النص المفهرس

صفحات 1-20

التفسير الوسيط
للقرآن الكريم
تَفَشِيرُسُورَة يُونَة
لفضيلة
عميد كلية الدراسات الإسلامية والعربية
جامعة الأزهر
( الجزء الحادى عشر )
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
( الطبعة الثانية )
١٤٠٦ - ١٩٨٦

﴿رَبَّنَا تَقَبِّلْ مِنَا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمْيُعُ العَلِيمُ"

ا ۔
تمهيد بين يدى السورة
١ - سورة يونس - عليه السلام - هى السورة العاشرة فى ترتيب
المصحف؛ فقد سبقتها سور: الفاتحة، والبقرة، وآل عمران، والنساء،
.. والمائدة ، والأنعام ، والأعراف، والأنفال ، والتوبة .
٢ - وكان نزولها بعد سورة ((الإسراء)).
٣ -- وعدد آياتها: تسع ومائة آية عند الجمهور. وفى المصحف الشامى
مائة وعشرآيات .
٤ - وسميت بهذا الاسم؛ تكريما ليونس - عليه السلام - ولقومه
الذين آمنوا به واتبعوه قبل أن ينزل بهم العذاب، وفى ذلك تقول السورة
الكريمة: ( فلولا كافت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا
كشفبا عنهم عذاب الخزى فى الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين)، (١).
٥ - وسورة يونس من السور المكية، وعلى هذا سار المحققون من
العلماء.
وقيل إنها مكية سوى الآية الأربعين منها وهى قوله - تعالى-«ومنهم
من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين)، والآيتين الرابعة
والتسعين، والخامسة والتسعين وهما قوله - تعالى -: « فإن كنت فى شك
ما أنزلنا إليك، فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك . لقد جاءك الحق
من ربك فلا تكونن من الممترين . ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله
فتكون من الخاسرين)».
قال صاحب المنار: وقال السيوطى فى الأققان: أستثنى منها الآيات ٤٠،
(١) الآ ية ٩٨.

ودوله .- سبحانه - فى سورة الأنبياء: ((فاسالوا أهل الذكر إن كنتم
لا تعدون)، (٢) .
والذى تطمئن إليه النفس ، أن سورة يونس جميعها مكية، كماقال المحققون
من العلماء، لأن الذين قالوا بوجود آية أو آيات مدنية فيها لم يأتوا برواية صحيحة
تصلح مستنداً لهم، ولأن السورة الكريمة من مطلعها إلى نها يتها تشاهد فيها
سمات القرآن المكنى واضحة جلية، فهى تهتم بإثبات وحدانية الله، ويإثبات
صدق النبى - صلى الله عليه وسلم - وبإثبات أن هذا القرآن من عند الله،.
وأن البعث حق ، وأن ما أورده المشركون من شبهات حول الدعوة.
الإسلامية، قد قوات السورة الكريمة دحضه بأسلوب منطقى رصين ...
(١) الآية ١٠١
(٢) ( ٧ تفسير المنار جـ ١١ ص ١٤١ الطبعة الرابعة - مكتبة القاهرة

