النص المفهرس

صفحات 81-100

- ٨١ -
وقال صاحب المنار . بعد أن ساق عدداً من الروايات فى سبب نزول
- هذه الآيات .: والمعتمد من هذه الروايات حديث النعمان لصحة سنده،
- وموافقة منته لما دلت عليه الآيات من كون موضوعها فى المفاضلة أو المساواة بين
خدمة البيت وحجاجه . من أعمال البر الهيئة المستلذة. وبين الإيمان، الجهاد
بالمال والنفس والهجرة وهى أشق العبادات البدنية والمالية (١).
والسقاية والعمارة: مصدران من سقى وعمر. بتخفيف الميم.
والمراد بسقاية الحاج ما كانت قريش تسقيه للحجاج من الزبيب المنبوذ
فى الماء، وكان العباس. رضى الله عنه. وهو الذى يتولى إدارة هذا العمل.
قال الجمل: السقاية هى المحل الذى يتخذ فيه الشراب فى الموسم. كان
يشترى الربيب فينبذ فى ماء زمزم ويسقى للناس ، وكان يليها العباس جاهلية
وإسلاماً، وأقرها النبى . منَّ اله. له ... ويظهر أن المراد بها هنا المصدر.
أى: إسقاء الحجاج وإعطاء الماء لهم (٢).
والمراد بعمارة المسجد الحرام: ما يشمل العبادة فيه، وإصلاح بنائه،
. وخدمته، وتنظيفه .. كما سبق أن بينا.
والهمزة فى قوله. (( أجعاتم. للاستفهام الإنكارى المتضمن معنى النهى.
والكلام على حذف مضاف، لأن العمارة والسقاية مصدران ولا يتصور
تشيهما بالأعيان، فلابد من تقدر مضاف فى أحد الجانبين حتى يتأتى التشبيه
والمعنى. أجعلتم أهل سقاية الحاج وأهل عمارة المسجد الحرام كمن آمن
بالله واليوم الآخر، وجاهد فى سبيل الله؟ ويؤبده قراءة (( أجعلتم سقاة
الحاج. بضم السين . جمع ساق. وعمرة المسجد الحرام . بفتح العين والميم
جمع عامر.
وعلى هذا المعنى يكون التقدير فى جانب الصفة، ويجوز أن يكون
التقدير فى جانب الذات فيكون المعنى. أجعلتموهما. أى السقاية والعمارة.
کإيمان منآمن و جهاد من جاهد ؟
والخطاب يعمل بعض المؤمنين الذين آثروا السقاية والعمارة على الجهاد
(١) تفسير المنار ج١٠ ٢٥٩٠٠، (٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ص ٠٢٧١

- ٨٢ -
- كما جاء فى حديث النعمان. كما يشمل المشركين الذين كانوا ابتفاخرون.
بأنهم سقاة الحجيج، وعمار المسجد الحرام.
والمقصود من الجملة الكريمه إنكار التسوية بين العملين وبين الفريقين.
وقد جاء هذا الانكار صريحاً فى قوله تعالى .. لا يستوون عند الله ..
أى: لا يساوى الفريق الأول الفريق الثانى فى حكم الله، إذ أن الفريق
الثانى له بفضل إيمانه الصادق . وجهاده الخالص الأجر الجزيل عند الله.
فالجملة الكريمة مستأنفة لتقرير الافكار المذكور وتأ كيده ثم ختم -
سبحانه. الآية الكريمة بقوله. (( والله لا يهدي القوم الظالمين)).
أى. والله تعالى. لا يوفق القوم الظالمين إلى معرفة الحق، وتمييزه
من الباطل، لأنهم قد آثروا الشر على الخير , والضلالة على الهداية.
وقوله. ((الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا فى سبيل الله بأموالهم
وأنفسهم أعظم درجة عند الله ... ، استئناف لبيان مراتب فضلهم زيادة
فى الرد ، وتكميلا له .
أى ٠ ,الذين آمنوا، بالله تعالى. إيماناً حقاً،» وهاجروا، من دار
الكفر إلى دار الإيمان فراراً بدينهم،,وجاهدوا في سبيل، لإعلاء كلمة الله
(((بأموالهم وأنفسهم)) ((ؤلاء الذين توفرت فيهم هذه الصفات الجليلة ,أعظم
درجة عند الله، أى. أعلى مقاماً وأشرف منزلة فى حكم الله وتقد يره من أهل
سقاية الحاج، وعمارة المسجد, الحرام، ومن كل من لم يتصف بهذه الصفات
الأربعة الكريمة وهى. الايمان، والهجرة، والجهاد بالمال، والجهاد بالنفس.
قال الفخر الرازى . فان قيل لما أخبرتم أن هذه الصفات كانت بين
المسلين والكافرين . كما جاء فى بعض روايات أسباب النرول. فكيف
قال فى وصفهم أعظم درجة مع أنه ليس للكفار درجة.
قلنا . الجواب عنه من وجوه. الأول أن هذا ورد على حسب ما كانوا
يقدرون لأنفسهم من الدرجة والفضيلة عند الله. ونظيره قوله. سبحانه(آته-
خير أما يشركون))(١) .
(١) سورة النمل : الآية ٠٥٩

