النص المفهرس
صفحات 201-220
العاشر تفسير الجزء - ٢٠١ = ومن أمثلة ذلك ما فعله الرسول. بث مع الأفرع بن حابس وعيبنة بن حصن، والزبرقان بن بدر ، فقد أعطاهم . شكر لمكانتهم فى عشيرتهم، ولشرفهم فى أقوامهم . وليدخل معهم فى الإسلام غيرهم. ومنهم قوم كانوا ضعاف الإيمان، فكان. ◌َ لتم يعطيهم تأليفاً لقلوبهم، وتقوية لإيمانهم. لكى لا يسرى ضعف إيمانهم إلى غيرهم . ومن أمثلة هذا الصنف العباس بن مرداس السلمى، فقد أعطاه النى عديدة تأليفاً لقلبه، وتثبيتاً لإيمانه . والخلاصة أن النبى عَ لّم كان يتألف قلوب بعض الناس بالعطاء، دفعاً لشرهم ، أو أملا فى نفعهم ، أو رجاء هدايتهم . وقوله : ( وفى الرقاب ) بيان لنوع خامس من مصارف الزكاة . وفى الكلام مجاز بالحذف ، والتقدير: وتصرف الصدقات أيضا فى فك الرقاب ، بأن يعان المكاتبون بشىء منها على أدا. بدل الكتابة, لكن يصير واأحراراً. أو بأن يشترى بجزء منها عدد من العبيد لكى يعتقوا من الرق . وذلك لأن الإسلام يحبب أتباعة فى عتق الرقاب ، وفى مساءـة الأرقاء على أن يصيروا أحراراً . وقوله: ((والغارمين)) من الغرم بمعنى الملازمة للشىء ومنه قوله تعالى: (إن عذابها كان غراما) أى: إن عذاب جهنم كان ملازماً لأهلها من الكافرين . والمراد بالغارمين : من أزمتهم الديون فى غير معصية الله، ولا يجدون المال الذى يدفعونه لدائنيهم ، فيعطون من الزكاة ما يعينهم على سدادديونهم. وقوله : ( وفى سبيل الله ) بيان لنوع سابع من مصارف الزكاة . والسبيل : الطريق الذى فيه سهولة، وجمعه سبل. وأضيف إلى الله تعالى للإشارة إلى أنه هو السبيل الحق الذى لا يحوم حوله باطل، وهو الذى. يوصل السائر فيه إلى مرضات الله ومثوبته . الجزء - ٢٠٢ - العاشر أى: وتصرف الصدقات فى سبيل الله، يدفع جزء منها المساعدة المجاهدين والغزاة والفقراء الذين خرجوا لإعلاء كلمة الله. قال بعض العلماء ما ملخصه: قال أبو حنيفة ومالك والشافعي. يصرف سهم سبيل الله المذكور فى الآية الكريمة إلى الغزاة .. ، لأن المفهوم فى الاستعمال المتبادر إلى الأفهام أن سبيل الله هو الغزو، وأكثر ماجاء فى القرآن الكريم كذلك . وقال الإمام أحمد : بجوز صرف سبيل الله إلى مريد الحج . وقال بعضهم. يجوز صرف سبيل اللّه إلى طلبة العلم. وفسره بعضهم بجميع القربات ، فيدخل فيه جميع وجوه الخير، مثل تكفين الموتى، وبناء القناطر، والحصون، وعمارة المساجد,وفى سبيل الله)) عام فى الكل ... )، (١) . وقوله: وابن السبيل، بيان للصف الثامن والأخير من الأصناف الذين هم مصارف الزكاة . والمراد بابن السبيل: المسافر المنقطع عن ماله فى سفره، ولو كان غنياً فى بلده؛ فيعطى من الزكاة ما يساعده على بلوغ موطنه . وقد اشترط العلماء لابن السبيل الذى يعطى من الصدقة، أن يكون سفره فى غير معصية الله. فإن كان فى معصية لم يعط: لأن إعطاءه يعتبر إعانة له على المعصية ، وهذا لا يجوز . وقد ألحقوا بابن السبيل ، كل من غاب عن ماله، ولو كان فى بلده . ودوله. فريضة من الله، منصوب بفعل مقدرأى: فرض اللهلهم هذه الصدقات فريضة ، فلا يصح لكم أن تبخلوا بها عنهم، أو تتكاسلوا فى إعطائها لمستحقيها. فالجملة الكريمة زجر للمخاطبين عن مخالفة أحكامه . سبحانه. وقوله: ((والله عليم حكيم، تذييل قصدبه بيان الحكمة من فرضية الزكاة. (١) تفسير آيات الأحكام ج٣ ص٤٢ لفضيلة الشيخ محمد على السايس. تفسير سورة - ٢٠٣ - التوبة أى: والله - تعالى - عليم بأحوال عباده، ولا تخفى عليه خافية من قصر فاتهم، حكيم فى كل أوامره ونواهيه، فعليكم . أيها المؤمنون . أن فأتمروا بأوامره، وأن تنتهوا عن نواهيه لتنالوا رضاء . هذا، ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتى : ١ - أن المراد بالصدقات هنا ما يتناول الزكاة المفروضة وغيرها من الصدقات المندوبة، وذلك لأن اللفظ عام فيشمل كل صدقة سواء أ كانت واجبة أم مندوبة، ولأن لفظ الصدقة فى عرف الشرع وفى صدر الاسلام ، كان يشمل الزكاة المفروضة، والصدقة المندوبة ، وبؤيده قوله. تعالى .. (( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها). ومن العلماء من يرى أن المراد بالصدقات فى الآية: الزكاة المفروضة ، لأن ( أل ) فى