النص المفهرس

صفحات 181-200

تفسير سورة
- ١٨١ -
التوبة
وقوله: ((والله عليم بالظالمين)) تذييل المقصود منهم وعيدهؤلاء المنافقين
وتهديدهم بسبب ما قدمت أيديهم من مفاسد.
أى: والله - تعالى - لا تخفى عليه خافية من أحوال هؤلاء الظالمين،
وسيعاقهم بالعقاب المناسب لجرائمهم ورذائلهم .
وبذلك نرى أن الآية الكريمة قد وضحت أن هناك ثلاث مفاسدكانت
ستقرآب على خروج هؤلاء المنافقين مع المؤمنين إلى تبوك.
أما المفسدة الأولى : فهى زيادة الاضطراب والفوضى فى صفوف
المجاهدين .
وأما المفسدة الثانية : فهى الإسراع بينهم بالوشايات والماتم والإشاعات
الكاذبة .
وأما المفسدة الثالثة : فهى الحرص على تفريق كلمتهم، وتشكيكهم فى
عقيدتهم ...
وهذه المفاسد الثلاث ما وجدت فى جيش إلا وأدت إلى أنهزامه وفشله.
ومن هنا كان تثبيط الله - تعالى - هؤلاء المنافقين، نعمة كبرى
للمؤمنين .
ومن هنا - أيضاً - كانت الكثرة العددية فى الجيوش لا تؤتى ثمارها
المرجوة منها، إلا إذا كانت متحدة فى عقيدتها، وأهدافها، واتجاهاتها ...
أما إذا كانت هذه الكثرة مشتملة على عدد كبير من ضعاف الإيمان ، فإنها
فى هذه الحالة يكون ضررها أكبر من نفعها .
ثم ذكر الله تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - بطرف من الماضى
المظلم لهؤلاء المنافقين فقال: «لقد ابتغوا الفتنة من قبل، وقلبوالك
الأمور ، حتى جاء الحق ، وظهر أمر الله وهم كارهون ،
أى: لقد ابتغى هؤلاء المنافقون إيقاع الشرور والمفاسد فى صفوف
المسلمين (( من قبل ما حدث منهم فى غزوة تبوك .
ومن مظاهر ذلك أنهم سامهم انتصاركم فى غزوة بدر ، وامتنعوا عن

الجزء - ١٨٢ - العاشر
مناصر تكم فى غزوة أحد ، منبعین فی ذلك زعیمهم عبد الله بنأبىبن سلول،
ثم واصلوا حربهم لكم سراً وجهراً حتى كانت غزوة تبوك التى فضح الله
فيها أحوالهم .
فالمراد بقوله: ((من قبل، أى: من قبل هذه الغزوة التى كانت آخر
غزوة غزاها رسول الله - 5%و - .
أى أن ماصدر عن هؤلاء المنافقين من مسالك خبيثة خلال غزوة تبوك
ليس هو الأول من نوعه ، بل هم لهم فى هذا المضمار تاريخ مظلم بدأ منذ
أوائل عهد الدعوة الإسلامية بالمدينة .
جلاينو
وقوله: ((وقلبوا لك الأمور، بيان لتفنتهم فى وجوه الأذى النبى-
وتقليب الأمر: تصريفه، وترديده، وإجالة الرأى فيه، والنظر إليه من
كل نواحيه : لمعرفة أى ناحية منه توصل إلى الهدف المنشود .
والمراد أن هؤلاء المنافقين قد ابتغوا الأذى للدعوة الإسلامية من قبل
هذه الغزوة، ودبروا لصاحبها - عَّاله - المكايد ، واستعملوا
قصارى جهدهم، ومنتهى اجتهادهم ،وخلاصة مكرهم ، من أجل صدالناس
عن الحق الذى جاء به محمد - صَ - :
وقوله: (( حتى جاء الحق وظهر أمر الله ... ، غاية لمحذوف والتقدير:
أن هؤلاء المنافقين استمروا على حريهم للدعوة الإسلامية ((حتى جاء الحق))
أى: النصر الذى وعد الله عباده به ((وظهر أمر الله)) أى: دينه وشرعه
(((وهم)، أى المنافقون وأشباههم ((كارهون، لذلك؛ لأنهم يكرهون
انتصار دين الإسلام، ويحبون هزيمته وخذلانه، ولكن الله - تعالى -
خيب آمالهم ، وأحبط مكرهم .
قال الإمام ابن كثير: عندما قدم النبى - عَده - المدينة، رمته
العرب عن قوس واحدة، وحاربته يهود المدينة ومنافقوها، فلما نصره الله
يوم بدر وأعلى كلمته ، قال عبد الله بن أبى ، واصحابه: هذا أمر قد توجه،