الجزء
- ٩ -
الحادى عشر
والذى يطالع هذه السورة الكريمة بتدبر وخشوع ، يراها فى مطلعها
تتحدث عن هو القرآن الكريم فى هدايته وإحكامه، وعر موقف المشركين
من النبى صلى الله عليه وسلم ودعوته، وعن الأدلة على وحدانية الله وقدرته .
قال - تعالى - ((ألر. تلك آيات الكتاب الحكيم. أكان الناس عجبا أن
أوحينا إلى رجل منهم، أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم
صدق عند ربهم ، قال الكافرون إن هذا لساحر مبين)).
ثم تراها فى الربع الثانى منها تصور بأسلوب حكم طبيعة الإنسان فتقول
((وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما، فلما كشفنا عنهضره
مر كان لم يدعنا إلى ضر منه، كذلك زين المسرفين ما كانوا يعملون، الآية ١٢
ثم تحكى مصارع الظالمين ، وأقوالهم الفاسدة ، ورد القران عليهم فتقول:
((ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلرا، وجاءتهم رسلهم بالبينات،
وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزى القوم المجرمين ثم جعلناكم خلائف فى
الأرض من بعدهم لنظر كيف تعملون .
وبعد أن تمضى السورة الكريمة فى دحض أقوال المشركين، وفى بيان
الطبائع البشرية ، نراها فى مطلع الربع الثالث، تصور لنا حن عاقبة المتقين،
وسوء عاقبة الضالين، فتقول: ((والله يدعو إلى دار السلام ويهدى من يشاء
إلى صراط مستقيم للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ، ولا يرهق وجوههم
قتر ولاذلة، أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون والذين كسبوا السيئات
جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم، كانما أغشيث وجوههم
قطعا من الليل مظلما أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون .
ثم تأمر السورة الكريمة النبى - صلى الله عليه وسلم- أن يسأل المشركين.
بأسلوب توبيخى عمن يرزقهم من السموات والأرض، وعمن يبدأ الخلق ثم
يعيده، وعمن يهدى إلى الحق، فتقول: (قل من يرزقكم من السماء والأرض.

سورة
- ١٠ -
هو أس
أم من يملك السمع والأبصار، ومن يخرج الحى من الميت، ويخرج الميت
من الحى، ومن يدبر الأمر، فسيقولون اللّه، فقل أفلا تتقون فذلكم
الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون.
وبعد أن تتحدى السورة الكريمة المشركين بأن يأتوا بسورة من مثل
القرآن الكريم. وتعلن عن عجزهم على رءوس الأشهاد، تأخذ فى تسلية
الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وفى تصوير جانب من أحوالهم فى
حياتهم وبعد مماتهم فتقول :
((بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله، كذلك كذب الذين
من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين . ومنهم من يؤمن به ومنهم من
لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين ٤٠ وإن كذبوك فقل لى على ولكم عملكم
٠
أنتم بريئون ما أعمل وأنا برىء مما تعملون ..
ثم نراها فى الربع الرابع قوجه نداء إلى الناس كافة تدعوهم فيه إلى
الإقبال على ما جاء به الرول - صلى الله عليه وسلم - من مواعظ فيها
الشفاء لما فى الصدور ، وفيها الهداية لما فى النفوس فتقول :
يأيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم، وشفاء لما فى الصدور وهدى
ورحمة للمؤمنين . قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما
يجمعون .
ثم تسوق جانبا من مظاهر قدرة الله النافدة، وعلمه المحيط بكل شىء ،
فتقول. وما تكون فى شأن وما تتلو منه من قرآن، ولا تعملون من عمل
إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه، وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة
فى الأرض ولا فى السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا فى كتاب
مبين ، ٦١ ٠

الجزء
- ١١ -
الحادى عشر
وفى مطلع الربع الخامس منها تحكى لنا جانبا من قصة نوح عليه السلام-
مع قومه، وكيف أنه نصحهم، وذكرهم بآيات الله، ولكنهم لم يستمعوا
إليه، فكانت عاقبتهم الإغراق بالطوفان قال - تعالى -:
« فكذبوه فنجيناه ومن معه فى الفلك وجعلناهم خلائف ، وأغرقنا
الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين ، ٧٣.
ثم تحكى لنا جانبا من قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون، ومن
المحاورات والمجادلات التى دارت بينهما، ومن الدعوات المستجابة التى توجه
بها مونى إلى خالقه، فتقول: «وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه
زينة وأموالا فى الحياة الدنيا ، ربنا ليضلوا عن سبيلك، ربنا أطمس على
أموالهم واشدد على قلوبهم، فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ٨٨ قال
قد أجيبت دعوتكا فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون ٨٩.
ثم تراها فى الربع السادس والأخير منها، تحكى لنا ما قاله فرعون عندما
أدركه الغرق ، كما تخبرنا عن النهاية الطيبة التى لقوم يونس عليه السلام.
بسبب إيمانهم ، ثم تسوق ألوانا من مظاهر قدرة الله، ومن حكمه العادل بين
عباده، ومن رعابته لأوليائه ورسلة فتقول: « ثم ننجى رسلنا والذين آمنوا
كذلك حقا علينا فنج المؤمنين ، ١٠٣.
ثم تختم السورة الكريمة بتوجيه نداء إلى الناس تبين لهم فيه أن من
اهتدى فإنما يهتدى لنفسه ، وأن من ضل فإنما يضل عليها ، فتقول :
(( قل يأيها الناس قد جاءكم الحقمنربكم، فمن اهتدى فإنما يهتدى لنفسهو من
ضل فإنما يضل عليها. وما أنا عليكم بوكيل ١٠٨ واقبع ما يوحى إليك
راسبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين ٠١٠٩