الصدقات للعهد الذكرى والمعهود هو الصدقات الواجبة التى أشار إليها القرآن. بقوله قبيل هذه الآية. (ومنهم من يلعزك فى الصدقات) ولأن الصدقات المندوبة يجوز صرفها فى غير الأصناف الثمانية كبنا. المساجد والمدارس. ويبدو لنا أن لفظ الصدقات فى الآية عام بحيث يتناول كل صدقة، إلا أن الزكاة المفروضة قدخ فية دخولا أوليا . ٢ - قال بعض العلماء : ظاهر الآية يقضى بالقسمة بين الثمانية الأصناف ، ويؤيد هذا وجهان . الأول. ما يقتضيه اللفظ اللغوى، إن قلنا . الواو الجمع والتشريك. والثانى. ما رواه أبو داود فى سنته من قوله. مقت له(( إن الله لم يرض يحكم فى ولا غيره فى الصدقات، حتى حكم فيها. فجزأها ثمانية أجزاء. وقد ذهب إلى هذا الشافعى وعكرمة والزهرى ، إلا إن استغنى أحدها غتدفع إلى الآخرین بلا خلاف. الجزء - ٢٠٤ - العاشر وذهبت طوائف إلى جواز الصرف فى صنف واحد . منهم عمر وابن. عباس وعطا. وابن جبير ومالك وأبو حنيفة . قال فى التهذيب: وخرجوا عن الظاهر فى دلالة الآية المذكورة والخبر بوجوه . الأول : أن الله - تعالى - قال فى سورة البقرة: «وإن تخفوهاو تؤ توها الفقراء فهو خير لكم ،١٠، فدل على أن ذكر العدد هنا لبيان جنس من يستحقها. الثانى: الخبر، وهو قوله. عَّ له. لمعاذ: «أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة فى أموالهم تؤخذ من أغنياتهم وترد فى فقرأتهم . الثالث: حديث سلمة بن صخر. فإنه - مَ ال - جعل له صدقة بی زريق . الرابع: أنه لم يظهر فى ذلك خلاف من جهة الصحابة فجرى كالمجمع عليه«٢, ٣ - يرى جمهور العلماء أن الفقراء والمسا كين صنفان من مصارف الزكاة لأن الله. تعالى. قد ذكركل صنف منهما على حدة، إلا أنهم اختلفوا فى أيهما أسوأ حالا من الآخر. فالشافعية يرون أن الفقير أسوأحالا من المسكين. ومن أدلتهم على ذلك، أن اللّه. تعالى. بدأ فى الآية بالفقراء، وهذا البد. يشير إلى أنهم أشد حاجة من غيرهم ، لأن الظاهر تقديم الأهم على المهم. ولأن لفظ الفقير أصله فى اللغة المفقور الذى نزعت فقرة من فقار ظهره، فلا يستطيع التكسب، ومعلوم أنه لا حال فى الاقلال والبؤس آ كد من. هذه الحال . ولأن الله . تعالى. وصف بالمسكنة من كانت له سفينة من سفن البحر فقال: « أما السفينة فكانت لمساكين يعملون فى البحر ٠٠٣٠،٠٠٠٠ (١) الآية ٢٧١ ((٢) تفسير القاسمى ج٨ ص ٣١٨٢. (٣) سورة الكهف . الآية ٧٩. تفسير سورة - ٢٠٥ - التوبة أما الأحناف والمالكية فيرون أن المسكين أسوأ حالا من الفقير. ومن أدائهم على ذلك: أن علماء اللغة عرفوا المسكين بأنه أسوأحالامن الفقير، وإلى هذا ذهب يعقوب بن السكيت، والفتى، ويوأس بن حبيب ... ولأن الله - تعالى - وصف المسكين وصفاً يدل على البؤس والفاقة فقال: ((أو مسكيناً ذامتربة ، أى: مسکیناً ذا حاجة شديدة ، حتى لكأنه قد لصق بالتراب من شدة الفاقة ، ولم يصف الفقير بذلك .. (١) قال بعض العلماء: وأنت إذا تأملت أدلة الطرفين وجدت أنها متعارضة ومحل نظر ، وأياما كان فقد اتفق الرأيان على أن الفقراء والمساكين صنفان. وروی عنأبى يوسف ومحمد أنهما صنف واحد واختارهالجبائى،ويكون العطف بينهما لاختلاف المفهوم . وفائدة الخلاف تظهر فيما إذا أوصى لفلان وللفقراء والمساكين؛ فان قال إنهما صنف واحد جعل لفلان نصف الموصى به ، ومن قال إنهما صنفان جعل له الثلث من ذلك (٢). ٤ - ظاهر الآية يدل على أن الزكاة يجوز دفعها لكل من يشمله اسم الفقير والمسكين، إلا أن هذا الظاهر غير مراد ؛ لأن الأحاديث الصحيحة قد قيدت هذا الإطلاق . قال القرطبى: أعلم أن قوله - تعالى - ((الفقراء)) مطلق ليس فيه شرط وتقييد ، بل فيه دلالة على جواز الصرف إلى جملة الفقراء ، سواء أ كانوامن بق هاشم أم من غيرهم، إلا أن السنة وردت باعتبار شروط، منها: ألا يكونوا من بنى هاشم، وألا يكونوا من تلزم المتصدق نفقته، وهذا لاخلاف فيه. وشرط ثالث ألا يكون قوياً على الاكتساب؛ لأنه - الق ـ قال: (( لا تحل الصدقة لغتى، ولا لذى مرة سوى). (١) راجع تفسير القرطبى ج ٨ ص ١٦٨. (٢) تفسير آيات الأحكام جـ ٣ ص ٣٤ للأستاء الشيخ محمد على السايس - بتصرف وتلخيص - الجزء - ٢٠٦ - العاشر ولا خلاف بين علماء المسلمين فى أن الصدقة