النص المفهرس

صفحات 241-260

تفسير سورة - ٢٤١ - التوبة
أى: فجعل الله - تعالى - عاقبة فعلهم ذلك نفاقا وسوء اعتقاد فى قلوبهم
إلى يوم يلقونه للحساب ، فيجازيهم بما يستحقون على بخلهم وإعراضه.
عن الحق .
فالضمير المستترفى (أعقب) لله - تعالى - وكذا الضمير المنصوب فى قوله:
((( يلقونه)).
ويصح أن يكون الضمير فى (أعقب، يعود على البخل والتولى والإعراض،
فيكون المعنى: فأعقبهم وأورثهم ذلك البخل والتولى والإعراض الحق والخير،
نفاقا واسخا فى قلوبهم ، وعتدا فى نفوسهم إلى اليوم الذى يلقون فيه ربهم،
فيعاقبهم عقابا ألما على سوء أعمالهم .
والباء فى قوله: (( بما أخلفوا اللهما وعدوه وبما كانوا يكذبون، للسببية.
أى: أن النفاق قد باض وفرخ فى قلوبهم إلى يوم بلقوا الله - تعالى-،
بسبب إخلافهم لوعودهم مع خالقهم، وبسبب استمرارهم على الكذب،
ومداومهتهم عليه .
ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات الكريمة، بتوبيخهم على إصرارهم على
المعاصى، مع علمم بأنه - عز وجل - عليم رقيب عليهم ، ومطلع على أحوالهم
فقال: (( ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم، وأن الله علام الغيوب)).
أى: ألم يعلم هؤلاء المنافقون أن الله - تعالى - يعلم ما يسرونه فى أنفسهم
من نفاق، وما يتناجون به فيما بينهم من أقوال فاسدة، وأنه-سبحانه-لا يخفى
عليه شىء فى الأرض ولا في السماء ؟ يلى أنهم ليعدون ذلك علم اليقين،
ولكنهم لا ستيلاء الهوى والشيطان عليهم ، لم ينتفعوا بعلمهم.
فالاستفهام فى قوله : (( ألم يعلموا ... ، للتوبيخ والتهديد والتقرير»
وتنبيههم إلى أن الله عليم بأحوالهم، وسبجازيهم عليها .
(١٦ - سورة التوبة).

العاشر
- ٢
الجزء
- ٢٤٢ -
هذا، ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى:
١ - وجوب الوفاء بالعهود، فإن نقض العهود، وخلف الوعد، والكذب
كل ذلك يورت النفاق ، فيجب على المسلم أن يبالغ فى الاحتراز عنه، فإذا
عاهد الله فى أمر فلميجتهد فى الوفاء به .
ومذهب الحسن البصرى - رحمه الله - أنه يوجب النفاق لا محالة، وتمسك
فيه بهذه الآية وبقوله - في - ثلاث من كن فيه فهو منافق ،
وإن صلى وصام وزعم أنه مؤمن: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف،
وإذا ائتمن خان. (١).
٢ - أن للإمام أن يمتنع عن قبول الصدقة من صاحبها إذا رأى المصلحة
فى ذلك، إقتداء بما فعله الرسول - صَلّه - مع ثعلبة، فإنه لم يقبل منه
الصدقة بعد أن جاءبها .
قال الإمام الرازى: فإن قيل إن أه-تعالى -أمره - أى ثعلبة - بإخراج
الصدقة فكيف يجوز من الرسول - بيتزا - أن لا يقبلها منه؟
قلنا : لا يبعد أن يقال أنه - تعالى - منع رسوله عن قبول الصدقة منه
على سبيل الإهانة له ، ليعتبر غيره به ، فلا يمتنع عن أداء الصدقات .
ولا يبعد - أيضا - أنه إنما أتى بها على وجه الرياء لا على وجه الإخلاص
وأعلم اللّه رسوله بذلك، فلم يقبل تلك الصدقة لهذا السبب.
ويحتمل -أيضا- أنه - تعالى- لما قال: « خذ من أموالهم صدقة تطهرهم
وتزكيهم بها، وكان هذا المقصود غير حاصل فى ثعليه مع نفاقه، فإذا السبب
امتنع رسول الله - صَ الله - عن أخذ تلك الصدقة (٢).
٣ - أن النفس البشرية ضعيفة شحيحة - إلا من عصم الله -.
(١) تفسير الفخر الرازى ج٤ص٤٧٨. طبعة المطبعة الشرفية سنة ١٣٢٤ هـ
(٢) تفسير الفخر الرازى ج٤ص٤٧٦ طبعة المطبعة الشرفية سنة ١٣٢٤

