النص المفهرس
صفحات 301-320
تفسير سورة -٣٠١ - التوبة : ٤. والسبب فى أن هذا النبأ كان مثار ريبتهم وقلقهم حتى بعد هدمه، أنهم. بدوه بنية سيئة ، ولتلك المقاصد الأربعة الخبيثة التى بينتها الآية الأولى .... فكانوا يخشون أن يطلع الله نبيهم على مقاصدهم الذميمة ، فهذه الخصية. أو رثتهم القلق والريبة، فلما أطلع الله - تعالى - نبيه على أغراضهم ، وتم. هدم مسجد الضرار، وأنهار الجرف المتداعى المتساقط ، استمر قلقهم وريبهم؛ لأنهم لا يدرون بعد ذلك ماذا سيفعل المؤمنون بهم. وهكذا شأن الما كرين فى كل زمان ومكان، إنهم يعيشون طول حياتهم فى فزع وقلق وخوف من أن ينكشف مكرم ، ويظهر خداعهم : وقوله: (( والله عليم حكيم ، تذييل قصد به تهديدهم وزجرهم. أى: والله - تعالى - عليم بكل شىء فى هذا الكون، وبكل ما يقوله ويفعله هؤلاء المنافقون سرا وجهراً، حكيم فى كل تصرفاته وأفعاله وفى صنعه يهم، وسيجازيهم يوم القيام بما يستحقونه من عقاب. هذا ، ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هذه الآيات ما بأتى : ١ - وجوب بناء المساجد على تقوى من الله ورضوان، لأنها إذا بنيت على هذا الأساس ، كانت محل القبول والثواب من الله ، أما إذا بنيت لأى مقصد يتنافى مع آداب الإسلام وأحكامه وتشريعاته ، فإنها تكون بعيدة عن رضا الله - تعالى - وقبوله . قال بعض العلماء ؛ دنت الآيات على أن كل مسجد بنى على مابنى عليه مسجد الضرار، أنه لاحكم لهولا حرمة، ولا يصح الوقف عليه. وقد حرق الراضى بالله - الخليفة العباسى- كثيرا من مساجد الباطنية والمشبهة والمجبرة(١). وقال الزمخشرى : قيل كل مسجد بنى مباهاة أو رياء وسمعة، أو لغرض سوى ابتغاء وجه الله ، أو بمال غير طيب ، فهو لاحق بمسجد الضرار. (١) تفسير القاصى ج ٨ ص ٣٢٦٧ .. العاشر - ٣٠٢ - الجزء وعن عطاء: لما فتح الله. تعالى. الأمصار على يد عمر بن الخطاب • رضى الله عنه. أمر المسلمين أن يبنوا المساجد، وألا يتخذوا فى مدينة مسجدين ، يضار أحدهما صاحبه (١). ٢ - أن مسجد قباء هو المقصود بقوله - تعالى -: ((لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه .... )، وذلك لأن سياق الآيات فى الحديث عنه، وفى بيان أحقية الصلاة فيه ، وقد كان رسول الله - 11 - يزوره راكبا وماشيا ويصلى فيه ركعتين. ولا منافاة بين كون مسجد قباء هو المقصود هنا ، وبين الأحاديث التى وردت فى أن المسجد الذى أسس من أول يوم على تقوى من اللّه ورضوان، هو المسجد النبوى، لأن كليهما قد أسس على ذلك . قال الإمام ابن كثير : وقد صرح بأن مسجد قياء جماعة من السلف منهم ابن عباس، وعروة بن الزبير، والحسن البصرى ، وسعيد بن جبير، وقتادة. وقد ورد فى الحديث الصحيح أن مسجد رسول الله - ستر الله - الذى فى جوف المدينة هو المسجد الذى أسس على التقوى، وهذا صحيح . ولا منافاة بين الآية وبين هذا، لأنه إذا كان مسجد قباء قد أسس على التقوى من أول يوم، فمسجد رسول الله - عَلى - بطريق الأولى والأحرى)،(٣). ٣ - أن المحافظة على الطهارة من الصفات التى يحبها الله - تعالى -، فقد قال . تعالى .: ((فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين)). وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأحاديث (١) تفسير الكشاف = ٢ ص ٣١٠ (٢) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٣٧٩ تفسير سورة - ٣٠٣ -- التوبة منها : ماجاء عنابن عباس أنه قال: لما نزلت هذه الآية، بعث رسول الله - عَله ـ إلى عويم بن مساعدة فقال له: ((ما هذا الطهور الذى أنی الله علیکم به ، ؟ فقال: يارسول الله ما خرج منا رجل ولا امرأة من الغائط إلا غسل خرجه . فقال - عَية -: هو هذا)) (١). ٤ - كذلك يؤخذ من الآيات الكريمة، استحباب الصلاة فى المساجد القديمة المؤسسة من أول بنائها على عبادة الله وحده لا شريك له، وعلى استحباب الصلاة مع الجماعة الصالحة ، والعباد العاملين المحافظين على إسباغ الوضوء، والتنزه عن ملابسة القاذورات (٢). وبعد أن بين - سبحانه - أنواع المتخلفين عن غزوة تبوك، أنبع ذلك بالتزغيب فى الجهاد وفى بيان فضله فقال - تعالى -: ﴿ إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةُ يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِ الَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونٌ وَعْدًا بَيْهِ حَقَّ فِ التَّوْرَئِ وَالْإِنْجِلِ وَالْقُرْءَانِ وَمَنْ أَوْقَى بِعَهْدِهِ، بِنَ الَه فَأَسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُ الَّذِى بَيَعْثُم بِّ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ. تْعَظِيمُ (15) ٢٠٠ قال الفخر الرازى: اعلم أنه - تعالى - لما شرع فى شرح فضائح المنافقين وقبائحهم السبب تخلفهم عن غزوة تبوك، فلما تم ذلك الشرح والبيان وذكر أقسامهم وفرع كل قسم ما كان لا ثقا به ، عاد إلى بيان فضيلة الجهاد وحقيقته فقال - تعالى -: ((إن الله اشترى من المؤمنين .... الآية)) (٣). (١) تفسير ابن كثير جـ٢ص ٣٨٩ (٢) تفسير ابن كثير جـ٢ ص٣٩٠ (٣) تفسير الفخر الرازى ج ٤ ص ٥٠٦ العاشر . - ٣٠٤ - الجزء! وقال القرطى: ونزلت هذه الآية فى البيعة الثانية، وهى بيعة العقبة الكبرى. وهى التى أناف فيها رجال الآنصار على السبعين، وذلك أنهم اجتمعوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند العقبه، فقال عبد الله بن رواحة للنى - عَله ـ: اشترط لربك ولنفسك ما شئت، فقال التى - -: أشترط لربى أن تعبدوه ولا تشر كوا به شيئا، وأشترط لنفسى أن تمنعونى ما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا ؟ قال : (( لكم الجنة)) قالوا: ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل فنزلت. هذه الآية. ثم هى بعد ذلك عامة فى كل مجاهد فى سبيل الله من أمة محمد - منقبل. إلى يوم القيامة)) . وقوله - سبحانه -: ((إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن. لهم الجنة ، تمثيل للثواب الذى منحه الله - تعالى - للمجاهدين فى سبيله . فقد صور - سبحانه - جهاد المؤمنين، وبذل أموالهم وأنفسهم فيه ، وإثابته - سبحانه - لهم على ذلك بالجنة، صور كل ذلك بالبيع والشراء. أى: أن الله - تعالى - وهو المالك لكل شىء ، قد اشترى من المجاهدين. أنفسهم وأموالهم التى بذلوها فى سبيله ، وأعطاهم فى مقابل ذلك الجنة . قال أبو السعود : الآية الكريمة ترغيب للمؤمنين فى الجهاد ... وقد بولغ فى ذلك على وجه لا مزيد عليه، حيث عبر عن قبول الله - تعالى - من المؤمنين. أنفسهم وأموالهم التى بذلوها فى سبيله - تعالى-، وإثابته إياهم بمقابلتها الجنة بالشراء على طريقة الاستعارة التبعية. ثم جعل المبيع الذى هو العمدة والمقصد- فى العقد، أنفس المزمنين وأموالهم، والثمن الذى هو الوسيلة فى الصفقة الجنة .. (١) تفسير القرطى ج ٨ ص ٢٦٧. العوبة تفسير سورة - ٣٠٥ - ولم يجعل الأمر على العكس بأن يقال: إن اللّه باع الجنة من المؤمنين بأنفسهم وأموالهم ؛ ليدل على أن المقصد فى العقد هو الجنة، وما بذله المؤمنون فى مقابلتها من الأنفس والأموال وسيلة إليها ، إيذانا بتعليق كمال العناية بهم وبأموالهم . ثم إنه لم يقل ((بالجنة، بل قال: (( بأن لهم الجنة، مبالغة فى تقرر وصول الثمن إليهم,واختصاصه بهم ، فكأنه قيل: بالجنة الثابتة لهم، المختصة بهم (١) وقوله: (( يقاتلون فى سبيل الله فيقتلون ويقتلون، جملة مسأنفة جى. بها لبيان الوسيلة التى توصلهم إلى الجنة وهى القتال فى سبيل الله. أى : أنهم يقاتلون فى سبيل الله، فمنهم من يقتل أعداء الله، ومنهم من يقتل على أيدى هؤلاء الأعداء، وكلا الفريقين القاتل والمقتول جزاؤه الجنة. وقرأ حمزة والكسائى (, فيقتلون ويقتلون)) بتقديم الفعل المبنى للمفعول على الفعل المبنى للفاعل . وهذه القراءة فيها إشارة إلى أن حرص هؤلاء المؤمنين الصادقين على الاستشهاد أشد من حرصهم على النجاة من القتل؛ لأن هذا الاستشهاد يوصلهم إلى جنة عرضها السموات والأرض، وإلى الحياة الباقية الدائمة ... وقولة: « وعدا عليه حقا فى التوراة والإنجيل والقرآن، تأكيد للثمن الذی وعدهم الله به . أى: أن هذه الجنة التى هى جزاء المجاهدين، قد جعلها - سبحانه-تفضلا منه وكرما، حقالهم عليه ، وأثبت لهم ذلك فى الكتب السماوية التى أزلها على رسله . قال الآلوسي ما ملخصه: قوله: ((وعدا عليه، مصدر مؤكد لمضمون الجملة وقوله (( حقا)، نعت له، وقوله ((عليه، فى موضع الحال من قوله (( حقا)) (١) تفسير أبى السعود حـ ٢ ص ٠٢٩١ (٢٠ - سورة النوبة) الجزء - ٣٠٦ - العاشر لتقدمه علية، وقوله: ((فى التوراة والإنجيل والقرآن، متعلق بمحذوف وقع نعتا لقوله((وعدا، أيضاً. أى: وعدا مثبتاً فى التوراة والإنجيل كماهو مثبت فى القرآن، فالمراد إلحاق مالا يعرف بما يعرف، إذ من المعلوم ثبوت هذا الحكم