النص المفهرس
صفحات 221-240
التوبة
- ٢٢١ -
تفسير سورة
ثم مضت السورة الكريمة بعد ذلك فى تقرير حقيقة المنافقين ، وفى بيان
جانب من صفاتهم، والمصير السىء الذى ينتظرهم فقال - تعالى -:
الْمُنْفِقُونَ وَالْمُنَفِقَتُ بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضٍٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُكْرِ
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَ يَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ أَسُواْ اللّهَ فَنَسَهُمْ إِنَّ
الْمُنَفِقِينَ هُمُ الْفَسِقُونَ ﴾ وَعَدَ اللّهُ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ
وَأَلْكُفَّارَ نَارَجَهَنْمَلِنَ فِيهَاً مِىَ حَسْهُمْ وَلَعَهُمُ اللّهٌّ وَهُمْ
عَذَابٌ مُقِيمٌ ﴾
قال الإمام الرازى : أعلم أن هذا شرح لنوع آخر من أنواع فضائحهم
وقبائحهم ، والمقصود بيان أن إفائهم كذ كورهم فى تلك الأعمال المذكرة،
والأفعال الخبيثة فقال: ((المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض، أى: فى
صفة النفاق، وذلك كما يقول إنسان لآخر: أنت منى وأنا منك. أى:
أمرنا واحد لا مباينة فيه ولا مخالفة ... )) (١).
وقوله: ((يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف)) تفصيل لجانب من
رذائلهم ، ومن مسالكهم الخبيثة .
أى: يأمرون غيرهم بكل ما تستنكره الشرائع، وتستقبحه العقول،
ويتهونه عن كل أمر دعت إليه الأديان ، وأحبته القلوب السليمة .
وقوله : (( ويقبضون أيديهم، كناية عن بخلهم وشحهم، لأن الإنسان
السخى يبسط يده بالعطاء، بخلاف الممسك القتور فإنه يقبض يده عن ذلك.
أى: أن من صفات هؤلاء المنافقين أنهم بخلاء أشحاء عن بذل المالفى
وجوهه المشروعة .
. وقوله: (( نسوا الله فنسيهم) كناية عن رسم خهم فى الكفر، وانغماسهم.
فى كل ما يبعدهم عن اللّه - تعالى -
٠٠/١
٠٠
الجزء
- ٢٢٢ -
العاشر
والمقصود بالذميان هنا لازمه ، وهو الترك والإهمال ؛ لأن حقيقة
النسيان محالة على الله - تعالى -، كما أن النسيان الحقيقي لا يذم صاحبه عليه
لعدم التكليف به .
أى: تركوا طاعة الله وخشيته ومراقبته، فتركهم - سبحانه-وحرمهم
من هدايته ورحمته وفضله .
وقوله: ((إن المنافقين هم الفاسقون ، تذييل قصد به المبالغة فى ذمهم .
أى: إن المنافقين هم الكاملون فى الخروج عن طاعة الله، وفى الانسلاخ
عن فضائل الإيمان ، ومكارم الأخلاق .
وقوله - سبحانه -: ((وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نارجهنم ... »
بيان لسوء مصيرهم، بعد بيان جانب من صفاتهم الذميمة .
أى: «وعد الله - تعالى-المنافقين والمنافقات والكفار، المجاهرين بكفرهم
« نار جهنم خالدين فيها ، خلوداً أبدياً .
وقوله: ((هى حسبهم)، أى: أن تلك العقوبة الشديدة كافية لإهافتهم
وإذلالهم بسبب فسوقهم عن أمر ربهم .
وقوله: (( ولعنهم الله. أى: طردهم وأبعدهم من رحمته ولطفه ـ
وقوله: «ولهم عذاب مقيم ، أى: ولهم عذاب دائم لا ينقطع؛ فهم فى
الدنيا يعيشون فى عذاب القلق والحذر من أن يطلع المسلمون على نفاقتهم، وفى
الآخرة يذوقون العذاب الذى هو أشد وأبقى، بسبب إصرارهم على الكفر
والفسوق والعصيان .
وبذلك نرى الآيتين الكريمتين قد بينتا جانباً من قبائح المنافقين، ومن
سوء مصيرهم فى عاجلتهم وآجلتهم .
ثم ساقت السورة الكريمة - هؤلاء المنافقين - نماذج لمن حبطت أعمالهم
يسبب غرورهم، وضربت لهم الأمثال بمن هلك من الطغاة السابقين بسبب
تكذيبهم لأنبيائهم ، فقال - تعالى -:
تفسير سورة
- ٢٢٣ -
التوبة
كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكٌ كَانُوا !
أَشَدَّ مِنْكُرْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوًَّ وَأَوْلَدًا فَاسْتَمْتَعُواْ بِخَلَِّهِمْ كَِّ
أَسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُم ◌َِلَقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَّذِى خَاضُوَاً
أُوْلَكَ حَرِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فِ الدُّنْيَا وَ الْآَخِرَّةِّ وَأُوْلَّكَ هُمْ
الْخَسِرُونَ ( أَلَمْ يَأْتِمْ نَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَدٍ.
وَتَمُدَ وَقَوْمِ إِرَهِيمَ وَأَصْحَبِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَنْهُمْ رُسْلُهُمِ
بِالْبَيَِّنِّ ◌َ كَانَ اللهُ لِيَظْلَهُمْ وَكِنْ كَانُواْأَنْفُسَهُمْ يَظْلُونَ (
٧٠
وقوله - سبحانه -: «كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة .... )
جاء على أسلوب الالتفات من الغيبة إلى الخطاب لزجر المنافقين، وتحريك
نفوسهم إلى الاعتبار والاتعاظ .