تفسير سورة - ٢٤٣ - التوبة
وأن مما يعين الإنسان على التغلب على هذا الضعف والشح ، أن موطن
- نفسه على طاعة الله؛ وأن يجبرها إجباراً على مخالفة الهوى والشيطان ،
وأن يؤثر ما عند الله على كل شىء من حطام الدنيا ...
أما إذا ترك لنفسه أن تسير على هراها، فإنها ستورده المهالك، التى ان
ينفع معها الندم، وستجعله أسير شهواته وأطماعه ونفاقه إلى أن يلقى الله،
وصدق - سبحانه حيث يقول: ((فأعقبهم تفانا فى قلوبهم إلى يوم يلقونه،
بما أخلفوا الله ما وعدوه، وبما كانوا يكذبون)).
ثم حكى - سبحانه - موقف هؤلاء المنافقين من المؤمنين الصادقين
: الذين كانوا يبذلون أموالهم فى سبيل الله، فقال - سبحانه -:
الَّذِينَ يَلْمِزُوا
الْمُطَّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِ الصَّدَقَتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَه
فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمُ(3)
قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: وهذا أيضاً من صفات المنافقين
لا يسلم أحد من عيبهم ولمزهم فى جميع الأحوال، حتى ولا المتصدقون يسلمون
منهم. إن جاء أحد منهم بال جزبل، قالوا: هذا مراء؛ وإن جاء بشىء يسير
. قالوا: إن الله لغنى عن صدقة هذا؛ كما روى البخارى عن أبى مسعود - رضى الله
عنه - قال: لما نزلت آية الصدقة كنا نحامل على ظهورنا - أى: تواجر أنفسنا
فى الحمل - فجاء رجل فتصدق بشيء كثير، فقالوا هذا يقصد الرياء، وجاء
رجل فتصدق بصاع فقالوا: إن الله لغنى عن صدقة هذا. فنزلت هذه الآية (١)
وأخرج ابن جرير عن عمر بن أبى سلمة عن أبيه: أن رسول الله - والله-
. قال: تصدقوا فإنى أريد أن أبعث بعثا، - أى إلى تبوك - قال:
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٣٧٥.

الجزء
- ٢٤٤ -
العاشر
فقال عبد الرحمن بن عوف: يارسول الله؛ إن عندى أربعة آلاف؛ ألفين .
أقرضهما الله؛ وألفين لعيالى .
قال. فقال رسول الله - صلَّ الله -: بارك الله لك فيما أعطيت.
وبارك لك فيما أمسكت !! فقال رجل من الأنصار: وإن عندى صاعين من تمر،
صاعا لربى، وصاعا لعيالى. قال: فلمز المنافقون وقالوا: ما أعطى ابن عوف.
هذا إلا رياء !!
وقالوا: أو لم يكن الله غنيا عن صاع هذا !! فأنزل الله - تعالى - ((الذين.
يلمزون المتطوعين من المؤمنين فى الصدقات ... (١)،
وقال ابن اسحاق : كان المطوعون من المؤمنين فى الصدقات: عبدالرحمن .
أبن عوف وعاصم بن عدى-أخابنى عجلان .. وذلك أن رسول الله- عين الجمل
رغب فى الصدقة وحض عليها . فقام عبد الرحمن بن عوف فتصدق
بأربعة آلاف، وقام عاصم بن عدى وتصدق بمائة وسق من تمر، فلمزوهما،
وقالوا: ما هذا إلا رياء . وكان الذى تصدق بجهده أباعقيل - أخابنى أنيف-
أتى بصاع من تمر ، فأفرغها فى الصدقة ، فتضاحكوا به، وقالوا: إن الله الغنى ..
عن صاع أبى عقيل)) (٢) .
هذه بعض الروايات التى وردت فى سبب نزول هذه الآية، وهناك.
روايات أخرى ، قريبة فى معناها مما ذكرناه .
وقوله: ((يلمزون) من اللمز. يقال: مز فلان فلانا إذا عابه وتنقصه ..
والمراد بالمطوعين : أغنياء المؤمنين الذين قدموا أموالهم عن طواعية ..
واختيار ، من أجل إعلاء كلمة الله.
والمراد بالصدقات: صدقات التطوع التى يقدمها المسلم زيادة على الفريضة ..
(١) تفسير ابن جرير جـ ١٤ ص ٠٣٨٦ طبعة دار المعارف.
(٢) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٠٣٧٥

تفسير سورة
- ٢٤٥ -
التوبة
والمراد بالذين لا يجدون إلا جهدهم: فقراء المسلمين الذين كانوايقدمو
، أقصى ما يستطيعونه من مال مع قلته؛ إذ الجهد : الطاقة، وهى أَقهـ
- ما يستطيعه الإنسان .
والمعنى: إن من الصفات القبيحة - أيضاً - للمنافقين، أنهم كانوا يعيبو
على المؤمنين ، إذا ما بذلوا أموالهم الله ورسوله عن طواعية نفس، وره
قلب ، وسماحة ضمير
٠٠
وذلك لأن هؤلاء المنافقين - لخلو قلوبهم من الإيمان - كانوالا يدركو
. الدوافع السامية ، والمقاصد العالية من وراء هذا البذل ..
ومن أجل هذا كانوا يقولون عن المكثر : إنه يبذل رياء ، وكان
يقولون عن المقل: إن الله غنى عن صدقته، فهم-لسوء نواياهم وبخل نفسوسه.
. وخبث قلوبهم - لا يرضيهم أن يروا المؤمنين يتنافسون فى إرضاء الله ورسوله
وقوله : ((والذين لايجدون إلا جهدهم، معطوف على قوله: ((المتطوعين
أى : أن هؤلاء المنافقين يلمزون الأغنياء المطوعين بالمال الكثير
. ويلمزون الفقراء الباذلين المال القليل؛ لأنه هو مبلغ جهدهم، وآخر طاقته.
وقوله : (( فيسخرون منهم، بيان لموقفهم الذميم من المؤمنين.
أى: إن هؤلا . المنافقين يستهزئون بالمؤمنين عندما يلبون دعوة رسولاد
- عَّة - إلى الإنفاق فى سبيل الله.
وجاء عطف ((فيسخرون)) على ((يلمزون) بالفاء، للإشعار بأنهم قو
: يسارعون إلى الاستهزاء بالمؤمنين ، بمجرد أن يصدر عن المؤمنين أى عمل
. من الأعمال الصالحة التى ترضى الله ورسوله .
وقوله: (( سخر الله منهم ولهم عذاب أليم . بيان لجزاتهم وسوء عاقبتهم
أى: إن هؤلاء الساخرين من المؤمنين، جازاهم الله على سخريتهم فى الدنيا
... بأن فضحهم وأخزاهم، وجعلهم محل الاحتقار والإزدراء ...
أما جزاؤهم فى الآخرة فهو العذاب الأليم الذى لا يخف ولا ينقطع

