النص المفهرس

صفحات 261-280

تفسير سورة - ٢٦١ - التوبة
وقوله: ((رضوا بأن يكونوا مع الخوالف)) زيادة فى تحقيرهم وذمهم.
والخوالف : جمع خالفة، ويطلق على المرأة المتخلفة عن أعمال الرجال
الضعفها. كما يطلق لفظ الخالفة - أيضاً - على كل من لا خير فيه .
والمعنى: رضى هؤلاء المنافقون لأنفسهم . أن يبقوافى المدينة مع النساء،
ومع كل من لا خير فيه من الناس ، ولا يرضى بذلك إلا من هانت كرامته،
وسقطت مروءته ، وألف الذل والصغار .
وقوله ((وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون)) بيان لما ترقب على استمرارهم
فى النفاق ، وعدم رجوعهم إلى طريق الحق .
أى: أنه ترتب على رسوخهم فى النفاق، وإصرارهم على الفسوق والعصيان
أن ختم الله على قلوبهم، فصارت لا تفقه ما فى الإيمان والجهاد من الخير
. والسعادة ، وما فى النفاق والشقاق من الشقاء والهلاك .
وقوله - سبحانه ـ(( لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم
- وأنفسهم ، استدراك لبيان حال الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين،
بمد بيان حال المنافقين .
أى : إذا كان حال المنافقين كما وصفنا من جبن وتخاذل وهوان ....
فإن حال المؤمنين ليس كذلك، فإنهم قد وقفوا إلى جانب رسولهم -صلى الله
عليه وسلم -، بجاهدوا معه بأموالهم وأنفسهم من أجل إعلاء كلمة الله، وأطاعو.
, فى السر والعلن، وآثروا ما عند الله على كل شىء فى هذه الحياة ...
وقد بين - سبحانه - جزاءهم الكريم فقال: (( أولئك لهم الخيرات))
أى : أولئك المؤمنون الصادقون لهم الخيرات التى تسر النفس ، وتشرح
« الصدر فى الدنيا والآخرة ((وأولئك هم المفلحون، الفائزون بسعادة الدارين.
( أعد الله)) - تعالى - لهؤلاء المؤمنين الصادقين ((جنات تجرى من،تحت
- ثمارها وأشجارها ومساكنها (( الأنهار خالدين) فى تلك الجنات خلودا أبديا،

العاشر
الجزء - ٢٦٢ -
و«ذلك، العطاء الجزيل، هو ((الفوز العظيم)) الذى لا يدانيه فوز،-
ولا تقاربه سعادة .
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد ذمت المنافقين لجبنهم، وسوء.
فيتهم، وتخلفهم عن كل خير ... ومدحت الرسول - صلى الله عليه وسلم -
والمؤمنين ، الذين نهضوا بتكاليف العقيدة، وأدوا ما يجب عليهم نحو خالقهم
وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم من أجل كلمته - سبحانه - .
وبعد أن بين - سبحانه - أحوال المنافقين من سكان المدينة ، أتبع ذلك
بالحديث عن المنافقين من الأعراب سكان البادية فقال - تعالى - :
وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ.
يُؤْذَنَّ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُواْلَهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ:
مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾
قال القرطى ما ملخصه: قوله - تعالى -: ((وجاء المعذرون من الأعراب).
قرأ الأعرج والضحاك. المعذرون،مخففا. ورواها أبو كريب عن أبي بكر
عن عاصم ... وهى من أعذر، ومنه قد أعذر من أنذر، أى: قد بالغ فى
العذر من تقدم إليك فأنذرك . وأما . المعذرون، بالتشديد - وهى قراءة.
الجمهور - ففيها قولان :
أحدهما : أنه يكون المحق ، فهو فى المعنى المعتذر، لأن له عذرا. فيكون.
« المعذرون)) على هذه أصله المعتذرون، ثم أدغمت التاء فى الذال ...
وثانيهما : أن المعذر قد يكون غير محق، وهو الذى يعتذر ولا عذر له.
والمعنى ، أنهم اعتذروا بالكذب ...
قال الجوهرى: وكان ابن عباس يقول: لعن الله المعذرين. كأن الأمر
عنده أن المعذر - بالتشديد - هو المظهر للعذر، اعتلالا من غير حقيقة له ..
فى العذر ..... )) (١).
(١) تفسير القرطبى ج ٨ ص ٠٢٢٤

تفسير سورة - ٢٦٣ - التوبة
ومن هذه الأقوال التى نقلناها عن القرطى يتبين لنا أن من المفسرين
من يرى أن المقصود من المعذرين : أصحاب الأعذار المقبولة .
وقد رجح الإمام ابن كثير هذا الرأى فقال: بين الله -تعالى -حال ذوى
الأعذار فى ترك الجهاد، وهم الذين جاءوا رسول الله ــ م الله - يعتذرون
إليه، ويبينون له ماهم فيه من الضعف وعدم القدرة على الخروج وهم من
أحياء العرب ممن حول المدينة .
قال الضحاك عن ابن عباس: إنه كان بقرأ ,وجاء المعذرون)-
بالتخفيف -، ويقول، هم أهل العذر ... وهذا القول أظهر فى معنى
الآية ؛ لأنه - سبحانه - قال بعد هذا، وقعد الذين كذبوا الله ورسوله )).
أى: لم يأتوا فيعتذروا ... ))(١).
وعلى هذا الرأى تكون الآية قد ذكرت قسمين من الأعراب : فما
جاء معتذرا إلى رسول الله - صَ ﴾ -وقسما لم يجىء ولم يعتذر، وهذا القسم
هو الذى توعده الله بسوء المصير .
ومنهم من يرى أن المقصود بالمعذرين: أصحاب الأعذار الباطلة ، وقد
سار على هذا الرأى صاحب الكشاف فقال: ((المعدرون، من عدر فى
الأمر، إذا قصر فيه وقوانى ولم يجد فيه. وحقيقته أنه يوهم أن له عذرا
فيما يفعل ولا عذر له .
أو المعتذرون بإدغام التاء فى الذال، وهم الذين يعتذرون بالباطل،
كقوله «يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم ...
وقرىء (المعذرون، بالتخفيف: وهو الذى يجتهد فى العذر ويحتشد
فيه. قيل هم أسد وغطفان . قالوا: إن لنا عيالا، وإن بنا جهدا فائذن
لنا فى التخلف .
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٣٨١.

