء .
وأما فى الدنيا فبدليل قوله - تعالى - ((يأيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم»
ويؤيده مارواه البخارى فى الأدب المفرد والترمذى وابن ماجه والحاكم من
حديث أبى بكر الصديق - رضى الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
قال : ما من ذنب يعجل الله لصاحبه العقوبة فى الدنيا مع ما يدخر له فى
الآخرة من البغى وقطيعة الرحم ، (٢) .
قال الآلوسى: وفى الآية من الزجر عن البغى مالا يخفى، فقد أخرج
أبو نعيم والخطيب والديلى وغيرهم عن أنس قال: قال رسول الله -صلى الله
عليه وسلم - ثلاث هن رواجع على أهلها: المكر والنكث والبغى. ثم تلا
- صلى الله عليه وسلم-قوله - تعالى -: ((يأيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم)).
وقوله - تعالى - ((ومن تكث فإنما ينكث على نفسه، وقوله-تعالى-ولا يحيق
المكر السىء إلا بأهله)).
(١) راجع تفسير المنار جـ ١١ ص ٣٤١.
جـ ١١ ص ٢٤٣.
(٢) ,

سورة - ٧٠ - يونس
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن عمر قالا : قال رسول الله
- صلى الله عليه وسلم -: ((لوبغى جبل على جبل لدك الباغى منهما)).
وكان المأمون يتمثل بهذين البيتين لأخيه :
فارجع فخير فعال المر. أعدله
اصاحب البغى إن البغى مصرعه
لاندك منه أعاليه وأسفله (١)
لو بغى جبل يوما على جبل
ثم ساق - سبحانه - مثلا لمتاع الحياة الدنيا الزائل، ولزخرفها الفانى،
قال - تعالى - :
إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَّةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ
لْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَطَ بِهِ، نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّ يَأْكُلُ النَّاسُ.
لْأَنْعَثُمُ حََّ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُْرُفَهَا وَأَّيََّتْ وَظَرَِّ
نَ أَنَّهُمْ قَدِدِرُونَ عَلَيْهَا أَتَنْهَا أَمْرُنَا لَيْلَا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَهَا؟
صِيدًا كَأَنْ لَّمْ تَفْنَ بِالْأَمْسِنَّ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَلْتِ لِقَوْمِ
ذُكَّرُونَ
٢٤
وقوله - سبحانه - ((إنما مثل ... ، المثل بمعنى المثل. والمثل: النظير
والشبيه، ثم أطلق على القول السائر المعروف لماثلة مضر به - وهو الذى يضرب
فيه - لمورده الذى ورد فيه أولا. ولا يكون إلا فيما فيه غرابة. ثم أستعير
لمصفة أو الحال أو القصة إذا كان لها شأن عجيب وفيها غرابة، وعلى هذا المعنى
يحمل المثل فى هذه الآية وأشباهها .
والأمثال إنما تضرب لتوضيح المعنى الخفى، وققريب الشىء المعقول من
الشىء المحسوس، وعرض الأمر الغائب فى صورة المشاهد ، فيكون المعنى
الذى ضرب له المثل أوقع فى القلوب ، وأثبت فى النفوس .
(١) تفسير الآلوسي جـ ١١ ص ٠١٠٠