-- ٨٣ -
الثانى : أن يكون المراد أن أولئك أعظم درجة من كل من لم يكن
موصوفاً بهذه الصفات، تنبيهاً على أنهم لما كانوا أفضل من المؤمنين الذين
ما كانوا موصوفين بهذه الصفات ، فبأن لا يقاسوا إلى الكفار أولى:
الثالث : أن يكون المراد أن المؤمن المجاهد المهاجر أفضل من على السقابة
والعمارة. والمراد منه ترجيح تلك الأعمال . ولا شك أن السقاية والعمارة
من أعمال الخير، وإنما بطل قولبها فى حق الكفار بسبب كفرهم (١).
وقوله :. وأولئك هم الفائزون)، أى: وألئك الموصوفون بتلك الصفات
الكريمة، هم الفائزون، ثواب الله الأعظم، وبرضائه الأسمى الذى لا يصل
إليه سواهم ممن لم يفعل فعلهم.
ثم فصل. سبحانه . هذا الفوز فقال: ((يبشرهم ربهم برحمة منه
ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم. خالدين فيها أبداً إن الله عنده أجر عظيم،
أى يبشرهم ربهم، على لسان نبيهم عليه فى الدنيا، وعلى لسان الملائكة
عند الموت ((برحمة منه، أى: برحمة واسعة منه، سبحانه. وبرضائه التام
عنهم ، وبجنات عالية لهم فيها نعيم عظيم لا يزول ولا يبيد .
((خالدين فيها أبذا)) أى: ماكئين فى تلك الجنات مكثاً أبدياً.
((وإن الله عند، أجر عظيم)) لا يقادر قدره لهؤلاء الذين آمنوا وهاجروا
وجاهدوا فى سبيل الله بأموالهم وأنفسهم)).
قال الآلوسي: ذكر أبو حيان أنه . تعالى لما وصف المؤمنين بثلاث
صفات الإيمان والهجرة، والجهاد بالنفس والمال ، قابلهم على ذلك بالتبشير
بثلاث : الرحمة ، والرضوان والجنة .
وبدأ - سبحانه - بالرحمة فى مقابة الإيمان لتوقفها عليه، ولأنها أعم
النهم وأسبقها كما أن الإيمان هو السابق .
وثنى - سبحانه بالرضوان الذى هو نهاية الإحسان فى مقابلة الجهاد
الذى هو بذل الأنفس والأموال .
(١) تفسير الفخر الرازى ج١٦ ١٤٥ وتلخيص - يسير.