سورة
- ١٢ -
يونس
تلك أهم المقاصد الإجمالية التى اشتملت عليها السورة الكريمة، ومنها
قرى بوضوح أن السورة الكريمة قد عندت عنايه بارزة بإثبات وحدانية الله
وقدرته النافذة، وعلمة المحيط بكل شىء، قارة عن طريق مخلوقاته التى
يشاهدونها كما فى قوله - تعالى -: هو الذى جعل الشمر ضياء والقمر
فورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ... )).
و قارة عن طريق إعرافهم بأن الله وحده هو خالقهم ورازقهم ومدبر
أمرهم كما فى قوله - تعالى - «قل من يرزقكم منالسماء والأرض، أم من
يملك السمع والأبصار، ومن يخرج الحي من الميت ، ويخرج الميت من
الحى، ومن يدبر الأمر فسيقولون الله ((فقل أفلا تتقون ... )).
وقارة عن طريق لجونهم إليه وحده لاسما عند الشدائد والمحن، كماحدث.
من فرعون عندما أدركة الغرق .
كذلك نرى السورة الكريمة قد عنيت بدعوة الناس إلى التدبر
والتفكر، وإلى الاعتبار بمصارع الظالمين ، وإلى عدم التعلق بزخرف.
الحياة الدنيا ...
((إن فى اختلاف الليل والنهار وما خلق الله فى السموات والأرض.
لآيات لقوم يتقون ٦ أن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا
واطمأنوا بها، والذين هم عن آياتنا غافلون ٧ أولئك مأواهم النار بما
كانوا يكسبون ٠٨
كذلك نرى السورة الكريمة قد اهتمت بالرد على الشبهات التى أثارها
المشركون حول القرآن الكريم، وحول البعث وما فيه من ثواب وعقاب ...
فأثبتت أن هذا القرآن من عند الله، وتحدتهم أن يأتوا بسورة من مثله
فقالت: ((أم يقولون افتراه، قل فأتوا بسورة من مثله، وادعوا من
استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين، ٣٨.

الجزء
- ١٣ -
الحادىعشر
كا أثبت أن يوم القيامة حق ، وأنهم لن ينجيهم من عذاب الله فى ذلك
اليوم ندمهم أو ما يقدمونه من فداء فقالت: (( ولو أن لكل نفس ظلمت
ما فى الأرض لا فتدت به، وأسروا الندامة لما رأوا العذاب، وقضى بينهم
بالقسط وهم لا يظلمون ، ٥٥ .
هذا، والسورة الكريمة بعد كل ذلك تمتاز بأنها قد عرضت ما عرضت
من هدايات وتوجيهات بأسلوب بليغ مؤثر، تقشعر منه الجلود، وتلين منه
القلوب، وتخشع له النفوس .... مما يدل على أن هذا القرآن من عند الله،
ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه إختلافا كثيرا.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.؟
د . محمد سيد طنطاوى