الحادى عشر
- ٧١ -
الجزء : -
والمعنى: إنما صفة الحياة الدنيا وحالها فى سرعة زوالها، وانصرام
تعيمها بعد إقباله، كحال ((ماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض»
أى: فكثر بسببه نبات الأرض حتى التف وتشابك بعضه ببعض لازدهاره
وتجاوزه ونمائه .
وشبه - سبحانه - الحياة بماء السماء دون ماء الأرض، لأن ماء السماء
وهو المطر لا تأثير لكسب العبد فيه بزيادة أو نقص، بخلاف ماء الأرض،
فكان تشبيه الحياة به أنسب .
وقوله: ((ما ياً كل الناس والأنعام)) معناه: وهذا النبات الذى نماوازدهر
بسبب نزول المطر من السماء ، بعضه مما يأكله الناس كالبقول والفواكه.
وبعضه ما تأكله الأنعام كالحشائش والأعشاب المختلفة .
وجملة ((مما يأكل الناس والأفعام ، حال من النبات .
وقوله: « حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وأزيلت .. )) تصوير
-بديع لما صارت عليه الأرض بعد نزول الماء عليها، وبعد أن أفبتت من كل
·زوج بهيج.
ولقط ((حتى)) غابة المحذوف: أى نزل المطر من السماء فاهتزت الأرض
وربت وأنبتت النبات الذى مازال ينمو ويزدهر حتى أخذت الأرض
·زخرفها .
والزخرف: الذهب وكمال حسن الشىء. ومن القول حسنه ، ومن
الأرض أوان نباتها .
أى: حتى إذا استوفت الأرض حسنها وبها.ها وجمالها، وأزينت بمختلف
أنواع النباتات ذات المناظر البديعة، والألوان المتعددة .
قال صاحب الكشاف: وهو كلام فصيح ، جعلت الأرض آخذةزخرفها
وزينتها على التمثيل بالعروس إذا أخذت الثياب الفاخرة من كل لون فا كتستها،

سورة - ٧٢ - يونس
وتزينت بغيرها من ألوان الزينة، أصل أزينت تزينت) ١١).
وقال الألوسى : وذكر غير واحد أن الكلام استعارة بالكتابة، حيثه.
شبهت الأرض بالعروس، وحذف المشبه به، وأقيم المشبه مقامه ، وإثبات.
الزخرف لها تخييل ، وما بعده ترشيح (٢).
وقوله: ((وظن أهلها أنهم قادرون عليها، أى: وظن أهل تلك الأرض
الزاخرة بالنباتات النافعة ، أنهم قادرون على قطف ثمارها . ومتمكنون من
التمتع بخيراتها، ومن الانتفاع بغلاتها .
وقوله: (( أتاها أمرنا ليلا أونهارا فجعلناها حصيدا ... )، تصوير معجز
لما أصاب زرعها من هلاك بعد نضرته واستوائه و«أو، للتنويع أى: قارة
بأتی لیلا وقارة یأتی نهارا .
والجملة الكريمة جواب إذا فى قوله ((حتى إذا أخذت الأرض زخرفها .. ))
أى: بعد أن بلغت الأرض الذروة فى الجمال وفى تعلق الآمال بمنافع
زروعها ، أقاها قضاؤنا النافذ، وأمرنا المقدر لإهلاكها بالليز وأصحابها نائمون،
وبالنهار وهم لاهون ، فجعلناها بما عليها كالأرض المحصودة، التى.
استؤصل زرعها .
وقوله : كأن لم تغن بالأمس، تأكيد لهلاكها واستئصال ما عليها من.
نبات بصورة سريعة حاسمة .
أى: جعلناها كالأرض المحصودة التى قطع زرعها، حتى لكأنها لم يكن
بها منذ وقت قريب: الزرع النضير، والنبات البهيج ، والنخل الباسق ،
بالطلع النضيد ...
(١) تفسير الكشاف ج ٢ ص ٢٣٣.
(٢) تفسير الآلوسي جـ ١١ ص ٠١٠١

الجزء
- ٧٣ -
الحادى عشر
قال القرطبى: قوله: ((كأن لم تغن بالأمس، أى: لم تكن عامرة؛ من غنى.
بالمكان إذا أقام فيه وعمره، والمغانى فى اللغة: المنازل التى يعمرها الناس)) (١).
وقال ابن كثير: قوله: ((كأن لم تغن بالأمس ، أى كأنها ما كانت حينا
قبل ذلك ، وهكذا الأمور بعد زوالها كأنها لم تكن ، ولهذا جاء فى الحديث
الشريف: « يؤتى بأنعم أهل الدنيا فيغمس فى النار غمسة فيقال له: هل رأيت
خيرا قط ؟ هل مربك نعم قط ؟ فيقول لا . ويؤتى بأشد الناس عذابا فى الدنيا
فيغمس فى النعيم غمسة ثم يقال له: هل رأيت بؤساقط ، فيقول لاء (٢).
والمراد بالأمس هنا : الوقت الماضى القريب : لاخصوص اليوم الذى
قبل يومك .
وقوله : كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون)، تذبيل قصد به الحض
على التفكر والاعتبار .
أى : كهذا المثل فى وضوحه وبيانه لحال الحياة الدنيا، وقصر مدة التمتع بها،
تفصل الآيات ونضرب الأمثال الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا لقوم يحسنون
التفكر والتدبر، فى ملكوت السموات والأرض .
قال الجمل ما ملخصه: وهذه الآية مثل ضربه الله - تعالى - للتشبث فى الدنيا،
الراغب فى زهرتها وحنها .... ووجه التمثيل أن غاية هذه الدنيا التى ينتفع بها
المره، كناية عن هذا النبات الذى لما عظم الرجاء فى الانتفاع به ، وقع
اليأس منه . ولأن التمسك بالدنيا إذا نال منها بغيته أقاه الموت بغتة فسلمبه
ما هو فيه من نعيم الدنيا ولذتها، (٣).
(١) تفسير القرطبى ج ٨ ص ٠٢٢٨
(٢) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٠٤١٣
(٣) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٠٣٤٢