- ٨٤ -
وثك بالجنات فى مقابلة الهجرة وترك الأوطان، إشارة إلى أنهم لما
آثروا تركها - فى سبيله أعطاهم بدلها دار عظيمة دائمة وهى الجنات.
وفى الحديث الصحيح يقول الله سبحانه -: (( يا أهل الجنة هل رضيتم؟
فيقولون كيف لا يرضى وقد باعدتنا عن نارك وأدخلتنا جنتك؟ فيقول -
سبحانه -: لكم عندى أفضل من ذلك فيقولون وما أفضل من ذلك ؟ فيقول
جل شأنه أحل لكم رضان فلا أسخط عليكم بعده أبدا)، (١).
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد بينت أنه لا تصح المساواة بين
المؤمنين الصادقين الذين هاجروا وجاهدوا فى سبيل الله بأموالهم وأنفسهم،
وبين وغيرهم ممن لم يفعل فعلهم، ولم يجاهدو جهادهم ...
وبعد أن بين - سبحانه - ما أعده من عطاء عظيم المؤمنين الصادقين، الذين
هاجروا وجاهدوا فى سبيله بأموالهم وأنفسهم ... أتبع ذلك بتوجيه نداء
إليهم، حضهم فيه على أن يجردوا أنفسهم لعقيدتهم، وأن يقاطعوا أعداءهـ
فى الدين مهما بلغت درجه قرابتهم منهم ، وأن يؤثروا حب الله ورسوله
على كل شىء من زينة الحياة ، فقال - تعالى:
وَيُّهَا الَّذِينَ ءَ امَنُوْ لَا تَّهُوَاْءَبَآءَ كُمْ وَ إِخْوَاتَهٌ
أَوْلِيَآءَ إِنِ أَسْتَحَبُواْ الْكُفْرَ عَلَى الْإِنَّ وَمَنْ يَتَوَلَُّ مِنْكُمْ فَأُوْلَِّكَ
هُمْ الظِّلُونَ ( قُلْ إِن كَانَ ءَابَا ؤُ كُمْ وَأَبْنَآَ ؤُكُمْ وَ إِخْوَاتٌُ
وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَلُّ أَقْتَرَ فْتُوهَا وَنِجَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا
وَمَسْكِنُ رْضَوْتَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ الَّهِوَرَسُولِهِ، وَجِهَادِفِىِسَبِيلِهِ،
فَتَرَبِّصُرْخَّنْ يَأْتِيَ اللهُ بِأَثْرِّ وَاللهُلَ يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (2)
(١) تفسير الآلوسي جـ ٦٠ ص ٦٢.

- ٨٥ -
تفسير سورة التوبة
.. والمعنى: ((يأيها الذين آمنوا، إيمانا حقا «لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم.
المشركين (( أولياء، وأصدقاء تفشون إليهم أسراركـ، وتطلعونهم على مالا،
يجوز إطلاعهم عليه من شئونكم، وتلقون إليهم بالمودة ... فإن ذلك
يتنافى مع الإيمان الحق، ومع الإخلاص للعقيدة: إيثارها على كل ١٠ سواد!
من زينة الحياة .
والمراد النهى لكل فرد من أفراد المخاطبين عن موالاة أى فردمن أفراد
المشركين، لأن لجمع إذا قوبل بالجمع يوزع الفرد على الفرد، كما فى قوله
تعالى - وما للظالمين من أنصار١١).
قال القرطبى: وخص . سبحانه. الآباء والإخوة إذ لا قرابة أقرب
منها . فنفى الموالاة بينهم ليبين أن القرب قرب الأديان لا قرب الأبدان.
ولم يذكر الأبناء فى هذه الآية، إذ الأغلب من البشر أن الأنباء هم
التبع للآباء والاحسان والهبة مستثناه من الولاية. قالت أسماء: يارسول الله
إن أمى قدمت على راغبة وهى مشركة أنأصلها؟ قال نعم .« صلى مك (١).
وقوله. سبحانه .: إن استحيوا الكفر على الايمان ، قيد فى النهى عن
اتخاذهم أولياء والاستحباب: طلب المحبة: يقال استحب له بمعنى أحبه كأنه
طلب محبتة .
أى: لا تتخذوهم أولياء إن اختاروا الكفر على الإيمان وأصروا على
شركهم وباطلهم ... أما إذا أقلعوا عن ذلك ودخلوا فى دينكم ، فلا حرج
عليكم من اتخاذهم أولياء وأصفيا . .
(١) سورة آل عمران الآية ١٩٢.