((تفسير سورة يونس - عليه السلام-»
بِسْـ
٠
الرُّ ◌ِلْكَ ءَايَنْتُ الْكِتَبِ الْحَكِيمِ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا
أَنْ أَوْ حَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشْرِ الَّذِينَءَ امَنُواْ
أَنَّلَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِهِمْ قَالَ الْكَفِرُونَ إِنَّ هَذَا تَسَبِرٌ
سُبِينُه
سورة يونس من الدور الى افتتحت ببعض حروف التهجى.
وقد وردت هذه الفواتح تارة مفردة بحرف واحد، وتارة مركبة من
حرفين، أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة .
فالسور التى افتتحت حرف وأحد ثلاثة، وهى سورة: ص، ق، ن.
- والسور التي افتتحت بحرفين قيمة، وهى: طه، يس، وطس، وحم
في سيت سور، هى: غافر، فصلت، الزخرف ، الدخان ، الجائية،
الأحقاف .
والسور التى بدئت بثلاثة أحرف ، ثلاث عشرة سورة ، وهى:
ألم فى ست سور هى: البقرة، آل عمران ، العنكبوت، الروم، لقمان،
السجدة . والر فى خمس سور هى: يونس ، هود، يوسف ، الحجر ،
إبراهيم وطنسم فى سورتين هما: الشعراء. القصص .
، وهناك سورتان جدقتا بأربعة أحرف وهما: الرعد والأعراف.
وسورتان بدتتا بخمسة أحرف وهما: مريم والفورى ..

سورة
- ١٦ -
يونس
فيكون مجموع السور التى افتتحت بالحروف المقطعة تسعا وعشرين سورة.
هذا ، وقد وقع خلاف بين العلماء فى المعنى المقصود بذلك الحروف
المقطعة التى افتتحت بها بعض السور القرآنية، ويمكن إجمال خلافهم فى
رأيين رئيسيين :
الرأى الأول یری أصحابه : أن المعنىالمقصود منها غير معروف ،فهى
. من المتشابه الذى استأثر الله بعلمه .
وإلى هذا الرأى ذهب ابن عباس - فى إحدى الروايات عنه - كماذهب
إليه الشعبى، وسفيان الثورى، وغيرهم من العلماء. فقد أخرج ابن المنذر
وغيره عن الشعبى أنه سئل عن فواتح السور فقال: إن لكل كتاب سرا،
وإن سر هذا القرآن فى فواتح السور .
ويروى عن ابن عباس أنه قال: عجزت العلماء عن إدراكها. وعن على
- رضى الله عنه - قال: ((إن لكل كتاب صفوة)، وصفوة هذا الكتاب
حروف التهجى)، وفى رواية أخرى عن الشعبى أنه قال: « سر الله فلا تطلبو))).
ومن الاعتراضات التى وجهت إلى هذا الرأى، أنه إذا كان الخطاب هذه
بالفواقح غير مفهوم للناس. لأنه من المتشابهة،فإنه يترتب على ذلك أنه كالخطاب
بالمهمل، أو مثل ذلك كمثل المتكلم بلغة أعجمية مع أناس عرب لا يفهمونها.
وقد أجيب عن ذلك ، بأن هذه الألفاظ لم ينتف الإفهام عنها عند كل
الناس، فالرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يفهم المراد منها، وكذلك
بعض أصحابه المقربين، ولكن الذى ننفيه أن يكون الناس جميعا فاهمين لمعنى
هذه الحروف المقطعة فى أوائل بعض السور .
أما الرأى الثانى فيرى أصحابه، أن المعنى المقصود منها معلوم، وأنها
ليست من المتشابه الذى استأثر الله بعلمه .

