النص المفهرس
صفحات 141-160
تفسير سورة - ١٤١ - التوبة فرد لأجل أداء مناسك الحج والعمرة لمحرم قبل أشهر الحج شهراً وهو ذو القعدة لأنهم يوقعون فيه الحج ، ويشتغلون بأداء المناسك . وحرم بعده شهر آخر هو المحرم ، ليرجعوا فيه إلى أقصى بلادهم آمنين . وحرم رجب فى وسط الحول لأجل زيارة البيت والاعتمار به لمن يقدم إليه من أقصى جزيرة العرب ، فيزوره ثم يعود إلى وطنه آمنا (١). واسم الإشارة فى قوله: (ذلك الدين القيم) بعود إلى ما شرعه الله - تعالى من أن عدة الشهور اثنا عشر شهراً ومن أن منها أربعة حرم . والقيم : القائم الثابت المستقيم الذى لا إلتواء فيه ولا اعوجاج أى: ذلك الذى شرعناه لكم من كون عدة الشهور كذلك ، ومن كون منها أربعة حرم: هو الدين القويم ، والشرع الثابت الحكيم ، الذى لا يقبل التغيير أو التبديل .. لا ماشرعه أهل الجاهلية لأنفسهم من تقديم بعض الشهور وتأخير بعضها استجابة لأهوائهم وشهواتهم ، وإرضاء لزعمانهم وسادتهم . والضمير المؤنث فى قوله (( فلا تظلوا فيهن أنفسكم ) يرى ابن عباس أنه يعود على جميع الشهور أى: فلا تظلموا فى الشهور الأثنى عشر أنفسكم ، بأن تفعلوا فيها شيئاً ما نهى الله عن فعله، ويدخل فى هذا النهى هتك حرمة الأشهر الأربعة الحرام دخولا أوليا . ويرى جمهور العلماء أن الضمير يعود إلى الأشهر الأربعة الحرم، لأنه إليها أقرب؛ لأن الله تعالى قد خص هذه الأربعة بمزيد من الاحترام تشريفالها وقد رجح ابن جرير ما ذهب إليه الجمهور فقال ما ملخصه : وأولى الأقوال فى ذلك عندى بالصواب قول من قال : فلا تظلموا فى الأشهر الأربعة أنفسكم باستحلال حرامها، فإن الله عظمها وعظم حرمتها. وعن قتادة: إن الله اصطفى صفا يا من خلقه، اصطفى من الملائكة رسلا، ومن الناس رسلا، واصطفى من الكلام ذكره. واصطفى من الأرض المساجد واصطفى من الشهور رمضان والأشهر الحرم . واصطفى من الأيام يوم الجمعة (١) تفسير ابن كثير ج ٢ ص ٣٥٤. الجزء - ١٤٢ - العاشر واصطفى من الليالى ليلة القدر. فعظموا ما عظم الله، فإنما تعظم الأمور بما عظمها الله عند أهل الفهم .. فإن قال قائل: فإن كان الأمر على ما وصفت، فقد يكون مباحا لنا ظلم أنفسنا فى غيرمن من سائر شهور السنة . قيل : ليس ذلك كذلك . بل ذلك حرام علينا فى كل وقت ولكن الله عظم حرمة هؤلاء الأشهر وشرفين على سائر شهور السنة، فخص الذنب فيهن، بالتعظيم كما خصهن بالتشريف، وذلك نظير قوله - تعالى - ((عافظوا على الصلوات والصلاة والوسطى ، ولا شك أن الله قد أمرنا بالمحافظة على الصلوات المفروضات كلها بقوله: (( حافظوا على الصلوات)). ولم يبحقرك المحافظة عليهن بأمره بالمحافظة على الصلاة الوسطى. ولكنه تعالى - زاده) تعظيما، وعلى المحافظة عليها تو كيداً ، وفى تضييعها تشديداً ، فكذلك فى قوله (( منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم)). وقد كانت الجاهلية تعظم هذه الأشهر الحرم وتحرم القتال فيهن ، حتى. لو لقى الرجل منهم فيهن قاتل أبيه لم يهجه،(١). وقال القرطبى: لا يقال كيف جعلت بعض الأزمنة أعظم حرمةمن بعض. فإنا نقول: البارى - تعالى - أن يفعل ما يشاء، ويخص بالفضيلة ما يشاء. ليس لعمله علة ، ولا عليه حجر ، بل يفعل ما يريد بحكمته، وقد تظهر فيه. الحكمة و قد تخفى،(٢) . وقوله: وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة («تحريض للمؤمنين. على قتال المشركين بقلوب مجتمعه ، وعزيمة صادقة . وكلمه ((كافة)) مصدر فى موضع الحال من ضمير الفاعل فى وقاتلوا، أو من المفعول وهو لفظ المشركين. ومعناها: جميعا. قالوا: وهذه الكلمة من الكلمات التى لا تثنى ولا تجمع ولا تدخلها أل. ولا تعرب إلا حالا فهى ملتزمة للأفراد والتأنيث مثل: عامة وخاصة (٣). (١) تفسير ابن جرير جـ ١٠ ص ١٢٧ (٢) تفسير القرطبى ج٨ص١٣٦ (٣) راجع تفسير الألوسى ١٠ ص ٨٢. وتفسير المنار حـ١٠ ص٤٨٤ . - ١٤٣ - أى: قائلوا-أيها المؤمنون-انشر كين جميعاً،كما يقاتلونكمهم جميعا، بأن تكونوا فى قتالكم لهم مجتمعين متعاونين مناصرين. لا مختلفين ولامتخاذلين وقوله: واعلموا أن الله مع المتقين)) تذييل قصد به إرشادهم إلى ما ينفعهم فى قتالهم لآء أنهم بعد أمرهم به . أى: واعلموا - أيها المؤمنون أن الله تعالى - مع عباده المنقين بالعون والنصر والتأييد، ومن كان الله معه فلن يغلبه شىء فكونوا - أيها المؤمنون