التوبة
تفسير سورة - ١٨٣ -
فدخلوا فى الإسلام ظاهراً، ثم كما أعز الله الإسلام وأهله غاظهور وباء.
ولهذا قال - تعالى -: ((حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارتونية
ثم واصلت السورة الكريمة حديثها عن هؤلاء المنافقين
من أعذارهم الكاذبة، ومن أفوالهم الخبيثة . .. فقال تعالى حبي
ومنهم من يقول
أَنْذَنْ لِ وَلَا تَفْنِّ أَلَ فِى الْقِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهْنَّمَ لَمُحِطَهُ،
بِالْكِفِرِ ينَ ﴿ إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُّصِبْكَ مُصِيبَةٌ
يَقُولُوْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّا وَّهُمْ فَرِحُونَ (يَ قُلِلَّنْ.
يُصِيَنَا إِلَّ مَا كَتَبَ اللهُلَنَا هُوَ مَوْلَئِنَا وَعَلَى الَهِ فَلْيَتَوَكَّلِ
الْمُؤْمِنُونَ (٦®) قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَ إِلَّ إِحْدَى الْحُسْنَبِيْنِ وَتَخْرُ
تَرَبُِّ بِكُمْ أَنْ يُصِيَكُ اللهُبِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهَِ أَوْ بِأَيْدِينَّ
فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُم مّتَرَبِعُونَ (يَهُ
روى محمد بن إسحاق ويزيد بن رومان ، وعبد الله بن أبى بكر ، وعاصم
"أبن قتادة وغيرهم قالوا: قال رسول الله - عَ ل ــ ذات يوم وهو فى
جهازه - أى لغزوة تبوك - للجد بن قيس أخى بنى سلمة: ((هل لك
ياجد فى جلاد بنى الأصفر) - يعنى الروم - فقال الجد: يارسول الله أو تأذن لى
ولا تفتنى؟ فوالله لقد عرف قومى ما رجل أشد عجبا بالنساء منى، وإنى
أخشى إن رأيت نساء بنى الأصفر ألا أصر عنهن، فأعرض عنه رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - وقال قد أذنت لك،.
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٠٣٦١

الجزء - ١٨٤ - العاشر
ففى الجد بن قيس نزلت هذه الآية (ومنهم من يقول اثذن. ولا تفتى (١)» ...
أى: ومن هؤلاء المنافقين الذين لم ينته الحديث عنهم بعد« من يقول)».
لاح - يا محمد - ((اتذن لى، فى القعود بالمدينة، ((ولا تفتى)) أى ولا توقعنى
فى المعصية والإثم بيب خروجى معك إلى تبوك ، ومشاهدتى لنساء
بنى الأصفر .
وعبر - سبحانه - عن قول هذا المنافق بالفعل المضارع ، لاستحضار
تلك الحال لغرابتها، فإن مثله فى نفاقه وجوره لا يخشى إثم الافتتان بالنساء .
إذ لا يجد من دينه ما نعا من غشيان الشهوات الحرام .
وقوله: ((ألا فى الفتنة سقطوا، رد عليه فيما قال، وذم له على ما تفوه به.
أى: ألا إن هذا وأمثاله فى ذات الفتنة قد سقطوا ، لا فى أى شىء آخر
مغاير لها .
وبدأ - سبحانه - الجملة الكريمة بأداة التنبيه (( ألا)، لتأكيد الخبر، ..
وتوجيه الأسماع إلى ما اشتمل عليه من توبيخ لهؤلاء المنافقين .
وقدم الجار والمجرور على عامله ؛ الدلالة على الحصر . أى فيها لا فى ..
غيرها قد سقطوا وهووا إلى قاع سحيق .
قال الآلوسي : وفى التعبير عن الافتتان بالسقوط فى الفتنة، تنزيل لها
منزلة المهواة المهلكة المفصحة عن ترديهم فى دركات الردى أسفل سافلين (٢)».
وقال الفخرى الرازى ما ملخصه وفيه تنبيه على أن القوم إنما اختاروا
القعود لثلا يقعوا فى الفتنة ، فالله - تعالى - بين أنهم فى عين الفتنة واقعون،.
لأن أعظم أنواع الفتنة الكفر بالله وبرسوله، والتمرد على قبول التكاليف.
التى كلفنا الله بها ... )) (٣).
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٣٦٢.
(٢) تفسير الآلوسي ج ١ ص ١١٤.
(٣) تفسير الفخر الرازى جـ ٤ ص ٤٤٨.

تفسير سورة - ١٨٥ - التوبة
وقوله: (( وإن جهنم المحيطة بالمكافرتن)، وعيد وتهديد لهم على أقوالهم
وأفعالهم .
أى: وإن جهنم المحيطة بهؤلاء الكافرين بما جاء من عند الله ، دون أن.
يكون لهم منها مهرب أو مفر .
وعبر عن إحاطتها بهم باسم الفاعل الدال على الحال ، الإفادة تحقيق
ذلك حتى لكأنه واقع مشاهد .
قالوا : ويحتمل أنها محيطة بهم الآن ، بأن يراد بجهنم الأسباب الموصلة.
إليها من الكفر والنفاق وغير ذلك من الرذائل التى سقطوا فيها .
وقوله: (( إن تصبك حسنة تسؤهم ... ) بيان لنوع آخر من خبث
،وأباهم ، وسوء بواطنهم .
أی : «إن تصبك ، یا محمد حسنه مننصر أو نعمة أو غنيمة -كماحدث
يوم بدر - ((تسؤهم، تلك الحسنة، وتورثهم حزنا وغما ، بسبب شدة
عداوتهم لهم ولا صحابك .
((وإن تصبك مصيبة، من هزيمة أو شدة - كما حدث يوم أحد -((يقولوا)
باختيال وعجب وشماتة ((قد أخذنا أمرنا من قبل)).
أى: قد تلافينا ما يهمنا من الأمر بالحزم والتيقظ ، من قبل وقوع المصيبة
التى حلت بالمسلمين ، ولم قلق بأيدينا إلى التهلكة كما فعل هؤلاء المسلمون.
وقوله: ((ويتولوا وهم فرحون، تصوير لحالهم، ولما جبلوا عليه.
من شماتة بالمسلمين .
أى: عندما تصيب المسلمين مصيبة أو مكروه، ينصرف هؤلاء المنافقون.
إلى أهليهم وشيعتهم - والفرح يملأ جوانحهم - ليبشروهم بما نزل ..
بالمسلمين من مكروه .
قال الجمل : فإن قلت : فلم قابل الله الحسنة بالمصيبة، ولم يقابلها بالسيئة
كما قال فى سورة آل عمران: ((وإن تصيبكم سيئة يفر حولبها، ؟