العاشر
- ٢٤٦ -
الجزء
وبذلك نرى الآية الكريمة قد بينت جانباً من طبائع المنافقين وردت.
عليهم بما يفضحهم ويخزهم ويبشرهم بالعذاب الأليم .
ثم عقب الله - تعالى - هذا الحكم عليهم بالعذاب الأليم، بحكم آخر وهو.
عدم المغفرة لهم بسبب إصرارهم على الكفر والفسوق، فقال - تعالى -:.
أُسْتَغْفِرْ لَهُمْ
أَوْلَا تُسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللّهُمْ
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْبِلَِّوَرَسُولٌِ وَالله لَ يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَسِفِينَ ﴾
قال الجمل: قال المفسرون: لما نزلت الآيات المتقدمة فى المنافقين، وفى
بيان نفاقهم، وظهر أمرهم للمؤمنين، جاءوا إلى رسول الله - چلتر -.
يعتذرون إليه ، ويقولون : استغفر لنا فنزلت هذه الآية .
وهذا كلام خرج مخرج الأمر ومعناه الخبر والتقدير : استغفارك وعدمه
لهم سواء)) (١).
وإنما جاء هذا الخبر هنا فى صورة الأمر للمبالغة فى بيان استوائهما.
وقد جاء هذا الحكم فى صورة الخبر فى موضع آخر هو قوله - تعالى -:.
(( سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم، لن يغفر الله لهم إن انه لا يهدى
القوم الفاسقين)» (٢) .
والمقصود بذكر السبعين فى قوله: ((إن تستغفر لهم سبعين مرة. إرادة
التكثير ، والمبالغة فى كثرة الاستغفار، فقد جرت عادة العرب فى أساليبهم.
على استعمال هذا العدد للتکثیر لا للتجديد ، فهو لا مفهوم له .
(١) حاشية الجمل على الجلالين ج ٢ ص ٠٣٠٤
(٢) سورة ((المنافقون، الآية ٦.

تفسير سورة
- ٢٤٧ --
التوبة
ونظيره قوله - تعالى - ((ذرعها سبعون ذراعا .. )) (١).
أى: مهما استغفرت لهم يا محمد فلن يغفر الله لهم :
وقوله:( ذلك أنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقه
بيان الأسباب التى أدت إلى عدم مغفرة الله لهم .
واسم الإشارة ((ذلك)) يعود إلى امتناع المغفرة لهم، المفهوم من قو
((فلن يغفر الله لهم)).
أى : ذلك الحكم الذى أصدرفاه عليهم بعدم مغفرة ذنوبهم مهما "
استغفارك لهم سببه، أنهم قوم: (( كفروا بالله ورسوله، ومن ؟ـ
بالله ورسوله، فلن يغفر الله له، مهما استغفر له المستغفرون ، وشفع
الدافعون .
وقوله: (( وأنه لا يهدي القوم الفاسقين، تذييل مؤكد لما قبله، أى و
- تعالى - لا هدى إلى طريق الخير أولئك الذين فقوا عن أمره، وخرج
عن طاعته، ولم يستمعوا إلى نصح الناصحين، وإرشاد المرشدين، وإ
آثروا الغواية على الهداية.
هذا، ويؤخذ من هذه الآية الكريمة، شدة شفقته - علي
بأمته، وحرصه على هدايتها، وكثرة دعائه لها بالرحمة والمغفرة ، وأنه
إيذاء المنافقين له كان يستغفر لهم - أملا فى توبتهم - إلى أن زاه الله عن ذلك
روى ابن جرير عن ابن عباس أنه لما نزلت هذه الآية ، قال الرسو
- ٣ - أسمع ربى قد رخص لى فيهم، فوالله لأستغفرن أكثر.
سبعين مرة ، فلعل الله أن يغفر لهم، فقال الله - تعالى - من شدة غط
عليهم (( سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تسغفر لهم أن يغفر الله لهم ...
(١) سورة الحاقة الآية : ٣.
=

الجزء
- ٢٤٨ -
العاشر
وعن قتادة لما نزلت هذه الآية قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ((قد
خير فى ربى فلأزيدنهم على السبعين ((فقال الله - تعالى -: «سوا. عليهم
أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم ، أن يغفر الله لهم ... )، (١)
وهكذا أصدر الله حكمه العادل فى هؤلاء المنافقين ، بعدم المغفرة لهم ،
بسبب كفرهم به وبرسوله .. .
وبعد هذا الحديث الطويل المتنوع عن أحوال المنافقين ومسالكهم
الخبيثة ، أخذت السورة الكريمة فى الحديث عن حال المنافقين الذين تخلفوا
فى المدينة، وأبوا أن يخرجوا مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى قبوك،
فقال - تعالى - :
فَرِحَ الْمُخَلِّفُونَ بِمَفْعَدِهِمْ خِلَفَ رَسُولِ اللَّهِوَ كَرِهُواْ أَنْ يُحَهِدُ واْ
بِأَمْوِمْ وَأَنْفُسِمْ فِى سَبِيلِ اللهِ وَ قَالُواْلَا تَنْفِرُ واْ فِىِ الْحَرُّ قُلْ
نَارُ جَهَّمَ أَشَدُّ ◌َّا لَّوْ كَانُواْ يَفْقَهُونَ ( ي فَلْيَضْحَكُواْ قَلِلًا
وَلَيَبْكُوْ كَثِرًا جَزَآءَا بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (﴾ فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ
إِلَى طَيِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَعْذَنُوَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّنْ تَخْرُ جُواْ سَعِىَ أَبَدًا
وَلَنْ تُقَدِلُواْ مَعِىَ عَدُوَّا إِنَّكْ رَضِيتُ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَفْعُدُواْ!
مَعَ الْخَلِفِينَ
وقوله : (( المخلفون) اسم مفعول مأخوذ من قولهم خلف فلان فلانا
وراءه إذا تركه خلفه .
والمرادبهم: أولئك المنافقون الذين تخلفوا عن الخروج إلى غزوة تبوك
بسبب ضعف إيمانهم، وسقوط همتهم ، وسوء نيتهم ..
(١) تفسير ابن جرير جـ ١٤ ص ٣٩٧.