الجزء
العاشر
- ٢٦٤ -
وقيل: هم رهط عامر بن الطفيل، قالوا : غزونا معك أغارت أعراب
طىء على أهالينا ومواشينا، فقال - صَّل ـ «سيغنينى الله عنكم»
وعن مجاهد: نفر من غفار اعتذروا فلم يعذرهم الله - تعالى -. وعن قتادة:
اعتذروا بالكذب ... )، (١).
وعلى هذا الرأى تكون الآية الكريمة قد ذكرت قسمين - أيضا - من
الأعراب ، إلا أن أولهما قد اعتذر بأعذار غير مقبولة، وثانيهما لم يعتذر،
بل قعد فى داره مصراً على كفره، ولذا قال أبو عمرو بن العلاء: كلا الفريقين
كان مسيئا : قوم تكلفوا عذرا بالباطل وهم الذين عناهم الله - تعالى. بقوله
( وجاء المعذرون ). وقوم تخلفوا من غير عذر فقعدوا جرأة على الله وهم
المنافقون، فتوعدهم الله بقوله: (( سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم)).
والذى يبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب؛ لتناسقه مع ما يفيده
ظاهر الآية، لأن الآية الكريمة ذكرت نوعين من الأعراب، أحدهما: المعذرون.
أى أصحاب الأعذار، وثانيهما: الذين قعدوا فى بيوتهم مكذبين لله
ولرسوله ، فتوعدهم . سبحانه . بالعذاب الأليم، ولأنه لا توجد قرينة
قوية تجعلنا نرجح أن المراد بالمعذرين هنا ، أصحاب الأعذار الباطلة، لأن
التفسير اللغوى للكلمة - كما نقلنا عن القرطى - يجعلها صالحة للأعذار
المقبولة، فكان الحمل على حسن الظن أولى، والله . تعالى. بعد ذلك هو
العليم بأحوال العباد ، ما ظه منها وما بطن .
وعلى هذا يكون معنى الآية الكريمة: وعندما استنفر النبى. صَ اله.
الناس إلى غزوة تبوك، جاءه أصحاب الأعذار من الأءداب ليستأذنوه فى
عدم الخروج معه، فقبل - بن الله - ماهو حق منها .
وقوله : ( وقعد الدين كذبوا الله ورسوله ) بيان للفريق الثانى من
الأعراب وهو الذى لم يجىء إلى الرسول - ويقع معتذرا.
(١) تصير الكشاف ج ٢ ص ٠٣٠٠

تفسير سورة
- ٢٦٥ -
التوبة
أى: وقعد عن الخروج إلى تبوك، وعن المجىء إلى رسول الله -
حَظله - للاعتذار، أولئك الذين كذبوا الله ورسوله فى دعوى الإيمان،
وهم الراسخون فى النفاق والعصيان من الأعراب سكان البادية.
وقوله: ((سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم، وعبد لهم بسوء
العاقبة فى الدارين .
أى : يصيب الذين أصروا على كفرهم ونفاقهم من هؤلاء الأعراب،
عذاب أليم فى الدنيا والآخرة . أما الذين رجعوا عن كفرهم ونفاقهم
منهم، وتابوا إلى الله - تعالى - قوبة صادقة، فهؤلاء عسى الله أن يعفو
عنهم وكان الله عفوا غفورا .
ثم ذكر - سبحانه - الأعذار الشرعية المقبولة عند، وعند رسوله ،
. والتى تجعل صاحبها لا حرج عليه إذا ما قعد معها عن القتال، فقال- تعالى.
لَيْسَ عَلَى الضَّعَفَآءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى
الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَايُنِقُونَ حَرَجُ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ،ّ مَا عَلَى
الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍّ وَاللهغَفُورٌرَّحِيمُ ﴾ وَلَ عَ الَّذِينَ إِذَا
مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَ أَجِدُ مَ أَحِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّا وَأَعْيُهُمْ
نَفِضُ مِنَ الَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا تَجِدُواْمَا يُنْفِقُونَ
٩٣
ذكر المفسرون فى سبب نزول هاتين الآيتين روايات ، منها ماجاء عن
زيد بن ثابت أنه قال كنت أكتب لرسول الله - شراء - فكنت أكتب
((براءة))، فإنى لواضع القلم على أذنى، إذ أمرنا بالقتال، فجعل رسول الله
- سبق - ينظر ما ينزل عليه، إذ جاء أعمى فقال: کیف بى يارسول اقه
. وأنا أعمى؟ فنزلت (( ليس على الضعفاء ولا على المرضى ... الآية)).