المفروضة لا تحل للنبى. - صفى الله عليه وسلم - ولا تبنى هاشم ولا لمواليهم ... (١) وكذلك لا يصح أن تعطى لغير المسلمين ، ففي الصحيحين عن ابن عباس. رضى الله عنهما - أن النبى - صَّ ◌ٍ - قال لمعاذ حين بعنه إلى اليمن : ((أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فاقتضى ذلك أن الصدقة مقصورة على فقراء المسلمين . إلا أنه نقل عن أبى حنيفة جواز دفع صدقة الفطر إلى الذمى . ٥ - أخذ بعض العلماء من قوله - تعالى - والعاملين عليها ، أنه يجب على الإمام أن يرسل من يراه أهلا لجمع الزكاة من تجب عليهم . وقد تأكد هذا الوجوب بفعل النبى - صلى الله عليه وسلم - فقد ثبت فى. أحاديث متعددة أنه أرسل بعض الصحابة لجمع الزكاة . روى البخارى عن أبي حميد الساعدي. قال: استعمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا على صدقات بنى سليم يدعى ابن الليبية، فلما جاء حاسبه (٢) ٦ - أخذ بعض العلماء .. أيضاً - من قوله - تعالى - ((والمؤلفة قلوبهم)) أن حكمهم باق، لأنهم قـ ذكروا من بين مصارف الزكاة ، ولأن الرسول- صلى الله عليه وسلم - قد أعطاهم، فيعطون عند الحاجة .. قال الإمام القرطبى ما ملخصه: واختلف العلماء فى بقاء المؤلفة قلوبهم. فقال عمر والحسن والشعبى وغيرهم : انقطع هذا الصنف بعز الإسلام. وظهوره . وهذا مشهور من مذهب مالك وأصحاب الرأى . (١) تفسير القرطبى ج ٨ ص ١٩١. (٢) تفسير القرطبى جـ ٨ ص ١٧٧ . تفسير سورة - ٢٠٧ - التوبة قال بعض علماء الحنفية . لما أعز الله الإسلام وأهله، أجمع الصحابة فى خلافة أبى بكر على سقوط ٢٠٢٠م. وقال جماعة من العلماء: هم باقون لأن الإمام ربما احتاج أن يستألف على الإسلام وإنما قطعهم عمر لما رأى من إعزاز الدين . وقال ابن العربى. الذى عندى أنه إن قوى الإسلام زالوا، وإن احتيج إليهم أعطوا سهمهم كما كان رسول اللّه عٍَّ يعطيهم، فإن فى الصحيح بدأ الإسلام غريباً وسيعود كما بدأ ،(١). والذى يبدو لنا أن ما قاله ابن العربى أقرب الأقوال إلى الصواب لأن مسألة إعطاء المؤلفة قلوبهم تختلف باختلاف الأحوال ؛ فإن كان الإمام يرى أن من مصلحة الإسلام إعطائهم، أعطاهم، وإن كانت المصلحة فى غير ذلك لم يعطهم . ٧ - دلت الآية الكريمة على أن الزكاة ركن من أركان الإسلام، لقوله تعالى ((فريضة من الله)). قال بعض العلماء ما ملخصه . تلك هى فريضة الزكاة. ليست أمر الرسول وإنما هى أمر الله وفريضته وقسمته وما الرسول فيها إلا منفذ الفريضة المقسومة من رب العالمين . وهذه الزكاة تؤخذ من الأغنياء على أنها فريضة من الله، وترد على الفقراء على أنها فريضة من الله، وهى محصورة فى طوائف من الناس عينهم القرآن وليستمتروكة لاختيار أحد حتى ولا اختيار الرسول نفسه وبذلك تأخذ الزكاة مكانها فى شريعة الله، ومكانها فى النظام الإسلامى، لا تطوعاً ولا تفضلا من فرضت عليهم ، فهى فريضة مختمة ، ولا منحة ولا جزافا من القاسم الموزع فهى فريضة معلومة. إنها إحدى فرائض الإسلام تجمعها الدولة المسلمة بنظام معين لتؤدى بها خدمة إجتماعية محدودة. وهى (١) تفسير القرطبى جـ، ص ٠١٨١ الجزء - ٨ ٢- العاشر ليست إحساناً من المعطى، وليست شحاذة من الآخذ، كلا فما قام النظام الإجتماعى فى الإسلام على التسول وأن يقوم. إن قوام الحياة فى النظام الإسلامى هو العمل - بكل صنوفه وألوانه-على الدولة المسلمة أن توفر العمل لكل قادر عليه ... والزكاة ضريبة تكافل إجتماعى بين القادرين والعاجزين، تنظمها الدولة وتتولاها فى الجمع والتوزيع ، متى قام المجتمع على أساس الإسلام الصحيح، منفذاً شريعة الله لا يبتغى له شرعاً ولا منهجاً سواه .. إن فريضة الزكاة تؤدى فى صورة عبادة إسلامية، ليطهر بها القلوب من الشح، وليجعلها شرعا تراحم وتضامن بين أفراد الأمة المسلمة ... إنها « فريضة من الله، الذى يعلم ما يصلح لهذه البشرية، ويدبر أمرها بالحكمة ((والله عليم حكيم)) (١). وبعد هذا الحديث عن الصدقات التى كان المنافقون يلمزون الرسول عَّ له فيها أخذت السورة فى مواصلة حديثها عن رذائل المنافقون، وعن سوء أدبهم ... فقال تعالى -: وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الَِّّ وَ يَقُولُونَ هُوَ أُذُنَّ قُلْ أُذُنُ خَيرِنَّكُمْ يُؤْمِنُ بِلَّهِ وَيُؤْمِنٌ لِلْمُؤْمِنَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اَلَّهِلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها ما أخرجه ابن أبى حاتم عن السدى أنها نزلت فى جماعة من المنافقين منهم الجلاس بن سويد بن صامت ورفاعة ابن عبد المنذر، ووديعة بن ثابت وغيرهم «قالواما لا ينبغى فی حقه ۔ ۔۔۔۔ (١) فى ظلال القرآن ج١٠. تفسير سورة - ٢٠٩ - التوبة فقال رجل منهم لا تفعلوا فإنا مخاف أن يبلغ محمداً ما تقولونه فيقع فينا. فقال الجلاس : بل نقول ما شئنا، ثم تأتيه فيصدقنا بما نقول فإن محمد آ أذن (١). فمرادهم بقولهم ((هو أذن أى: كثير الاستماع والتصديق لكل ما يقال له قال صاحب الكشاف الأذن: الرجل الذى يصدق كل ما يسمع ، ويقبل أول كل أحد، مى بالجارحة التى هى آلة السماع كان جملته أذن سامعه ونظيره قولهم الربيعة . أى الطليعة عين، (٢) . وقال بعضهم: ((الأذن)) الرجل المستمع القابل لما يقال له . وصفوابه الواحد والجمع. فيقال: رجل أذن، وأمرأة أذن، فلا يشنى ولا يجمع. إنما سموه باسم العضو تهويلا تشفيعاً فهو مجاز مرسل أطلق فيه الجزء على لكل مبالغة يجعل جملته. لفرط إستماعه آ لة السماع، كما هى الجاسوس عيناً لذلك» (٣). والمعنى: ومن هؤلاء المنافقين قوم يؤذون النبى - عدّ له - فيقولون عنه نه كثير السماع والتصديق لكل ما يقال له بدون تمييز بين الحق والباطل. وقوله: ((قل أذن خير لكم، رد عليهم بما يخرس ألسنتهم ويكبت نفسهم :هو من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة على سبيل المبالغة فى المدح كةولهم - جل صدق أى قد بلغ النهاية فى الصدق والاستقامة. والمعنى قل لهم يا محمد على سبيل التوبيخ والتبكيت: سلمنا. كماتزعمون. فى كثير السماع والتصديق لما يقال، لكن هذه الكثرة ليست للشر والخير دون تمييز وإنما هى للخير ولما وافق الشرع فحسب. ويجوز أن تكون الإضافة فيه على معنى ((فى))، أى هو أذن فى الخير الحق، وليس بأذن فى غير ذلك من وجوه الباطل والشر. (١) تفسير الآلوسى ج١ ص١٢٥ (٢) تفسير الكشاف جـ٢ص٠٢٨٤ (٣) تفسير القاعمى ج٨ص ٠٣١٨٦ ( ١٤ - سورة التوبة) الجزء - ٢١٠ - العاشر وهذه الجملة الكريمة من أسمى الأساليب وأحكمها فى الردعلى المرجفين والفاسقين، لأنه - سبحانه - صدقهم فى كونه. ويتم أذنا، وذلك بما هو مدح له، حيث وصفه بأنه أذن خير لا شر . قال صاحب الأنصاف : لا شىء أبلغ من الرد عليهم بهذا الوجه ، لأنه فى الأول إطماع لهم بالموافقة ثم كر على طمعهم بالحسم، وأعقبهم فى تنقصه باليأس ، منه، ولا شىء أقطع من الإطماع ثم اليأس يتلوه ويعقبه (١). وقوله: (( يؤمن بالله (( ويؤمن للمؤمنين، ورحمة للذين آمنوا منكم)) تفسير وتوضيح لكونه. بِنَّ الّ. أذن خير لهم لا أذن شر عليهم. أى. أن من مظاهر كونه: بَّ اللّه ـ أذن خير، أنه ((يؤمن بالله)) إيماناً حقاً لا يحوم حوله شىء من الرياء، أو الخداع أو غيرهما من ألوان السوء ,ويؤمن للمؤمنين، أى: يصدقهم فيما يقولونه من أقوال توافق الشرع لأنهم أصحابه الذين أطاعوه ، واتبعوا النور الذى أنزل معه، فهم أهل للتصديق والقبول . دون غيرهم من المنافقين والفاسقين. قال المخر الرازى فإن قيل لماذا عدى الإيمان إلى الله بالباء، وإلى المؤمنين باللام؟ قلنا: لأن الإيمان المعدى إلى اللّه المراد منه التصديق الذى هو نقيض الكفر فعدى بالبناء . والإيمان المعدى إلى المؤمنين المراد منه الاستماع منهم، والتسليم لقولهم فعدى باللام، كمافى قوله ((وما أنت مؤمن لنا)). أى بمصدق لنا. وقوله: (( أنؤمن لك واقبعك الأرذلون، وقوله: ((قال آمنتم له قبل أن آ ذن لكم «٢). وقوله: (( ورحمة للذين آمنوا منكم))معطوف على قوله: أذن خير لكم، أى: أن هذا الرسول الكريم بجانب أنه أذن خير لكم هو رحمة للذين (١) حاشية الكشاف لابن المنير ج٢ ص٠١٩٠ (٢) تفسير الفخر الرازى ج٤ ص ٠٤٦٥ تفسير سورة - ٢١١ - التوبة منوا منكم - أيها المنافقون - إيمانا صحيحا، لأنه عن طريق إرشاده لهم إلى لخير ، واتباعهم لهذا الإرشاد يصلون إلى ما يسعدهم فى دنياهم وآخرتهم. وعلى هذا يكون المراد بالذين آمنوا من المنافقين ؛ أولئك الذين صدقوا فى إيمانهم، وأخلصوا لله قلوبهم، وتركوا النفاق والرياء. أو أن المراد بالذين آمنوا منهم : أولئك الذين أظهروا الإيمان ، يكون المعنى : أن هذا الرسول الكريم رحمة للذين أظهروا الإيمان منكم - أيها المنافقون حيث أنه - بَ الله - عاملهم بحسب الظاهر، دون أن يكشف سرارهم، أو يهتك أستارهم؛ لأن الحكمة تقتضى ذلك. وعلى هذا المعنى سار صاحب الكشاف فقد قال : وهو رحمة لمن آمن منكم، أى: أظهر الإيمان - أيها المنافقون -، حيث يسمع منكم ، ويقبل بما فكم الظاهر، ولا يكشف أسراركم، ولا يفضحكم، ولا يفعل بكم ما يفعل المشركين، مراعاة لما رأى الله من المصلحة فى الإبقاء عليكم ... » (١). وقوله: (( والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم)) تذييل قصد به تهديدهم وزجرهم عن التعرض لرسول الله - صل ى الله - بابة إساءة. أى: والذين يؤذون رسول الله بأى لون من ألوان الأذى، لهم عذاب ليم فى دنياهم وآخرتهم؛ لأنهم بإبذاتهم له يكونون قد استهافوا بمن أرسله لله رحمة للعالمين . ثم حكى القرآن بعد ذلك لونا من جبنهم وعجزهم عن مصارحة المؤمنين الحقائق ، فقال - تعالى -: (١) تفسير الكشاف = ٢ ص ٠١٩٩ الجزء : - ٢١٢ - العاشر يَحْلِفُونَ بِاللَّهِلَكُمْ لُرّضُوكُمْ وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِنْ كَانُواْمُؤْمِنَ ◌ّ أَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، فَأَنَّلَهُ نَارَجَهَتْمَ خَلِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْىُ الْعَظِيمُ قال القرطى: روى أن قوما من المنافقين اجتمعوا، وفيهم غلام من الأنصار يدعى عامر بن قيس ، فقروه وتكاموا فقالوا: إن كان ما يقوله محمد حقا لنحن شر من الحمير ، فغضب الغلام وقال : والله إن ما يقوله محمد - عَلَّه - الحق، ولأنتم شر من الحمير. ثم أخبر النبى - عَل - بقولهم فحلفوا إن عامرا كاذب . فقال عامر : هم الكذبة ، وحلف على ذلك وقال: اللهم لا تفرق بيننا : حتى يتبين صدق الصادق وكذب السكاذب . فأنزل الله هذه الآية (١). فقوله -سبحانه -: ((يحلفون بالله لكم ليرضوكم، خطاب للمؤمنين الذين. كان المنافقون يذكرونهم بالسوء، ثم يأتون إليهم بعد ذلك متعذرين. أى: أن هؤلاء المنافقين يحلفون بالله لكم - أيها المؤمنون - ليرضوكم، فتطمئنوا إليهم ، وتقبلوا معاذيرهم . قال أبو السعود: وإفراد إرضائهم بالتعليل مع أن عمدة أغراضهم إرضاء الرسول - ٣ - الإيذان بأن ذلك بمعزل عن أن يكون وسيلة لإرضائه، وأنه - عليه الصلاة والسلام - إنما لم يكذبهم رفقابهم، وسترا لعيوبهم، لا عن رضا بما فعلوا، وقبول قلبى لما قالوا ... )، (٢). وقوله: ((والله ورسوله أحق أن يرضوه) جملة حالية فى محل نصب من ضمير ((يحلفون)) جىء بها لتوبيخهم على إيثارهم رضا الناس على رضا الله ورسوله .. أى: هم يحلفون لكم . والحال أن الله ورسوله أحق بالإرضاءمنكم، (١) تفسير القرطبى ج ٨ ص ١٩٣ - بتصرف يسير - (٢) تفسير أبى السعود جـ ٢ ص ٠٢٧٩ :تفسير سورة - ٢١٣ - التوبة لأن الله - تعالى - هو خالقهم ورازقهم ومالك أمرهم، وهو العليم بما ظهر .. وبطن من أحوالهم. ولأن رسوله - المظالم - هو المبلغ لوحيه - عز وجل - قال صاحب المنار ما ملخصه: وكان الظاهر أن يقال: ((يرضوهما)) .. ونكنة العدول عنه إلى «مرضوه)): الإعلام بأن إرضاء رسوله عين إرضائه سبحانه .... وهذا من بلاغة القرآن فى نفس الإيجاز . ولو قال ((يرضوهما. .: لما أفاد هذا المعنى؛ إذ يجوز فى نفس العبارة أن يكون إرضاءكل منهما فى غير ما يكون به إرضاء الآخر ، وهو خلاف المراد هنا ، وكذلك لو قيل: (( والله أحق أن يرضوه، ورسوله أحق أن يرضوه، لا يفيد هذا المعنى أيضا وفيه ما فيه من الركاكة والتطويل ... وقد خرجه علماء النحو على قواعدهم ... وأقرب الأقوال إلى قواعدهم قول سيبويه : إن الكلام جملتان حذف خر إحداهما لدلالة خبر الأخرى عليه، كقول الشاعر : نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأى مختلف. فهذا لا تكلف فيه من ناحية التركيب العربى، ولكنقفوت به النكتة التى ذكر ناها ... ))(٣). ((وقوله: ((إن كانوا مؤمنين)) تذييل قصد به بيان أن الإيمان الحق لا يتم إلا بإرضاء الله ورسوله