تفسير سورة
- ٢٤٩ --
التوبة
قال الجمل: وقوله ((خلاف رسول الله)) فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه
-منصوب على المصدر بفعل مقدر مدلول عليه بقوله ((مقعدهم)، لأنه فى
. معنى تخلفوا أى: تخلف واخلاف رسول الله. الثانى: أن خلاف مفعول لأجله
والعامل فيه إما فرح وإما مقعد. أى: فرحوا لأجل مخالفتهم رسول الله
- ٣ - حيث مضى هو الجهاد وتخلفوا دم عنه. أو بقعوده لمخالفتهم
له، وإليه ذهب الطبرى والزجاج، ويؤيد ذلك قراءة من قرأ: ( خلف
رسول الله )) - بضم الخاء واللام .. الثالث: أن ينتصب على الظرف.
أى بعد رسول اللّه، يقال: أقام زيد خلاف القوم، أى: تخلف بعد
-ذهابهم، وخلاف يكون ظرفا، وإليه ذهب أبو عبيدة وغيره، ويؤيدهذا
قراءة ابن عباس،، وأبى حيوية، وعمرو بن ميمون، ((خلف رسول الله))
- بفتح الخاء وسكون اللام(١).
والمعنى: فرح المخلفون: من هؤلاء المنافقين ، بسبب قعودهم فى المدينة،
وعدم خروجهم إلى تبوك للجهاد مع الرسول . مَ الهه والمؤمنين، وكرهوا
أن يبذلوا شيئاً من أموالهم وأنفسهم من أجل إعلاء كلمة الله.
وإنما فرحوا بهذا القعود، وكرهوا الجهاد , لأنهم قوم خلت قلوبهم
·من الإيمان بالله واليوم الآخر ، وهبطت نفوسهم عن الارتفاع إلى معالى
الأمور، وآثروا الدنيا وشهواتها الزائلة على الآخرة ونعيمها الباقى:
وفى التعبير بقوله: ((المخلفون، تحقير لهم، وإهمال اشأنهم، حتى
الكأنهم شىء من سقط المتاع الذى يخلف ويترك ويهمل؛ لأنه لا قيمة له،
أو لأن ضرره أكبر من نفعه .
قال الألوسى: وإبشار ما فى النظم المكريم على أن يقال. وكرهوا أن
-
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ٠٢٠٤٠٥٢

الجزء
- - ٢٥٠ --
العاشر
يخرجوا مع رسول الله. وتلقى إيذان بأن الجهاد فى سبيل الله مع.
كونه من أجل الرغائب التى ينبغى أن يتنافس فيها المتنافسون، قد كرهوه،
كما فرحوا بأقبح القبائح وهو القعود خلاف رسول الله. ود متم. وفى
الكلام تعريض بالمؤمنين الذين آثروا ذلك وأحبوه ابتغاء لرضا الله
ورسوله))(١).
وقوله: ((وقالوا لا تنفروا فى الحر، حكاية لأقوالهم التى تدل على
ضعفهم وجبنهم، وعلى أنه قوم لا يصلحون للأعمال التى يصلح لها الرجال.
أى . وقال هؤلاء المنافقون المخلفون لغيرهم . أقعدوا معنا فى المدينة،
ولا تخرجوا للجهاد مع المؤمنين . فان الحر شديد، والسفر طويل، وقعودكم.
يربحكم من هذه المتاعب ، ويحمل غيرنا وغير كم على القعود معنا ومعكم .
وبذلك تنال بغيتنا من تثبيط همة المجاهدين عن الجهاد فى سبيل الله.
وقوله: (( قل نار جهنم أشد حراً ((رد على أقوالهم القبيحة، وأفعالهم
الخبيثة، أى. قل يا محمد هؤلاء المنافقين على سبيل التهكم بهم، والتحقير
من شأنهم: نار جهنم أشد حرا من هذا الحر الذى تخشونه وترونه مانعا من
النفير بل هى أشد حراً من نار الدنيا ...
روى الإمام مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة أنرسول
الله. مواقع. قال: (( نار بنى آدم التى توقدونها. جزء من سبعين جزءاً منمار
جهنم ... (٢).
ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال: وقوله: ((قل نارجهنم أشدحرا».
استجهال لهم ، لأن من قصون مشقة ساعة ، فوقع بسبب ذلك التصون فى
مشقة الأبد، كان أجهل من كل جاهل ، ولبعضهم :
(١) تفسير الآلوسى = ١٠ صـ٠١٥١
(٢) راجع تفسير ابن كثير جـ٢ ص٣٧٦٠ فقد ساق هنا جملة من الأحاديث.
فى هذا المعنى .