من عبادالله المتفين الذين صافوا أنفسهم عن كل ما نهى عنه؛ لتنالواعونه وتأييده. ثم نعى - سبحانه - على ما كانوا يفعلون من تحليل وتحريم للشهور على حسب أهوائهم ... فقال تعالى -: ((إنما النسى. زيادة فى الكفر ... )) والنسى . : مصدر بزنة فعيل مأخوذ من نساء الشىء إذا أخره. ومنه نسأت. الإبل عن الحوض إذا أخرتها عنه. ومنه: أنا اللّه فى أجل فلان، أى أخره. والمرد به: تأخير حرمة شهر إلى شهر آخر . وقد أشار صاحب الكشاف إلى الأسباب التى جعلت المشركين يحلون. الأشهر الحرم فقال: ((كانوا أصحاب حروب وغارات، فإذا جاء الشهر الحرام وهم محاربون شق عليهم ترك المحاربه ، فيحلونه ويحرمون مكانه. شهرا آخر - وكان يشق عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر لا يغيرون فيها - حتى رفضوا تخصيص الأشهر الحرم بالتحريم ؛ فكانوا يحرمون من شق شهور العام أربعة أشهر، وذلك قوله، ليوطئوا عدة ما حرم الله، أى ليوافقو العدة التى. هى الأربعة ولا يخالفوها وقد خالفوا التخصيص الذى هو أحد الواجبين (١). والمعنى: إيمى الذىء الذى يفعله المشر كون، من تأخيرهم حرمة شهر إلى آخر، «زيادة فى الكفر، أى: زيادة فى؛ كفرهم؛ لأنهم قد ضموا إلى كفرهم باله كفراً آخر، هو تحليلهم لما حرمه الله وتحريمهم لما أحله وبذلك يكون قد جمعوا بين الكفر فى العقيدة والكفر فى التشريع . (١) تفسير الكشاف = ٢ ص ٠٢٧٠ الجزء - ١٤٤ - العاشر قال القرطبى: وقوله: (( زيادة فى الكفر ، بيان لما فعلته العرب من جمعها أنواعاً من الكفر . فإنها أنكرت وجود البارى .- تعالى - فقالت: ((وما الرحمن) فى أصح الوجوه. وأنكرت البعث فقالت (من يحيى العظام وهى رميم)). وأفكرت بعثة الرسل فقالوا: (أبشر امنا واحدانتبعه) وزعمت أن التحليل والتحريم إليها ، فابتدعته من ذاتها مقتفية لشهواتها فأحلت ماحرمه الله: ولا مبدل لكلماته ولو كره المشركون ))((١)). وقوله ((يضل به الذين كفروا)) قرأه الكوفيون بضم الياء وفتح الضاد بالبناء المفعول ... أى: يوقع الذين كفروا بسبب ارتكابهم للنسى. فى الضلال والموقع لحم فى هذا الضلال كبراؤهم وشياطينهم. وقرأه أهل الحرمين وأبو عمرو ((يضل)) بفتح الياء وكسر الضاد بالبناء الفاعل . أى : يضل الله الذين كفروا، بأن يخلق فيهم الضلال بسبب مباشرتهم لما أدى إليه وهو ارتكابهم للنسى .. ويصح أن يكون الفاعل هو الذين كفروا أى يضل الذين كفرواعن الحق بسبب إستعمالهم للنسى. الذى هو لون من ألوان إستحلال محارم الله. وقوله: ( يحلونه عاماً ويحرمونه عاما.، بيان وتفسير لكيفية ضلالهم. والضمير المنصوب فى زيحلونه ويحرمونه)) يعود إلى النسى .. أى: الشهر المؤخر عن موعده . والمعنى أن هؤلاء الكافرين من مظاهر ضلالهم، أنهم يحلون الشهر المؤخر عن وقته عاما من الأعوام ، ويحرمون مكانه شهرا آخر ليس من الأشهر الحرم، وأنهم ((يحرمونه) أى: يحافظون على حرمة الشهر الحرام عاما آخر ، إذا كانت مصلحتهم فى ذلك . ((١) تفسير القرطى ج٨صـ٠١٣٩ (٢) تفسير الفخر الرازى =٥٨٥١٦ - بتصرف يسير. تفسير سورة :١ - التوبة - ١٤٥ - . والمواطأة: الموافقة. يقال: واطأت فلاناً على كذا إذا وافقته عليه حبدون مخالفته . والمعنى: فعل المشركون ما فعلوه من التحليل والتحريم للاشهر على حسب أهوائهم، ليوافقوا بما فعلوه عدة الأشهر الحرم ، بحيث تكون أربعة فى العدد وإن لم تكن عين الأشهر المحرمة فى شريعة الله. قال ابن عباس: ما أحل المشر كون شهراً من الأشهر الحرم إلا حرموا . مكانه شهراً من الأشهر الحلال . وما حرموا شهراً من الحلال إلا أحلوا مكانه شهر من الأشهر الحرام، لكن يكون عدد الأشهر الحرم أربعة .. ٠، ١) وقوله: « فيحلوا ما حرم الله، تفريع على ما تقدم. أى: فيحلوا بتغييرهم الشهور المحرمة، ما حرمه الله فى شرعه. فهم وإن كانوا وافقوا شريعة الله فى عدد الشهور المحرمة، إلا أنهم خالفوه فى تخصيصها فقد كانوا - مثلا - يستحلون شهر المحرم ويحرمون بدله شهر صفر. وقوله: (( زين لهم سوء أعمالهم، ذم لهم على انتكاس بصائرهم، وسوء تفكيرهم. أى: زبن لهم الشيطان سوء أعمالهم ، فجعلهم يرون العمل القبيح عملا حسنا. وقوله: (والله لا يهدي القوم الكافرين، تذييل قصد به التنفير والتوبيخ للكافرين . أى: والله تعالى. اقتضت حكمته أن لا يهدي القوم الكافرين إلى طريقه القويم، لأنهم بسبب سوء اختيارهم أستحبوا العمى