الجزء
- ٢٦٦ -
العاشر
وروى العوفى عن ابن عباس أن رسول الله - باقم - أمر الناس.
أن ينبعثوا غازين معه . فجاءته عصابه من أصحابه، فيهم عبد الله بن مقرن
المزنى. فقالوا: يا رسول الله، أحملنا. فقال لهم: والله لا أجد ما أحملكم
عليه، فتولوا وهم يبكون. وعز عليهم أن يجلسوا عن الجهاد، ولا يجدون.
ففقة ولا محملا، فلما رأى الله حرصهم على محبته ومحبة رسوله ، أنزل
عذرهم فى كتابه فقال: « ليس على الضعفاء ولا على المرضى ...
وقال محمد بن إسحاق - فى سياق غزوة تبوك - : ثم إن رجالا
من المسلمين أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم البكاءون وهم
سبعة نفر من الأنصار وغيرهم ... فاستحملوا رسول الله - صلى الله،
وكانوا أهل حاجة فقال . لا أجد ما أحلكم عليه تولوا وأعينهم تفيض
من الدفع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون .
والضعفاء : جمع ضعيف، وهو من ليس عنده القوة على القيام بتكاليف.
الجهاد، كالشيوخ والنساء والصبيان ...
والمرضى: جمع مريض،وهم الذين عرضت لهم أمراض حالت بينهم
وبين الاشتراك فى القتال، وهؤلاء عذرهم ينتهى بزوال أمراضهم.
والمعنى: ليس على الضعفاء العاجزين عن القتال لعلة فى تكوينهم ، أو
لشيخوخة أقعدتهم ، ولا على المرضى الذين حالت أمراضهم بينه وبين الجهاد
(ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون، وهم الفقراء القادرون على الحرب،
ولكنهم لا يجدون المال الذين ينفقونه فى مطالب الجماد ، ولا يجدون المال
الذى ينفقونه فى مطالب الجهاد، ولا يجدون الرواحل التى يسافرون عليها إلى
أرض المعركة، ليس على هؤلاء جميعا , حرج، أى: إثم أو ذنب بسبب
عدم خروجهم مع النبى - نتائج - إلى قبوك لقتال الكافرين ...
وقوله: إذا انصحو الله ورسوله،: بيان لما يجب عليهم فى حال قعودهم.
قال الجمل: ومعنى النصح - هنا - أن يقيموا فى البلد، ويحترزوا عن

- ٢٦٧ -
التوبة
تفسير سورة
إنشاء الأراجيف، وإثارة الفتن، ويسعوا فى إيصال الخير إلى أهل المجاهدين ..
الذين خرجوا إلى الغزو، ويقوموا بمصالح بيوتهم، ويخلصوا الإيمان والعمل
لله؛ ويتابعوا الرسول - عَ ل٣ -، فجملة هذه الأمور تجرى مجرى النصح
لله ورسوله)) (١) .
وقوله : ((ما على المحسنين من سبيل، استئناف مقرر لمضمون ما قبله.
والمحسنون. جمع محسن، وهو الذىيؤدىما كلفه الله بهعلىوجهحسن
والسبيل: الطريق السهل الممهد الموصل إلى البغية ٠)، ومن)) زائدة.
لتأ كيد النفى.
أى: ليس لأحد أى طريق يسلكها لمؤاخذة هؤلاء المحسنين ، بسبب
تخلفهم عن الجهاد، بعد أن نصحوا لله ولرسوله، وبعد أن حالت الموانع
الحقيقية بينهم وبين الخروج للجهاد .
قال الآلوسي : والجملة استئناف مقرر لمضمون ما سبق على أبلغوجه؛
وألطف سبك، وهو من بليغ الكلام، لأن معناه : لا سبيل لعاقب عليهم.
أى: لا يمر بهم العاقب ( ولا يجوز فى أرضهم، فما أبعد العتاب عنهم، وهو
جار مجرى المثل .
ويحتمل أن يكون تعليلا لنفى الحرج عنهم ورالمحسنين، على عمومه.
أى: ليس عليهم حرج، لأنه ما على جنس المحسنين سبيل، وهم من جماعهم(٢).
وقال صاحب المنار: «والشرع الإلهى يجازى المحسن بأضعاف إحسانه،
ولا يؤاخذ الى إلا بقدر إساءته . فإذا كان أولئك المعذورون فى القعود
عن الجهاد محسنين فى سائر أعمالهم بالنصح المذكور. انقطعت طرق المؤاخذة
دونهم والإحسان أعم من النصح المذكور فالجملة الكريمة تتضمن تعليل
(١) حاشية الجمل على الجلالين ج ٢ص٠٣٠٨
(٢) تفسير الآلوسي حـ١٠ ص٠١٥٨

الجزء
- ٢٦٨ -
العاشر
رفع الحرج عنهم مقروناً بالدليل ، فكل ناصح لله ورسوله محسن، ولا
سبيل إلى مؤاخذة المحسن وإيقاعه فى الحرج ، وهذه المبالغة فى أعلى مكانة
من أساليب البلاغة (١).
وقوله: (( والله غفور رحيم)، أى، والله تعالى - واسع المغفرة، كثير
الرحمة (( يستر على عباده المخلصين ما يصدر عنهم من تقصير تقتضيه طبيعتهم
على البشرية .
وقوله: (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قات لا أجدما أحملكم
عليه ... ، معطوف علىا ما قبله، من عطف الخاص على العام. اعتناء بشأنهم،
وجعلهم كأنهم لتميزهم جنس آخر، مع أنهم مندرجون مع الذين وصفهم الله
قبل ذلك (( لا يجدون ما ينفقون)).
أى: لا حرج ولا إثم على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون
ما ينفقون ، إذا ما تخلفوا عن الجهاد، وكذلك لا حرج ولا إثم - أيضاً-
على فقراء المؤمنين ، الذين إذا ما أقوك لتحملهم ، على الرواحل التى يركبونها
لكى يخرجوا معك إلى هذا السفر الطويل، قلت لهم، يا محمد. لا أجد
ما أحمدكم عليه ».
وفى هذا التعبير ما فيه من تطبيب قلوب هؤلاء السائلين فكأنه -
بِّه - يقول لهم إن ما تطلبونه أنا أسأل عنه، وأفتش عليه فلا أجده،
ولو وجدته لقدمته إليكم .
وقوله : («قولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أن لا يجد واما ينفقون))
بيان للاثار التى ترتبت على عدم وجود ما يحملهم من رواحل : لكى
يخرجوا مع الرسول عَّ اللّه إلى تبوك.
أى: أن هؤلاء المؤمنين الفقراء، عندما اعتذرت لهم بقؤلك: «لا أجد
(١) تفسير المنار حـ١٠ صـ ١٥٨:

تفسير سورة - ٢٦٩ - التوبة
ما أحملكم عليه، انصرفوا من مجلسك)، وأعينهم تسيل بالدموع من شدة
الحزن لأنهم لا يجيدون المال الذى ينفقونه فى مطالب الجهاد، ولا الرواحل
التى يركبونها فى حال سفرهم إلى تبوك .
فالجملة الكريمة تعطى صورة صادقة مؤثرة الرغبة الصادقة فى الجهاد ،
والألم الشديد للحرمان من نعمة أدائه :
وبمثل هذه الروح أرتفعت راية الإسلام، وعزت كلمته ، وانتشرت
دعوته .
هذا، ومن الأحكام والآداب التى نستطيع أن نأخذها من هاتين الآيتين
ما يأتى :
١ -- أن التكاليف الإسلامية تقوم على اليسر ورفع الحرج: ومن مظاهر
ذلك : أن الجهاد . وهو ذروة سنام الإسلام . قد أعفى الله تعالى . منه
الضعفاء والمرضى والذين لا يجدون وسائله ومتطلباته .
قال الإمام القرطبى (١): قوله تعالى. ليس على الضعفاء ولا على المرضى ... ))
هذه الاية أصل فى سقوط التكليف عن العاجز, فكل من عجز عن شىء سقط
عنه ، ولا فرق بين العجز من جهة القوة أو العجز من جهة المال. ونظير هذه
الاية قوله. تعالى -: ((لا يكلف اللهنفسا إلا وسعها (٢)وقوله:« ليس على
الأعمى حرج، ولا على الأعرج حرج، ولا على المريض حرج، ٣).
٢ - أنه متى وجدت النية الصادقة فى فعل الخير . حصل الثواب وإن لم
يكن هناك عمل، بدليل أن المؤمنين الذين لم يخرجوا للجهاد لعذر شرعى،
بشرهم النبى لل بأنهم مشار كون لمن خرج فى الأجر.
قال الإمام ابن كثير : فى الصحيحين من حديث أنس أن رسول الله -
((١) تفسير القرطبى - بتصرف يسير حرص٠٢٢٦
(٢)) سورة البقرة الآ ية ٢٨٦.
٢٠) سورة الفتح الآية ٠١٦

الجزء
- ٢٧٠ -
العاشر
صَّ الّه قال: (( إن بالمدينة أقواماً ما قطعتم وادياً ((ولا سرتم سيراً إلا
وهم معكم، قالوا: وهم بالمدينة و قال نعم حيسهم العذر .
وروى الإمام أحمد عن جابر قال: قال رسول اللّه عٍَّ: لقد خلفتم
بالمدينة رجالا ، ما قطعتم وادياً ، ولا سلكتم طريقاً ، إلا شاركوكم
فى الأجر، حبسهم المرض(١).
٢ - أن الصحابة - رضى الله عنهم - ضربوا: أروع الأمثال فى الحرص
على الجهاد والاستشهاد وأن أعذارهم الشرعية لم تمنع بعضهم من المشاركة
فى القتال .. .
فهذا عبد الله ابن أم مكتوم وكان يخرج إلى غزوة أحد ويطلب أن يحمل
اللواء ... وهذا عمرو بن الجموح - وكان أعرج-يخرج فى مقدمة الجيوش
فيقول له الرسول - مخ لل -: ((إن الله قد عذرك، فيقول : «والله لأحفرن
بعدجتى هذه الجنه)) - أى لأقر كن آثار أقدامى فيها.
أى كان يؤتى به وهو يمشى بين الرجلين معتمداً عليهما من شدة ضعفه)»
ومع ذلك يقف فى صفوف المجاهدين :
وبهذه القلوب السليمة، والعزائم القوية والنفوس النقية التى خالط الإيمان
شغافها .. ارتفعت كلمة الحق ، وعزت كلمة الإسلام :
وبعد أن بين - سبحانه - أحكام أصحاب الأعذار المقبولة ، أتبع ذلك
ببيان أحكام الأعذار الكاذبة ، والصفات القبيحة ، فقال تعالى .
(١) تفسير ابن كثير حـ٢ ص ٠٢٢٦