تفسير سورة
- ٢٥١ -
التوبة
مساءة يوم أريبها شبه الصاب
مسرة أحقاب تلقيت بعدها
وراء نقضيها مساءة أحقاب (١)
فكيف بأن تلقى مسرة ساعة
أى : أن حزن يوم واحد يجعل المسرات الطويلة قبله تتحول إلى ما يشبه.
الصاب المرارة، فكيف يكون الحال إذا كانت المسرات ساعة واحدة تعقبها:
أحقاب طويلة من المساءات ؟ !! .
وقوله : ((لو كافوا يفقهون، تذييل قصد به الزيادة فى أو يخهم وتحقيرهم.
أى: لو كانوا يفقهون أن نار جهنم أشد حراً ويعتبرون بذلك، لما
فرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله، ولما كرهوا الجهاد، ولما قالوا ما قالوا ..
بل لحزفوا واكتأبوا على ما صدر منهم؛ ولبادروا بالتوبة والاستغفار، كما
فعل أصحاب القلوب والنفوس النقية من النفاق والشقاق .
وقوله : ((فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيراً ..... ، وعبد لهم بسوء
مصيرهم ، وإخبار عن عاجل أمرهم وآجله ، من الضحك القليل فى الدنيا
والبكاء الكثير فى الآخرة .
والمعنى: إنهم وإن فرحوا وضحكوا طوال أعمارهم فى الدنيا، فهو قليل
بالنسبة إلى بكائهم فى الآخرة، لأن الدنيافانية والآخرة باقية، والمنقطع الفانى
قليل بالنسبة إلى الدائم الباقى .
قال صاحب المنار: وفى معنى الآية قوله - عَالج - «لو تعلمون
ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيراً، متفق عليه، بل رواه الجماعة إلا
أبا داود من حديث أنس. ورواه الحاكم من حديث أبى هريرة بلفظ
((لبكيتم كثيراً ولضحكتم قليلا)».
ثم قال: وإنما كان الأمر فى الآية بمعنى الخبر، لأنه إنذار بالجزاء لا تكليفه
(١) الأحقاب: الأزمان الطويلة. والأرى: السلموالصاب: نبات هر.

الجزء - ٢٥٢ - العاشر
وقد قيل فى فائدة هذا التعبير عن الخبر بالإنشاء ، إنه يدل على أنه حتم
لا يحتمل الصدق والكذب كما هو شأن الخبر لذاته فى احتماله)، لأن الأصل
فى الأمر أن يكون للإيجاب وهو حتم ... )، (١).
وقوله: (( جزاء بما كانوا يكسبون ) تذييل قصد به بيان عدالته.
سبحانه . فى معاملة عباده.
أى: أننا ما ظلمناهم بتوعدنا لهم بالضحك القليل وبالبكاء الكثير، وإنما
هذا الوعيد جزاء لهم على مااكتسبوه من فنون المعاصى، وما اجترحوهمن
محاربة دائمة لدعوة الحق .
وقوله: ((جزاء)) مفعول الفعل الثانى. أى: ليبكوا جزا .. ويجوز أن
يكون مصدراً حذف، ناصبه . أى : يجزون بما ذكر من البكاء الكثير جزاء.
وجمع - سبحانه - فى قوله ((بما كانوا يكسبون)) بين صيغتى الماضى
والمستقبل ((للدلالة على الاستمرار التجددى ما داموا فى الدنيا.
ثم بين - سبحانه - ما يجب على الرسول نحو هؤلاء المخلفين الكارهين
الجهاد، فقال: ((فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذن وك للخروج فقل أن
تخرجوا معى أبداً، ولن تقاتلوا معى عدوا ....
قوله: (( رجعك ، من الرجع بمعنى تصيير الشىء إلى المكان الذى كان
"فيه أولا. والفعل رجع أحياناً يستعمل لازماً كقوله- تعالى -: «فرجع موسى
إلى قومه غضبان أسفاً .....
وفى هذه الحالة يكون مصدره الرجوع . وأحياناً يستعمل متعديا كالآية
التى معنا، وكقوله - تعالى - فرجعناك إلى أمك كى تقرعينها ولا تحزن .. ))
.وفى هذه الحالة يكون مصدره الرجع لا الرجوع .
قال الالوسى: و ((رجع، هنا متعد بمعنى رد ومصدره الرجمع، وقد
(١) تفسير المنار جـ ١٠ ص ٠٦٦٠

تفسير سورة - ٢٥٣ - التوبة
يكون لازما ومصدره الرجوع، وأور هنا استعمال المتعدى - وإن كان
استعمال اللازم كثيراً - إشارة إلى أن ذلك السفر لما فيه من الخطر يحتاج
الرجوع منه إلى تأييد إلهى، ولذا أوثرت كلمة ((إن)) على إذا ... (٢)
والمعنى: فإن ردك الله - تعالى - من سفرك هذا -أيها الرسول الكريم-
إلى طائفة من هؤلاء المنافقين الذين تخلفوا عن الخروج معك إلى قبوك
((فاستأذفوك للخروج، معك فى غزوة أخرى بعد هذه الغزوة (( فقل) لهم
على سبيل الإهافة والتحقير (( لن تخرجوا معى أبدا، مادمت على قيد الحياة
((ولن تقاتلوا معى عدوا)) من الأعداء الذين أمرنى اللّه بقتالهم، والسبب فى
ذلك (( إنكم، أيها المنافقون ((رضيتم بالقعود، عن الخروج معى وفر حتم به
فى (( أول مرة)) دعيتم فيها إلى الجهاد، فجزاؤكم وعقابكم أن تقعدوا
«مع الخالفين، أى: مع الدين تخلفوا عن الغز ولعدم قدرتهم على تكاليفه
كالمرضى والنساء والصبيان. أو مع الأشرار الفاسدين الذين يتشابهون معكم
فى الجبن والنفاق وسوء الأخلاق .
قال الإمام الرازى ما ملخصه ، ذكروا فى تفسير الخالف وجوها :
الأول: قال أبو عبيدة الخالفون جمع ، وأحدهم خالف، وهو من
يخلف الرجل فى قومه ، ومعناه: فاقعدوا مع الخالفين من الرجال الذين
يخلفون فى البيت فلا يبرحو نه .
الثانى : أن الخالفين فسر بالمخالفين . يقال : فلان خالفة أهل بيته إذا
كان مخالفا لهم ، وقوم خالفون أى: كثيرو الخلاف أغيرهم . .
الثالث: أن الخالف هو الفاسد. قال الأصمعى: يقال: خلف عن كل
خير يخلف خلوفا إذا فد، وخلف اللبن إذا فسد .
إذا عرفت هذه الوجوه الثلاثة فلا شك أن اللفظ يصلح حمله على كل
(١) تفسير الآلوسي جـ ٢ ف ١٥٢