فى القرآن، ثم إن ما فى الكتابين إما أن يكون أن أمة محمد - عبد الله - اشغرى الله منهم أنفسهم وأموالهم بذلك، أو أن من جاهد بنفسه وماله . من حقه ذلك , وفى كلا الأمرين ثبوت موافق لما فى القرآن ... )) (١). وقوله: (( ومن أوفى بعهده من الله، جملة معقرضة مسوقة لتأكيد مضمون ما قبلها من حقية الوعد وتقريره : والاستفهام النفى . أى: لا أحد أوفى بعهده من الله - تعالى - لأنه إذا كان خلف الوعد لا يكاد يصدر من كرام الخلق مع إمكان صدوره منهم، فكيف يكون الحال من جانب الخالق - عز وجل - المنزه عن كل نقص، المتصف بكل كمال. وقوله: «فاستبشروا ببيعكم الذى بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم، تحريض على القتال، وإعلام هم بأنهم رايحون فى هذه الصفقة . والاستبشار : الشعور بفرح البشرى ، شعوراً تنبسط له أسارير الوجه. أى : إذا كان الأمر كذلك فافرحوا ببيعكم الذى بايعتم به غاية الفرح، وأرضوا به نهاية الرضى، فإن ذلك البيع هو الفوز العظيم الدى لا فوز أعظم منه . قال بعض العلماء: ولا ترى ترغيباً فى الجهاد أحسن ولا أبلغ من هذه الآية لأنه أبرزه فى صورة عقد عقده رب العزة، ونمنه مالاعين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ولم يجعل المعقودعليه كونهم مقتولين فقط بل إذا كانوا تاقلين أيضاً لإعلاء كلمته ، ونصر دينه، وجعله مسجلا فى الكتب (١) تفسير الآلوسى ج١١ ص ١٩. التوبة - ٣٠٧ - تفسير سورة السماوية، وناهيك به من صك. وجعل وعده حقاً، ولا أحد أو فى من وعده فنسينته أقوى من نق غيره. وأشار إلى ما فيه من الربح والفوز العظيم. وهو استعارة تمثيلية، حيث صور جهاد المؤمنين، وبذل أموالهم وأنفسهم فيه وإنا بة الله لهم على ذلك الجنة، بالبيع والشراء وأتى بقوله: ((يقاتلون ... بياناً لمكان التسليم وهو المعركة، وإليه الإشارة بقوله مق ليه - ((الجنة تحت ظلال السيوف، ثم أمضاه بقوله (,وذلك هو الفوز العظيم)» (١) ويروى عن الحسن البصرى أنه قرأ هذه الآية فقال: أنظروا إلى كرم الله. تعالى .: أنفس هو خالقها، وأموال هو رازقها، ثم إكافتنا عليها منى · بذلتاها فى سبيله بالجنة . ثم وصف الله - تعالى - هؤلاء المؤمنين الصادقين بجملة من الأوساف الكريمة ، فقال : الَّتُونَ الْغَبِدُونَ الْخَمِدُونَ السَّنَِّحُونَ الَّكُمُونَ. الَِّدُونَ آلْآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَ الْخَفِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنَ قال الجمل ما ملخصه: ذكر الله . تعالى. فى هذه الآية تسعة أو صاف للمؤمنين، الستة الأولى منها تتعلق بمعاملة الخالق ، والوصفان السابع والثامن يتعلقان بمعاملة المخلوق، والوصف التاسع يعم القبيلين . وقوله: «التائبون، فيه وجوه من الأعراب منها: أنه مرفوع على المدح. فهو خبر لمبتدأ بحذوف وجوباً للمبالغة فى المدح أى المؤمنون المذكورون التائبون، ومنها أن الخبر هنا محذوف، أى: التانيون الموصوفون بهذه الأوصاف من أهل الجنة .... (٢). (١) تفسير القاسمى -٨ ص ٠٣٢٧٣ (٢) حاشية الجمل على الجلالين بتصريف وتلخيص ٢٠ص٠٣٢١ الجزء - ٣٠٨ - العاشر والمعنى: «التائبون)) عن المعاصى وعن كل ما نهت عنه شريعة الله، .. «العابدون)، لخالقهم عبادة خالصة لوجهه، ((الحامدون، له. سبحانه. فى السراء والضراء، وفى المنشط والمكره، وفى العسر واليسر، «السائحون، فى الأرض للتدبر والإعتبار وطاعة الله، والعمل على مرضاته , الراكعون الساجدون ، لله. تعالى - عن طريق الصلاة التى هى عماد الدين ور كنه الركين ((الآمرون، غيرهم ((بالمعروف)، أى: بكل ماحسنه الشرع ( والناهون» له ((عن المنكر، الذى تأباه الشرائع والعقول السليمة، «والحافظون لحدود اللّه، أى: لشرائعه وفرائضه وأحكامه وآدابه ... هؤلاء المتصفون بتلك الصفات الحميدة، بشرهم. يا محمد . بكل ما يسعدهم ويشرح صدورهم، فهم المؤمنون حقاً، وهم الذين أعد الله - تعالى- لهم الأجر الجزيل، والرزق الكريم. ولم يذكر. سبحانه . المبشر به فى قوله: ((وبشر المؤمنين))، للاشارة إلى أنه أمر جليل لا يحيط به الوصف ، ولا تحده العيارة . ولم يذكر. سبحانه . فى الآية لهذه الأوصاف متعلقاً، فلم يقل التائبون)) من كذا، لنفهم ذلك من المقام، لأن المقام فى مدح المؤمنين الصادفين الذين أخلصوا نفوسهم لله. تعالى. فصارواملتزمين طاعته فى كل أقوالهم أعمالهم. وعبر عن كثرة صلاتهم وخشوعهم فيها بقوله.