الحادى عشر
الجزء - ١٧
وأصحاب هذا الرأى قد اختلفوا فيما بينهم فى تعيين هذا المعنى المقصود
حلى أقوال كثيرة من أهمها ما يأتى :
١ - أن هذه الحروف أسماء للسور, بدليل قول النبى - صلى الله عليه
وسلم - من قرأحم السجدة حفظ إلى أن يصبح، وبدليل اشتهار بعض السور
بالتسمية بها، كسورة ((ص)) وسورة ( يس)).
ولا يخلو هذا القول من الضعف، لأن كثيرا من السور قد افتتحت
بلفظ واحد من هذه الفواقح، والغرض من التسمية رفع الاشتباه.
٢ - وقيل إن هذه الحروف قد جاءت هكذا فاصلة للدلالة على انقضاء
سورة ، وابتداء أخرى.
٣ - وقيل: إنها حروف مقطعة، بعضها من أسماء الله - تعالى- وبعضها
من صفاته فمثلا « ألم، أصلها: أنا الله أعلم .
٤ - وقيل: إنها إسم الله الأعظم. إلى غير ذلك من الأقوال التى لا تخلو
- من مقال، والتى أوصلها السيوطى فى كتابه ((الاتقان، إلى أكثر من
عشرين قولا .
٥ - ولعل أقرب الأقوال إلى الصواب أن يقال: إن هذه الحروف
المقطعة قد وردت فى افتتاح بعض السور، الإشعار بأن هذا القرآن الذى
تحدى الله به المشر كين هو من جنس الكلام المركب من هذه الحروف التى
يعرفونها، ويقدرون على تأليف الكلام منها. فإذا عجز واعلى الإتيان بسورة
من مثله ، فذلك لبلوغه فى الفصاحة والحكمة مرتبة يقف فصحاؤهم
وبلغاؤهم دونها بمراحل شاسعة .
وفضلا عن ذلك فإن تصدير بعض السور بمثل هذه الحروف المقطعة
يجذب أنظار المعرضين عن استماع القرآن حين يتلى عليهم إلى الإنصات والتدبر
لأنه يطرق أسماعهم فى أول التلاوة ألفاظ غير مألوفة فى مجارى كلامهم، وذلك
: مما يلفت أنظارهم ليتبينوا ما يراد منها، فيترتب على ذلك أن يسمعواحكما ،
(م ٢ - سورة يونس)

٦
سورة -١٨ - يونس
وحدايات قد تكون سببا فى إيمانهم . ولعل مما يشهد بصحة هذا الرأى: أن
الآيات التى تلى هذه الحروف المقطعة ، تتحدث عن القرآن وعن كونه
معجزة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فى أغلب المواضع.
ومن ذلك قوله - تعالى - فى أول سورة البقرة («ألم. ذلك الكتاب
لا ريب فيه هدى للمتقين)، وقوله - سبحانه - فى أول سورة هود: «أثر.
كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ، وقوله - سبحانه-فى أول
سورة إبراهيم: «ألر. كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى
النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد .
وهكذا نرى أن كثيراً من السور التى افتتحت بالحروف المقطعة، قد
أعقبت هذا الافتتاح بالحديث الصريح أو الضمنى عن القرآن الكريم، وأن
هذه السور إذا تأملتها من أولها إلى آخرها ترى من أهدافها الأساسية، إثبات
وحدانية الله. وإثبات صحة الرسالة المحمدية، وإثبات أن هذا القرآن الذى
هو معجزة الرسول الخالدة - منزل من عند الله - تعالى -.
هذه خلاصة لآراء العلماء فى المراد بالحروف المقطعة التى افتتحت بها
بعض السور القرآنية، ومن أراد مزيدا لذلك فليرجع - مثلا - إل كتاب
((الإتقان، السيوطى، وإلى كتاب ((البرهان)، للزركشى، وإلى تفسير الآلوسى
ثم قال - تعالى - ((تلك آيات الكتاب الحكيم)).
((تلك)، إسم إشارة، والمشار إليه الآيات، والمراد بها آيات القرآن.
الكريم. ويندرج فيها آيات السورة التى معنا .
والكتاب : مصدر كتب كالكتب ، وأصل الكتب ضم أديم إلى أديم
بالخياطة، واستعمل عرفا فى ضم الحروف بعضها إلى بعض بالخط، والمرادبه.
القرآن الكريم على الصحيح .