يونس
- ٧٤ -
سورة
وبعد أن بين - سبحانه - حال الحياة الدنيا، وقصر مدة التمتع بها، أقبع
ذلك بدعوة الناس جميعا إلى العمل الصالح الذي يوصلهم إلى الجنة فقال-تعالى -:
وَاللهُ بَدْعُواْ إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ.
كَ صِرَاطٍ مُسْتَقِبٍِ رَّالِلَّذِينَ أَحْسَنُواْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ
ج
جُوهَهُمْ فَتَرٌ وَلَا ذِلَةُ أُوْلَئِكَ أَعْتَبُ اَلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ (٣)
الَّذِينَ كَسَبُوْ السَِّّئَاتِ ◌َجَزَآءُ سَبِّئَةٍ بِهَا وَتَهَقُهُمْ ذِلٌَّ مَّهُ مِّنَ
بيع
للَّهِمِنْ عَاصٍِ كَأََّ أُغْتِبَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ الَّيْلِ مُظلِّاً
وْلَئِكَ أَعْتَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ(3)
والمقصود بدار السلام: الجنة التى أعدها الله - تعالى- لعباده المؤمنين.
وسميت بذلك، لأنها الدار التى سلم أهلها من كل ألم وآفة، أو لأن تحيتهم
فيها سلام، أو لأن السلام من أسماء الله - تعالى - فأضيفت إليه تعظيما أشأنها،
وتشريفا لقدرها، كما يقال للكعبة : بيت الله .
وقوله : ((والله يدعو إلى دار السلام ... )) معطوف على محذوى يدل
عليه السياق.
والتقدير: الشيطان يدعوكم إلى إيثار متاع الحياة الدنيا وزخرفها، والله
- تعالى - يدعو الناس جميعا إلى الإيمان الحق الذى يوصلهم إلى دار كرامته .
وقوله: ((ويهدى من يشاء إلى صراط مستقيم)، معطوف على ماقبله.
أى : ويهدى من يشاء هدايته إلى الصراط المستقيم، المؤدى بصاحبه إلى
.عنوان الله ومغفرته.
والمراد بالصراط المستقيم: الدين الحق الذى شرعه الله لعباده، وبلغه لهم
ان طريق نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - .

للجزء
- ٧٥ -
الحادى عشر
وقوله : (( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ٠٠٠)) بيان لحسن عاقبة الذين
استجابوا لدعوته، واقبعوا صراطه المستقيم .
أى: للمؤمنين الصادقين الذين قدموا فى دنياهم الأعمال الصالحة، المنزلة
الحسنى، والمثوبة الحسنى وهى الجنة، ولهم زيادة على ذلك التفضل من الله
- تعالى - عليهم بالنظر إلى وجهه الكريم .
وتفسير الزيادة بالنظر إلى وجهه الكريم، مأثور عن جمع من الصحابة
منهم أبو بكر، وعلى بن أبى طالب ، وابن مسعود، وأبو موسى الأشعرى
وغيرهم - رضى الله عنهم - .
ومستندهم فى ذلك الأحاديث النبوية التى وردت فى هذا الشأن والتى منها
ما أخرجه مسلم فى صحيحه عن صهيب - رضى الله عنه - أن رسول الله
- صلى الله عليه وسلم -: تلا هذه الآية (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة .. ))
. وقال: إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار ، نادى مناد: يا أهل الجنة
إن لكم عند الله موعدا، يريد أن ينجز كموه.
فيقولون : ماهو ؟ ألم يثقل موازيننا، ألم يبيض وجوهنا وبدخلنا الجنة ،
ويزحزحنا عن النار ؟ قال: فيكشف لهم الحجاب فينظرون إليه ، فو الله
ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر إليه، ولا أقر لأعينهم)) (١)
وذكر بعضهم أن المراد بالزيادةهنا: مضاعفة الحسنات بعشر أمثالها أو أكثر،
أو مغفرته - سبحانه - مافرط منهم فى الدنيا، ورضوانه عليهم فى الآخرة.
والحق أن التفسير الوارد عن الصحابة ، والمؤيد بما جاء فى الأحاديث
النبوية هو الواجب الاتباع، ولا يصح العدول عنه، ولامانع من أن يمن الله
عليهم بما يمن من مضاعفة الحسنات ومن المغفرة والرضوان ، بعد نظرهم إلى
وجهه الكريم، أو قبل ذلك .
(١) صحيح مسلم ج١ كتاب الإيمان. حديث رقم ٢٩٧ طبعة محمد فؤادعبد الباقى.

سورة
- ٧٦ -
يونس
ولذا قال الإمام ابن كثير ما ملخصه: قوله ((وزيادة» هى تضعيف ثوابه
الأعمال .. وأفضل من ذلك النظر إلى وجهه الكريم . فإنه زيادة أعظم من
جميع ما يعطوه .. وقد روى تفسير الزيادة بالنظر إلى وجهه الكريم عن جمع
من السلف والخلف؛ وقد وردت أحاديث كثيرة عن النبى - صلى الله عليه وسلم-
فى ذلك ، ومنها ما رواه ابن جرير عن أبى موسى الأشعرى أن رسول الله
- صلى الله عليه وسلم- قال: إن الله يبعث يوم القيامة منادياً ينادى يا أهل
الجنة - بصوت يسمعه أولهم وآخرهم - إن الله وعدكم الحسنى وزيادة.
فالحسنى الجنة ، والزيادة النظر إلى وجه الرحمن - عز وجل - ،٠
وعن أبى بن کعب أنه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم- عن قول.
الله - تعالى -((للذين أحسنوا الحسنى وزيادة، قال: ((الحسنى الجنة
والزيادة النظر إلى وجه الله - تعالى -)) (١).
والمقصودبقوله: ((ولا يرهق وجوههم فقر ولاذلة،: الإخبار عن خلوص.
نعيمهم من كل ما يكدر الصفر، إثر بيان ما أعطاهم من رضوان.
وقوله : ((يرهق) من الردق بمعنى الغشيان والتغطية. يقال : رهقه برحقه
رهقا . - من باب طرب - أى غشيه وغطاه بسرعة.
والقتر والفقرة: الغبار والدخان الذى فيه سواء، والذلة: الهوان والصغار.
يقال : ذل فلان يذل ذلة وذلا، إذا أصابه الصغار والحقارة .
أى ولا يغطى وجوههم يوم القيامه شىء ما يغطى وجوه الكفار، من
السواد والهوان والصغار .
وهذه الجملة بما اشتملت عليه من معانى، قوحى بأن فى يوم القيامة من
الزحام والأهوال والكروب. ما يجعل آثار الحزن أو الفرح ظاهرة على
الوجوه والمشاعر، فهناك وجوه «عليها غبرة ترهقها فترة، وهناك وجوم
( فاضره إلى ربها ناظرة)).
(١) تفسير ابن كثير ج ٢ ص ٤١٤