والكاف فى قوله : «كالذين، للتشبيه، وهى فى محل رفع خبر لمبتدأ محذوف
والتقدير: أنتم - أيها المنافقون - حالكم كال الذين خلوا من قبلكم من
الطغاة فى الانحراف عن الحق، والاغترار بشهوات الدنيا وزينتها، ولكن
هؤلاء الطغاة المهلكين، يمتازون عنكم بأنهم «كانوا أشدمنكم قوة ، فى
أبداهم، زكانوا (( أكثر) منكم (( أموالا وأولاداً ..
وقوله: (( فاستمتعوا بخلاقهم، بيان لموقف هؤلاء المهلكين من نعم الله
- تعالى- والخلاق: مشتق من الخلق بمعنى التقدير. وأطلق على الحظ والنصيب
لأنه مقدر لصاحبه .
أى: كانوا أشد متكم قوة وأكثر أموالا وأولاداً، ولكنهم لم يشكروا
الله على إحسانه، بل فتنوا بما بين أيديهم من نعم ((واستمتعوابنصيبهم المقدر
لحم فى هذه الحياة الدنيا ، استمتاع الجاحدين الفاسقين .
.# الا_الد :: 24 فدان .. فانها،، الاشعار أن
- ٢٢٤ - العاشر
الجزء
هؤلاء المهلكين بمجرد أن إمتلأت أيديهم بالنعم ، قد استعملوها فى غير
ما خلقت له ، وسخروها لإرضاء شهواتهم الخميسة ، وملذاتهم الدنيئة .
وقوله : (( فاستمتعتم بخلافكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم)، ذم
للمخاطبين والذين سبقوهم ؛ لا نتهاجهم جميعاً طريق الشر والبطر .
أى: فأنتم - أيها المنافقون - قد استمتعتم بنصيبكم المقدر لكم من
ملاذ الدنيا ، وشهواتها الباطلة ، كما استمتع الذين من قبلكم بنصيبهم فى ذلك.
وقوله : ((وخضتم كالذى خاضوا، معطوف على ما قبله .
أى: وخضتم - أيها المنافقون - فى حمأة الباطل وفى طريق الغرور
والهوى، كالخوض الذى خاضه السابقون من الأمم المهلكة .
قال الألوسى: قوله: ((وخضتم)) أى: دخلتم فى الباطل ((كالذى خاضوا)»
أى : كالذين فحذفت فونه تخفيفاً، كما فى قول الشاعر:
إن الذى حانت بفلح دماؤهم هم القوم كل القوم يا أم خالد
ويجوز أن يكون ((الذى)) صفة لمفرد اللفظ، مجموع المعنى، كالفوج.
والفريق، فلوحظ فى الصفة اللفظ ، وفى الضمير المعنى، أو هو صفة لمصدر
محذوف، أى: كالخوض الذى خاضوه، ورجح بعدم التكلف فيه» (١).
وقال صاحب الكشاف: فإن قلت : أى فائدة فى قوله: ((فاستمتعوا
بخلافهم، وقوله: (( كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم، مغن عنه كما أغنى
قوله: ((كالذى خاضوا، عن أن يقال: وخاضوا خضتم كالذى خاضوا؟
قلت : فائدته أن يذم الأولين بالاستمتاع بما أوتوا من حظوظ الدنيا.
ورضاه بها، والتهائهم بشهواتهم الفانية عن النظر فى العاقبة، وطلب الفلاح فى
الآخرة، وأن يخس أمر الاستمتاع، ويهجن أمر الرضا به ، ثم يشبه بعد
(١) تفسير الألوسى جـ ١٠ ص ٠١٣٤
٦
تفسير سورة
- ٢٢٥ -
التوبة
ذلك حال المخاطبين بحالهم ، كما تريد أن تنبه بعض الظلمة على سماجة فعله
فتقول : أنت مش فرعون : كان يقول بغير جرم، ويعذب ويعف وأنت
تفعل مثل ما فعله .
وأما ((وخضتم كالذى خاضوا، فمعطوف على ما قبله مستند إليه ،
مستغن باستناده إليه عن تلك التقدمة، (١).
وقوله: ((أولئك حبطت أعمالهم فى الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون»
بيان لسوء مصيرهم فى الدارين .
واسما الإشارة يعودان على المتصفين بتلك الصفات القبيحة من السابقين
واللاحقين .
أى . أولئك المستمتعون بنصيبهم المقدر لهم فى الشهوات الخسيسة،
والخاتضون فى الشرور والآثام «حبطت أعمالهم، أى: فسدت وبطلت أعمالهم
التى كانوا يرجون منفعتها «فى الدنيا والآخرة، لأن هذه الأعمال لم يكن معها
إيمان أو إخلاص، وإنما كان معها الرياء والنفاق ، والفسوق والعصيان ،
واللّه - تعالى - لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصاً لوجهه الكريم.
وقوله: ((وأولئك هم الخاسرون)، أى : الكاملون فى الخسران ،
الجامعون لكل ما من شأنه أن يؤدى إلى البوار والهلاك .
ثم ساق لهم - سبحانه - من أخبار السابقين ما فيه الكفاية للعظة
والاعتبار لو كانوا يعقلون، فقال - تعالى -: ((ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم.
قوم نوح وعاد وتمود ... ..