«الراكعون الساجدون» للإشارة إلى أن الصلاة كأنها صفة ثابتة من صفاتهم، وكأن الركوع والسجود طابع مميز لهم بين الناس . وإنما عطف النهى عن المنكر على الأمر بالمعروف للإيذان بأنهما فريضة واحدة لتلازمهما فى الغالب، أو لما بينهما من تبا ين إذ الأمر بالمعروف طلب فعل ، والنهى عن المنكر طلب ترك أو كف. وكذلك جاء قوله. ((والحافظون لحديد الله)) بحرف العطف. ومما قالوه فى تعليل ذلك . أن سر العطف هنا التنبيه على أن ما قبله مفصل للفضائل وهذا مجمل لها ، لأنه شامل لما قبله وغيره، ومثله يؤتى به معطوفاً،. - ٣٠٩ - تفسير سورة التوبة نحو زيد وعمرو وسائر قبيلتهما كرماء، فلمغايرة، لما قبله بالإجمال والتفصيل ·" والعموم والخصوص عطف عليه (١). هذا، وما ذكر ناه من أن المراد بقوله : ((السائحون، أى: السائرون فى الأرض للتدبر والاعتبار والتفكر فى خلق الله، والعمل على مرضاته ... - هذا الذى ذكرفاه رأى لبعض العلماء. ومنهم من يرى أن المرادهم الدائمون .. ومنهم من يرى أن المراد بهم: المجاهدون , قال الآلوسي: وقوله: ((السائحون)) أى الصائمون، فقد أخرج ابن .. مردوية عن أبى هريرة أن النبى - مَّ له ـــ سئل عن ذلك فأجاب ماذكر، وإليه ذهب جماعة من الصحابة والتابعين. وجاء عن عائشة: ((سياحة هذه الأمة الصيام ، ... وأخرج ابن أبى حاتم عن ابن زيد أن السائحين هم المهاجرون، وليس فى أمة محمد - بين اله - سياحة إلا الهجرة. وعن عكرمة أنهم طلبة العلم، لأنهم يسبحون فى الأرض لطلبه . وقبل: هم المجاهدون فى سبيل الله، لما أخرج الحاكم وصححه والطبرانى وغيرهما، عن أبى أمامة أن رجلا استأذن رسول الله- مَاع - فى السياحة .. فقال: إن سياحة أمتى الجهاد فى سبيل أنقه (٢). والذى نراه أقرب إلى الصواب أن المراد بالسائحين هنا : السائرون .. فى الأرض لمقصد شريف ,وغرض كريم. كتحصيل العلم، والجهاد فى سبيل الله، والدبر فى ملكوته . سبحانه. والتفكر فى سنته فى كونه، والاعتبار : بما اشتمل عليه هذا الكون من عجائب. ولعل ممايؤيد ذلك أن لفظ «السائحون) معناه السائرون، لأنه مأخوذ (١) تفسير القاسمى حد ص٠٣٣٨٠ (٢) تفسير الآلوسى ح١٠ ٠٣١٠٢ الجزء - ٣١٠ - العاشر من السيح وهو الجرى على وجه الأرض، والذهاب فيها. وهذه المادة تشعر بالانتشار، يقال : ساح الماء أى جرى وانتشر ... وما دام الأمر كذلك فمن الأولى حمل اللفظ على ظاهره ، مادام لم يمنع. مانع من ذلك ، وهنا لا مانع من حمل اللفظ على حقيقته وظاهره. أما الأحاديث والآثار التى استشهد بها من قال بأن المراد بالسائحين الصائمون فقد ضعفها علماء الحديث . قال صاحب المنار : وأقول، وروى ابن جرير من حديثأبى هريرة مرفوعاً وموقوفا حديث: السائحون هم الصائمون ، لا يصح رفعه ... (١) وفضلا عركل هذا، فإن تفسير السائحين بأنهم السائرون فى الأرض لسكل مقصد شريف ، وغرض كريم ... يتناول الجهاد فى سبيل كما يتناول الرحلة فى طلب العلم ,وغير ذلك من وجوه الخير. وما أكثر الآيات القرآنية التى حضت على السير فى الأرض، وعلى التفكر في خلق الله، ومن ذلك قوله تعالى: ((قل سيروا فى الأرض ثم أنظروا كيف كان عاقبة المكذبين((٢)). وقوله تعالى ٠, أفلم يسيروافى الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها، أوآ ذان يسمعون بها، فأنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التى فى الصدور ٣٠)) قال الإمام الرازى: للسياحة أثر عظيم فى تكميل النفس لأن الإنسان يلقى الأكابر من الناس، فيحتقر نفسه فى مقابلتهم، وقد يصل إلى المرادات الكثيرة فينتفع به، وقد يشاهد اختلاف أحوال الدنيا بسبب ما خلق الله. تعالى. فى كل طرف من الأحوال الخاصة بهم ((وقد يشاهد اختلاف أحوال بسبب ما خلق الله تعالى فى كل طرف من الأحوال الخاصة بهم، فتقوى معرفته. وبالجملة فالسياحة لها آثار قوية فى الدين(٤)). (٢) سورة الحج الاية ٤٦ ((١) راجع تفسير المنارج ١١ ص٥٤ (٣) سورة الأنعام الآية ١٢ ٤٠)) تفسير الفخر الرازى ج٤ ص٥٠٩ تفسير سورة - ٣١١ - التوبة ثم بين -سبحانه - أنه لا يصح للنبى - بل) - ولا المؤمنين أن يستغفر واللمشركين مهما بلغت درجة قرابتهم، لأن رابطة العقيدة هى الوشيحة الأساسية فيما بينهم فقال . تعالى : مَا كَانَ لِلِّ وَالَّذِينَ ءَ امَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُواْلِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أَوْلِ قُرْبَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبيَّ نَهُمْ أَهُمْ أَعَْبُ اَلْجَحِمِ ﴿ وَمَا كَانَ أَسْتِغْفَارُ إِبْرَّهِيَمَ لِأَبِهِ إِلَّ عَنْ مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَ إِنَّهُ فَلَأَنَبَّنَ لَهُوْ أَنَّهُ, عَدُوٌّ لِلَّهِتَبَأْ مِنْهُ إِنَّ إِبْرِيمَ لَوَّهُ حَلِيمٌ () وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمَا بَعْدَ إِذْ هَدَثُمْ خَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ (٥) إِنَّ اللهَلَهُ. مُلْكُ السَّمَتِ وَالْأَرْضِّ يُحِي، وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللهِ مِن وَلِّ وَلَا نَصِيرٍ ﴾ قال الفخر الرازى: أعلم أنه - تعالى - لما بين من أول هذه السورة إلى هذا الموضوع وجوب إظهار البراءة عن الكفار والمنافقين من جميع الوجوه، بين فى هذه الاية أنه تجب البراءة عن أمواتهم وإن كانوا فى غاية القرب من الإنسان، كما أوجبت البراءة عن أحيائهم . والمقصود منه بيان وجوب مقاطعتهم على أقصى الغايات، والمنع من مواصلتهم بسبب من الأسباب ((١)). والمعنى: ما كان من شأن النى - عَلَّه - ولا من شأن أصحابه المؤمنين ، أن يدعو الله - تعالى - بأن يغفر للمشر كين فى حال من الأحوال. ولو كان هؤلاء المشركون من أقرب أقربائهم ((من بعد ماتبين لهم)، أى: الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولأصحابه، أن هؤلاء ((١) تفسير الفخر الرازى -٤ص ٠۵١٠ الجزء - ٢١٢ - العاشر المشركين من أصحاب الجحيم ، بسبب موتهم على الكفر، وإصرارهم عليه، وعدم أعترافهم بدين الإسلام . قال الالوسى ما ملخصه: والاية على الصحيح تزات فى أبى طالب، فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن المسيب بن حزن قال : لما حضرت أبا طالب الوفاة، دخل عليه النى عَِّ وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبى أمية فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - أى عم، قل لا إله إلا اللّه أحاج لك بها عند الله. فقال أبو جهل يا أبا طالب أترغب عن مئة عبدالمطلب؟ فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعرضها عليه. وأبو جهل وعبد الله بن أمية يعاودانه بتلك المقالة. فقال أبو طالب آخر ماكلمهم: هو على ملة عبدالمطلب وأبى أن يقول: لا إله إلا الله. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . لأستغفرن لك ما لم أنهَ عن ذلك فنزلت : «ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ... الاية، ثم قال . واستبعد بعضهم ذلك، لأن موت أبى طالب كان قبل الهجرة بثلاث سنين ، وهذه السورة من أواخر ما نزل بالمدينة. وهذا الاستبعاد مستبعد، لأنه لا بأس من أن يقال: كان التى صلى الله عليه وسلم يستغفر لأبى طالب من ذلك الوقت إلى وقت نزول هذه الآية وعليه فلا يراد من قوله (( فترات)) فى الخبر أن النزول كان عقيب القول بل براد أن ذلك سبب النزول حسب ه فتكون الفاء للسببية لا للتعقيب، ((١)) وقال القرطبى: هذه الآية تضمنت قطع موالاة الكفارحيهم وميتهم، فإن الله لم يجعل للمؤمنين أن يستغفروا للمشركين، فطلب الغفران للمشرك بما لا يجوز .، وفقال كثير من العلماء. بأنه لا بأس أن يدعو الرجل لأبويه الكافرين ما دام حيين، فأما من مات على الكفر فقد أنقطع عنه الرجاءفلا يدعى له : ٢٠٠). (١) راجع تفسير الالوسى ٢٢ ص٢٣ (٢) تفسير القر طبى ج٢٧٣٨ تفسير سورة - ٣١٣ - التوبة ثم بين - سبحانه - السبب الذى حمل إبراهيم على الاستغفار لأبيه، ثم على ترك هذا الاستغفار فقال: ((وما كان استغفار لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه ، فلما تبين له أنه عدو الله تبرأ منه .. )) قال القرطى : روى النسائى عن على بن أبى طالب قال : سمعت رجلا يستغفر لأبوبه وهما مشركان . فقلت أتستغفر لهما وهما مشركان فقال: أو لم يستغفر إبراهيم لأبيه. فأتيت النبي - عَّ - فذكرت له ذلك فنزات (( وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه الآية. والمعنى: لاحجة لكم أيها المؤمنون فى استغفار إبراهيم، لأبيه، لأن استغفاره له أنما كان بسبب وعد صدر له بذلك، فلما أصر « آزر، أبو إبراهيم على كفره، ومات مشركا باللّه، تبرأ ابراهيم منه ومن عمله. والمراد بهذا الوعد ما جاء فى القرآن من قوله له: « سلام عليك سأستغفرلك ربی إنه كان بی حفیا )،(١). وقوله: ((لأستغفرن لك وما أملك من انته من شىء)) (٢). وقوله: (( إن إبراهيم لأواه حليم ، جملة مستأنفة مسوقة لبيان الداعى الذى دعا إبراهيم إلى الاستغفار لأبيه قبل التبين: أى: إن إبراهيم لكثير التأوه والتوجع من خشية الله، وكثير الحلم والصفح عمن آذاه . قال الآلوسي: قوله (( إن إبراهيم لأواه حليم، أى الكثير التأوه وأصل التأوه قوله آه ونحوه مما يقوله الحزين .. وهو عند جماعة كناية عن كمال الرأفة. ورقة القلب. وأخرج ابن جرير وابن أبى حاتم وغير هما عن عبد الله بن شداد، قال رجل : يارسول الله ما الأواه؟ قال: الخاشع المتضرع الكثير الدعاء (٣). (١) سورة مريم الآية ٤٧ (٢) سورة الممتحنة الآية ٥ (٣) تفسير الآلوسى جـ ١١ ص ٣٥ - بتصرف وتلخيص - الجزء - ٣١٤ - العاشر ويؤخذ من هاتين الآيتين ، أنه لا يجوز لمسلم أن يستغفر لمشرك بعد موقه على الشرك مهما بلغت درجة قرابته له. ثم بين - سبحانه - سنة من سننه العامة فى خلقه، وهى تدل على سعة رحمته، ووافر عدله فقال: (( وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون ... )) أى: وما كان من شأن الله - تعالى - فى لطفه وعدله ... أن يصف. قوما بالضلال عن طريق الحق (( بعد إذ هداهم، إلى الإسلام، لمجرد قول أو عمل صدر عنهم عن طريق الخطأ فى الاجتهاد . وإنما يصفهم بذلك بعد أن يبين لهم ما يجب اتقاؤه من الأقوال والأفعال، فلا يطيعون أمره ، ولا يستجيبون لتوجيهه - سبحانه - قال صاحب الكشاف: يعنى - سبحانه - أن ما أمر باتقائه واجتنابه كالاستغفار المشركين وغيرها ما نهى عنه وبين أنه محظور، لا يؤاخذ به. عباده الذين هداهم للإسلام، ولا يسميهم ضلالا، إلا إذا أقدموا عليه بعد بيان حظره عليهم، وعلمهم أنه واجب الاتقاء والاجتناب . وأما قبل العلم والبيان فلا سبيل عليهم، كما لا يؤاخذون بشرب الخمر، ولا يبيع الصاع بصاعين قبل التحريم . وهذا بيان لعذر من خاص المؤاخذة بالاستغفار للمشر كين قبل ورود النهى عنه . وفى هذه الآية شديدة ما ينبغى أن يغفل عنها: وهى أن المهدى الإسلام إذا أقدم على بعض محظورات الله صار داخلافى حكم الإضلال، (١). وقال صاحب المنار : أخرج ابن المنذر أن عبدالله بن مسعود كان يخطب أصحابه كل عشية خميس ثم يقول: فمن استطاع منكم أن يغدو عالما أو متعلما فليفعل ، ولا يغدو لسوى ذلك، فإن العالم والمتعلم شريكان فى الخير . أيها الناس: إنى والله لا أخاف عليكم أن تؤخذوا بما لم يبين لكم، وقد قال (١) تفسير الكشاف جـ ص ٣١٦ التوبة - ٣١٥ - تفسير سورة - تعالى - (( وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون ... )، (١). وقوله: ((إن الله بكل شىء عليم، تعليل لما قبله، أى إن الله - تعالى .. عليم بكل شىء، ولا يخفى عليه شيء من أقوال الناس وأفعالهم، وسيحاسبهم يوم القيامة على ذلك، وسيجازى الذين أساؤا بما عملوا ، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى . ثم ختم سبحانه_ هذه الآيات بيان أنه- سبحانه- هو المالك لكل شىء، والخالق لكل شىء، فقال: (إن الله له ملك السموات والأرض بحى ويميت)). أى: إن الله- تعالى- هو المالك السموات والأرض وما بينهما، ولا شريك له فى خلقهما، ولا فى تدبير شئونهما، وهو - سبحانه - الذى يحى من يريد إحياءه، ويميت من يريد إماتته، لاراد لقضائه، ولا معقب لحكمه. ( وما لکم من(دون الله من ولی ولا نصير ، ◌ُی ولیس لكم ـ أبها الناس - أحد سوى الله يتولى آمركم وينصركم على أعدائكم. وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد نهت المؤمنين عن الاستغفار للمشر كين المصرين على شركهم، كما بشر تهم بأنه بحانه لا يؤاخذهم على استغفارهم لهم قبل نهيهم عن ذلك. كما أخبرتهم بأن ملك هذا الكون إنما هو لله وحده ، فعليهم أن يستجيبوا لأمره ، لكى بنالوا رحمته ورضاه. ثم ذكر -سحانه- جانبا من مظاهر فضله على عباده المؤمنين ، حيث تقبل قويتهم ، وتجاوز عن زلاتهم ، فقال -تعالى -: ◌َّقَد تَّابَ الهُ عَلَى النَِّّ وَالْمُهَذِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِ سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ ◌ِيغُ قُلُوبُ فَرِيِقٍ مِنْهُمْ ثُمَّتَبَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُرِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ(*) (١) تفسير المنار جـ ٢ ص ٣١٦ - ٣١٦ - العاشر الجزء قال