الجزء
- ١٨٦ -
العاشر
قلت: لأن الخطاب هنا للنى - عَبْد - وهى فى حقه مصيبة يثاب
عليها، لاسيئة يعاقب عليها، والتى فى آل عمران خطاب للمؤمنين) (١).
وقوله: ((قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا ... )) إرشاد
للرسول - عَّ اللّه ـ إلى الجواب الذى يكبتهم ويزيل فرحتهم.
أى: قل ـ يا محمد - لهؤلاء المنافقين الذين يسرهم ما يصيبك من شر،
ويحزنهم ما يصيبك من خير ، والذين خلت قلوبهم من الإيمان بقضاء الله
وقدره ، قل لهم على سبيل التقريع والتبكيت . لن يصيبنا إلا ما كتبه اللّه لنا
وقدره علينا ((هو مولانا)) الذى يتولانا فى كل أمورنا، وتلجأ إليه فى كل
أحوالنا . وعليه وحده - سبحانه نكل أمورنا وليس على أحد سواه .
وقوله: (( قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ... )) إرشاد آخر
الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى الجواب الذى يخرس ألسنة هؤلاء
المنافقين ويزيل فرحتهم .
وقوله: (( تربصون)) التربص بمعنى الانتظار فى تمهل. يقال: فلان
يتربص بفلان الدوائر ، إذا كان ينتظر وقوع مكروه به .
والحسنيان: مثنى الحسنى. والمراد بهما : النصر أو الشهادة.
أى: قل يا محمد لهؤلاء المنافقين - أيضا - إنكم ما تنتظرون بنا إلا إحدى
العاقبتين اللتين كل واحدة منهما أحسن من جميع العواقب، وهما إما النصر
على الأعداء، وفى ذلك الأجر والمغنم والسلامة، وإما أن نقتل بأيديهم
وفى ذلك الشهادة والفوز بالجنة والنجاة من النار
قال الآلوسي: والحاصل أن ما تنتظرونه بنا - أيها المنافقون-لا يخلو من
أحد هذين الأمرين ، كل منهما عاقبته حسنى لا كما تزعمون من أن ما يصيبنا
من القتل فى الغزو سوء، ولذلك سرر تم به .
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٢٨٨.

تفسير سورة
- ١٨٧ -
التوبة
وصح من حديث أبى هريرة عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال:
تکفل الله - تعالى - لمن جاهد فی سبیله لا يخر جه من بيته إلا الجهاد فى
سبيله، وتصديق كلمته أن يدخله الجنة ، أو يرجعه إلى مسكنه الذى خرج منه
- مع مانال من أجر وغنيمة» (١).
وقوله: ، ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا)
بيان لما ينتظر المؤمنون وقوعه بالمنافقين .
* أى: ونحن معشر المؤمنين نتربص بكم أيها المنافقون إحدى السوريين
من العواقب : إما , أن یصیبکم اله بعذاب ، کائن ((منعنده ، فيهلككمكما
أهلك الذين من قبلكم ، وإما أن يصيبكم بعذاب كائن ((بأيدينا)، بأن يأذن
لنا فى قتالكم وقتلكم .
والفاء فى قوله: ((فتربصوا إنا معكم مقربصون، للإفصاح.
أى: إذا كان الأمر كذلك فتربصوا بنا ما هو عاقبتنا، فإنا معكم متربصون
بكم ما هو عاقبتكم، وسترون أن عاقبتنا على كل حال هى الخير، وأن
عاقبتكم هى الشر .
وبذلك ترى أن هذه الآيات الكريمة، قد حكت طرفا من رذائل المنافقين
ومن مسالكم الخبيثة لكيد الدعوة الإسلامية، وردت عليهم بما يكبتهم،
ويفضحهم على رومس الأشهاد .
ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المنافقين نففاتهم غير مقبولة، لأن
قلوبهم خالية من الإيمان. ولأن عباداتهم يست خالصة لوجه الله، وأن
ما ينفقونه سيكون عليهم حسرة فقال - تعالى - :
(١) تفسير الألوسى جـ ١٠ ص ٠١١٦

الجزء
- ١٨٨ -
العاشر
قُلْ أَنفِقُواْ طَوْنً أَوْ كَرْهًا لَّنِ
يُفَقَبِّلٌ مِنْكُّ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَسِقِينَ (٢﴾ وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ
مِنْهُمْ نَفَقَدُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِلَّهِ وَ بِرَسُولِهِ، وَلَ يَأْتُونَ الَّصَلَوَةَ
إلَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّوَهُمْ كَِمُونَ (٦) فَلاَ تُعِْكَ
أَمْوَهُمْ وَلاَ أَوْلَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بَ فِى الْحَيَزَةِ الدُّنْيَا
وَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَفِرُونَه
روى أن بعض المنافقين قال للنى - بشيء - عندما دعاهم إلى
الخروج معه إلى تبوك : انذن لى فى القعود وهذا مالى أعينك به ، فنزل
قوله - تعالى -: ((قل أنفقوا طوعاً أو كرها أن يتقبل منكم ... ))
والمعنى: قل بامحمد لهؤلاء ؛ أنفقوا ما شئتم من أموالكم فى وجوه الخير
حالة كونسكم طائعين، أى: من غير إجبار أحد لكم، أو كارهين، أى بأن
تجبروا على هذا الإنفاق إجباراً ، فلن يقبل منكم ذلك الإنفاق .
والكلام وإن كان قد جاء فى صورة الأمر، إلا أن المراد به الخبر
وقد أشار إلى ذلك صاحب الكشاف بقوله .
فإن قلت: كيف أمرهم بالإنفاق ثم قال: (( لن يتقبل منكم)) ؟
قلت : هو أمر فى معنى الخبر ، كقوله - تعالى- «قل من كان فى الضلاله
فليمدد له الرحمن مداً ، ومعناه: أن يتقبل منكم أنفقتم طوعاً أو كرها، ونحوه
قوله - تعالى -: (( استغفر لهم أو لا تستغفر لهم، وقول الشاعر.
أسيقى بنا أو أحسنى لا ملومة لدينا ولا مقلية إن تقلت
أى: لن يغفر الله لهم، استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم ولا نلومك.
سواء أسأت إلينا أم أحسنت ... (١)
(١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٠٢٧٩