الجزء - ٧٧ - الحادى عشر
وقوله : ( أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ) تذييل قصد به تأكيد
مدحهم ومسرتهم.
أى : أولئك المتصفون بتلك الصفات الكريمة هم أصحاب دار السلام،
وهم خالدون فيها خلودا أبديا ، لا خوف معه ولا زوال .
ثم بين - سبحانه - مصير الظالمين ، بعد أن بين حسن عاقبة المحسنين،
ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حى عن بينة فقال - تعالى -: (والذين
كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها، وترهقهم ذلة، ما لهم من الله من عاصم،
كأنما أغشيت قطعا من الليل مظلما ... )).
أى : إذا كان جزاء الذين أحسنوا الحسنى وزيادة، فإن جزاء الذين
اجترحوا السيئات ، واقترفوا الموبقات، سيئات مثل السيئات التى ارتكبوها
كما قال - تعالى - ,وجزاء سيئة سيئة مثلها)).
والمقصود أنهم كماكسبوا السيئات فى الدنيا، فإن الله - تعالى - يجازيهم
عليها فى الآخرة بما يستحقون من عذاب ومصير سى ..
وقوله: ((وترهقهم ذلة، أى: وتخشاهم وتغطيهم ذلة عظيمة، ومهانة
شديدة . وفى إسناد الرهق إلى أنفسهم دون وجوههم ، إيذان بأنها محيطة
بهم من كل جانب .
وقوله: (ما لهم من اللّه من عاصم، أى: ليس لهم أحد يعصمهم أو يجيرهم
أو يشفع لهم ، بحيث بنجون من عذاب الله - تعالى.
وقوله: (( كأما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما)، قصوير بديع
الظلام الحى والمعنوى الذى يبدو على وجوه هؤلاء الظالمين .
أى : كأنما ألبست وجوههم قطعا من الليل المظلم، والسواد الحالك،
حتى صارت شديدة السواد واضحة الكدرة والظلمة .

سورة
بو نس
- ٧٨ -
وقوله: ((أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون، بيان لسوء عاقبتهم »
وتعاسة أحوالهم .
أى : أولئك المتصفون بتلك الصفات الذميمة ، أصحاب النار هم فيها
خالدون خلودا أبديا لا نهاية له .
وهكذا نرى فى هذه الآيات الكريمة تصويرا بديعا لما عليه المؤمنون.
الصادقون من صفات حسنة ، ومن جزاء كريم، يتجلى فى رفع درجاتهم،
وفى رضا الله - تعالى - عنهم، كما نرى فيها - أيضا - وصفا معجزا الأحوال
الخارجين عن طاعته؛ وعن المصير المؤلم ، الذى ينتظرهم يوم القيامة، ((يوم
لا تملك نفس لنفس شيئا، والأمر يومئذ الله».
ثم حكى - سبحانه - جانبا من الأقوال التى تدور بين المشركين وبين
شركائهم يوم القيامة ، فقال - تعالى - :
وَيَوْمَ تَخْفُرُهُمْ جِدًا
ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَثْرَ كُوْ مَكَانَكُمْ أَنُمْ وَثُرَ كَ ؤُ كُمْ فَزَيَّلْنَ بَيْنَهُمٍَ
قَالَ ثُرَ كَاؤُهُم مَّا كُنتُمْ إِيّانَ تَعْبُدُونَ (٣٨) فَكَفَى بِالَّهِ شِّدًا
يُنَا وَ بَيْنَكُمْ إِن كُا عَنْ عِبَدَتِكُمْ لَغَظِنَ ﴿ هُنَلِكَ تَبْلُواْ كُلُّ
نفْسِ مَّ أَسْلَفَتْ وَرُوا إِلَى اللَّوْلَنْهُمُ الَّ وَضَلَّ ◌َنْهُمْ مَا كَانُوا
◌ُتَرُونٌ
٣٠
بمو
وقوله: ((تحشرهم)، أى تجمعهم يوم القيامة للحساب، يقال: حشر القائد
جنده ، إذا جمعهم للحرب أو لأمر من الأمور .
ويوم ظرف زمان منصوب بفعل مقدر .
والمعنى: واذكر أيها الرسول الكريم أو أيها الإنسان العاقل، يوم تجمع
الناس كافة، لنحاسبهم على أعمالهم فى الدنيا .