تفسير سورة - ٢٧١ -
التوبة
إِّمَا السَّبِيلُ عَلى
لَّذِينَ يَسْتَعْدِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءٌ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الَوَاِ
وَطَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلُونَ (﴾ يَعْنَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا
وَجَعْإِلَيْهِمْ قُل لَّا تَعْنَذِرُ واْلَ تُؤْمِّنَ لَكُمْ قَدْنَبَّأَنَا اللهُمِنْ أَخْبَرِكُمْ
يُسَيْرَىَ اللهُ عَمَكُمْ وَرَسُولُ فُمَّتُرَدُّونَ إِلَى عَلِيمِ الْغَيْبِ وَالشََّدَةِ
فَيُؤَِّفْكُ بِمَاكُنتُمْ تَعْمَلُونَ ( ٦﴾ سَعْلِفُونَ بِلّهِلَكُمْ إِذَا أَنْقَلَُمْ
لَيْهِمْ لِيُعْرِضُواْ عَنْهُمٌّ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَنَهُمْ
جَهَمُ جَزَاءُ بِمَ كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴿ يَحِمُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْ عَنْهُمْ
فَإِن تَرْضَوْ عَنْهُمْ فَإِنَّ اللّهَلَيَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَسِقِينَ لَ
فهذه الآيات الكريمة بيان لما سيكون من أمر المنافقين الذين قعدوا فى
المدينة بدون عذر، بعد أن يرجع الرسول عَّ الله إليهم والمؤمنون من قبوك
والمعنى : إذا كان الضعفاء والمرضى ومن في حكمهم، لا إثم ولا عقوبة
عليهم بسبب تخيفهم عن الجهاد، فان (السبيل، أى الإثم والعقوبة «على الذين
يستأذنونك، فى التخلف ((وهم أغنياء)) أى يملكون كل وسائل الجهاد من
مال وقوة وعدة ...
وقوله: ((رضوا بأن يكونوامع الخو الــ، استئناف تعليلى مسوق لمزيد مذمتهم.
أى: أستأذنوك فى العقود مع غناهم وقدرتهم على القتال، لأنهم لخلو
قلوبهم من الإيمان، ولسقوط همتهم وجبنهم،،. رضوا لأنفسهم أن يقبعوا
فى المدينة مع الخالف من النساء والصبيان والعجزة.
وقوله: (( وطع اللّه على قل بهم فهم لا يعلمون ((يان لسوء مصيرهم.

الجزء
العاشر
- ٢٧٢ -
أى : وبسبب هذا الإصرار على النفاق، والتمادى فى الفسوق والعصيان.
ختم الله - تعالى - على قلوبهم، فصارت لا تعلم ما يترتب على ذلك من.
مصائب دينية ودفيوية وأخروية .
وقوله : (( يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم، ،،، إخبارعما سيقولونه.
المؤمنين عند لقائهم بهم.
أى : أن هؤلاء المنافقين المتخلفين عن الجهادمع قدرتهم عليه، سيعتذرون
إليكم - أيها المؤمنون - إذا رجعتم إليهم من تبوك، بأن يقولوالكم مثلا
إن قعودنا فى المدينة وعدم خروجنا معكم كانت له معرراته القوية. فلا تؤاخذونا.
وهذه الجملة الكريمة من الأنباء التى أنبأ الله بها نبيه - عبد الله - عن
أحوال المنافقين وعما سيقولونه له وللمؤمنين بعد عودتهم إليهم، وهذا
يدل على أن هذه الايات نزلت فى أثناء العودة ، وقبل وصول الرسول
وأصحابه إلى المدينة من تبوك .
وقوله : ((قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد فبأ ناالله من أخبار كم، إبطال
المعاذيرهم: وقلقين من الله - تعالى - لرسوله بالرد الذى يخرس ألسنتهم.
أى: قل لهم - أيها الرسول الكريم - عندما يعتذرون اليكم اذارجعتم
اليهم: قل لهم: دعوكم من هذه المعاذير الكاذبة ، ولا تتفوهو أبها أمامنا،
فإننا (( أن نفمن لكم)) وأن نصدق أقوالكم، فإن الله. تعالى. قد كشف
لنا عن حقيقتكم: ووضح لنا أحوالكم، وبين لنا ما أنتم عليه من نفاق وفسوق
وعصيان،،، وما دام الأمر كذلك، فوفروا على أنفسكم هذه المعاذير الكاذبة
وقال . سبحانه. ((قد نبأذا اللّه من أخبار كم )،ولم يقل قد نبأى، الاشعار
بأن الله. تعالى. قد أمر رسوله. برج. أن يبلغ المؤمنين بأحوال هؤلاء
المنافقين حتى يكونوا على بينة من أمرهم .
و قوله : (( وسیری الله عملكم ورسوله)، تهديد لهم على نفاقهم وكذبهم.
أى: دعوا عنكم هذه الأعذار الباطلة، فإن الله - تعالى - مطلع على.
أحوالكم، وسيعلم سركم وجهر كم عداً يترتب عليه الجزاء العادل لكم،
وسيبلغ رسوله - ◌ِّء - بأخباركم ، هذا فى الدنيا، أما فى

تفسير سورة
- ٢٧٣ -
التوبة
الآخرة، فأنتم ((ستردون)) يوم القيامة .إلى عالم الغيب والشهادة، الذى لا يخفى
عليه شىء فى الأرض ولا في السماء («فينبئكم بما كنتم تعملون، أى: فيخبركم
بما كنتم تعملونه فى الدنيا من أعمال قبيحة ، وسيجازيكم عليها بما تستحقونه
من عقاب .
ثم أخبر - سبحانه - رسوله - بَله - بأن هؤلاء المنافقين،
سيؤ كدون أعذارهم الكاذبة بالإيمان الفاجرة فقال: ((سيحلفون بالله لكم
إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم ....
أى: أنهم سيحلفون بالله لكم - أيها المؤمنون - إذامارجعتم إليهم من
تبوك وذلك لكى تعرضوا عنهم ، فلا أو بخوهم على قعودهم، ولا تعنفوهم
علی تخلفهم .
وقوله ((فأعرضوا عنهم إنهم رجس، تعليل لوجوب الإعراض عنهم،
لا على سبيل الصفح والعفو، بل على سبيل الإهمال والقرك والاحتقار .
أى: فأعرضوا - أيها المؤمنون - عن هؤلاء المنافقين المتخلفين،
لهم (رجس».
أى : قذرونجس لسوء نواياهم، وخبث طواياهم:
وقد جعلهم - سبحانه - نفس الرجس، مبالغة فى نجاسة أعمالهم،
وقبح بواطنهم .
وقوله: ((ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون)) بيان لسوء مصيرهم
فى الآخرة.
أى: أنهم فى الدنيا محل الاحتقار والازدراء لنجاسة بواطنهم ، أما فى
الآخرة فمستقرهم وموطنهم جهنم بسبب ما اكتسبوه من أعمال قبيحة،
وما أجترحوه من أفعال سيئة .
وقوله : (« يحلفون لكم لترضوا عنهم ، بدل مما قبله.
(١٨ - سورة التوبة)