تفسير سورة
- ١٨٩ -
التوبة
وجاء الكلام فى صورة الأمر، للمبالغة فى تساوى الأمرين، وعدم
الاعتداد بنفقتهم سواء أقدموها عن طوعية أم عن كراهية.
وقوله . ( لن يتقبل منكم ) بيان ثمرة إنفاقهم. أى: لن يتقبل منكم
ما أنفقتمده، ولن تنالوا عليه ثواباً .
وقوله : (( إنكم كنتم قوماً فاسقين)) تعليل لعدم قبول نفقاتهم.
أى: لن تقبل منكم نفقاتكم بسبب عتوكم فى الكفر، وتمردكم على تعاليم
الإسلام وخروجكم عن الطاعة والاستقامة .
قال القرطبى ما ملخصه. وفى الآية دليل على أن أفعال الكافر إذا كانت
براً كصلة القرابة، وجير الكسير، وإغاثة الملهوف، لا يثاب عليها، ولا ينتفع بها
فى الآخرة ، بيد أنه يطعم بها فى الدنيا .
دليله ما رواه مسلم عن عائشة - رضى الله عنها - قالت: قلت يارسول الله،
ابن جدعان كان فى الجاهلية يصل الرحم ، ويطعم المسكين، فهل ذلك نافعه؟
قال: لا ينفعه ، أنه لم يقل يوما رب اغفرلى خطيئتي يوم الدين :
وروى عن أنس قال: قال رسول الله - عَلَه ـ. إن الله لا يظلم مؤمناً
حسنة يعطى بها فى الدنيا ويجزى بها فى الآخرة، وأما الكافر فيطعم
بحسنابما عمل لله بها فى الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة
يجزی بها ،«١» :
وقال الجمل: وهذه الآية وإن كانت خاصة فى إنفاق المنافقين، فهى عامة
فى حق كل من أنفق ماله لغير وجه الله، بل أنفقه ريا. وسمعة فانه لا يقبل منه)(٢)
ثم بين - سبحانه - على سبيل التفصيل لمظاهر فسقهم - أن هناك ثلاثة
أسباب أدت إلى عدم قبول نفقاتهم .
أما السبب الأول فقد عبر عنه - سبحانه - بقوله: «وما منعهم أن تقبل
حنهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله ورسوله ... ).
(١) تفسير القرطبى ج٨ص١٦١.
(٢)، حاشية الجمل على الجلالين جـ٢ ص٠٢٨٩

الجزء
- ١٩٠ -
العاشر
أى: وما منعهم قبول نفقاتهمشىء من الأشياء إلا كفرهم بالله - تعالى-
صَلى الله
ورسوله - وَه ـ
فالاستثناء من أهم الأشياء. والضمير فى (منعهم) هو المفعول الأول للفعل،
وقوله ((أن تقبل، هو المفعول الثانى، لأن الفعل (منع)) يتعدى لمفعولين.
قارة بنفسه كما هنا ، وقارة يتعدى إلى المفعول الثانى بحرف الجروهوحرف.
( من )، أو (عن).
والفاعل ما فى حيز الاستثناء وهو قوله: ((إلا أنهم كفروا ... ))
وأما السبب الثانى فقد عبر عنه - سبحانه - بقوله: (ولا يأتون الصلاة
إلا وهم كمالى ».
ولفظ، كسالى،. جمع كسلان، مأخوذ من الكسل بمعنى التكافل عن.
الشىء ، والفتور عن أدائه . وفعله بزنة فرح .
أى: ولا يأتون الصلاة التى كتبها الله عليهم فى حال من الأحوال، إلا فى
حال كونهم متثاقلين عنها دون أن تنشط لها أبدانهم، أو تنشرح معها صدورهم،
وذلك لأنهم قوم خلت قلوبهم من الإيمان، فصاروا لا يرجون من وراءأدائها
ثواباً ولا يخشون من وراء تركها عقاباً، وإنما يؤدونهارياء أو تقية للمسلمين
وشبيه بهذه الجملة الكريمة قوله - تعالى - فى سورة النساء: إن المنافقين
يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى، يراءون
الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا .
وأما، السبب الثالث فقد عبر عنه -سبحانه - بقوله : ولا ينفقون إلا
وهم كارهون ).
أى. ولا ينفقون نفقة فى سبيل الله إلا وهم كارهون طالأنهم يعدونها
مغرماً ، ويعتبرون تركها مغنما، وما حملهم على الإنفاق إلا الرياء أو المخادعة
أو الخوف من إنكشاف أمرهم ، وافتضاح حالهم.
قال صاحب الكشاف : فإن قلت: الكراهية خلاف الطواعية، وقد