والاستفهام للتقرير والتحذير . والمراد بنبأ الذين من قبلهم : أخبارهم
التى تتناول أقوالهم وأعمالهم ، كما تتناول ما حل بهم من عقوبات ، بسبب
تکنیہم لأنیائم.
(١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٢٧٨.
(١٥ - سورة التوبة )
العاشر
- ٢٢٦ -
الجزء
والمعنى: ألم يصل إلى أسماع هؤلاء المنافقين ، خبر أولئك المهلكين من
الأقوام السابقين بسبب عصيانهم لرسلهم، ومن هؤلاء الأقوام ((قوم نوح))
الذين أغرقوا بالطوفان، وقوم ((عاد، الذين أهلكوا بريح صرصر عاتية،
وقوم (( ثمود)) الذين أخذتهم الرجفة فأصبحوا فى دارهم جائمين، ((وقوم
إبراهيم ، الذين سلب الله فعمه عنهم، وأذل غرور زعيمهم الذى حاج إبراهيم
فى ربه، (( وأصحاب مدين)، وهم قوم شعيب الذين أخذتهم الصيحة،
والمؤ تفكات )، وهم أصحاب قرى قوم لوط، التى جعل الله عاليها سافلها ...
والانتفاك : معناه الانقلاب بجعل أعلى الشىء أسفله. يقال: أنكه
يأفكه إذا قلبه رأساً على عقب .
وذكر - سبحانه -هنا هذه الطوائف الست، لأن آثارهم باقية، ومواطنهم
هى الشام والعراق واليمن ، وهى مواطن قريبة من أرض العرب ، فكانوا
يمرون عليها فى أسفارهم ، كما كانوا يعرفون الكثير من أخبارهم .
قال - تعالى -: ((وإنكم لتمرون عليهم، صبحين، وبالليل أفلا تعقلون)، (١)
وقوله: ((أتتهم رسلهم بالبينات)) كلام مستأنف لبيان أنباتهم وأخبارهم.
.أى: أن هؤلاء الأقوام المهلكين السابقين، قد أقتهم رسلهم بالحجج
الواضحات الدالة على وحدانية الله وعلى وجوب إخلاص العبادة له ...
والفاء فى قوله: ((فما كان اللّه ليظلمهم، للعطف على كلام مقدر بدل
عليه المقام .
أى: أقتهم رسلهم بالبينات، فكذبوا هؤلاء الرسل، فعاقبهم الله - تعالى-
على هذا التكذيب . وما كان من سنته - سبحانه - ليظلمهم، لأنه لا يظلم الناس
شيئاً (ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، بسبب كفرهم وجحودهم، واستحبابهم
العمى على الهدى ، وإيثارهم الغى على الرشد .
هذا، ومن هاتين الآيتين الكريمتين نرى بوضوح، أن الغرور بالقوة،
(١) سورة الصافات. الآيتان ١٢٧؛ ٠١٢٨
- ٢٢٧ -
التوبة
تفسير سورة
-
مؤ الافتتان بالأموال والأولاد ، والانغماس في الشهوات والملذات الخسيسة.
. والخوض فى طريق الباطل، وعدم الاعتبار بما حل بالطغاة والعصاة ....
كل ذلك يؤدى إلى الخسران فى الدنيا والآخرة، وإلى التعرض لسخط
الله وعقابه .
كما نرى منهما أن من سنة الله فى خلقه، أنه - سبحانه -.. لا يعاقب
: إلا بذنب، ولا يأخذ العصاة والطغاة أخذ عزيز مقتدر، إلا بعد استمرارهم
فى طريق الغواية، وإعراضهم عن نصح الناصحين ، وإرشاد المرشدين .
وصدق الله إذ يقول: (إن الله لا يظلم الناس شيئاً، ولكن الناس أنفسهم يظلمون)).
وبعد أن تحدثت السورة الكريمة عن أحول المنافقين ، وصفاتهم،
. وسوء عاقبتهم ...
أتبعت ذلك بالحديث عن المؤمنين الصادقين، وعما أعده الله لهم من
نعيم مقيم ، فقال - سبحانه - :
وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِلْمَعْرُوِفِ
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَيُطِيعُونَ.
اللّهَ وَرَسُولَهُ ◌ٍ أَوْلَئِكَ سَيْرُهُمُ اللهُ إِنَّالَّهُ عَنْ زٌ حَِكِيمْ
وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَّتٍ تَخْرِى مِنْ تَحِهَا الْأَنْهُرُ
خَاطِينَ فِهَا وَمَسَاكِنَ طَيَِّةٌ فِى جَّتِ عَدْنٍ وَرِضْوَنٌ مِنَ اللهِ
أَكْبَرٌ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (®
قال الإمام ابن كثير: لما ذكر- سبحانه - صفات المنافقين الذميمة، عطف بذ كر
مصفات المؤمنين المحمودة فقال: ((والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض)).
الجزء
- ٢٢٨ -
العاشر
أى: يتناصرون ويتعاضدون كما جاء فى الحديث الصحيح: ((المؤمن.
للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا)). وفى الصحيح - أيضاً -: ((مثل
المؤمنين فى قوادهم وترحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو
تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)، (١).
وقال - سبحانه - هنا ((بعضهم أولياء بعض)) بينما قال فى المنافقين, بعضهم
من بعض ، للإشعار بأن المؤمنين فى تناصر هم وتعاضدهم وتراحمهم مدفوعون
بدافع العقيدة الدينية التى ألفت بين قلوبهم، وجعلتهم أشبه ما يكونون بالجسد
الواحد، أما المنافقون فلا توجد بينهم هذه الروابط السامية ، وإنما الذى
يوجد بينهم هو التقليد واتباع الهوى، والسير وراء العصبية الممقوتة، فهم
لاولاية بينهم، وإنما الذى بينهم هو التقليد وكراهية ما أنزل الله على
رسوله - عِله.