الجزء
- ٢٧٤ -
العاشر
ولم يذكر - سبحانه - المحلوف به لظهوره، أى: يحلفون بالله لترضوا
عنهم ، ولتصفحرا عن سيئاتهم ...
وقوله: (( فإن ترضوا عنهم فإن اللّه لا يرضى عن القوم الفاسقين، بان
حکم الله - تعالی - فيهم، حتی یکون المؤمنون على حذر منهم.
أى: إن هؤلاء المنافقين المتخلفون عن الجهاد يحلفون بالله لكم بأنهم
ما تخلفوا إلا لعذر. لكى تصفحوا عنهم. أيها المؤمنون. على سبيل الفرض
فإن الله - تعالى - لا يصفح ولا يرضى عن القوم الذين فسقواعن أمره،
وخرجوا عن طاعته .
وقال الآلوسى .. والمراد من الآية الكريمة، نهى المخاطبين عن الرضا
عنهم ، وعن الاغترار بمعاذيرهم الكاذبة على أبلغ وجهوآ كده، فإن الرضا
عمن لا يرضى عنه الله . تعالى. مما لا يكاد يصدر عن المؤمنين، والآية نزلت
على ما روى عن ابن عباس فى جد بن قيس ، ومعتب بن قشير، وأصحابهما
من المنافقين، وكانوا ثمانين رجلا، أمر النبى - بَ لَّم - المؤمنين لما
رجعوا إلى المدينة؛ ألا بجالسوهم ولا يكلمونهم فامتثلوا)) (١).
وقال . سبحانه . فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين، ولم يقل فإن الله
لا يرضى عنهم، لتسجيل الفسق عليهم، وللابذان بشمول هذا الحكم لكل
من كان مثلهم لله فى الفسوق وفى الخروج عن طاعة الله . تعالى.
وجواب الشرط فى قوله: ((فإن ترضوا عنهم) محذوف، والتقدير: فإن
ترضوا عنهم على سبيل الفرض ، فإن رضاكم عنهم لن ينفعهم، لأن الله تعالى.
لا يرضى عن القوم الذين خرجوا عن طاعته .
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قدذكرت جانباً آخر من الأحوال
القبيحة المنافقين . وردت على معاذيرهم الكاذبة. وأيمانهم الفاجرة بما يفضحم
ويخزيهم ، وقوعدتهم بسوء العاقبة فى الدنيا والآخرة .
ثم بعد هذا الحديث الطويل عن النفاق والمنافقين ((أخذت السورة الكريمة
(١) تفسير الآلوسي ج١١ ص٠٤

التوبة
- ٢٧٥-
تفسير شورة
فى الحديث عن طوائف أخرى منها الصالح ومنها غير الصالح، وقد
بدأت بالحديث عن الأعراب سكان البادية فقال . تعالى.
الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ
عَلَى رَسُولٌِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ(﴾ وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَهُ مَيُنْفِقُ
١٠٠٠٠٠٠٠٠٠
مَغْرَمَا وَ يَتْرَيَّصُ بِكُ الَّوَآِ عَلَيْهِمْ دَاءِرَةُ السّوءِ وَالَّمِيعُ عَلِيمْ (﴾
وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِلَّهِوَلْيَوْمِالْآَخِ وَبَُّ مَيُنْفِتُ قُرْبَتٍ
عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَتِ الرَّسُونِّ أَلَّ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْ خِلُهُمُ الَهُ فِى
رَحْمَتِهَةً إِنَّ اللَّهَغَفُورٌرَّحِيمٌ ﴾
قال صاحب المثار: قوله. سبحانه .: ((الأعراب أشد كفراً ونفاقاً).
بيان مستأنف لحال سكان البادية من المنافقين ، لأنه ما يسأل عنه بعدما تقدم
فى منافقى الحضر من سكان المدينة وغيرها من القرى .
والأعراب : اسم جنس لبدو العرب واحده أعرابى، والأنثى أعرابية،
والجمع أعاريب . والعرب اسم جنس لهذا الجيل الذى ينطق بهذه اللغة، بدوه
.وحضره واحده عربى ٠٠٠٠(١).
والمراد بالأعراب هنا: جنسهم لا كل واحد منهم، بدليل أن الله تعالى.
قد ذم من يستحق الذم منهم ، ومدح من يستحق المدح منهم، فالآية الكريمة
من باب وصف الجنس بوصف بعض أفراده .
وقد بدأ . سبحانه . بذكر المنافقين من الأعراب قبل المؤمنين منهم،
إلحاقا لهم بمنافقى المدينة الذين تحدثت السورة عنهم قبل ذلك مباشرة حديثاً
مستفيضاً، وبهذا الترتيب الحكيم تكون السورة الكريمة قد واصلت
الحديث عن منافقى الحضر والبدو .
(١) تفسير المنار جـ١١ ص ٠٨