تفسير سورة - ١٩١ - التوبة
جعلهم الله - تعالى - طائعين فى قوله «طوعاً)) ثم وصفهم هنا بأنهم لا ينفقون
إلا وهم كارهون فكيف ذلك ؟
قلت: المراد بطوعهم أنهم يبذلون نفقتهم من غير إلزام من رسول الله
. وَله. أو من رؤسائهم، وما طوعهم ذلك إلا عن كراهية واضطرار،
لا عن رغبة واختيار (١) .
أى: أن نفقتهم فى جميع الأحوال لا يقصدبها الاستجابة لشرع الله، وإنما
يقصد بها الرياء أو المخادعة، أو خدمة مصالحهم الخاصة .
ثم نهى الله - تعالى - المؤمنين فى شخص نبيهم . وله. عن التطلع إلى
ما فى أيدى هؤلاء المنافقين فقال. ((فلا تتعجبك أموالهم ولا أولادهم ... )
والإعجاب بالشىء معناه: أن تسربه سروراً يجعلك راضياً به ومتمنياً
له . والفا فى قوله: ( فلا تتعجبك، للافصاح .
أى إذا كان هذا هو شأن المنافقين، فلا تستحسن. أيها العاقل. ما
أعطيناهم إياه من أموال وأولاد، فإنه نوع من الإستدراج .
وقوله . إنما يريد الله ليعذبهم بها فى الحياة الدنيا، تعليل للنهى عن
الإعجاب بما أعطاهم الله من أموال وأولاد.
أى: إنما يريد الله بعطائهم تلك الأموال والأولاد أن يعذبهم بها فى الحياة
الدنيا وقد بسط الإمام الرازى مظاهر تعذيب المنافقين فى الدنيا بالأموال
والأولاد فقال ما ملخصه.
المنافقون يعذبهم الله بأموالهم وأولادهم فى الحياة الدنيا: من وجوه .
أحدها : أن الرجل إذا (آمن بالله واليوم الآخر، علم أنه خلق الآخرة
لا للدنيا ، وبهذا العلم يفتر حبه الدنيا: وأما المنافق فإنه لما اعتقدأنه لاسعادة.
له إلا فى هذه الخيرات العاجلة، عظمت رغبته فيها، وأشتد حبهلها، وكانت.

الجزء
- ١٩٢ -
العاشر
الآلام الحاصلة بسبب فواتها أكثر فى حقه .. فهذا النوع من العذاب
حاصل لهم فى الدنيا بسبب الأموال والأولاد.
وثانياً: أن النبى . مؤل ◌ّ. كان يكلفهم إنفاق تلك الأموال فى وجوه
الخيرات، ويكلفهم إرسال أولادهم إلى الجهاد والغزو ، وذلك يوجب
تعريض أولادهم للقتل، وهم كانوا يعتقدون أن محمداً ليس صادقا فى كونه
رسول، وكانوا يعتقدون أن إنفاق تلك الأموال تضييع لها من غير فائدة
وأن تعريض أولادهم للقتل التزام لهذا المكروه الشديد من غير فائدة،
ولا شك أن هذا كله تعذيب لهم .
وثالثاً: أنهم كانوا يبغضون محمداً. بَبه. بقلوبهم، ثم إنهم كانوا
يحتاجون إلى بذل أموالهم وأولادهم فى خدمته. ولا شك أن هذه الحالة
شاقة شديدة عليهم.
ورابعاً : أنهم كانوا خائفين من أن يفتضحوا ويظهر نفاقهم وكفرهم
ظهوراً تاماً، فيصيرون أمثال سائر أهل الحرب من الكفار. وحينئذيتعرض
الرسول . عَليه. لهم بالقتل وسبى الأولاد ... وكل ذلك" يوجب ألمهم
وقلقهم .
وخامسها : أن كثيراً من المنافقين كان لهم أولاد أفقيا. كحنظلة بن
أبى عامر وعبد الله بن عبد الله ابن أبى ... وكانوا لا برقضون طريقة
آبائهم فى النفاق ، ويقدحون فيهم ....
والإبن إذا صار هكذا عظم تأذى الأب به، واستيحاشه منه، فصار
حصول تلك الأولاد سبباً لعذابهم .... ) (١)).
وقوله : ( وتزهق أنفسهم وهم كافرون» بيان لسوء مصيرهم فى
الآخرة بعد بيان عذابهم فى الدنيا .
وزهوق النفس: خروجها من الجسد بصعوبة ومشقة. يقال : زهقت
١٠) تفسير الفخر الرازى ج٤ ص ٠٤٥٣