وقوله « يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر .... » بيان الآثار
التى تترتب على تلك الولاية الخالصة ، وتفصيل للصفات الحسنة التى تحلى بها ،
المؤمنون والمؤمنات .
أى : أن من صفات هؤلاء المؤمنين والمؤمنات الذين جمعتهم العقيدة.
الدينية على التناصر والتراحم ... من صفاتهم (أنهم يأمرون بالمعروف وينهون
عن المنكر ، أى يأمرون بكل خير دعا إليه الشرع، وينهونعن كل شر تاً باه
تعاليم الإسلام الحنيف .
وقوله : «ويقيمون الصلاة)، أى: يؤدونها فى أوقاتها بإخلاص وخشوع ..
وقوله: (( ويؤتون الزكاة، أى يعطونها لمستحقيها بدون من أو أذى ..
وقوله : (( ويطبعون الله ورسوله ، أى: فى سائر الأحوال بعدون ملل.
أو انقطاع أو تكاسل ...
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٠٣٦٩
التوبة
- - ٢٢٩ -
تفسير سورة
وقوله: ((أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم)) بيان للجزاء الطيب
الذى ادخره الله - تعالى - لهم.
أى: أولئك المؤمنون والمؤمنات المتصفون بتلك الصفات السامية،-يرحمهم
الله - تعالى - برحمته الواسعة، إنه - سبحابه - ((عزيز، لا يعجزه
شىء (( حكيم ، فى كل أفعاله وتصرفاته .
قال صاحب الكشاف : ((والسين هنا مفيدة لوجود الرحمة، فهى تؤكد
الوعى، كما تؤكد الوعيد كمافى قولك: سأنتقم منك يوما، تعنى أنك لا تفوتى
وإن قباطأ ذلك، ونحوه: ((إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم
الرحمن ودا)) (١).
ثم فصل - سبحانه - مظاهر رحمته للمؤمنين والمؤمنات أصحاب تلك الصفات
السابقة فقال: «وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجرى من تحتها الأنهار.
أى: ((وعد الله، بفضله وكرمه ((المؤمنين والمؤمنات جنات تجری،من
تحت بساتينها وأشجارها وقصورها الأنهار ((خالدين، فى تلك الجنات
خلودا أبديا .
ووعدهم كذلك, مساكن طيبة، أى: منازل حسنة، تنشرح لها
الصدور وتستطيبها النفوس .
وقوله: ((فى جنات عدن)) أى فى جنات ثابتة مستقرة. يقال : فلان
عدن بمكان كذا ، إذا استقر به وثبت فيه ، ومنه سمى المعدن معدةالاستقراره
فى باطن الأرض .
وقيل: إن كلمة (( عدن ) علم على مكان مخصوص فى الجنة،أى فى جنات
المكان المسمى بهذا الاسم وهو ( عدن)).
ثم بشرهم - سبحانه - بما هو أعظم من كل ذلك فقال: ((ورضوان
من الله أكبر)).
(١) تفسير الكشاف - تصرف بسير - جـ ٢ ص ٢٨٩.
الجزء
- ٢٣٠ -
العاشر
أى أن المؤمنين والمؤمنات ليس لهم هذه الجنات والمساكن الطيبة فحسب ..
وإنما لهم ما هو أكبر من ذلك وأعظم وهو رضا الله - تعالى - عنهم،
ونجليه عليهم، وتشرفهم بمشاهدة ذاته الكريمة، وشعورهم بأنهم محل رعاية ..
الله وكرمه .
والتنكير فى قوله: ((ورضوان)) للتعظيم والتهويل، والإشارة إلى أن
انشىء اليسير من هذا الرضا الإلهى على العبد، أكبر من الجنات ومن المساكن.
الطيبة ، ومن كل حطام الدنيا .
روى الشيخان عن أبى سعيد الخدرى أن رسول الله - على -
قال: ((إن الله - عز وجل - يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون:
لبيك ربنا وسعديك والخير فى يديك. فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: ومالنا
لانرضى يارب، وقد أعطيتنا مالم تعط أحدا من خلقك؟ فيقول: ألا أعطيكم.
أفضل من ذلك؟ فيقولون: باربنا وأى شىء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل
عليكم رضوانى فلا أسخط عليكم بعده أبدا ).
وروى البزار فى مسنده عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله -
صلى الله عليه وسلم - :
(( إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال الله - تعالى -: هل تشتهون شيئاً"
فأزیدكم ؟
قالوا: ياربنا وما خير مما أعطيتنا؟ قال: رضوانى أكبر)) (١).
وقوله: ((ذلك الفوز العظيم)، أى: ذلك الذى وعد الله به المؤمنين
والمؤمنات فى جنات ومساكن طيبة ، ومن رضاً من الله عنهم ، هو الفوز
العظيم الذى لا يقاربه فوز ، ولا يدانيه نعيم، ولا يسامى شرفه شرف ...
وبهذا نرى أن هاتين الآيتين الكريمتين قد بشرتا المؤمنين والمؤمنات
بأعظم البشارات ، ووصفتهم بأشرف الصفات، وقابلت بین جزائهم وبین.
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٢٧٠.