الجزء
- ٢٥٤ -
العاشر
.واحد منها، لأن أولئك المنافقين كانوا مرصوفين بجميع هذه الصفات
السيئة ... )) (١)
وقال - سبحانك - ((فإن رجعك اللّه إلى طائفة منهم ... )) ولم يقل فإن
رجمك الله إليهم، لأن جميع الذين تخلفوا عن الخروج مع الرسول- بَ له
- إلى تبوك. لم يكونوا من المنافقين ، بل كان هناك من تخلف بأعذار
مقبولة، كالذين أتوا إلى الرسول - عَ له - ليحملهم معه، فقال لهم:
(( لا أجد ما أحملكم عليه، فتولوا ((وأعينهم تفيض من الدمع حزنا)).
وسيأتى الحديث عنهم بعد قليل .
وقوله: (( لن تخرجوا معى أبداً، وان تقاقلوا معى عدو ، إخبار فى
معنى النهى للمبالغة وجمع - سبحانه - بين الجملتين زيادة فى تبكيتهم ، وفى
إهمال شأنهم، وفى كراهة مصاحبتهم ...
وذلك، لأنهم لو خرجوا مع المؤمنين مازادوهم إلا خبالا، ولو قاتلوا
معهم، لكان قتالهم خاليا من الغاية السامية التى من أجلها قاتل المؤمنون
وهى إعلاء كلمة الله، وكل قتال خلا من تلك الغاية كان مآله إلى الهزيمة ..
هذا، وقد اشتعلت هذه الآيات الكريمة على أسوأصفات المنافقين، كما
اشتملت على أشد ألوان الوعيد لهم فى الدنيا والآخرة ((جزاء بما كانوا
يكسبون ) .
قال الجمل: وفى قوله - تعالى - ,فإن رجعك اللّه إلى طائفة منهم ...
الآية، دليل على أن الشخص إذا ظهر منه مكر وخداع وبدعة، يجب الانقطاع
عنه، وترك مصاحبته، لأنه - سبحانه - منع المنافقين من الخروج مع
الرسول - عن الج ـ إلى الجهاد، وهو مشعر بإظهار نفاقهم وذمهم وطردهم
وإبعادهم لما علم من مكرهم وخداعهم إذا خرجوا إلى الغزوات)، (٢).
(١) تفسير الفخر الرازى = ٤ ص ٤٨٢
(٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٣.٥

- ٢٥٥ -
التوبة
تفسير سورة
وبعد أن بين - سبحانه - ما يجب أن يفعله الرسول - عَل - معهم فى
حياتهم، أقبع ذلك ببيان ما يجب أن يفعله معهم بعد مماتهم فقال - تعالى:
،وَلَ مُصَلّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى
قَبِّهَِ إِنَهُمْ كَفَرُواْبِلّهِوَرَسُولِهِ، وَمَاتُواْوَهُمْفَنِفُونَ (0َ
قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه: (أمر الله -تعالى-
رسوله - عَّله - أن يبرأ من المنافقين، وأن لا يصلى على أحد منهم إذا
مات، وأن لا يقوم على قبره ليستغفر له ، أو يدعو له؛ لأنهم كفروا بالله
ورسوله، وهذا حكم عام فى كل من عرف نفاقه، وإن كان سبب نزول
الآية فى عبد الله بن أبى ابن سلول رأس المنافقين .
فقد روى البخارى عن ابن عمر قال : لما توفى عبد الله بن أبى جاء ابنه
عبد الله إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسأله أن يعطيه قميصه
ليكفن فيه أباه، فأعطاه إياه، ثم سأله يصلى عليه، فقام رسول الله _ بن طاله
- ليصلى عليه، فقام عمر، فأخذ بثوب رسول الله - 12 - وقال :
يا رسول الله ، تصلى عليه، وقد نهاك ربك أن تصلى عليه؟ فقال الرسول
- صَّ - ((إنما خير فى الله)) فقال: ((واستغفر لهم أو لا تستغفر لهم،
إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم)، وسأزيده على السبعين. قال: إنه
منافق. قال: فصلى عليه رسول اللّه - عبَّ طلع - فأنزل الله - تعالى -
قوله: (( ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ... الآية :
وروى الإمام أحمد عن ابن عباس قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول:
لما توفى عبد الله بن أبى دعى رسول الله - عَ له - للصلاة عليه، فقام
عليه ,فلما وقف عليه - يريد الصلاة - تحولت حتى قمت فى صدره فقلت:
يا رسول الله، أعلى عدو الله: عبد الله بن أبى الفائل يوم كذا، كذا وكذا ؟
- وأخذ يعدد أيامه. قال: ورسول الله - مَ ال٣٤ - يبتسم حتى إذا