- ١٩ -
الجزء
الحادى عشر
قال الآلوسي : وأما حمل الكتاب على الكتب التى خلت قبل القرآن
من التوراة والإنجيل وغيرهما - كما أخرجه ابن أبى حاتم عن قتادة فهو
فى غاية البعد (١) )).
والحكيم - بزته فعيل - مأخوذ من الفعل حكم بمعنى منع . تقول
حكمت الفرس أى وضعت الحكمة فى فمه المنعها من الجموح والنفور.
والمقصود أن هذا الكتاب متنع عن الفساد ، ومبرأ من الخلل والتناقض
والاختلاف .
قال الإمام الرازى ما ملخصه : وفى وصف الكتاب بكونه حكيما وجوه
منها : أن الحكيم هو ذو الحكمة ، بمعنى اشتماله على الحكمة - فيكون
الوصف للنسبة كلابن وتامر - ومنها أن الحكيم بمعنى الحاكم، بدليل
قوله- تعالى -وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه))
ومنها أن الحكيم بمعنى المحكم، والإحكام معناه المنع من الفساد، فيكون المراد
منه أنه لا تغيره الدهور أو المراد منه براءقة من الكذب والتناقض (٢))).
والمعنى : تلك الآيات السامية، المنزلة عليك يا محمد، هى آيات الكتاب،
المشتمل على الحكمة والصواب. المحفوظ من كل تحريف أو تبديل ، الناطق
بكل ما يوصل إلى السعادة الدنيوية والأخروية.
وصحت الإشارة إلى آيات الكتاب مع أنهالم تكن قد نزلت جميعها ، لأن
الإشارة إلى بعضها كالإشارة إلى جميعها، حيث كانت بصدد الإنزال، ولأن
الله- تعالى- قد وعد رسوله - صلى الله عليه وسلم- بنزول القرآن عليه، كما فى
قوله - تعالى - ((إنا سنلقى عليك قولا ثقيلا، ووعد الله - تعالى - لا يتخلف
ثم بين - سبحانه - موقف المشركين من الرسول - صلى الله عليه وسلم -
(١) تفسير الآلوسى جـ ١١ ص ٥٨ الطبعة المنيرية.
(٢) تفسير الفخر الرازى - ١٧ ص ٥ طبعة عبدالرحمن محمد سنة ٣٥٣هـ
سنة ١٩٣٧ م .
إبراء

سورة
- ٢٠ - يونس
من دعوته فقال : أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر
الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم.
٠
روى الضحاك عن بن عباس قال. لما بعث الله - تعالى - رسوله محمداً
- صلى الله عليه وسلم - أفكرت العرب ذلك، أومن أنكر منهم، وقالوا
الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً مثل محمد ، فأنزل الله - تعالى - :
(((أكان للناس عجباً ... الآية)) (١).
والهمزة فى قوله (( أكان)، لإنكار تعجبهم، ولتعجيب السامعين منه
لوقوعه فى غير موضعه .
وقوله ((الناس)) جار ومجرور حال من قوله ((عجباً، والمراد بهم مشركو
مكة ومن لف لفهم فى إنكار ما جاء به النبى - صلى الله عليه وسلم - .
وقوله: ((عجباً، خبركان، والعجب والتعجيب - استعظام أمرخفى سببه.
وقوله: (( أن أوحينا)) فى تأويل مصدر أى: إيحاؤنا، وهو اسم كان.
والوحى: الإعلام فى خفاء. والمقصود به ما أوحاه الله - تعالى - إلى
نبيه - صلى الله عليه وسلم - من قرآن وغيره.
وقوله: (( إلى رجل منهم، أى إلى بشر من جنسهم يعرفهم ويعرفونه.
وقوله: (( أن أنذر الناس)): الانذار إخبار معه تخويف فى مدة قتسع
التحفظ من المخوف منه، فإن لم تتسع له فهو إعلام وإشعارلا إنذار، وأكثر
ما يستعمل فى القرآن فى التخويف من عذاب الله - تعالى -.
والمراد بالناس هنا : جميع الذين يمكنه - صلى الله عليه وسلم - أن
يبلغهم دعوته .
وقوله: «وبشر الذين آمنوا، البشارة: إخبار معه مايسر فهو أخص من
الخبر، سمى بذلك لأن أثره يظهر على البشرة التى هى ظاهر الجلد .
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٤٠٦ طبعة عيسى الحلبى.