التوبة
- ٢٣١ -
تفسير سورة
جزاء الكفار والمنافقين، بما يحمل العافل على أن يسلك طريق المؤمنين، وعلى
أُن ینهج نهجهم ، ویتحلی بأوصافهم ... وبذلك يفوز بنعیم الله ورضاه كما
فازوا، ويسعد كما سعدوا، وينجو من العذاب الذى قوعد الله به المنافقين
والكافرين، بسبب إصرارهم على الكفر والنفاق، وإيثارهم العنى على الرشد.
ثم أمر الله - تعالى - رسوله - صَالله - بمجاهدة الكفار والمنافقين
بكل وسيلة، لأنهم جميعاً لا يريدون الانتهاء عن المكر الى بالدعوة
الإسلامية فقال - تعالى -:
◌َأَيُهَا النَِّىُّ جَهِدِ الْكُفَّارَ
وَالْمُنَفِقِينَ وَغُْظُ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَنُهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْتَصِيرُ
وقوله - سبحانه - ((جاهد ،من المجاهدة، بمعنى بذل الجهد فى دفع
ما لا يرضى ، سواء أ كان ذلك بالقتال أم بغيره .
وقوله . .واغلظ عليهم)) من الغلظة التى هى نقيض الرقة والرأفة. يقال.
أغلظ فلان فى الأمر إذا اشتد فيه ولم يترفق .
ونحن عندما نقرأ السيرة النبوية، نجد أنه - { ل ـ بعد هجرته إلى
المدينة ، ظل فترة طويلة يلاين المنافقين ، ويغض الطرف عن رذائلهم.
ويصفح عن مسيئهم ... إلا أن هذه المعاملة الحسنة لهم زادتهم رجسا إلى
رجسهم ... لذا جاءت هذه السورة - وهى من أواخر ما نزل من القرآن.
لتقول للنبى - صدي لله - لقد آن الأوان لإحلال الشدة والحزم، محل
اللين والرفق ، فإن للشدة مواضعها وللين مواضعه ...
والمعنى : عليك - أيها النبى الكريم - أن تجاهد الكفار بالسيف
إذا كان لا يصلحهم سواه، وأن تجاهد المنافقين - الذين يظهرون الإسلام
ويخفون الكفر - بما تراه مناسبا لردعهم وزجرهم وإرهابهم ، سواء
أكان ذلك باليد أم باللسان أم بغيرهما ، حتى تأمن شرهم.
العاشر
- ٢٣٢ -
الجزء
قال الإمام ابن كثير، أمر الله رسوله - سنّ ال ــ بجهاد الكفار
والمنافقين ، كما أمره أن بخفض جناحه لمن اتبعه من المؤمنين٠٠. وقد
تقدم عن أمير المؤمنين على بن أبى طالب أنه قال: بعث رسول اللّه بت خليه
بأربعة أسياف. سيف للمشركين((فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا
المشركين حيث وجدتموهم .. ، وسيف للكفار أهل الكتاب , قاتلوا
الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخرولا يحرمون ما حرم الله ورسوله
ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب .... وسيف للمنافقين
((جاهد الكفار والمنافقين)) وسيف البغاة ((فقاتلوا متى تبغى حتى تفى إلى
أمر الله .. )، وهذا يقتضى أنهم يجاهدون بالسيوف إذا أظهرو النفاق،
وهو اختيار ابن جرير .
وقال ابن مسعود فى قوله: ((جاهد الكفار والمنافقين، قال يده. فان
لم يستطع فليكفر فى وجهه - أى فليلق المنافق بوجه عابس لإطلاقه فيه
ولا أقساط .
وقال ابن عباس: أمره الله - تعالى- بجهاد المنافقين باللسان وأذهب
الرفق عنهم .
وقد يقال أنه لا منافاة بين هذه الأقوال، لأنه تارة بؤ اخذهم بهذا، وتارة
بهذا على حسب الأحوال ... (١).
والضمير المجرور فى قوله: ((واغلظ عليهم) يعود على الفريقين: الكفار
والمنافقين أى : جاهدهم بكل ما تستطيع مجاهدتهم به ، مما يقتضيه الحال ،
وأشدد عليهم فى هذه المجاهدة بحيث لا تدع مجالا معهم للترفق واللين، فانهم
ليسوا أهلا لذلك، بعد أن عموا وضموا عن النصيحة، وبعد أن لجوا
فى طغيانهم.
وقوله : ((ومأواهم جهنم وبئس المصير ، تذييل قصد به بيان سوء
مصيرهم فى الآخرة بعد بيان ما يجب على المؤمنين نحوهم فى الدنيا .
(١) تفسير ابن كثير جـ٢ ص٠٣٨١
تفسير سورة
- ٢.٣٣ -
التوبه
أى: عليك - أيها النبى - أن تجاهدهم وأن تغلظ عليهم فى الدنيا،
أما فى الآخرة فإن جهنم هى دارهم وقرارهم .
والمخصوص بالذم محذوف والتقدير: وبئس المصير مصيرهم، فانه
لا مصير أسوأ من الخلود فى جهنم.
ومن هذه الآية الكريمة نرى أن على المؤمنين - فى كل زمان ومكان -
أن يجاهدوا أعداءهم من الكفار والمنافقين . بالسلاح الذى يرونه كفيلا
بأن يجعل كلمة الله هى العليا وكللمة الدين كفروا السفلى.