١)
- ٢٧٦ -
الجزء
العاشر
والمعنى: « الأعراب، سكان البادية ((أشد كفراً ونفاقاً، من الكفار
والمنافقين الذين يسكنون الحضر والقرى.
وذلك، لأن ظروف حياتهم البدوية، وما يصاحبها من عزلة وكروفر.
فى الصحراء ، وخشونة فى الحياة ... كل ذلك جعلهم أقسىقلوباً ، وأجنى
قولا ، وأغلظ طبعاً ، وأبعد عن سماع ما يهدى نفوسهم إلى الخير من غيرهم .
سكان المدن .
وقوله : (( واجدر أن لا يعدوا حدود ما أنزل الله على رسوله) معطوف.
على ما قبله لتعديد صفاتهم الذميمة .
قال القرطبى: قوله: ((وأجدر، عطف على ((أشد)) ومعناه: أخلق.
- وأحق -، يقال: فلان جدير بكذا، أى: خليق به . وأنت جدير أن
تفعل كذا ، والجمع جدراء وجديرون . وأصله من جدر الحائط وهو رفعه
بالبناء . فقوله: هو أجدر بكذا، أى : أقرب إليه وأحق به (١).
والمعنى: الأعراب أشد كفرا ونفاقا من أهل الحضر الكفاروالمنافقين،
وهم كذلك أحق وأخلق من أهل الحضر بأن لا يعلم واحدودما أنزل الله على
رسوله ، بسبب ابتعادهم عن مجالس رسول اللّه. فدةٍ.، وعدم مشاهدتهم
لما ينزل عليه. عَ ﴾. من شرائع وآداب وأحكام.
وقوله: (( والله عليم حكيم)، أى: ((عليم) بأحوالعباده الظاهرة والباطنة
لا يخفى عليه شيء من صفاتهم وطباعهم ، (( حكيم)) فى صنعه بهم دوفى حكمه
عليهم ، وفيما يشرعه لهم من أحكام , وفيما يجازيهم به من ثواب أو عقاب.
هذا ، وقد ذكر المفسرون هنا أمثلة متعددة لجفاء الأعراب وجهلهم ، ..
ومن ذلك قول الإمام ابن كثير :
قال الأعمش عن ابراهيم قال: جلس أعرابى إلى زیدبن صومان، وهو
يحدث أصحابه، وكانت يده قد أصيبت يوم «نها وند، فقال الأعرابى: والله .
(١) تفسير القرطبى ج٨ص ٠٢٣٣

التوبة
- ٢٧٧ -
تفسير سورة
" إن حديثك ليعجبنى وإن يدك لقريبنى !! فقال زيد : وما يريبك من يدى؟
: إنها الشمال !! فقال الأعرابى: والله ما أدرى اليمين يقطعون أو الشمال !!
فقال زيد: صدق الله إذ يقول: (( الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر أن
: لا يعلموا حدودما أنزل الله على رسوله ... ))
وروى الإمام أحمد عن ابن عباس عن رسول - بِ الله - قال: من
سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غفل ، ومن أتى السلطان افتتن .
وروى الإمام مسلم عن عائشة قالت : قدم ناس من الاعراب على
رسول الله - عَ لَّم - فقالوا: أتقبلون صبيانكم؟ فقال - عطر -
فهم، قالوا: لكنا والله ما نقبل !! فقال - عَ ل ـ ,وما أملك إن
كان الله نزع منكم الرحمة،(١)
ثم بين - سبحانه - حال فريق آخر من منافقى الاعراب فقال:
- ((ومن الاعراب من يتخذ ما ينفق مغرما)).
أى : ومن الاعراب قوم آخرون يعتبرون ما ينفقونه فى سبيل الله
غرامة وخسارة عليهم لأنهم لا ينفقون ما ينفقونه طمعا فى ثواب ، أو
خوفا من عقاب وإنما ينفقونه تقية ورياء ومدارة للمسلمين، لا مساعدة
· للغزاة والمجاهدين، ولا حبا فى انتصار المؤمنين .
قال الجمل: وقوله: (( من يتخذ ما ينفق مغرما)، من مبتدأ ، وهى
موصولة أو موصوفة ، ومغرما . مفعول ثان ، لأن أتخذ هنا بمعنى صير،
والمفعول الأول قوله: (( ما ينفق)).
والمغرم : الخسران ، مشتق من الغرم وهو الهلاك لأنه سببه، وقيل
أصله الملازمة، ومنه الغريم للزومة من يطالبه .(٢)
وقوله: ((ويتربص بكم الدوائر، معطوف على ما قبله والتربص: الانتظار
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٣٨٣ بتصرف وتلخيص.
(:٠ (٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٢١١