- ٨٦ -
الجزء العاشر
وقوله: ((من يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون ) تذييل قصدبه الوعيد
والتهديد لمن يفعل ذلك .
أى : ومن يتولهم منكم فى حال استحبابهم الكفر على الايمان، وألتك
الموالون لهم هم الظالمون لأنفسهم، لأنهم وضعوا المولاة فى غير موضعها،
وتجاوزا حدود الله التى نهاهم عن تجاوزها، وسيجازيهم . سبحانه. على ذلك
بما يستحقونه من عقاب .
ثم أمر. سبحانه، رسوله. بَقَطّ﴾. أن يعلن للناس هذه الحقيقة:
وهى أن محبة الله ورسوله يجب أن تفوق كل محبة لغيرهما فقال - .
تعالى .: ((قل يا محمد لمن أتبعك من المؤمنين, إن كان آباؤكم) الذين أنتم بضعة
منهم، ((وأبناؤكم، الذين هم قطعة منكم ((وإخوانكم)، الذين تربطكم بهم
وشيجة الرحم ((وأزواجكم)، اللائى جعل الله بينكم وبينهن مودة ورحمة
((وعسيرة-كم ((أى: أناربكم الأدنون الذين تربطكم بهم رابطة المعاشرة
والعصبة ,وأموال اقترفتموها، أى: اكتبتموها فهى عزيزة عليكم.
وأصل القرف والاقتراف: قشر اللحاء عن الشجر، والجلدة عن الجرح
ثم أستعير الاقتراف للاكتساب مطلقا:
((وتجارة تخشون كسادها، أى: تخافون بوارها وعدم رواجها بسبب
اشتغالكم بغيرها من متطلبات الايمان .
يقال: كسد الشىء من باب نصر وكرم. كساداً وكسوداً، إذاقل
زواجه وربحه . . ومساكن ترضونها، أى: ومنازل تعجبكم الاقامة فيها:
قل لهم يا محمد: إن كان كل ذلك - من الآباء والاخوان والأزواج
والعشيرة، والأموال، والتجارة، والمسا كن - «أحب اليكم من الله

- ٨٧-
تفسير سورة التوبة
ورسوله وجهاد فى سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره)»:
أى: إن كانت هذه الأشياء أحسن فى نفوسكم وأقرب إلى قلوبكم من
طاعة الله وطاعة رسوله ومن الجهاد فى سبيل إعلاء كلمة الحق، فانتظروا
حتى يحكم اله بحكمه فيكم، وهو العذاب العاجل أو العقاب الآجل:
فالجملة الكريمة تهديد وتخويف لمن آثر محبة الآباء والأبناء ..... على
محبة الله ورسوله ، وعلى الجهاد من أجل إعلاء كلمة الدين .
وقوله: (( والله لا يهدي القوم الفاسقين)) تذييل قصدبه تأ كيدالتهديد
السابق أى: والله - تعالى - قد اقتضت حكمته أن لا يوفق القوم
الخارجين عن حدود دينه وشريعته إلى ما فيه مثوبته ورضاه .
هذا، ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هاتين الآيتين
ما يأتى :
١٠) تحريم موالاة الكافرين مهما بلغت، درجة قرابتهم، واعتبار هذه
الموالاة من الكبار، لوصف فاعلها بالظلم: قال تعالى: ((ومن يتولهم منكم
فأولئك هم الظالمون ) :
(٢) قوة إيمان الصحابة، وسرعة امتثالهم لأوامر الله، فانهم فى سبيل
عقيدتهم قاطعوا أقرب الناس إليهم ممن خالفوهم فى الدين ، بل وحاربوهم
وقتلوهم .
قال ابن كثير: روى الحافظ البيهقى من حديث عبد الله بن شوذب
قال : جعل أبو أبى عبيدة بن الجراح ينعت له الآلهة يوم بدروجعل أبو عبيدة
يحيد عنه. فلما أكثر الجراح، قصد، ابنه أبو عبيدة فقتله، فأنزل الله فيه
هذه الآية - التى بآخر سورة المجادلة - لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم
الآخر يوادون من حاد الله ورسوله، ولو كانوا آباءهم، أو أبناءهم،