- ٢٥٦ -
الجزء
العاشر
أكثرت عليه قال: تأخر عنى يا عمر. إنى خيرت فاخترت. قد قيل لى :-
((استغفر لهم ... الآية)).
لو أعلم أنى لو زدت على السبعين غفر له لزدت. قال: ثم صلى عليه
ومشى معه وقام على قبره، حتى فرغ منه .
قال: فعجبت من جر أتى على رسول اللّه _ بَ ﴾ - والله ورسوله أعلم ..
قال: فوالله ما كان إلا يسيراً حتى نزلت ولا تصل على أحد منهم مات.
أبداً الآية» ...
قال: فما صلى رسول الله - بتلقى - بعد ذلك على منافق. ولا قام.
على قبره، حتى قبضه الله - عز وجل -، (١).
والمعنى: ((لا تصل) - أيها الرسول الكريم - ((على أحد)، من هؤلاء.
المنافقين (( مات أبدا)) ((ولا تقم على قبره، أى: ولا تقف على قبره عند
الدفن أو بعده بقصد الزيارة أو الدعاء له، وذلك لأن صلاقك عليهم، ووقوفك.
على قبورهم شفاعة لهم، ورحمة بهم، وتكريم لشأنهم. وهم ليسوا أهلالذلك.
وقوله: (إنهم كفروا بالله ورسوله وماقوا وهم فاسقون ) تعليل.
النهى عن الصلاة عليهم ، والوقوف على قبورهم .
أى: زينياك - يا محمد - عن ذلك، لأن هؤلاء المنافقين قد عاشوا
حياتهم كافرين بالله ورسوله، ومحار بين لدعوة الحق؛ وماتوا وهم.
خارجون عن حظيرة الإيمان .
وجمع -سبحانه-بين وصفهم بالكفر ووصفهم بالفسق؛ زيادة فى تقبيح
أمرهم، وتحقير شأنهم؛ فهم لم يكتفوا بالكفر وحده ، وإنما أضافوا إليه
الفسق ، وهو الخروج عن كل قول طيب ، وخلق حسن ، وفعل كريم.
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٣٧٨ ففيه جملة من الأحاديث.
فى هذا المعنى .

تفسير سورة
- ٢٥٧ -
التوبة
قال بعضهم : فإن قلت: الفسق أدنى حالا من الكفر ، فما الفائدة فى
وصفهم بالفسق بعد وصفهم بالكفر ؟ قلت إن الكافر قد يكون عدلا بأن
يؤدى الأمانة ، ولا يضمر لأحد سواء، وقد يكون خبيثاً كثير الكذب
والمكر والخداع وإضمار السوء للغير، وهذا أمر مستقبح عندكل أحد. ولما
كان المنافقون بهذه الصفة الخبيثة، وصفهم الله - تعالى - بكونهم فاسقين بعد
أن وصفهم بالكفر، (١) .
هذا ، ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الاية ما يأتى:
١ - تحريم الصلاة على الكافر، والوقوف على قبره و مفهر مهو جوب
الصلاة على المسلم ودفنه ومشروعية الوقوف على قبره ، والدعاء له .
قال الإمام ابن كثير: ولما نهى الله - تعالى - عن الصلاة على المنافقين
والقيام على قبورهم للاستغفار لهم، كان هذا الصنيع من أكبر القربات
فى حق المؤمنين، فشرع ذلك وفى فعله الأجر الجزيل، كما ثبت فى الصحاح
وغيرها من حديث أبى هريرة أن رسول الله - عَ الـ قال: ((من شهد
الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان، قيل
وما القيراطان؟ قال: ((أصغرهما مثل أحد)). وأما القيام عند قبر المؤمن
إذا مات، فروى أبو داود عن عثمان بن عفان قال: كان رسول الله مُؤعـ
إذا فرغ من الميت وقف عليه وقال . .استغفروا لأخيكم واسألوا له
التثبيت فإنه الان يسأل، (٢).
٢ -- وجوب منع كل مظهر من مظاهر التكريم - فى الحياة وبعد المات.
عن الذين يحاربون دعوة الحق ، ويقفون فى وجه انتشار هاوظهورها :
أما منع تكريمهم فى حياتهم فتراه فى قوله - تعالى - فى الاية السابقة:
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ٢ ٥ ٣٠٦ - بتصرف يسير -
((٢) الآية رقم ٥٦ وراجع تفسير نالها:
( ١٧ - سورة التوبة )

العاشر
الجزء ٨٠٠.
((فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل أن تخرجوا
معى أبداً . ولن تقاتلوا معى عدواً ،،،،،
وأما متع تكريمهم بعد ماتهم فتراه فى هذه الآية: ((و لا تصل على أحد
منهم مات أبداً، ولا تقم على قبره ،،،، ،
ولا شك أن حجب كل تكريم عن أولئك المنافقين فى العهدالنبوى ،
كان له أثره القوى فى إنهيار دولتهم. وافتضاح أمرهم، وذهاب ريحهم،
وتهوين شأنهم ....
هذا، وما فعله الرسول - عِد - مع عبد الله بن أبى من الصلاة
عليه ((والقيام على قبره إنما كان قبل نزول هذه الاية ...
أو أنه - عَّ اللّه - فعل ذلك تطيعباً لقلب إبنه الذى كان من فضلاء
الصحابة وأصدقهم إسلاما .
فقد سبق أن ذكرنا ما رواه البخارى عن ابن عمر أنه قال لما توفى عبد الله
ابن أبى جاءابنه عبد الله إلى رسول الله - صل - فسأله أن يعطيه قميصه
ليكمن فيه أباه، فأعطاه إياه ثم سأله أن يصلى عليه ،،،، الحديث.
ثم نهى الله - تعالى - كل من يصلح للخطاب عن الاغترار بما عند
هؤلاء المنافقين من مال وولد، فقال - تعالى - :
،وَلاَ نُعْجِبُكَّ".
أَمْوَهُمْ وَأَوْلَئِدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَلَِّهُمْ بِهَا فِ الدُّنْيَا وَزْهَقٌ
أَنْفُسَهُمْ وَهُمْ كَفِرُونَ
٨٥
أى: عليك - أنها العاقل - أن لا تغتر بما عند هؤلاء المنافقين من أموال
وأولاد، وأن لا يداخل قلبك شىء من الإعجاب بما بين أيديهم من نعم ، فإن
هذه النعم - التى من أعظمها الأموال والأولاد -إنما أعطاهم الله إياها، ليعذبهم
بسببها فى الدنيا عن طريق التعب فى تحصيلها، والحزن عند فقدها وهلاكها:
وقوله: (( وتزمق أنفسهم وهم كافرون » بيان لسوه مصيرهم فى الاخرة،
بعد بيان عذابهم فى الدنيا. وزهوق النفس: خروجها من الجسد بمشقة وتعب.