ثم بين - سبحانه - ما كان عليه المنافقون من كذب وفجور، ومن
خيانة وغدر ، وفتح أمامهم باب التوبة ، وأنذرهم بالعذاب الأليم إذا
ما استمروا فى نفاقهم فقال - سبحانه - :
يُخْلِفُونَ بِلّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلَمِهِمْ
وَمُوْ ◌َِ لَمْ يَلُواْ وَمَا نَقَّمُواْ إَِّ أَنْ أَغْتَهُاللهُوَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِّ،
فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْرًا لَهُمَّ وَ إِن يَتَوَلَّوْ يُعَذِّبُهُمُ اللهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِى
الُنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِ الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ!
٧٤
ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها: مارواهابن جرير
عن هشام بن عروة عن أبيه قال: نزلت هذه الآية: ويحلفون بالله ما قالوا.
الآية ، فى الجلاس بن سويد بن الصامت . أقبل هو وابن امر أته مصعب من
قباء. فقال الجلاس: إن كان ما يقول محمد حقا لنحن أشر من حمر نا هذه
التی نحن عليها ! !
فقال مصعب: أما والله يا عدو اللّه لأخبرن رسول الله (ع ) : -
بما قلت: قال مصعب: فأتيت النبى. وجلثم . وخشبت أن ينزل
فى القرآن أو تصيبنى قارعة ... فقلت يا رسول الله: أقبلت أناوالجلاس من
الجزء
- ٢٣٤ -
العاشر
قباء. فقال كذا وكذا، ولولا مخافة أن أخلط مخطيئة أو تصدبنى قارعة
ما أخبرتك .
قال مصعب: فدعا رسول اللّه. ◌ُّ. الجلاس فقال له: أقلت الذى
قال مصعب ؟ فحلف الجلاس بأنه ما قال ذلك. فأنزل الله الآبة)))١))
وأخرج ابن إسحاق وابن أبى حاتم عن كعب بن مالك قال : لما نزل
القرآن وفيه ذكر المنافقين قال الجلاس بن سويد: والله لئن كان هذا الرجل
صادقا لنحن شر من الخمير. فسمعه عمير بن سعد فقال: والله يا جلاس إنك
لأحب الناس إلى. وأحسنهم عندى أثراً. ولقد قلت مقالة لئن ذكرتها
لتفضحنك ، ولئن سكت عنها هلكت، ولإحداهما أشد على من الأخرى.
فرهى عمير إلى رسول الله - عَنَّ الل فذكر له ما قال الجلاس. فسأل
رسول اللّه. ◌َالله. الجلاس عما قاله عمير، فحلف بالله ما قال ذلك، وزعم
أن عميراً كذب عليه فنزلت هذه الآية (٢).
وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد أخبرنا الوليد بن عبد الله بن جميع
عن أبى الطفيل .
قال: لما أُقبل رسول اللّه. صَّ اله. من غزوة تبوك أمر منادياً فنادى
إن رشول المه. عَ لَّه أخذ طريق العقبة. وهو مكان مرتفع ضيق. فلا
يأخذها أحد .
قال: فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم. يقود ركابة حذيفة ويسوقه
عمار ، إذا أقبل رهط ملثمون على الرواحل، فعشواعماراوهو يسوق برسول
الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل عمار يضرب وجوه الرواحل. فقال رسول
الله . صلى الله عليه وسلم لحذيفة: ((قدقد)). أى حسبك حسبك. حتى
هبط رسول الله - صلى الله عليه وسلم . ورجع عمار.
((١) تفسير ابن جرير جرير ح3! حـ٣٦٢ متصرف يسير. طبعة دار المعارف
((٢) تفسير الآلوسى حـ١٠ ص ١٣٨:
تفسير سورة
- ٢٣٥ -
التوبة
فقال رسول الله. صلى الله عليه وسلم. يا عمار: ((هل عرفت القوم)» ؟.
فقال: لقد عرفت عامة الرواحل والقوم متلثمون. قال: ((هل قدرى
ما [أرادوا،؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: ((أرادوا أن ينفروا برسول
الله. صلى الله عليه وسلم . راحلته فيطرحوه» .... (١)
هذه بعض الروايات التى وردت فى سبب نزول هذه الآية، وهى تكشف
عن كذب المنافقين وغدرهم .
وقوله. سبحانه .: ((يحلفون بالله ما قالوا ... )) استئناف مسوق لبيان.
جانب مما صدر عنهم من جرائم تستدعى جهادهم والإغلاظ عليهم .
أى : محلف هؤلاء المنافقون بالله كذباً وزورا أنهم ما قالوا هذا القول
القبيح الذى بلغك عنهم يا محمد .
والحق أنهم قد قالوا (« كامة الكفر)، وهى تشمل كل ما نطقوا به من
أقوال يقصدون بها إيذاءه. صلى الله عليه وسلم.، كقولهم: ((هو أذن))
وقولهم. (( لئن كان ما جاء به حقاً فنحن أشر من حمرنا ... )، وغير ذلكمن
الكلمات القبيحة التى نطقوا بها.
وأنهم قد « كفروا بعد إسلامهم ، أى: أظهروا الكفر بعد إظهارهم
الإسلام .
وأنهم قد, هموأ بإلم ينالوا، أى: حاولوا إلحاق الأذى برسول الله
صلى الله عليه وسلم. ولكنهم لم يستطيعوا ذلك، لأن الله - تعالى . عصمه
من شرورهم .
وقوله: ((وما فقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله) توبيخ لهم على
جهودهم وكنودهم ومقابلتهم الحسنة بالسيئة .
ومعنى: ((نقموا)): كرهوا وعابوا وأنكروا يقال نقم منه الشىء إذا
أنكروه، وكره وعابه، وكذا إذا عاقبه عليه.