على الهدى، .. وآثروا طريق الغى على طريق الرشاد ... فكان أمرهم فرطا هذا، ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هاتين الآ يعين ما يأتى «، تسير الفخر الرازى ج ١٦ ص٥٠ بتصريف وتلخيص: ٤ (١٠ - سورة التوبة ) الجزء - ١٤٦ - العاشر ١ - أن السنة اثنا عشر شهراً، وأن شهور السنة القمرية هى المعول عليها فى الأحكام لا شهور السنة الشمسية ... قال الفخر الرازى ، أعلم أن السنة عند العرب عبارة عن اثنى عشر شهراً من الشهور القمرية، والدليل عليه هذا الآية - ((إن عدة الشهور .. الآية)). وقوله. تعالى .: هو الذى جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب .. ، فجعل تقدير القمر بالمنازل علة السنين والحساب وذلك إنما يصح إذا كانت السنة معلقة بسير القمر. وأيضاً أوله. تعالى. ( يسألونك عن الأهلة، قل هى مواقيت للناس والحج .. ). ثم قال، وأعلم أن مذهب العرب من الزمان الأول أن تكون السنة قمرية لا شمسية، وهذا الحكم توارثوه عن إبراهيم وإسماعيل. عليهما السلام. فأما عند اليهود والنصارى، فليس الأمر كذلك ... )(١). وقال الجمل: قوله ( أثنا عشر شهرا) هذه شهور السنة القمرية التى هى مبنية على سير القمر فى المنازل ، وهى شهور العرب التى يعتد بها المسلمون فى صيامهم ومواقيت حجهم وأعيادهم وسائر أمورهم وأحكامهم. وأيام هذه الشهور ثلثمائة وخمسة وخمسون يوماً. والسنة الشمسية عبارة عن دوران الشمس فى الفلك دورة قامة ، وهى ثلثمائة وخمسون وستون يوماً. وربع يوم. فتنقص السنة الهلالية عن السنة الشمسية عشرة أيام ، فبسبب هذا النقصان تدور السنة الهلالية فيقع الصوم والحج تارة فى الشتاء وتارة فى الصيف ) (٢)). هذا، وقد تكلم بعض المفسرين عن الشهور القمرية، وعن سبب تسميتها بما سميت به فارجع إليه إن شئت (٣). ٢ - وجوب التقييد بماشرعه الله من أحكام بدون زيادة أو نقصان عليها. (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٣٦ صـ٠٥٨ (٢٠)) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ٥ ٢٨ (٣) راجع تفسير ابن كثير جـ٢ ص٥٣٤٠ تغير سورة - ١٤٧ - الثوبة قال القرطى ما ملخصه: وضع . سبحانه. هذه الشهور وسماها بأسمائها على ما رتبها عليه يوم خلق السموات والأرض ، وأنزل ذلك على أنبياته فى كتبه المنزلة ، وهو معنى قوله: (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً،. وحكمها باق على ما كانت عليه لم يزلها عن ترتيبها تغيير المشركين لأسمائها، وتقديم المقدم فى الإسم منها. والمقصود من ذلك إتباع أمر الله فيها، ورفض ما كان عليه أهل الجاهلية من تأخير أسماء الشهور وتقدمها . ولذا قال. صَّ له. فى خطبته فى حجة الوداع: (إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات الأرض ... )). ثم قال القرطى : كانوا يحرمون شهراً فشهراً حتى إستدار التحريم على السنة كلها . فقام الإسلام وقد رجع المحرم إلى موضعه الذى وضعه الله فيه. فهذا معنى قوله - عَليه - " إن الزمان قد استداركهيئته يوم خلق الله السموات والأرض)) (١). ٣- أخذ بعضهم من قوله تعالى - ((فلا تظلموا فيهن أنفسكم ، أن تحريم القتال فى الأشهر الحرم ثابت لم ينسخ، وأنه لا يصح القتال فيها إلا أن يكون دفاعاً . قال ابن جريج: حلف بالله عطاء بن أبي رباح أنه ما يحل للناس أن يغزوا فى الحرم ولا فى الأشهر الحرم إلا أن يقاتلوا فيها . وذهب جمهور العلماء إلى أن تحريم القتال فى الأشهر الحرم قد نسخ، بدليل أن الله - تعالى - بعد أن نهى المؤمنين عن أن يظلموا أنفسهم بالقتال فيها أمرهم بقتال المشركين من غير تقيد بزمن فقال)، وقاتلوا المشر كين كافة كما يقاتلونكم كافة «فدل ذلك على أن القتال فى الأشهر الحرم مباح: وبدليل أن النبى - عَُّلو- حاصر أهل الطائف فى شهر حرام وهو شهر ذي القعدة . قال ابن كثير: ثبت فى الصحيحين أن رسول الله - الد - (١) تفسير ابن كثير جـ٢ ص ٣٥٤ وتفسير القاسمى ج ٥٨ ٣٥٤٤ الأول الجزء - ١٤٨ - خرج إلى هوازن فى شوال، فلما كسرهم ... لجأوا إلى الطائف، فعمد - ربّ - إلى الطائف فحاصرهم أربعين يوماً، وانصرف ولم يفتتحها فثبت أنه حاصر فى الشهر الحرام - أى . فى شهر ذى القعدة. ثم قال ما ملخصه: وأما قوله. تعالى - (وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة ) فيحتمل أنه منقطع عما قبله وأنه حكم مستأنف، ويكون من باب التهييج للمؤمنين على قتال أعدائهم ... ويحتمل أنه إذن للمؤمنين بقتال أعدائهم فى الشهر الحرام إذا كانت البداءة منهم -. أى من الأعداء: كما قال: تعالى: ( الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص، وكماقال- تعالى - ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم، وهكذا الجواب عن حصار رسول الله زلفى. أهل الطائف واستصحابه الحصار إلى أن دخل الشهر الحرام، فإنه من تتمة قتال هوازن وأحلافها ، فانهم الذين بدأوا القتال للمسلمين ... فعند ذلك قصدهم رسول المه مقلي- فلما تحصنوا بالطائف ذهب إليهم لينزلهم من حصونهم فنالوا من المسلمين، وقتلوا جماعة منهم ... واستمر حصار المسلمين لهم أربعين يوماً . وكان ابتداؤه فى شهر حلال ، ودخل الشهر الحرام فاستمر فيه أياما ثم قفل عنهم، لأنه يغتفر فى الدوام مالا يغتفر فى الابتداء، وهذا أمر مقرر(١): ومن كلام ابن كثير- رحمه الله - نستنتج أنه يميل إلى القول بأن المنهى عنه هو ابتداء القتال فى الأشهر الحرم، لا إتمام الفعال فيها متى بدأ الاعداء ذلك وهو قريب من قول القائل: لا يحل القتال فيها ولا فى الحرم إلا أن يكون دفاعاً . وهذا القول هو الذى تطمئن إليه النفس، لانه لم يثبت أن الرسول قال بدأ أعداءه القتال فى الأشهر الحرم، وإنما الثابت أن الاعداء هم الذين أبتدؤا قتال المسلمين فيها، فكان موقف المسلمين هو الدفاع عن أنفسهم : (١) تفسير ابن كثير جـ٢ص٣٥٥ بتصريف يسير: تفسير سورة - ١٤٩ - التوبة ٤ - ذكر المفسرون روايات فى أول من أخر حرمة شهر إلى آخر ، فعن مجاهد قال : كان رجل من بنى كنانة يأتى كل عام إلى الموسم على حمار له فيقول . أيها الناس. إنى لا أعاب ولا أخاب ولا مرد لما أقول. إنا قد حرمنا المحرم وأخرفا صفر. ثم يجىء العام المقبل بعده فيقول مثل مقالته ويقول : إنا قد حرمنا صفر وأخرنا المحرم ... وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هذا رجل من بنى كنافة يقال له ((القلمس)، وكان فى الجاهلية. وكانوا فى الجاهلية لا يغير بعضهم على بعض فى الشهر الحرام . يلقى الرجل قاتل أبيه فلا يمد إليه يده . فلما كان هو قال لقومه: أخرجوا بنا - أى للقتال -. فقالوا له: هذا المحرم. قال: فنسته العام، هى العام صفران . فإذا كان العام القابل قضينا .. جعلنا هما محرمين. قال: ففعل ذلك. فلما كان عام قابل قال: لا تغزو فى صفر . حرموه مع المحرم . هما محرمان، (١). وقد كان بعض أهل الجاهلية يتفاخر بهذا النسىء، ومن ذلك قول شاعرهم : ومنا ناسىء الشهر القلمس قال آخر : شهور الحل تجعلها حراما ألسنا الناسئين علی معد وقد أبطل الإسلام كل ذلك ، وأمر يترتيب الشهور على مارقبها - سبحانه . عليه يوم خلق السموات والأرض . وبعد : فهذه سبع وثلاثون آية من أول السورة إلى هنا ، نراها - فى مجموعها كما سبق أن بينا - قد حددت العلاقات النهائية بين المسلمين وبين أعدائهم من المشركون وأهل الكتاب، كما نراها قد أ برزت الأسباب التى دعت إلى هذا التحديد بأسلوب حكيم مؤثر، يقنع العقول، ويشبع العواطف . (١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٣٥٦ . الجزء - ١٥٠ - العاشر ثم انتقلت السورة بعد ذلك إلى الحديث عن غزوة تبوك وماجرى فيها من أحداث متنوعة ... وقد استغرق هذا الحديث معظم آيات السورة ، لاسيما فيما يتعلق بهتك أستار المنافقين، والتحذير منهم ... وقد بدأت السورة حديثها عن غزوة تبوك بتوجيه نداء إلى المؤمنين نعت فيه على المتثاقلين عن الجهاد، وحرضت عليه بشتى ألوان التحريض .. فقالت : قال تعالى : ◌َأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِلَ لَكُ أَنِفِرُواْ فِى سَبِيلِ اللهِأَنَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضَِّ أَرَضِيتُم بِالْخَيَزِةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةَ فَمَا مَنَعُ الْخَيَزَةِ الدُّنْيَا فِىِ الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلُ ﴾ إِلَّا تَّفِرُواْ يُعَذِّبَكُمْ عَذَابًا أَلِعًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَ كُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللهُ عَ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ لَّهِ إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُإِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْتَانِى أَثْنَيْنِ إِذْ هُمَانِ الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَدِحِهِ، لَْزَنْ إِنَّ الَّ مَعَنَاً فَزَّلَ اللهُ سَكِينَتَهُ، عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُر ◌ِجُنُودٍ لَمْ تَوْنَا وَجَعَلَ كَلِمَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّقْلَى وَكَلِمَةُ الِّ هِىَ الْعُلْبَّا وَاللَّهُ هٌْ حَكِيمٌ (بِأَنْفِرُواْ خِفَافًا وَتِقَالًا وَجَهِدُ واْ بِأَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ الَِّذَ لِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلُونَ (٣) قال الإمام ابن كثير: هذا شروع فى عتاب من تخلف عن رسول الله. بط له. فى غزوة تبوك ، حين طابت الثمار والظلال فى شدة الحر، وحمارة القيظ)) (١) (١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٣٩ بتصرف وتلخيص. تفسير سورة - ١٥١ - التوبة وتبوك: اسم لمكان معروف فى أقصى بلاد الشام من ناحية الجنوب، . ويبعد عن المدينة من الجهة الشمالية بحوالى ستمائة كيلو متر. وكانت غزوة تبوك فى شهر رجب من السنة التاسعة، وهى آخر غزوة لرسول الله. بَالِ . وكان السبب فيها أن الرسول. عن الله. بلغه أن الروم قد جمعوا له جموعا كثيرة على أطراف الشام، وأنهم يريدون أن يتجهوا إلى الجنوب لمهاجمة المدينة. فاستغفر. وقالله. الناس إلى قتال الروم، وكان - عَلّهِ - قلما يخرج إلى غزوة إلا ورى بغيرها حتى يبقى الأمر سراً ... ولكنه فى هذه الغزوة صرح للمسلمين بوجهته وهى قتال الروم، وذلك : لبعد المسافة، وضيق الحال ، وشدة الحر، وكثرة العدو ... وقد لى المؤمنون دعوة رسولهم. سَلّهِ. لقتال الروم، وصبروا على الشدائد، والمتاعب وبذاوا الكثير من أموالهم. ولم يتخلف منهم إلا القليل. أما المنافقون وكثير من الأعراب، فقد تخلفوا عنها ، وحرضوا غيرهم على ذلك ، وحكت السورة . فى كثير من آياتها الآتية . ما كان منهم من جبن · ومن تخذيل الناس عن القتال، ومن تحريض لهم على القعود وعدم الخروج. وبعد أن وصل الرسول. عَ ليه. والمؤمنون إلى تبوك، لم يجدوا جموعا للروم. فأقاموا هناك بضع عشرة ليلة، ثم عادوا إلى المدينة، (١). وقوله - سبحانه -: ((انفروا، من النفر وهو التنقل بسرعة من مكان . إلى مكان لسبب من الأسباب الداعية لذلك . يقال: نفر فلان إلى الحرب ينفر ويغفر نفراً وففوراً، إذا خرج بسرعة . ويقال: استنفر الإمام الناس، إذا حرضهم على الخروج للجهاد . ومنه قوله (١) لمعرفة تفاصيل غزوة تبوك: راجع «سيرة ابن هشام، جـ ٤ ص ١٥٩. طبعة الحلبى . الجزء - ١٥٢ - العاشر - صِيَّةٍ : «وإذا استنفرتم فانفروا، أى: وإذا دعاكم الإمام إلى .. الخروج معه للجهاد فأخرجوا معه بدون تناقل . واسم القوم الذين يخرجون للجهاد : النفير والنفرة والنفر . ويقال : ففر فلان من الشىء، إذا فزع منه، وأدبر عنه، ومنه قوله. - تعالى ـ, وإذا ذكرت ربك فىالقرآنوحده، ولو اعلى أدبارهم نفوراً(١)» .. وقوله: ((أنا قلتم)): من الثقل ضد الخفة. يقال: تناقل فلان عن الشىء، إذا تباطأ عنه ولم يهتم به .. ويقال : تثاقل القوم: إذا لم ينهضوا لنجدة المستجير بهم، وأصل ((انا قلتم، تناقلتم، فأبدلت التاء ثاء ثم أدغمت فيها، ثم اجتلبت همزة الوصل من أجل التوصل للنطق بالساكن. والمعنى: يأيها الذين آمنوا بالله ورسوله، , مالكم إذا قيل لكم أنفروا فى سبيل الله انا قلتم إلى الأرض، أى: ما الذى جعلكم تباطأ تم عن الخروج إلى الجهاد، حين دعاكم رسولكم - وترابيع - إلى قتال الروم، وإلى النهوض لإعلاء كلمة الله، ونصرة دينه ؟ وقد ناداهم. سبحانه. بصفة الإيمان، لتحريك حرارة العقيدة فى قلوبهم، وتوجيه عقولهم إلى ما يستدعيه الإيمان الصادق من طاعة لله ولرسوله . والاستفهام فى قوله :« مالكم، لإنكار واستبعاد صدور هذا التثاقل منهم ، مع أن هذا يتنافى مع الإيمان والطاعة . قال الجمل: و((ما)، مبتدأ، و((لكم)) خبر. وقوله (دائما قلتم ) حال. وقوله : (( إذا قيل لكم) ظرف هذه الحال مقدم عليها . والتقدير: أى شىء ثبت لكم من الأعذار . حال كونكم متثاقلين .. فى وقت قول الرسول لكم : انفروا فى سبيل الله. (٢). (١) سورة الإسراء . الآية ٤٦ (٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٢٨٢ تفسير سورة - ١٥٣ - التوبة وقوله. , إلى الأرض)) متعلق بقوله: « أنا قلتم، على تضمينه معنى الميل. إلى الراحة، والإخلاد إلى الأرض ، ولذا عدى يإلى . أى: اثا فلتم مائلين إلى الراحة وإلى شهوات الدنيا الفانية، وإلى الإقامة بأرضكم ودياركم، وكرهتم الجهاد مع أنه ذروة سنام الإسلام. وإن التعبير بقوله، سبحانه، أما قلتم، لفى أسمى درجات البلاغة، وأعلا مراقب التصوير الصادق، لأنه بلفظه وجرسه يمثل الجسم المسترخى الثقيل الذى استقر على الأرض .. والذى كلما حاول الرافعون أن يرفعوه عاد إليه ثقله فسقط من بين أيديهم، وأخلد إلى الأرض. وذلك لأن ما استولى عليه من حب للذائد الدنيا وشهواتها، أثقل بكثير من حبه لنعيم الآخرة وخيراتها . وقوله، سبحانه،: ((أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة) إنكار آخر لتباطئهم عن الجهاد ، وتعجب من ركونهم إلى الدنيا مع أن إيمانهم يتنافى مع ذلك . وقوله. ( فما متاع الحياة الدنيا فى الآخرة إلا قليل، بيان الحقارة متاع الدنيا بالنسبة لنعيم الآخرة الدائم : والمعنى : أى شىء حال بينكم ، أيها المؤمنون، وبين المسارعة إلى الجهاد عندما دعاكم رسولكم، عَ، إليه، أرضيتم براحة الحياة الدنيا ولذائذها الناقصة . إن كان أمركم كذلك ، فقد أخطأتم الصواب، لأن متاع الحياة الدنيا سهما كثرة، فهو قليل مستحقر بجانب متاع الآخرة الباقى، ونعيمها الخالد :. قال الألوسى ما ملخصه: (فى)من، قوله،فما متاع الحياة الدنيا فى الآخرة» تسمى بفى القياسية. لأن المقيس يوضع فى جنب ما يقاس به. وفى ترشيح. الحياة الدنيا بما يؤذن بنفاستها ، ويستدعى الرغبة فيها، وتحريد الآخرة عن ذلك مثل مبالغة فى بيان حقارة الدنيا ودنامتها وعظم شأن الآخرةورفعتها. الجزء - ١٥٤ - العاشر وقد أخرج أحمد ومسلم والقر ذى والنسائى وغيرهم عن المستورد، أخى بنى فهر، قال: قال رسول الله، الله،. ( ما الدنيا فى الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه هذه فى أليم، فلينظر بم ترجع (١). وقال الفخرى الرازى: أعلم أن هذه الآية تدل على وجوبالجهادفىكل حال، لأنه، سبحانه. نص على أن تثاقلهم عن الجهاد أمر منكر. ولو لم يكن الجهاد واجبا لما كان هذا التثاقل منكرا. وليس لقائل أن يقول: الجهاد إنما يجب فى الوقت الذى يخاف هجوم الكفار فيه، لأنه عليه السلام، ما كان يخاف هجوم الروم عليه ، ومع ذلك فقد أوجب الجهاد معهم .. وأيضا هو واجب على الكفاية، فاذا قام به البعض سقط عن الباقين. والخطاب فى الآية للمؤمنين الذبن تقاعسوا فى الخروج إلى غزوة تبوك مع رسول الله، مِنَّ ل ، (٢) . ثم هددهم، سبحانه، بالعذاب الأليم، إن لم ينقر واللجهاد فى سبيله فقال « إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما . ويستبدل قوما غيركم، ولا تضروه شيئاً)). أى: ((إلا تنفروا،، أيها المؤمنون، للجهاد كا أمر كم رسولكم (يعذبكم. الله عذابا أليما، فى الدنيا بإنزال المصائب, بكم، وفى الآخرة بنار جهنم. وقوله : ((ويستبدل قوما غير كم ) أى: ويستبدل بكم قوما يطيعون رسوله فى العسر واليسر، والمنشط والمكره،،، كما قال،: ( وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم). قال صاحب المنار: قيل المرادبهؤلاء القوم أهل اليمن، وقيل أهل فارس وليس فى محله، فان الكلام للتهديد، والله يعلم أنه لا يقع الشرط ولا جزاؤه. (١)١ لالوسى تفسير جـ١٠ ص ٠٨٥ (٢) تفسير الفخر الرازى - بتصرف وتلخيص - ج٢٦ص٦٠. تفسير سورة - ١٠٥ - التوبة وإنما المراد يطيعونه، سبحانه، ويطيعون رسوله، لأنه قدوعده بالنصر؛ وإظهار دينه ، فإن لم يكن هذا الإظهار بأيديكم . فلا بد أن يكون بأيدى غير كم ((ولن يخلف الله وعده) . وقد مضت سنته. تعالى، بأنه لابقاء للامم التى تتناقل عن الدفاع عن نفسها وحفظ حقيقتها وسيادتها ، ولا تتم فائدة القوة الدفاعية والهجومية إلا بطاعة الامام، فكيف إذا كان الامام والقائد هو النى الموعود من ربه بالنصر ... )(١). والضمير فى قوله (( ولا تضروه شيئاً) يعود إلى اللّه، تعالى. أى : إن تباطأئم, أيها المؤمنون، عن الجهاد، يعذبكم له عذاباً أليما، ويستبدل بكم قوماً سواكم لنصرة نبيه، ولن نضروا الله شيئاً من الضرر بسبب تقاعسكم ؛ لأنكم أنتم الفقراء إليه، وهو ، سبحانه ، الغنى الحميد. وقيل: الضمير بعود للرسول، ومَّ له. أى: ولا نضروا الرسول شيئاً ما من الضرر بسبب تثاقلكم عن الجهاد, لأن الله قد وعده بالنصر ووعده كائن لا محاله . وقوله : (( والله على كل شىء قدير ) تذييل مؤ كد لما قبله . أى: والله، تعالى)، على كل شىء من الأشياء قدير، ولا يعجزه أمر، ولا يحول دون نفاذ مشيئته حائل ، فامتثلوا أمره لتفوزوا برضوانه . فأنت ترى أن هذه الآية وسابقتها قد اشتملت على أقوى الأساليب التى ترغب فى الجهاد، وترهب من النكوص عنه، وتبعث على الطاعه لله ولرسوله . ثم ذكرهم، سبحانه، بما يعرفونه من حال الرسول، بَ له ، حيث نصره الله، تعالى ، على أعدائه بدون عون منهم ، وأيده بجنود لم يروها فقال)» إلا تنصروه فقد نصره الله. ((١) تفسير المنار ج.