٠- ٧٩ -
الجزء
الحادى عشر
« ثم نقول للذين أشركوا مكافكم أنتم وشركاؤكم، أى: ثم نقول للمشركين
منهم فى هذا اليوم العصيب ، إلزموا مكانكم أنتم وشركاؤكم فلا تبر حوه حتى
يقضى الله قضاءدفيكم. فقوله: (( مكانكم، ظرف مكان منصوب بفعل مقدر.
وقوله (شركاؤكم) معطوف على ضمير الفعل المقدر، وقوله (أنتم) تأكيد له.
أى قفوا مكانكم أنتم وشركاؤكم .
وجاء العطف بثم، للإشارة إلى أن بين حشرهم وبين ما يقال لهم، مواقف.
أخرى فيها من الأهوال ما فيها، ثم هنا للتراخى النسبى.
وقال - سبحانه - مكانكم أنتم وشركاؤكم - مع أن المشركين كانوا
يعتبرون معبوداتهم شركاء لله - من باب التهكم بهم. والإشارة إلى أن
ما عبدوهم لم يكونوا فى يوم من الأيام شركاء لله، وإنما المشركون هم.
الذين وصفوهم بذلك افتراء و كذبا .
وجاء وصفهم بالشرك فى حيز الصلة، للإيذان بأنه أكبر جناياتهم؛ وأن
شركهم بالله - تعالى - هو الذى أدى بهم إلى هذا المصير المؤلم .
وقوله : ( فزيلنا بينهم) أى: ففرقنا بينهم، وقطعنا ما بينهم مزصلات،
وميزفا بعضهم عن بعض كما يميز بين الخصوم عند التقاضى والمساءلة .
وزيلنا : من التزبيل بمعنى التمييز والتفريق . يقال : زيلت الشىء أزيله
إذا نحيته وأبعدته، ومنه قوله - تعالى - : ( لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا
منهم عذابا لما (١)) أى : لو تميزوا وتفرقوا.
وعبر بالفاء للدلالة على أن هذا التفريق والتمييز ؛ قد حدث عقب الخطاب
من غير مهلة . وجاء الأسلوب بصيغة الماضى مع أن هذا التزييل سيكون فى
الآخرة، الإبذان بتحقق الوقوع، وإلى زيادة التوبيخ والتحسير لهم.
وقوله : ( وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون) معطوف على ما قبله.
(١) سورة الفتح الآية ٠٢٥

يونس
- ٨٠ -
سورة
والمراد بالشركاء : كل ما عبد من دون الله من إنس وجن وأوثان
وغير ذلك .
أى: وقال شركاؤهم الذين أشركوهم فى العبادة مع الله - تعالى -: إنكم
أيها المشركون لم تكونوا لنا عابدين فى الدنيا ، وإنما كنتم تعبدون أشياء
أخرى زينها الشيطان لكم ؛ فانقدتم له بدون تدبر أو تعقل .
والمقصود بقولهم هذا التبرى من المشركين، وتوبيخهم على أفكارهم
الفاسدة .
وقوله: ((فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم الغافلين،
تأكيد لهذا التبرى والإنكار، ورجوع إلى الشهادة الحق فى ذلك.
و((إن)، فى قوله ((إن كنا)) مخففة من الثقيلة .. أى: فكفى أن يكون
الله - تعالى - شهيدا وحكما بيننا وبينكم، فهو - سبحانه - يعلم
حالنا وحالكم ، ويعلم أننا كنا فى غفلة عن عبادتكم لنا ، بحيث إننا
ما فكرنا فيها ولا رضينا بها.
ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات الكريمة ببيان أحوال الناس فى .
هذا اليوم العظيم فقال: ((هنالك قبلو كل نفس ما أسلفت، وردوا إلى الله
مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون)) .
أى : هنالك فى ذلك الموقف الهائل الشديد ، تختبر كل نفس مؤمنة
أو كافرة، ما سلف منها من أعمال، فترى ما كان نافعاً أو ضاراً من هذه
الأعمال، وترى الجزاء المناسب عن كل عمل بعد أن عاد الجميع إلى الله مولاهم
الحق، ليقضى بينهم بقضائه العادل ، وقد غاب عن المشركين فى هذا الموقف
ما كانوا يفترونه من أن هناك آلهة أخرى ستشفع لهم يوم القيامة .
وهكذا نرى الآيات الكريمة تصور أحوال الناس يوم الدين تصويراً