عن طريق طاعتهما والانقياد لأوامرهما. أى: إن كانوا مؤمنين حقاً، فليعملوا على إرضاء الله ورسوله، بأن يطيعوا أو امرهما، ويحتنبوا نواهيهما، وإلا كانوا كاذبين فى دعو أهم الإيمان ثم توعدهم - سبحانه - بسوء المصير بسبب مخالفتهم لله ورسوله فقال : « ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالدا فيها .... وقوله: ((يحادد)) من المحادة بمعنى المخالفة والمجانبة والمعاداة ،مأخوذة من (١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٠٢٧٩ تفسير سورة - ٢١٤ - التوبة الحد بمعنى الجانب ، كأن كل واحد من المتخاصمين فى جانب غير جانب. صاحبه . ويقال : حاد فلان فلانا، إذا صار فى غير حده وجهته بأن خالفه. وعاداه . والاستفهام فى الآية الكريمة للتوبيخ والتأنيب وإقامة الحجة. والمعنى: ألم يعلم هؤلاء المنافقون الذين مردواعلى الفسوق والعصيان. أنه من يخالف تعاليم الله ورسوله، هجزاؤه نار جهنم يصلاها يوم القيامة خالداً فيها؟! إن كانوا لا يعدون ذلك- على سبيل الفرض - فأعلهم يا محمد بسوء مصيرهم إذا ما استمروا على نفاقهم ومعاداتهم لله ولرسوله. قال الجمل ما ملخصه: و((من)) شرطية مبتدأ. وقوله: « فأن له نار جهنم، فى موضع المبتدأ المحذوف الخبر، والتقدير: فحق أن له نار جهنم، أى: فكون نار جهنم له أمر حق ثابت. وهذه الجملة جواب من الشرطية، والجملة الشرطية، أى مجموع اسم الشرط وفعله والجزاء خبر أن الأولى، وهى , أنه من يحادد الله ورسوله ، وجملة أن الثانية وأسمها وخبرهاسدت مسد مفعولى يعلم إن لم يكن بمعنى العرفان، ومسد مفعوله أى الواحد إن كان بمعنى العرفان» (١). واسم الإشارة فى قوله: ((ذلك الخزى العظي)) يعود على ماذكر من العذاب أى : ذلك الذى ذكرناه من خلودهم فى الناريوم القيامة هو الذل العظيم، الذى يتضاءل أمامه كل خزى وذل فى الدنيا. فأنت ترى أن هاتين الآيتين قدذكر تا جانباً من رذائل المنافقينوأ٢، ذيبهم، وقوعدتا كل مخالف لأوامر الله ورسوله بسوء المصير. ثم واصلت السورة حملتها على المنافقين، فكشفت عن خباياهم، وهتكت أستارهم، وأبطلت معاذيرسم، وتوعدتهم بسوء المصير فقال تعالى. (١) حاشية الجمل على الجلالين ج٢ ص٠٢٩٥ الجزء - ٢١٥ - العاشر يَحْذَّرُ الْمُنَغِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْ سُورَةٌ . ◌ُنَُِّّهُمْ بِحَافِىِ قُلُوبِهِمْ قُلٍ أَسْتَهْءُ وَاْ إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجُ مَّ تَحْذَرُ ونَ(﴾ وَلَيْنِ سَأََّهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا تَخُوضُ وَتَلْعَبُّ قُلْ أَبِّهِ وَيَّتِهِ» وَرَسُولِ كُنتُمْ تَسْءُ ونَ (﴾ لَا تَعْنَذِرُواْ قَدْ كَفَرُّ بَعْدَ إِمَِكٌّ إِن نَّعْفُ عَنْ طَآئِفَةٍ مِنْكُرْ نُعَذِّبْ طَبِقَةُ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ (﴾ قال صاحب المنار: هذه الآيات فى بيان شأن آخر من شئون المنافقين التى كشفت سوأتهم فيها غزوة تبوك. أخرج ابن أبى شيبة وابن أبى حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد فى قوله - تعالى -: ((يحذر المنافقون أن تنزل عليهم . سورة » .. قال : كانوا يقولون القول فيما بينهم ثم يقولون عى أن لا يفشى علينا هذا. وعن قتادة قال : كانت هذه السورة تسمى الفاضحة. فاضحة المنافقين، وكان يقال لها المنبئة . أنبات بمثالبهم وعوراتهم (١). والضمير فى قوله: ((عليهم، وفى قوله: ((تنبئهم)) يعود على المنافقين. فكون المعنى: ((يحذر المنافقون، ويخافون من أن تنزل عليهم، أى فى شأنهم وحالهم ((سورة، من سور القرآن الكريم،، تنبئهم بما فى قلوبهم)) أى. تخبرهم بما أنطوت عليه قلوبهم من أسرار خفية، ومن أقوال كانوا يتناقلونها فيما بينهم، ويحرصون على إخفائها عن المؤمنين . وفى التعبير بقوله، قذبثهم، مبالغة فى كون السورة مشتملة على أسرارهم، حتى لـ «أنها تعلم من أحوالهم الباطنة مالا يعلمونه هم عن أنفسهم، فتنبتهم بهذا الذى لا يعلمونه ، وتنعى عليهم قبائحهم ورذائلهم. وتذيع على الناس ما كانوا يخشون ظهوره من أقوال ذميمة، وأفعال أثيمة . (١) تفسير المنار جـ ١ ص ٠٦١٠ تفسير سورة - ٢١٦ - التوبة ومنهم من يرى أن الضمير فى قوله ((عليهم)) وفى قوله: «قنبتهم، يعود على المؤمنين ، فيكون المعنى: يحذر المنافقون ويخشون من أن تنزل على المؤمنين سورة برهم بما فى قلوب المنافقين من أضغان وأحقاد وفسوق عن أمر الله . وقد ذكر هذين الوجهين صاحب الكشاف فقال: والضمير فى ((عليهم. ((وتنبئهم، المؤمنين. وفى ((قلوبهم)) للمنافقين. وصح ذلك لأن المعنى يقود إليه. ويجوز أن تكون الضمائر المنافقين: لأن السورة إذا نزلت فى معناهم- أى فى شأنهم وأحوالهم - فهى نازلة عليهم.