-٨٨-
أو إخوانهم، أو عشيرتهم ، أولئك كتب فى قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح.
منه، ويدخلهم اجنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها، رضى الله عنهم.
ورضوا عنه، أولئك حزب الله، ألا إن حزب الله هم المفلحون))!١).
(٣) إن المؤمن لا يتم إيمانه إلا إذا كانت محبته لله ورسوله مقدمة على
كل محبوب ، وقد وردت عدة أحاديث فى هذه المعنى، ومن ذلك ما أخرجه.
البخارى والامام أحمد عن أبى عقيل زهرة بن معبد أنه سمع جده عبد الله
ابن هشام قال: كنا مع رسول الله - صَبِّه - وهو آخذ بيد عمر ابن
الخطاب فقال: يا رسول الله لأنت أحب إلى من كل شىء إلا من نفسى.
فقال رسول الله - عَ له ـ , لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه.
من نفسه ، فقال عمر: فأنت واللّه أحب إلى من نفسى. فقال رسول الله
((الآن يا عمر)) (٢).
(٤) فى الآية الثانية دليل على أنه إذا تعارضت مصلحة من مصالح الدين.
مع مهمات الدنيا، وجب ترجيح جانب الدين على الدنيا ليبقى الدين سلما،
وهذا عمل لا يستطيعه إلا الأتقياء .. ولذا قال الإمام الزمخشرى: وهذه آية
شديدة لا ترى أشد منها. كأنها تنعى على الناس ما هم عليه من رخاوة عقد
الدين، واضطراب حبل اليقين . فلينصف أورع الناس وأتقاهم من نفسه،
هل يجد عنده من التصاب فى ذات الله والثبات على دينة ، ما يستحب له ديته
على الآباء والأبناء والأخوات والعشائر والمال والمساكن وجميع حظوظ الدنيا
ويتجرد منها لأجله؟ أم يزوى اللّه عنه أحقر شىء منها لمصلحته ، فلا يدرى
أى طرفيه أطول؟ ويغويه الشيطان عن أجل حظ من حظوظ الدين ، فلا
يبالى كانما وقع على أنفه ذباب فطيره؟(٣).
(٥) قال بعض العلماء : وليس المطلوب. من قولة تعالى. قل إن كان
آباؤكم ... الخ. أن ينقطع المسلم عن الأهل والعشيرة والزوج والولد
(١) تفسير ابن کثیر ہ٢ص٣٤٢ (٢) تفسير ابن کثیرج٢ ص٣٤٣
(٣) تفسير الكشاف ج٢ ص٠٢٥٧