تفسير سورة
- ٢٥٩ -
التوبة
أى: أنهم فى الدنيا تكون النعم التى بين أيديهم، مصدر عذاب لهم،وزا
-فى الآخرة فعذابهم أشد وأبقى ؛ لأن أرواحهم قد خرجت من أبدانهم وم
مصرون على الكفر والضلال .
فأنت ترى أن الآية الكريمة تد قوعدت هؤلاء المنافقين بسوء العاقبة فى
الدنيا والآخرة، ومن كان مصيره كهذا المصير، لا يستحق الإعجاب أو التكريم
وإنما يستحق الاحتقار والإهمال .
وهذه الآية الكريمة ، قد سبقتها فى السورة نفسها آية أخرى شبيهة بها.
. وهى قوله - تعالى -: ((فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم، إنما يريد الله
أيعذبهم بها فى الحياة الدنيا، وتزهق أنفسهم وهم كافرون٠(١)
وقد أشار صاحب الكشاف إلى سر هذا التكرار فقال: «وقد أعيد
قوله (( ولا تعجبك ... ))؛ لأن تجدد النزول له شأنه فى تقرير ما نزل له
وتأكيده، وإرادة أن يكون على بال من المخاطب لا ينساه ولا يسهو عنه،
و أن يعتقد أن العمل به مهم يفتقر إلى فضل عناية به، لاسيما إذا تراخى ما بين
النزولين ، فأشبه الشىء الذى أهم صاحبه ، فهو يرجع إليه فى أثناء حديثة؛
ويتخلص إليه، وإنما أعيد هذا المعنى لقوته فيما يجب أن يحذر منه)) (٢).
ثم بين - سبحانه - موقف المنافقين وموقف المؤمنين بالنسبة للجهاد،
كما بين عاقبة كل فريق فقال - تعالى - :
وَ إِذَا أُنزِلَتْ سُورَةً أَنْ ءَامِنُواْ بِاللَّهِ
وَهِدُ واْ مَعَ رَسُولِهِ أَسْتَعْذَنَكَ أُوْلُواْ الْطَوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُواْ ذَرْنَانَكُنْ
مَعَ الْفَعِدِينَ ﴿ رَضُواْ بِأَنْ يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَلِفِ وَطُبِحَ عَ
قُلُوِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (چ)
(١) الآية رقم ٥٦ وراجع تفسيرنا لها .
(٢) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٢٩٩.

:.
- ٢٦٠ -
الجزء
العاشر
لَلْكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَ امَنُواْ مَعَهُو
جَهَدُواْبِأَمْوِمْ وَأَنفُسِمْ وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَتِّ وَأَوْلَئِكَ
هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( ◌َّ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْهَا الْأَنْهَدُ "
ج
خَلِ ينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨)
والمراد بالسورة فى قوله - سبحانه -ـ((وإذا أنزلت سورة): كل سورة
ذكر الله - تعالى - فيها وجوب الإيمان به والجهاد فى سبيله.
أى : أن من الصفات الذميمة لهؤلاء المنافقين ، أنهم كلما زات سورة
قرآنية، تدعو فى بعض آياتها الناس إلى الإيمان بالله والجهاد فى سبيله،ما كان.
منهم عند ذلك إلا الجبن والاستخذاء والتهرب من تكاليف الجهاد ...
وقوله: ((اسأذنك أولوا الطول منهم ... ، بيان لحال هؤلاء المنافقين
عند نزول هذه السورة .
والطول - بفتح الطاء - يطلق على الغنى والثروة، مأخوذمن مادة الطول
بالضم التى هى ضد القصر .
والمراد بأولى الطول : رؤساء المنافقين وأغنياؤهم والقادرون على
تکالیف الجهاد .
أى : عند نزول السورة الداعية إلى الجهاد، يجىء هؤلاء المنافقون أصحاب "
الغنى والثروة، إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليستأذنوه فى القعود وعدم.
الخروج ... وليقولوا له بجبن واستخذاء ((ذرنا لكن مع القاعدين)).
أى: أتركنا يا محمد مع القاعدين فى المدينة من العجزة والنساء والصبيان،
واذهب أنت وأصحابك إلى القتال .
وإنما خص ذوى الطول بالذكر ، تخليدا لمذمتهم واحتقارهم؛ لأنه كان
المتوقع منهم أن يتقدموا صفوف المجاهدين ، لأنهم يملكون وسائل الجهاد
والبذل، لا ليتخاذلوا ويعتذروا، ويقولوا ما قالوا ما يدل على جبنهم والتواتهم.