١ ص ٥٩٥ - بتصرف وتلخيص. الجزء العاشر - ١٥٦ - قال ابن جرير. هذا إعلام من الله لأصحاب رسوله، برللم، أنه المتوكل بنصر رسوله على أعداء دينه، وإظهاره عليهم دونهم، أعانوه أو لم يعينوه، وتذكير منه لهم فعل ذلك به، وهو من العدد فى قلة ، والعدوفى كثرة فكيف به وهو من العدد فى كثرة والعدو فى قلة ((١)). والمعنى: إنكم، أيها المؤمنون ، ان آثرقم القعود والراحة على الجهاد وشدائده، ولم تنصروا رسولكم الذى استنفركم للخروج معه. فاعلموا أن الله سينصره بقدرته النافذة، كما نصره، وأنتم تعلمون ذلك، وقت أن أخرجه الذين كفروا من مكة ((ثانى اثنين) أى: أحد اثنين. والثانى: أبو بكر الصدیق ، رضى الله عنه . يقال . فلان ثالث ثلاثه، أو رابع أربعة ... أى: هو واحد من الثلاثة أو من الأربعة . فإذا قيل : فلان رابع ثلاثة أو خامس أربعة، فمعناه أنه صير الثلاثة أربعة بإضافة ذاته اليهم، أو صير الأربعة خمسة . وأسند ,سبحانه، الإخراج الى المشركين مع أن الرسول ماته، قد خرج بنفسه بإذن من الله، تعالى،، لانهم السبب فى هذا الخروج حيث اضطروه الى ذلك ، بعد أن تآمروا على قتله . وجواب الشرط فى قوله، الا تنصروه.)) محذوف وقوله، فقد نصره الله، تعليل لهذا المحذوف . والتقدير: إلا تنصروه فينصره الله فى كل حال.)) فقد نصره، سبحانه ، وقت أن أخرجه الكافرون من بلده ولم يكن معه .. وى رجل واحد قال ص حب الكشاف: فان قلت . كيف يكون قوله ((فقد نصره الله)) جواباً للشرط ؟ (١) تفسير ابن جرير ج١٨ ص١٣٥ تفسير سورة - ١٥٧ - التوبة قلت. فيه وجهان، أحدهما: إلا تنصروه فسينصره من نصره حين لم يكن معه إلا رجل واحد، ولا أقل من الواحد ، فدل بقوله. (( فقد نصره الله) على أنه ينصره فى المستقبل كما نصره فى ذلك الوقت . والثانى. أنه أوجب له النصرة وجعله منصوراً فى ذلك الوقت، فلن یخذل من بعده »(١). وقوله . ( ثانى اثنين) حال من الهاء فى قوله (أخرجه). أى . أخرجه الذين كفروا حال كونه منفرداً عن جميع الناس إلا أبا بكر الصديق - رضى الله عنه . وقوله . ( إذ هما فى الغار ) بدل من قوله ((إذ أخرجه)). والغار : النقب العظيم يكون فى الجبل . والمراد به هنا: غار جبل ثور. وهو جبل فى الجهة الجنوبية لمكة ، وقد مكثا فيه ثلاثة أيام. وقوله. ( إذ يقول لصاحبه لا تحزن إنه الله معنا« بدل ثان من قوله (((إذ أخرجه ». أى. إلا تنصروه فقد نصره الله وقت أن أخرجه الذين كفروامن مكة، ووقت أن كان هو وصاحبه أبو بكر في الغار، ووقت أن كان - عَل ـ يقول لصاحبه الصديق . لا تحزن إن الله معنا بتأييده ونصره وحمايته . وذلك أن أبا بكر وهو مع النبى - بِ لّهِ - فى الغار، أحس بحركة المشركين من فوق الغار ، فخاف خوفاً شديداً لا على حياته هو، وإنما على حياة النبى - عَّ له -، فلما رأى النبى - بلح - منه ذلك، أخذ فى تسكين روعه وجزءه وجعل يقول له . لا تحزن إن الله معنا . أخرج الشيخان عن أبى بكر قال . نظرت إلى أقدام المشركين ونحن فى الغار، وهم على رءوسنا، فقلت. يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلى قدميه (١) تفسير الكشاف ج٢ صـ٠٢٧٢ الجزء - ١٥٨ - العاشر لأبصرنا تحت قدميه . فقال . يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما، لا تحزن. إن الله معنا ، (١). وقوله . ((فأنزل الله -كيفته عليه وأيده بجنود لم تروها ٠٠٠) بيان لما أحاط الله به نبيه - شراء - من مظاهر الحفظ والرعاية .. والسكينة: من السكون، وهو ثبوت الشىء بعد التحرك. أو من السكن - بالتحريك - وهو كل ما سكنت إليه نفسك، واطمأنت به من أهل وغيرهم. والمراد بها هنا: الطمأنينة التى استقرت فى قلب النى - من - فجعلته لا يبالى بجموع المشركين المحيطين بالغار ، لأنه واثق بأنهم أن