تفسير سورة - ١٩٣ - التوبة
: نفسه تزهق إذا خرجت. وزهق الشىء إذا هلك وأضمحل ، ومنه قوله
- تعالى -: ((وقل جاء الحق وزهق الباطل ... ،.
والمعنى: لا تعجبك - أيها العاقل - أموال هؤلاء المنافقين ولا أولادهم
إنما يريد الله ليعذبهم بها فى الحياة الدنيا، ويريد كذلك أن تخرج أرواحهم
من أجسادهم وهم كافرون ، فيعذبهم بسبب كفرهم عذابا أليما .
فأنت ترى أن الآية الكريمة قد وعدت المنافقين بسوء المصير فى
الآخرة ولن يحسد إنسان مصيره كهذا المصير .
قال الإمام الرازى: ومن تأمل فى هذه الآيات عرف أنها مرتبة على أحسن
الوجوه ، فإنه - سبحانه - لما بين قبائح أفعالهم، وفضائح أعمالهم ، بين مالهم
فى الآخرة من العذاب الشديد ، ومالهم فى الدنيا من وجوه المحنة والبلية
ثم بين بعد ذلك أن ما يفعلونه من أعمال البر لا ينتفعون به يوم القيامة البتة ثم
بين فى هذه الآية أن ما يظنونه من متلفع الدنيا ، فهو فى حقيقته سبب لعذابهم
وبلائهم وتشديد المحنة عليهم، وعند ذلك يظهر أن النفاق جالب لجميع الآفات
فى الدنيا والدين ، ومبطل لجميع الخيرات فى الدين والدنيا .... (١)
وبعد أن ببنت السورة الكريمة أن هؤلاء المنافقين قد خسروا الدنيا
والآخره، أتبعت ذلك بالحديث عن رذائلهم وقبائحهم التى على رأسها الجبن
والكذب فقال - تعالى - :
وَيَحْلِقُونَ بِلَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُرُ وَمَا هُمْ
مِنْكُرْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَقْرَفُونَ (﴾ لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئًا أَوْ مَغَرَتٍ
، أَوْ مُدَّخَلَا تَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ٤ ص ٠٤٥٢
(١٣ - سورة التوبة)

الجزء - ١٩٤ - العاشر
أمى: أن هؤلاء المنافقين يحلفون بالله لكمأيها المؤمنون(إنهم المنكم»
أى: فى الدين والملة، والحق أنهم ما هم منكم ، لأنهم يظهرون الإسلام ويخفون
الكفر، فهم كماوصفهم - سبحانه - فى قوله:« إذا جاءك المنافقوى قالوا نشهد
إنك لرسول الله، والله يعلم إنك لرسوله، والله يشهد إن المنافقين الكاذبون.
اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله، إنهم ساء ما كانوا يعملون)).
وقوله: (( ولكنهم قوم يفرقون)) استدراك للرد عليهم فيما قالوه
وأقسموا عليه کذبا وزورا .
وقوله: (( يفرقون)) من الفرق، بمعنى الفزع الشديد من أمر يتوقع
حصوله .
يقال : فرق فرقا إذا اشتد خوفه وهلعه .
أى : أن هؤلاء المنافقين اشدة خوفهم ودلعهم - أيها المؤمنون - يحلفون
لكم كذبا وزورا بأنهم منكم، والحق أنهم ماهم منكم، ولكنهم قوم جبناء،
لا يستطيعون مصارحتكم بالعداوة، ولا يجرأون على مجابهتكم بما تخفيه
قلوبهم لكم من بغضاء .
وقوله - سبحانه -: «لو يجدون ملجأ أو مغارات ... ، تأكيد لما كان
عليه أولئك المنافقون من جبن خالع ...
والملجأ : اسم المكان الذى يلجأ إليه الخائف ليحتمى به سواء أكان
حصنا أو قلعة أو غيرهما .
والمغارات : جمع مغارة وهى المكان المنخفض فى الأرض أو فى الجبل.
قال بعضهم : والغور - بفتح الغين - من كل شىء قعره . يقال: غار الرجل.
غورا إذا أتى الغور وهو المنخفض من الأرض، » (١).
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٠٢٩٠
-

تفهر سورة - ١٩٥ - الثوبة
والمدخل - بتشديد الدال اسم الموضع الذى يدخلون فيه ، بصعوبة
ومشقة لضيقه، كالنفق فى الأرض .
وقوله : «يجمحون، أى: يسرعون أشد الإسراع مأخوذ من الجموح
وهو أن يغلب الفرس صاحبه فى سيره وجريه. يقال : جمع الفرس براكبه
جموحا ، إذا استعصى عليه حتى غلبه .
والمعنى: أن هؤلاء المنافقين لو يجدون حصنا يلتجئون إليه أو مغارات
يستخفون فيها . أو سردابا فى الأرض ينجحروزفيه، لأقبلوا نحوهه سرعين
أشد الإسراع دون أن يردهم شىء، كالفرس الجموح الذى عجز صاحبه
عن منعه من التفور والعدو .
فالآية الكريمة تصوير معجز لما كان عليه أولئك المنافقون من خوف
شديد من المؤمنين ، ومن بغض دفين لهم، حتى إنهم لو وجدوا شيئا من
هذه الأمكنة - التى هى منفور منها - لأسرعوا نحوها إسراعا شديداً.
ثم تمضى السورة بعد ذلك فى الكشف عن الأقوال المنكرة، والأفعال
القبيحة التى كانت تصدر عن المنافقين فتقول :
وَمِنْهُمْ مَّنْ يَلْيِزُكَ فِى
(الصَّدَقَتِ فَإِنْ أُعْطُواْمِنْهَا رَضُواْ وَ إِن ◌َّمْ يُعْطَوْ مِنْهَ إِذَا هُمْ
ا يَسْخَطُونَ () وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُواْ مَآءَاتَُّهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسُْ
اللهُ سَيُؤْتِنَا اللهُ مِن فَضْلِهِ، وَرَسُولُهُوَ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَ غُونَ (ليه
قال الإمام الرازى : اعلم أن المقصود من هذا ، شرح نوع آخر من
قبائحهم وفضائحهم، وهو طعنهم فى الرسول - حَّج ـ بسبب أخذ