(١) تفسير ابن كثير جـ٢ ص ٠٣٧٢ بتصرف وتلخيص.
الجزء
- ٢٣٦ -
العاشر
أى. وما أنكر هؤلاء المنافقون من أمر الإسلام شيئاً، إلا أنهم بسببه
أغناهم الله ورسوله من فضله بالغنائم وغيرها من وجوه الخيرات التى كانوا
لا يجدونها قبل حلول الرسول - { ل - وأصحابه بينهم.
وهذه الجملة الكريمة جاءت على الأسلوب الذى يسميه علماء البلاغة :
تأكيد المدح بما يشبه الذم.
قال الجمل: كأنه قال - سبحانه - ليس له - مَّ اله - صفة تكره
وتعاب ، سوى أنه ترتب على قدومه إليهم وهجرته عندهم ، إغناء الله
إياهم بعد شدة الحاجة ، وهذه ليست صفة ذم - بل هى صفة مدح -
فحينتد ليس له صفة تذم أصلا)،(١).
وشبيه بهذا الأسلوب قول الشاعر يمدح. قوما بالشجاعة والإقدام .
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بترغيبهم وترهيبهم فقال: «فإن يتوبوا
يك خيراً لهم . وإن يتولوا يعذبهم الله عذاباً أليماً فى الدنيا والآخرة ... )).
أى: فإن يتب هؤلاء المنافقون عن نفاقهم وشقاقهم وقبائح أقوالهم
وأفعالهم ، يكن المتاب خيراً لهم فى دنياهم وآخرتهم.
((وإن يتولوا)) وبعرضوا عن الحق: ويستمروا فى ضلالهم, يعذبهم
الله عذاباً فى الدنيا والآخرة)).
أما عذاب الدنيا فمن مظاهره : حذرهم وخوفهم من أن يطلع المؤمنون
على أسرارهم وجبنهم عن مجابهة الحقائق؛ وشعورهم بالضعف أمام قوة
المسلمين ؛ وإحساسهم بالعزلة والمقاطعة من جانب المؤمنين ، ومعاقبة
الرسول - ربع - إياهم بالعقوبة المناسبة لجرمهم ...
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ٢ ص ٣٠٠ - بتصرف يسير -
تفسير سورة - ٢٣٧ - التوبة
وأما عذاب الآخرة، فهو أشد وأبقى ، بسبب إصرارهم على النفاق »
وإعراضهم عن دعوة الحق .
وقوله : (( ومالهم فى الأرض من ولى ولا نصير ، تذييل قصد به تيئيسهم
من كل معين أو ناصر .
أى: أن هؤلاء المنافقين ليس لهم أحدفى الأرض يدفع عنهم عذاب الله،
أو يحميهم من عقابه؛ لأن عقاب الله لن يدفعه دافع إلا هو، فعليهم أن
يتوبوا إلى رشدهم (وأن يقوبوا إلى ربهم قبل أن يحل بهم عذابه.
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك نماذج أخرى من ححودهم، ونقضهم
لعهودهم، وبخلهم بما آتاهم الله من فضله فقال - سبحانه -.
ومِنهم
مُّنْ عَهَدَ اللَّلَيْ ءَاتَمْنَا مِن فَضْلِهِ، لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ
الصَّالِحِينَ ثَه فَلَمَّاَءَ اتَنُهُمْ مِن فَضْلِهِ، تَخْلُواْبِهِ، وَتَوَلَواْ وَّهُم
مَّعْرِضُونَ (٣) فَأَعْقَبُهُمْ نِفَاقًاً فِى قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمٍ يَلْقَوْنَهُ يِمَا
أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ (َّهِ أَلَمْ يَعْلُواْ أَنَّ اللَّهَ
يَعْلَمْ سِرَّهُمْ وَجْوَمُهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّمُ الْغُبِ
VA
قال الإمام ابن كثير ما ملخصه: وقد ذكر كثير من المفسرين منهم ابن
عباس والحسن البصرى، أن سبب نزول هذه الآيات أن ثعلبة ابن حاطب
الأنصارى قال لرسول الله - عَال يارسول الله، أدع الله أن يرزقنى مالا.
فقال له الرسول. عِنَّ : ويحك يا فعلية، قليل تؤدى شكره خير من كثير
لا تطيقه .. ثم قال له مرة أخرى: (( أما ترضى أن تكون مثل نبى الله ؟
فوالذى نفسى بيده لو شئت أن تصير الجبال معى ذهباً وفضة لصارت ».
الجزء - ٢٣٨ - العاشر
فقال ثعلبة . والذي بعثك بالحق لمن دعوت الله فرزقنى مالا لأعطين
كل ذى حق حقه .
فقال رسول الله - عَ ل ـ: ((اللهم أرزق ثعلبة ما لا)).
فاتخذ ثعلبة غنما فنمت ، ثم ضاقت عليه المدينة فتنحى عنها ونزل وادياً
من أوديتها حتى جعل يصلى الظهر والعصر فى جماعة ويترك ما سواهما .
ثم نمت وكثرت فتنحى حتى ترك الصلوات إلا الجمعة ، ثم ترك الجمعة ....
وأنزل الله - تعالى - قوله: «خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتز كيهم
بها، فبعث الرسول - سَّ ﴾ -، رجلين على الصدقة من المسلمين ... وقال
لهما: («مرا على ثعلبة وعلى فلان . رجل من بنى سليم. فخذا صدقاتهم).