يصلوا إليه . والمراد بالجنود المؤيدين له. الملائكة الذين أرسلهم - سبحانه -- لهذا الغرض: والضمير فى قوله: ((عليه)) يعود إلى النبى - صَيلاء - أى. فأنزل الله سكينته وطمأنينته وأمنه على رسوله - عن الهـ وأيده وقواه بجنود من الملائكة لم تروها أنتم، كان من وظيفتهم حراسته وصرف أبصار المشركين عنه ويرى بعضهم أن الضمير فى قوله ( عليه) يعود إلى أبى بكر الصديق، لأن الأصل فى الضمير أن يعود إلى أقرب مذكور، وأقرب مذكورهنا هو الصاحب ولأن الرسول لم يكن فى حاجة إلى السكينة، وإنما الذىكان فى حاجة اليها هو أبو بكر ، بسبب ما اعتراه من فزع وخوف . وقد رد أصحاب الرأى الأول على ذلك بأن قوله((وأيده بجنودلم تروها. الضمير فيه لا يصح إلا للنبى - عمر-، وهو معطوف على ما قبله فوجب أن يكون الضمير فى قوله (عليه) عائداً إلى النبى - عَ له ـ حتى لا يحصل تفكك فى الكلام . (١) أخرجه البخارى فى تفسير سورة التوبة ج٦ ص٨٣ وأخرجه مسلم فى كتاب «فضائل الصحابة, =٧ ٥ ٠١٠٨ تفسير سورة - ١٥٩ - التوبة أما نزول السكينة فلا يلزم منه أن يكون الدفع الفزع والخوف، بل يصح أن يكون لزيادة الاطمئنان، والدلالة على علو شأنه- عصير الله- قال ابن كثير . قوله ( فأنزل الله سكينته عليه، أى. تأييده ونصره عليه أى. على الرسول - عَ لّه- فى أشهر القولين. وقيل. على أبى بكر قالوا. لأن الرسول - بَلَه- لم تزل معه سكينة، وهذا لا ينافى تجدد سكينة خاصة بتلك الحال، ولهذا قال. ((وأيده بجنود لم تروها)، أى: الملائكة )، (١)) : وقوله . (( وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا، بيان لما ترقب على إنزال السكينة والتأييد بالملائكة . والمراد بكلمة الذين كفروا. كلمة الشرك، أو كلمتهم التى اجتمعواعليها فى دار الندوة وهى اتفاقهم على قتل رسول الله - عَ ليه -. والمراد بكلمة الله: دينه الذى ارتضاه لعباده، وهو دين الإسلام، وما يترتب على اتباع هذا الدين من نصر وحسن عاقبة. أى: كانت نتيجة إنزال السكينة والتأييد بالملائكة، أن جعل كلمة الشرك هى السفلى، أى . المقهورة الذليلة . وكلمة الحق والتوحيد المتمثلة فى دين الإسلام هى العليا أى : هى الثابت الغالبة النافذة . وقراءة الجمهور برفع. كلمة، على الابتداء. وقوله ((هى) مبتدأثانياً: وقوله: «العليا، خبرها. والجملة خبر المبتدأ الأول. ويجوز أن يكون الضمير ((هى، ضمير فصل، وقوله (( العليا)) هو الخبر وقرأ الأعمش ويعقوب ((وكلمة الله)) بالنصب عطفاً على مفعول جعل وهو ( كلمة الذين كفروا) . أى: وجعل كلمة الذين كفروا السفلى، وجعل كلمة الله هي العليا. (١) تفسير ابن كثير جـ٣ -١٣٥٨ الجزء - ١٦٠ - العاشر قالوا: وقراءة الرفع أبلغ وأوجه ، لأن الجملة الأسمية تدل على الدوام .والثبوت، ولأن الجعل لم يتطرق إلى الجملة الثانية وهى قوله. «وكلمة الله هى (العليا) لأنها فى ذاتها عالية ثابتة ، بدون جعلها كذلك فى حادثة معينة . بخلاف علو غيرها فهو غير ذاتى، وإنما هو علو مؤقت فى حالة معينة، ثم مصيرها إلى الزوال والخذلان بعد ذلك . وقوله : ((والله عزيز حكيم، تذييل مقرر لمضمون ما قبله. أى: والله - تعالى- (عزيز) لا يغلبه غالب ، ولا يقهره قاهر، ولا ينصر من عاقبه ناصر، (( حكيم)، فى تصريفه شأن خلقه، لا قصور فى تدبيره ، ولا نقص فى أفعاله . هذا، ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية: الدلالة على فضل أبى بكر الصديق - رضى الله عنه ـ وعلى علو منزلته، وقوة إيمانه، وشدة إخلاصه لله - تعالى - ولرسوله - عَلَّه .. ومما يشهد لذلك، أن الرسول - بَّ الج - عندما أذن الله له بالهجرة، لم يخبر أحدا غيره لصحبته فى طريق هجرته إلى المدينة . ولقد أظهر الصديق - رضى الله عنه - خلال مصاحبته الرسول وقطاله الكثير من ألوان الوفاء والإخلاص وصدق العقيدة((١)). قال الآلوسي ما ملخصه: واستدل بالآية على فضل أبى بكر ... فانها خرجت مخرج العناب للمؤمنين ما عدا أبا بكر ... فعن الحسن قال: عاقب الله جميع أهل الأرض غير أبى بكر فقال: (إلا تنصروه فقد نصره الله .. الآية). ولأن فيها النص على صحبته للرسول - عليه - ولم يثبت ذلك لأحد من الصحابة: لأنه هو المراد بالصاحب فى قوله ((إذ يقول لصاحبه)) وهذا ما وقع عليه الإجماع . ((١) راجع قصة الهجرة فى كتاب ((السيرة النبوية) لابن هشامج٢ حـ ٤٨٠ طبعة مصطفى الحلى سنة ١٩٥٥.