الجزء
- ١٩٦ -
العاشر
الصدقات من الأغنياء، ويقولون إنه يؤثر بها من يشاء من أقاربه وأهل
مودته ، وينسبونه إلى أنه لا يراعى العدل)، (١).
هذا، وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هاتين الآيتين روايات منها:
ما أخرحه البخارى والنسائى عن أبى سعيد الخدرى - رضى الله عنه-قال:
بينما التى - عَ الله - يقسم قسما إذ جاءه ذو الخويصرة التميمى
فقال: أعدل يارسول اللّه، فقال: ويلك! ومن يعدل إذا لم أعدل ؟ ،فقال
عمر بن الخطاب - رضى الله عنه -: ائذن لى فأضرب عنقه، فقال رسول الله
- ص٣َّ -: (( دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم،
وصيامه مع صيامهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم فى الرمية ....
قال أبو سعيد، فنزلت فيهم : ((ومنهم من يدزك فى الصدقات .. )
وروى ابن مردويه عن ابن مسعود - رضى الله عنه - قال: ((لما قسم
الذى - عِ ل ـ غنائم حنين سمعت رجلا يقول: ((إن هذه قسمة
ما أريد بها وجه الله . فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكرت له ذلك
فقال: ((رحمة الله على موسى، لقد أوذى بأكثر من هذا فصبر). ونزل
((ومنهم من يلمزك فى الصدقات (٢)».
وقوله: «يلمزك، أى: يعيبك ويطعن عليك فى قسمة الصدقات وغيرها
من الأموال ، مأخوذ من اللمز وهو العيب. يقال لمزه وهمزه يلهزه ويهمزه
إذا عابه وطعن عليه، ومنه قوله - تعالى -: (دوبل لكل همزة لمزة)).
وقيل : اللمز ما كان بحضرة الملموز، والهمز ما كان فى غيابه .
والمعنى: ومن هؤلاء المنافقين - يا محمد - من يعبيك ويطعن عليك فى
قسمة الصدقات والغنائم ، زاعمين أنك لست عادلا فى قسمتك .
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ٤ ص ٤٥٥ .
(٢) تفسير المنار جـ ١٠ ص ٥٦٦.

تفسير سورة
- ١٩٧ -
التوبة
وقوله: ((فان أعطوا منها رضوا ... )، بيان الفساد لمزهم وطعنهم، وأن
الدافع إليه إنما هو الطمع والشره فى حطام الدنيا ، وليس الغضب من أجل
إحقاق الحق : أو من أجل نشر العدالة بين الناس .
أى: أن هؤلاء المنافقين إن أعطيتهم . يا محمد. من تلك الصدقات،
رضوا عنك، وحكموا على هذا العطاء بأنه عدل حتى ولو كان ظنماً. وإن
لم تعطه منها سخطوا عليك، واتهموك بأنك غير عادل، حتى ولو كان
عدم عطائهم هو الحق بعينه ، فهم لا يقولون ما يقولونه فيك غضبا للعدل،
ولا حماسة للحق، ولا غيرة على الدين .. وإنما يقولون ما يقولون من أجل
مطامعهم الشخصية ، ومنافعهم الذاتية .
قال الجمل. وقوله (( إذا هم يسخطون) إذاهنا جائية، قائمة مقام فاء
الجزاء فى الربط على حد قوله: ((وتخلف الفاء إذا المفاجأة .. والأصل. فهم
يسخطون) وغاير. سبحانه . بين جوانى الجملتين، للاشارة إلى أن
سخطهم ثابت لايزول ولا يفنى بخلاف رضاهم(١)).
وقال صاحب المنار . وقد عبر. سبحانه. عن رضاهم بصيغة الماضي:
للدلالة على أنه كان يكون لأجل العطاء فى وقته وينقضى ، فلا يعدونه نعمة
يتمنون دوام الإسلام لدوامها، وعبر عن سخطهم فاذا الفجائية وبالفعل
المضارع، للدلالة على سرعته واستمراره. وهذا دأب المنافقين وخلقهم فى
كل زمان ومكان ، كما نراه بالعيان حتى من مدعى كمال الإيمان ، والعلم
والعرفان (٢) .
ثم وضح . سبحانه. المنهج الذى يليق بأصحاب العقيدة السليمة فقال:
(ولو أنهم رضوإما آتاهم لمته ورسوله .. )).
أى. ولو أن هؤلاء المنافقين الذين يلمزونك. يا محمد. فى الصدقات،
وضوا ما أعطاهم الله ورسوله من عطاء، وقالوا، على سبيل الشكر والقناعة.
(١) حاشية الجمل على الجلالين ج٢ص١٩١.
(٢) تفسير المنار جـ ١٠ ٠٥٦٧٠٠