فخرجا حتى أتيا ثعلبة فسألاه الصدقة، وأقرآه كتاب رسول الله. فقال.
ما هذه إلا جزية، ما هذه إلا أخت الجزية، ما أدرى ما هذا ؟انطلقا حتى
تفرغائم عودا إلى .
فانطلقا وسمع بهما السلمى (( فنظر إلى خيار أسنان إبله فعزلها للصدقة.
ثم أستقبلهم بها. فلما رأوها قالوا له: ما يجب عليك هذا، وما نريد أن فأخذ
هذا منك . فقال: بل خذوها فإن نفسى بذلك طيبة ، فأخذلها منه ومراعلى
ثعلبة فقال لها : أروفى كتابكما فقرأه فقال: ما هذه إلا جزية ... انطلقا
حتی اری رأیی .
فانطلقا حتى أتيا النبى - ◌َّ لَهـ، فلما رآهما قال: ((يا ويح ثعلبة، قبل
أن يكلمهما . ودعا للسلمى بالبركة. وأخيراه بالذى صنعه ثعلبة معهما ...
فأنزل الله. تعالى. ((ومنهم من عاهد اللّه لشن آنانا من فضله لنصدقن
-ولتكونن من الصالحين ... الآيات)).
تفسير سورة
- ٢٣٩ -
التوبة
فسمع رجل من أقارب ثعلبة هذه الآيات، فذهب إليه وأخبره مما أفزا
فيه من قرآن .
فخرج لعلبة حتى أتى النبى - عَ ل ـ وسأله أن يقبل منه صدقته
فقال له : إن الله منعنى أن أقبل منك صدقتك ...
ثم لم يقبلها منه بعد ذلك أبو بكر أو عمر أو عثمان ، وهلك ثعلبة فى
خلافة عثمان)، (١) .
هذا، وقد ضعف بعض العلماء هذا الحديث ، لأسباب تتعلق بسنده
وبصاحب القصة وهو ثعلبة بن حاطب .
والذى نراه أن هذه الآيات الكريمة تحكى صورة حقيقيه وواقعية لبعضر
المنافقين المعاصرين للعهد النبوى . والذين عاهدوا الله فنقضواعمودهم معه
وقابلوا ما أعطاهم من نعم بالبخل والجحود ...
وتلك الصورة قد تكون لثعلبة بن حاطب وقد تكون لغيره، لأن المهـ
هو حصولها فعلا من بعض المنافقين .
وهذه الآيات - أيضاً - تنطبق فى كل زمان ومكان على من يقابل نعم أنا
بالكفران ، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .
وإلى هذا المعنى أشار صاحب المنار بقوله : هذا بيان لحال طائفة من
أولئك المنافقين الذين أغناهم الله ورسوله من فضله بعد الفقر والإملاق
ويوجد مثلهم فى كل زمان، وهم الذين يلجأون إلى الله - تعالى - فى وقت
العسرة والفقر ، أو الشدة والضر، فيدعونه ويعاهدونه على الشكرله، والطاء
لشرعه، إذهو كشف ضرهم، وأغنى فقرهم . فإذا استجاب لهم نكسو
على رءوسهم، ونكصوا على أعقابهم ، وكفروا النعمة ، وبطروا الحق
وهضموا حقوق الخلق وهذا مثل من شر أمثالهم، (٢).
(١) تفسير ابن كثير جـ٢ ص ٣٧٤ - بتصرف وتلخيص -
(٢) تفسير المنار جـ١٠ ص ٦٤٦.
الجزء
- ٢٤٠ -
العاشر.
ومعنى الآيات الكريمة: ومن المنافقين قوم , عاهدوا الله، وأكدوا
عهودهم بالإيمان المغلظة فقالوا: ((لئن آتانا)) الله - تعالى - من فضله ومالا
وفيراً، ((لتصدقن)) منه على المحتاجين، ولنعطین كل ذى حق حقه«ولنكونن
من ، عباده ((الصالحين) الذين يؤدون واجبهم نحو الله والناس، والذين
يصلحون فى الأرض ولا يفسدون .
قال الجمل وقوله: ((من عاهد الله، فيه معنى القسم، وقوله: ((لشن
آتانا من فضله، تفسير لقوله: عاهد الله. واللام موطئة لقسم مقدر. وقد
اجتمع هنا قسم وشرط، فالمذكور وهو قوله : (، لنصدقن ٠٠٠)) جواب
القسم، وجواب الشرط محذوف ... واللام فى قوله ((لنصدقن ... )) واقعة.
فى جواب القسم)،(١).
وقوله: ((فلما آتاهم من فضله بخلوا به .... ، بيانلموقفهم الجحودى
من عطاء الله وكرمه .
أى: فلما أعطى الله - تعالى- من فضله هؤلاء المنافقين ما تمنوه من مال.
وفير ، (( بخلوا به)) أى: بخلوا بهذا المال ، فلم ينفقوا منه شيئاً فى وجوعه
المشروعة؛ ولم يعترفوا فيه بحقوق الله أو حقوق الناس؛ ولم يكتفوا بذلك.
بل ((تولوا وهم معرضون)).
أى: أديروا عن طاعة الله وعن فعل الخير، وهم قوم دأبهم التولى عن.
سماع الحق ، وشأنهم الانقياد للهوى والشيطان .
وقوله: ((فأعقبهم نفاقاً فى قلوبهم إلى يوم يلقونه ... )) تصوير للآثار
الذميمة التى ترتبت على بخلهم وإعراضهم عن الحق والخير .
(١) حاشية الجمل على الجلالين = ٢ ص ٣٠١.