العاشر
- ٢٧٨ -
الجزء
والترقب والدوائر : جمع دائرة. وهو ما يحيط بالإنسان من مصائب ..
ونكبات، كما تحيط الدائرة بالشىء الذى بداخلها .
أى : أنهم بجانب اعتبارهم ما ينفقونه غرامة وخسارة ، ينتظرون.
بكم - أيها المؤمنون - صروف الدهر وفوائيه التى تبدل حالكم من
الخير إلى الشر ومن النصر إلى الهزيمة، ومن الصحة إلى المرض
والأسقام، ومن الأمان والاطمئنان إلى القلق والاضطراب . .
وقوله: ((عليهم دائرة السوء، جملة معترضة، جىء بها للدعاء عليهم.
أى: عليهم لا عليكم - أيها المؤمنون - تدور دائرة السوء، التى.
يتبدل بها حالهم إلى الهلاك والفساد.
والسوء - بفتح السين - مصدر ساءه بسوء، سوءا، إذا فعل به
ما يكره والسوء - بالضم - اسم منه. وقيل المفتوح بمعنى الذم،
والمضمون بمعنى العذاب والضرر .
وإضافة الدائرة إلى السوء من إضافة الموصوف إلى صفته للمبالغة،.
كما فى قولهم : رجل صدق :
وفى هذا التعبير ما فيه من الذم لهؤلاء المنافقين ، لأنه - سبحانه -
جعل السوء كأنه دائرة تطبق عليهم فلا تفلتهم، وتدور بهم فلا تدع.
لهم مهرباً أو منجاة من عذابها وضررها
وقوله : والله سميع عليم تذييل قصد به تهديدهم وتحذيرهم مما
ارتكسوا فيه من نفاق وكفر وشقاق .
واللّه تعالى - سميع لكل ما يتفوهون به من أقوال ، عليم بكل
مايظهر ونه وما يبطنونه من أحوال ، وسيحاسبهم على ماصدر منهم حسابا
عسيرا يوم القيامه : وينزل بهم العقاب الذى يناسب جرائمهم ...
وبعد أن ذكر - سبحانه - حال هؤلاء الأعراب المنافقين، أتبعه بيان
حال المؤمنين الصادقين منهم فقال: ((ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر».

تفسير سورة
- ٢٧٩ -
التوبة
أى: ومن الأعراب قوم آخرون من صفاتهم أنهم يؤمنون بالله إيمانا
صادقاً، ويؤمنون باليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب.
وقوله : (( ويتخذ ما ينفق قربات عند اللّه وصلوات الرسول، مدح
لهم على إخلاصهم وسخائهم وطاعتهم ...
والقربات: جمع قرية وهى ما يتقرب به الإنسان إلى خالقه من أعمال
الخير والمراد بصلوات الرسول : دعواته للمتقربين إلى اللّه بالطاعة.
أى: ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر إيمانا حقا، ويعتبر كل
ما ينفقه فى سبيل الله وسيلة للتقرب إليه -- سبحانه - وتعالى بالطاعة، ووسيلة
للحصول على دعوات الرسول له بالرحمة والمغفرة، وبحسنات الدنيا والآخرة.
ولقد كان من عادة التى صَّ ل ـ أن يدعو للمنصدقين بالخير
والبركة، فقد ورد فى الحديث الشريف أن رسول الله - عَنَّ اللّه - دعا
لآل أبي أو فى عندما تقدموا إليه بصدقاتهم فقال: «اللهم صلى على آل أبى
أو فى ، أى: أرحمهم وبارك لهم فى أموالهم ..
وقوله: (( إلا أنها قربة لهم)) شهادة لهم منه سبحانه - بصدق إيمانهم،
و خلوص نیاتهم، وقبول صدقاتهم .
والضمير فى قوله (( إنها ، يعود على النفقة التى أنفقوها فى سبيل الله .
(((وألا)، أداة استفتاح جىء بها لتأكيد الخبر والاهتمام به. أى: ألا
إن هذه النفقات التى تقربوا بها إلى الله، مقبولة عنده - سبحانه - قبولا
مؤكدا، وسيجازيهم عليها بما يستحقون من أجر جزيل ...
وقوله (( سيدخلهم الله فى رحمته، وعدهم بإحاطة رحمته بهم.
والسين للتحقيق والتأكيد .
أى: أن هؤلاء المؤمنين بالله واليوم الآخر، والمتقربين إليه سبحانه.
بالطاعات ، سيغمرهم الله تعالى برحمته التى لاشقاء معها.
قال صاحب الكشاف: وقوله:« ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله فى رحمته
شهادة من اللّه للمتصدق بصحة ما أعتقد من كون نفقته قربات وصلوات
وتصديقا لرجائه على طريق الاستئناف مع حر فى التنبيه والتحقيق المؤديتين

العاشر
- ٢٨٠ -
الجزء
بثبات الأمر وتمكنه. وكذلك قوله:« سيدخلهم)، وما فى السين من تحقيق
الوعد . وما أدل هذا الكلام على رضا الله تعالى عن المتصدقين، وأن
الصدقة منه بمكان، إذا خلصت النية من صاحبها(١).
وقوله: ((إن الله غفور رحيم)) تذييل مقرر لما قبله على سبيل التعليل:
أى: إن الله تعالى - واسع المغفرة، كثير الرحمة للمخلصين الذين
يحتنبون كبائر الإثم وإلفوا حش إلا اللهم .
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد ذمت من يستحق الذم من
الأعراب ومدحت من يستحق المدح منهم ، وبينت مصير كل فريق ليكون
عبرة للمعتبرين وذكرى للمتذكرين.
وبعد هذا التقسم للأعراب ، انتقلت السورة للحديث عن المؤمنين
الصادقين الذين وقفوا إلى جانب الرسول - ◌َ له، وأطاعوه فى السر والعلن،
فقال - تعالى :
وَالسَِّقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِرِينَ
وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ آَتَّبَعُوُمْ بِإِحْسٍَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ
وَأَعْدَّلَهُمْ جَّتٍ تَجْرِى تَحْنَهَا الْأَنْهَرُ ◌َخْلِ ينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ
الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (®
فهذه الآية الكريمة قد مدحت ثلاث طوائف من المسلمين المعاصرين المعهد النبوى.
الطائفة الأولى «السابقون الأولون من المهاجرين، وهم الذين
تركوا ديارهم وأموالهم بمكة، وها جروا إلى الحبشة . ثم إلى المدينة من
أجل إعلاء كلمة الله واستمروا فى المدينة مع رسول الله - 5 0 - إلى
أن تم الفتح ودخل الناس فى دين الله أفواجا .
(٢٠ تغير الكاف ج ٢ ص ٣١٤