العاشر
-
- ٨
الجزء
(( حسبنا الله، أى: كفانا فضله وما قسمه لنا، سيؤتينا الله من فضله
ورسوله)) أى: سيعطينا الله فى المستقبل الكثير من فضله وإحسانه،
وسيعطينا رسوله من الصدقات وغيرها «إنا إلى الله راغبون)) أى: إنا إلى
الله راغبون فى أن يوسع علينا من فضله ، فيغنينا عن الصدقات وغيرها من
أموال الناس ومن صلاتهم ، لأنه - سبحانه - له خزائن السموات والأرض.
وجواب(( لو، محذوف. والتقدير: ولو أنهم فعلوا ذلك لكان خيرالهم.
قال الإمام الرازى ما ملخصه: والآية تدل على أن من طلب الدنيا -بطمع
وشراهة - آل أمره فى الدين إلى النفاق، وأما من طلب الدنيا بتوسط
وبغرض التوسل إلى مصالح الدين، فهذا هو الطريق الحق، والأصل فى
هذا الباب أن يكون راضياً بقضاء الله ...
ألا ترى أنه - سبحانه - ذكر هنا فى هذه الآية مراقب أربعة:
أولها: الرضا بما آتاهم الله ورسوله، لعلمه بأنه - تعالى - حكم منزه
عن العبث ، وكل ما كان حكما له وقضاء كان حقا وصواباً ولا اعتراض
عليه .
وثانيها : أن يظهر أثر ذلك الرضا على لسانهم وهو قولهم: «حسبنا الله))
يعنى : أن غيرنا أخذ المال ، ونحن قد رضينا بحكم الله وقضائه. وفزنا بهذه
المرتبة العظيمة فى العبودية ...
وثالثها : وهى أن الإنسان إذا لم يبلغ قلك الدرجة العالية التى عندها
يقول: ((حسبنا الله ، نزل منها إلى مرتبة أخرى وهى أن يقول: «سيؤتينا
الله من فضله ورسوله، ..
ورابعها: أن يقول: ((إنا إلى الله راغبون، فنحن لا نطلب من الإيمان
والطاعة أخذ الأموال، وإنما نطلب اكتساب سعادات الآخرة .... (١)
(١) تفسير الفخر الرازى = ٤ ص ٤٥٦ طبعة المطبعة الشرفية سنة
١٣٢٤ هـ - الطبعة الثانية -

تفسير سورة - ١٩٩ - التوبة
وبعد أن بين - سبحانه - المنهج اللائق بأصحاب العقيدة السليمة فى طلب
:"الدنتا عقب ذلك بيان المستحقين للصدقات فقال -تعالى -.
1
الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسْكِينِ وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ
وَفِ أَِّقَابِ وَالْغَرِ مِنَ وَفِى سَبِيلِ اللهِ وَأَبْنِ السَّبِيِلِّ فَرِيضَةٌ مِّنَّ
وآله وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾
قال الإمام ابن كثير. لما ذكر الله - تعالى - إعتراض المنافقين الجهلة على
النبى - بَّة - ولمزهم إياه فى قسم الصدقات، بين - سبحانه - أنه
هو الذى قسمها ، وبين حكمها ، وتولى أمرها بنفسه، ولم يكل قسمها إلى أحد
غيره فجزأها لهؤلاء المذكورين، كمارواه أبو داودفى سنته عن زياد بن الحارث
الصدالى قال . أتيت النبى - عَّ له - فبايعته. فأتى رجل فقال. أعطنى
من الصدقة فقال له . (( إن الله لم يرض بحكم فى ولا غيره. فى الصدقات
حتى حكم فيها هو، فجزأها ثمانية أصناف ، فان كنت من تلك الأجزاء
أعطيتك)» (١).
والمراد بالصدقات هنا - عند كثير من العلماء -. الزكاة المفروضة.
ولفظ الصدقات . مبتدأ، والخبر محذوف، والتقدير: إنما الصدقات
معروفة للفقراء والمساكين .... الخ.
والفقراء. جمع فقير، وهو من له أدنى شىء من المال. أو هو من لا يملك
المال الذى يقوم بحاجاته الضرورية من مأكل ومشرب وملبس ومسكن ...
يقال فقر الرجل يفقر - من باب تعب - إذا قل ماله.
قالوا : وأصل الفقير فى اللغة: الشخص الذى كسر فقار ظهره، ثم استعمل
مفيمن قل ماله لانكساره بسبب احتياجه إلى غيره :
(١) تفسير ابن كثير جـ٢ص٠٣٦٤

الجزء
- ٢٠٠ -
العاشر
أو هو من الفقرة بمعنى الحفرة، ثم استعمل فيما ذكر لكونه أدنى حالا
من أكثر الناس ، كما أن الحفرة أدنى من مستوى سطح الأرض المستوية.
والمساكين: جمع مسكين، وهو من لا شىء له، فيحتاج إلى سؤال الناس
لسد حاجاته ومطالب حياته .
وهو مأخوذمن السكون الذى هو ضد الحركة، لأن احتياجه إلى غيره ..
أسكنه وأذله :
وفيل . المسكين هو الذى له مال أو كسب ولكنه لا يكفيه ، وعلى هذا .
يكون قريب الشبه بالفقير :
وقوله : والعاملين عليها، بيان للصنف الثالث من الأصناف الذين تجب ..
لهم الزكاة .
والمراد بهم. من كلفهم الإمام بجمع الزكاة وتحصيلها عن ملكون نصابها.
ويدخل فيهم العريف، والحاسب، والكاتب، وحافظ المال، وكل من.
كلفه الإمام أو نائبه بعمل يتعلق بجمع الزكاة أو حفظها ، أو توزيعها.
وقوله . . والمؤلفة قلوبهم ، بيان للصنف الرابع.
والمراد بهم الأشخاص الذين يرى الإمام دفع شىء من الزكاة إليهم تأليفاً
لقلوبهم، واستمالة لنفوسهم نحو الإسلام، لكف شرم، أو نرجاء نفعهم،
وهم أنواع :
منهم قوم من الكفار، كصفوان بن أمية، فقد أعطاه النبى معالفة؟
من غنائم حنين، وكان صفوان يومئذ كافرا، ثم أسلم وقال : والله لقد
أعطانى النبى - روافع. وكان أبغض الناس إلى، فما زال يعطينى. حتى أسلمت
وإنه لأحب الناس إلى .
ومنهم قوم كانواحديثى عهد بالإسلام. وكانوا من ذوى الشرف فى أقوامهم ..
فكان النبى يرجع يعطيهم، ليثبت إيمانهم، وليدخل معهم فى الإسلام أتباعهم.