الإمام الرازى : أعلم أنه- تعالى- لما استقصى فى شرح أحو الغزوة قبوك، وبين أحوال المتخلفين عنها، وأطال القول فى ذلك على الترتيب الذى لخصناه فيما سبق ، عاد فى هذه الآية إلى شرح ما بقى من أحكامها، ومن بقية تلك الأحكام أنه قد صدر عن رسول الله - يتطلب-ما يجرى مجرى ترك الأولى، وصدر عن المؤمنين كذلك نوع زلة ، فذكر -سبحانه - أنه تفضل عليهم، وقاب عليهم، فى تلك الزلات، فقال - تعالى -: ((لقد تاب الله على النى والمهاجرين والأنصار ... )) (١). والعلماء أقوال فى المراد بالتوبة التى تابها الله على النى - بَّه ـ وعلى المهاجرين والأنصار : فمنهم من يرى أن المراد بها قبول قوبتهم ، وغفران ذنوبهم، والتجاوز عن زلاتهم التى حدثت منهم فى تلك الغزوة أو فى غيرها ، وإلى هذا المعنى أشار القرطبى بقوله : قال ابن عباس: كافت التوبة على النبى - بَّ ◌ُلّه - لأجل أنه أذن للمنافقين فى القعود، بدليل قوله -سبحانه - قبل ذلك: «عفا الله عنك لم أذنت لهم .. ». وكانت قوبته على المؤمنين من ميل قلوب بعضهم إلى التخلف عنه - أى: إلى التخلف عن الخروج معه إلى غزوة تبوك (٢). ومنهم من يرى أن المقصود بذكر التوبة هنا التنوية بفضلها، والحض على تجديدها، وإلى هذا المعنى اتجه صاحب الكشاف فقال:((تاب الله على النبى ((كقوله: (( ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر. وكقوله: ((واستغفر لذنبك)). وهو بعث للمؤمنين على التوبة، وأنه ما من مؤمن إلا وهو محتاج إلى التوبة والاستغفار ، حتى النبى والمهاجرون والأنصار، وإبانة لفضل التوبة ومقدارها عند الله، وأن صفة التوابين الأوابين صفة الأنبياء كما وصفهم بالصالحين ليظهر فضيلة الصلاح .. (٣). (١) تفسير الفخر الرازى ج٥١٥٠٠٤ (٢) تفسير القرطبى ج ٨ صـ٢٨٧ (٣) تفسير الكشاف جـ ٢ صـ ٠١١٦ تفسير سورة - ٣١٧ - التوبة ومنهم من يرى أن المراد بالتوبة هنا: دوامها لا أصلها ، وإلى هذا المعنى. إشار بعضهم بقوله : لقد قاب اللّه على النبى .. )) أى : أدام توبته على النبى والمهاجرين والأنصار. وهذا جواب عما يقال : من أن النبى معصوم من الذنب، وأن المهاجرين والأنصار لم يفعلوا ذنبا فى هذه القضية، بل اتبعوه من غير تلعثم ، قلنا : المراد بالتوبة فى حق الجميع دوامها لا أصلها .. ، (١). ومنهم من يرى أن ذكر التى هنا إنما هو من باب التشريف، والمرادقبول قوبة المهاجرين والأنصار فيما صدر عن بعضهم من زلات . وقد وضح هذا المعنى الإمام الآلوسى فقال: قال أصحاب المعانى: المراد ذكر التوبة على المهاجرين والأنصار، إلا أنه جىء فى ذلك بالنبى - صلى الله عليه وسلم - تشريفا لهم، وتعظيما لقدرهم، وهذا كما قالوا فى ذكره - تعالى - فى قوله: ((فأن لله خمسه والرسول ... ، الآية أى: عفا - سبحانه - عن زلات صدرت منهم يوم أحد ويوم حنين ... )، (٢). ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب الآراء إلى الصواب، لأن الآية الكريمة مسوقة لبيان فضل الله - تعالى - على رسوله وعلى المؤمنين ، حيث غفر لهم ما فرط منهم من حفوات وقعت فى هذه الغزوة وهذه الهفوات صدرت منهم بمقتضى الطبيعة البشرية، وبمقتضى الاجتهاد فى أمور لم يبين الله - تعالى- حكمه فيها، فهى لا تنقص من منزلة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولامن منزلة أصحابه الصادقين فى إيمانهم . والمعنى. لقد تقبل الله - تعالى - قوبة النبى - صلى الله عليه وسلم - كما تقبل توبة أصحابه المهاجرين والأنصار ، الذين اتبعوه عن طواعية واختيار وإخلاص فى ساعة العسرة . أى فى وقت الشدة والضيق ، وهو وقتغز وة. تبوك، فالمراد بالساعة هنا مطلق الوقت . (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ صـ ٣٢٤ - بتصرف يسير - (٢) تفسير الآلوسى ج ١١ ص ٣٩. الجزء - ٣١٨ - العاشر وقد كانت غزوة تبوك تسمى غزوة العسرة، كما كان الجيش الذى اشترك فيها يسمى بجيش العسرة، وذلك لأن المؤمنين خرجوا إليها فى سنة محد بة، وحر شديد، وفقر فى الزاد والماء والراحلة . قال ابن كثير : قال مجاهد وغير واحد : نزلت هذه الآية فى غزوة تبوك، وذلك أنهم خرجوا إليها فى شدة من الأمر، فى سنة مجدبة، وحر شديد، وعسر فى الزاد والماء . وقال قتادة : خرجوا إلى الشام عام تبوك فى لهبان الحر - أى شدته -على ما يعلم الله من الجهد، أصابهم فيها تعب شديد، حتى لقد ذكر لنا أن الرجلين كانا بشقان التمرة بينهما(١). وقال