ومعنى ((تنبئهم بما فى قلوبهم)) كأنها تقول لهم: فى قلوبكم كيت وكيت: يعنى أنها تذيع أسرارهم عليهم حتى يسمعوها مذاعة منتشرة فكأنها تخبرهم بها)، (١٧. وقال الإمام الرازى . فإن قيل : المنافق كافر فكيف يحذرنزول الوحى على الرسول بَير؟ قلنا فيه وجوه ؟ ١ - قال أبو مسلم: هذا حذر أظهره المنافقون على وجه الاستهزاء حین رأوا الرسول - عَ ل ــ بذ کر كل شىء، ويدعى أنه عن الوحى، وكان المنافقون يكذبون بذلك فيما بينهم ، فأخبر الله رسوله بذلك، وأمره أن يعلمهم أنه يظهر سرهم الذى حذروا ظهوره، وفى قوله: قل استهزئوا)) دلالة على ما قلناه . ٢ - أن القوم وإن كانوا كافرين بدين الرسول - عت الج - إلا أنهم شاهدوا أنه عتي كان يخبرهم بما يضمرونه ويكتمونه ، فلهذه التجربة وقع الحذر والخوف فى قلوبهم. ٣ - قال الأصم. إنهم كانوا يعرفون كون الرسول - عمل﴾ - صادقا، إلا أنهم كفروا به حسداً وعناداً ... (١) تفسير الكشاف جم ص٢٨٨ الجزء - ٢١٧ - العاشر ٤ - معنى الحذر: الأمر بالحذر . أى: ليحذر المنافقون ذلك. ٥ - أنهم كانوا شا كين فى صحة نبوته ، وما كانوا قاطعين بفادها، نوالشاك خائف، فلهذا السبب خافوا أن ينزل عليه فى أمرهم ما يفضحهم (١). والذى نزاه أن الرأى الخامس أقرب الآراء إلى الصواب، لأن المنافقين كانوا مترددين بين الإيمان والكفر: فهم كما وصفهم الله تعالى., مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ... ). ومن شأن هذا التذبذب أن يغرس الخوف والحذر فى القلوب . أى أن هذا الحذر والإشفاق. كما يقول بعض العلماء. أثر طبيعى للشك والارتياب، لأنهم لو كانوا موقنين بتكذيب الرسول عَ لّه لما خطر لهم هذا الخوف على بال, ولو كانوا موقنين بتصديقه، لا كان هناك محل لهذا الحذر ، لأن قلوبهم مطمئنة بالإيمان، (٢). وقوله : ((قل استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون , تهديد ووعيد لهم علی نفاقهم وسو. أدبهم. أى: قل با محمد لهؤلاء المنافقين المذبذبين بين الحق والباطل، قل لهم، على سبيل التهديد والتبكيت أفعلوا ما شئتم من الاستخفاف بتعاليم الإسلام إن الله - تعالى - مظهر ما تحذرونه من إنزال الآيات القرآنية التى تفضحكم على ر.وس الأشهاد، والتى تكشف عن أسراركم، وتهتك أستاركم، وتظهر للمؤمنين ما أردتم إخفاءه عنهم: وأسند الإخراج إلى الله - تعالى - للإشارة إلى أنه - سبحانه - يخرج ما يحذرونه إخراجا لا مزيد عليه من الكشف والوضوح، حتى يحترس منهم المؤمنون ((ولا يغتروا بأقوالهم المعسولة . (١) تفسير المفخر الرازى ج ٤صـ٤٤٨ (٢) تفسير المنار ج ١٠ صـ٠٦١٠ تفسير سورة - ٢١٨ - التوبة وقوله: ((ولئن سألتهم ليقولن إنما كنانخوض ونلعب ... ، بيان للون آخر من معاذرهم الكاذبة ، وجبنهم عن مواجهة الحقائق . وأصر الخوض - كما يقول الآلوسى - . الدخول فى ماتح مثل الماء والطين ، ثم كثر حتى صار اسماً لكل دخول فيه تلويث وأذى (١). أى: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المنافقين عن سبب استهزائهم بتعاليم. الإسلام ليقولن لك على سبيل الاعتذار ، إنما كنا نفعل ذلك على سبيل الممازحة والمداعبة لا على سبيل الجد. وقوله: « فى أبا الله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون)) إبطال لحجتهم، وقطع لمعاذيرهم، وقبكيت لهم على جهلهم وسوء أخلاقهم . أى: قل لهم يا محمد. على سبيل التوبيخ والتجهيل. ألم تجد واما تستهزئون به فى مزاحکم ولعبكم كما تزعمون. سوى فرائض الله وأحكامه وآياتهورسوله الذى جاء هذابتكم وإخراجهم من الظلمات إلى النور؟ والاستفهام للافكار والتوبيخ، ودفع ما قذ عرا به من معاذير واهية . وقوله سبحانه: ((لا تعتذروا ق كفرتم بعد إيمانكم ... ،فأكيد لإبطال ما أظهروه من معاذير . والاعتذار معناه محاولة محو أثر الذنب، مأخوذ من قولهم : اعتذرت. المنازل إذا اندثرت وزالت ، لأن المعتذر يحاول إزالة أثر ذنبه. والمعنى: قل يا محمد هؤلاء المنافقين المستهز ئين بما يجب إجلاله واحترامه وتوقيره: ق لهم عى سبيل التوبيخ والتجهيل أيضاً . : لا تشتغلوا بتلك المعاذير الكاذبة فإنها غير مقبولة، لأنكم بهذا الاستهزاء بالله وآياته ورسوله (قد كفرتم بعد إيمانكم، أى: قد ظهر كفركم وثبت، بعد إظهاركم الإيمان على سبيل المخادعة ، فإذا كنا قبل ذلك نعاملكم معاملة المسلمين بمقتضى نطقكم (١) تغير الألوسى جـ١٠ ص ٠١٣١ الجزء - ٢١٩ - العاشر بالشهادتين فنحن الآن نعاملكم معاملة الكافرين بسبب استهزائكم بالله وآياته ورسوله . بلغ٠، لأن الاستهزاء بالدين. كما يقول الإمام الرازى. يعد من باب الكفر، إذ أنه يدل على الاستخفاف ، والأساس الأول فى الإيمان تعظيم الله. تعالى. بأقصى الإمكان، والجمع بينهما محال (١). وقوله - تعالى .: «إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين ، بيان لمظهر من مظاهر عدله . سبحانه. ورحمته . أى: «إن نعف عن طائفة منكم،. أيها المنافقون. بسبب توبتهم. وإقلاعهم عن النفاق ، (ننذب طائفة، أخرى منكم بسبب إصرارهم على النفاق ، واستمرارهم فى طريق الفسوق والعصيان . هذا، وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات منها: ما جاء عن زيد بن أسلم: أن رجلا من المنافقين قال لعوف بن مالك فى غزوة تبوك: ما أرى قراءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطوناً، وأ كذبنا ألسنة وأجبننا عند اللقاء !! فقال له عوف: كذبت، ولكنك منافق ، لأخبرن رسول الله. وَالتَّع. فذهب عود إلى رسول اللّه. ◌ُ له ليخبره، فوجد القرآن قد سبقه . قال زيد: قال عبد الله بن عمر: فنظرت إليه. أى إلى المنافق. متعلقاً بحقب (٢) ناقة رسول اللّه. عليّ له. تنكبه(٣) الحجارة يقول: إنما كنا نخوض ونلعب، فيقول له الرسول - مخ الفتن -, أبا الله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون)) (٤) وعن قتادة قال: بينما رسول الله - سر) - يسير فى غزوته إلى تبوك، وبين يديه ناس من المنافقين فقالوا : يرجو هذا الرجل أن يفتح مصور الشام وحصونها !! هيهات هيهات !. (١) تفسير الفخر الرازى ج٤ ص ٤٦٩. (٢) الحقب - بفتحتين - حبل بشد به الرجل فى بطن البعير ... (٣) تنكبه الحجارة : قصيه وتؤذيه . (٤) تفسير ابن جرير جـ:١ ص طبعة دار المعارف. التوبة - ٢٢٠ - تفسير سورة فأطلع الله نبيه - صَيّ - على ذلك، فقال نبى الله - وَة -. (« أحبوا على الركب، فأتاهم فقال لهم . قلتم كذا، قلتم كذا. فقالوا. ((( يا نبى الله إنما كنا نخوض ونلعب)) فأنزل الله تبارك وتعالى فيهم ما تسمعون (١) . وقال ابن اسحاق . كان جماعة من المنافقين منهم وديعة بن ثابت ... ومنهم رجل من أشجع حليف لبنى سلمة يقال له ((مخشى بن حمير)) يسيرون مع رسول الله - صَلَه ـ وهو منطلق إلى تبوك. فقال بعضهم. أتحسبون جلاد بنى الأصفر - أى الروم - كقتال العرب بعضهم؟ والله لكأنا بكم غدا مقرنين فى الحبال، إرجافا وترهيباً للمؤمنين فقال مخشى بن حمير . والله لوددت أن أقاضى على أن يضرب كل منا مائة جلدة ، وأننا ننجو أن ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه. وقال رسول الله - صَّةٍ - فيما بلغنى - لعمار بن ياسر. أدرك القوم فانهم قد احترقوا، فسلهم عما قالوا، فإن أنكروا فقل: بلى، قلتم كذا وكذا. فانطلق إليهم عمار؛ فقال ذلك لهم، فأتوا رسول الله - عز لته - يعتذرون اليه . فقال وديعة بن ثابت - ورسول الله - لتر - واقف على راحلته - يا رسول الله ، انما كنا نخوض ونلعب. فقال مخشی بن حمیر ٠ پا رسول الله، قعد بى أسمى وأسم أبى، فكان الذى عنى عنه فى هذه الآية مخشى بن حمير، فتسمى عبد الرحمن، وسأل الله أن يقتل شهيداً . لا يعلم مكانه. فقتل يوم اليمامة ولم يوجد له أثر (٢). هذه بعض الآثار التى وردت فى سبب نزول هذه الآيات، وهى توضح ما كان عليه المنافقون من كذب فى المقال ، وجبن عن مواجهة الحقائق. ((١) تفسير ابن جرير ج١٤ مـ٣٣٤ ٢٠) تفسير ابن كثير جـ٢ ص٠٣٦٧