الحسن : كان العشرة منهم يعتقبون بعيرا واحداً ، يركب الرجل منهم ساعة ثم ينزل فيركب صاحبه كذلك ، وكان النفر منهم يخرجون وليس معهم إلا التمرات اليسيرة فإذا بلغ الجوع من أحدهم أخذ التمرة فلا كها حتى يحد طعمها، ثم يشرب عليها جرعة من الماء .. ومضوا مع النبى - صلى الله عليه وسلم - على صدقهم ويقينهم - رضى الله عنهم - (٢). وقوله : (( من بعدما كاد يزيغ قلوب فريق منهم، بيان لتناهى الشدة ، وبلوغها الغاية القصوى . أى: قاب- سبحانه - على الذين اتبعوا رسوله من المهاجرين والأنصار، من بعد أن أشرف فريق منهم على الميل عن التخلف عن الخروج إلى غزوة تبوك، لما لا بها وصاحبها من عسر وشدة وتعب. وفى ذكر ((فريق منهم)) إشارة إلى أن معظم المهاجرين والأنصار ، مضوا معه - عِبُّ - إلى تبوك دون أن تؤثر هذه الشدائد فى قوة إيمانهم وصدق يقينهم، ومضاء عزيمتتم ، وشدة إخلاصهم . (١) راجع تفسير ابن كثير ٢ ص ٠٣٩٦ (٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٠٣٢٤ تفسير شورة - ٣١٩ - التوبة قال الألوسى ما ملخصه: ((وفى كاد، ضمير الشأن و(«قلوب) فاعل (بزيغ)) والجملة فى موضع الخبر لسكاد ... وهذا على قراءة «يزيع)) بالياء، وهى قراءة حمزة، وحفص، والأعمش. وأما على قراءة ((زيغ)) بالتاء، وهى قراءة الباقين. فيحتمل أن يكون ((قلوب، إسم كاد («وتزيع)) خبرها، وفيه ضمير يعود على إسمها)، (١). وقوله: ، ثم تاب عليهم إنه بهم ر.وف رحيم ، تذييل مؤكد لقبول التوبة ولعظيم فضل الله عليهم . ولطفه بهم . أى: ثم تاب عليهم - سبحانه - بعد أن كابدوا ما كابدوا من العسر والمشقة ومجاهدة النفس ، إنه بهم ر.وف رحيم . قال بعضهم : فإن قلت : قد ذكر التوبة أولا ثم ذكرها ثانياً فما فائدة التكرار؟ قلت : إنه - سبحانه - ذكر التوبة أولا قبل ذكر الذنب تفضلا منه وتطييبا لقلوبهم ، ثم ذكر الذقب بعد ذلك وأردفه بذكر التوبة مرة أخرى، تعظيما لشأنهم، وليعلموا أنه - تعالى - قد قبل توبتهم ، وعفا عنهم ، ثم أتبعه بقوله - سبحانه («إنه بهم رءوف رحيم، تأكيدا لذاك. والرأفة عبارة عن السعى فى إزالة الضرر، والرحمة عبارة عن السعى فى إيصال النفع، (٢). وقال القرطبى: قوله (( ثم قاب عليهم، قبل توبته عليهم أن تدارك قلوبهم حتى لم تزغ؛ وتلك سنة الحق - سبحانه - مع أوليائه إذا أشرفوا على العطب ووطنوا أنفسهم على الهلاك، أمطر عليهم سحائب الجود فأحيا قلوجهم. قال الشاعر : منك أرجو ولست أعرف ربا يرتجى منه بعض مامنك أرجو (١) راجع تفسير الآلومى جـ ١١ ص ٠٤٠ (٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٠٣٢٥ الجزء - ٣٢٠ - العاشر وإذا اشتدت الشدائد فى الأر ض على الخلق فاستغائوا وحجموا ع، وصروا على الذنوب ولجو وابتليت العباد بالخوف والجو فتيقنت أننى بك أنجو لم یکن لی سواك ربی ملاذ وكما تقبل الله - تعالى - توبة المهاجرين والأنصار الذين اتبعوا رسولهم. - صلى الله عليه وسلم - فى ساعة العسرة ... فقد تقبل توبة الثلاثة الذين تخلفوا عن الاشتراك فى غزوة تبوك، فقال - تعالى -: ﴿ وَعَلَى النَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّىَ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُهُمْ وَظَنُواْ أَنْ لََّمَلْجَ مِنَ اللّهِلَّ إِلَيْهِ مُ قَابَ عَلَيْهِمْ لِبَتُوبُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَابُ الرَّحِيمُ ﴾ فهذه الآية الكريمة معطوفة على الآية السابقة لها. والمعنى: لقد تقبل الله - تعالى - بفضله وإحسانه توبة النبى والمهاجرين والأنصار، وتقبل كذلك قوبة الثلاثة الذين تخلفوا عن هذه الغزوة كسلا وحبا للراحة ، والذين سبق أن أرجأ الله حكمه فيهم بقوله «وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم ... )) (١). وقوله : حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم. وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه، كناية عن شدة تحيرهم، وكثرةحزنهم، وأستسلامهم لحكم الله فيهم: أى: حتى إذا ضاقت عليهم الأرض على سعتها ، بسبب إعراض الناس عنهم ، ومقاطعتهم لهم ، وضاقت عليهم أنفسهم ، بسبب الهم والغم الذى ملأها واعتقدوا أنهم لا ملجأ ولا مهرب لهم من حكم الله وقضائه إلا إليه ... حتى إذا كان أمرهم كذلك، جاءهم فرج الله، حيث قبل توبتهم، وغفر خطأهم وعفا عنهم ... (١) راجع تفسير الآية رقم ١٠٦ من هذه السورة.