- ٨٩ -
والمال والعمل والمتاع واللذة، ولا أن يترهبن ويزهد فى طيبات الحياة ..
كلا إنما تريد هذه العقيدة أن مخلف لها القلب، ويخلص لها الحب، وأن
تكون هى المسيطرة الحا كمة ، وهى المحركة الدافعة. فإذا تم لها هذا فلا
حرج عندئذ أن يستمتع المسلم بكل طيبات الحياة، على أن يكون مستعداً
لنبذها كلها فى اللحظة التى تتعارض مع مطالب العقيدة .
ومفرق الطريق هو أن تسيطر العقيدة أو يسيطر المتاع، وأن تكون
الكلمة الأولى للعقيدة أو اعرض من أعراض هذه الحياه؟ فاذا اطمأن السما
إلى أن قلبه خالص لعقيدته فلا عليه بعد هذا أن يستمتع بالأبناء والأخوه
والعشيره والزوج ... ولا عليه أن يتخذ الأموال والمتاجر والمساكن .
ولا عليه أن يستمتع بزينة اللّه والطيبات من الرزق . فى غير سرف ولا مخيلة
بل إن المتاع حينئذ لمستحب، باعتباره لوناً من ألوان الشكر لله الذى
أنعم بها ليتمتع بها عباده، وهم يذكرون أنه الرازق المنعم الوهاب.
ثم انتقلت السورة الكريمة من نهى المؤمنين عن موالاه المشركينمهما
بلغت درجة قرابته، وعن إيثارهم محبه الآباء والأبناء على محبة الله ...
انتقلت من ذلك إلى تذكيرهم بجانب من نعم الله عليهم، حيث أمرهم سبحانه
فى حنين بعد أن ولوا مدبرين دون أن تنفعهم كثرة وقوضم فقال تعالى
لَقَدْ نَصَرَكُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حٍَُّ إِذْ أَعَْتْهُمْ كَثْتُكُمْ
﴿ فَلَمْتُغْنِ عَنْكُرْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ اْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ
وَلَّيْتُ مُدْبِرِينَ (٣٥) ثُمْ أَنزَلَ اللهُسَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَعَلَى
((الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَّْ تَزَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ
، ◌َجَزَآءُ الْكِّفِرِ ينَ (٣) ثُمَّيَتُبُ اللهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ
٢٧
! وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمُ

- ٩٠ -
الجزء العاشر
قال ابن كثير. هذه أول آية نزلت من براءة يذكر-تعالى- المؤمنين
فضله عليهم وإحسانه لديهم فى نصره إياهم فى مواطن كثيرة من غزواتهم
مع رسوله ، وأن ذلك من عنده تعالى: وبتأييده وتقديره لا بعددهم ولا
بعددهم، ونبههم إلى أن النصر من عنده سواء قل الجمع أم كثر، فلهم يوم
حنين أعجبتهم كثرتهم ومع هذا ما أجدى ذلك عنهم شيئاً فولوا مدبرين
إلا القليل منهم ... ثم أنزل الله نصره على رسولة والمؤمنين.
وقد كانت واقعة حنين بعد فتح مكة فى شوال سنة ثمان من الهجرة: وذلك
أنه لما فرغ - عَّ له من فتح مكة، وتمهدت أمورها، وأسلم عامة أهلها،
وأُطلقهم رسول الله عَّ له - بلغه أن هوازن جمعوا له ليقاتلوه، ومعهم
ثقيف بكمالها وبنو سعد بن بكر :
فخرج إليهم رسول الله وم لائع - فى جيشه الذى جاء للفتح وهو عشره
آلاف من المهاجرين والأنصار وقبائل العزب، ومعه الذين أسلموا من أهل
مكة وهم الطلقاء فى ألفين. فسار بهم رسول - اللّه صَّ الله - إلى العدو،
فالتقوا بواد بين مكة والطائف يقال له حنين ، فكانت فيه الموقعة فى
أول النهار فى غلس الصبح .
انحدروا فى الوادى وقد كمنت فيه هوازن، فلما تواجهوا لم يشعر
المسلمون إلا بهم قد بادروهم، ورشقوا بالنبال، وأصلتوا السيوف، وحملوا
حملة رجل واحد .. فعند ذلك ولى المسلمون الأدبار، وثبت رسول اللّه عنه
حلالله
وثبت معه من أصحابه قريب من مائة .
ثم أمر - مَ الله - عمه العباس - وكان جهير الصوت - أن ینادی
بأعلى صوته يا أصحاب الشجره - أى شجره بيعة الرضوان التى بايعه
المسلمون تحتها على أن لا يفروا عنه فجعل ينادى بهم ... فجعلوا
يقولون لبيك لبيك .
وأنعطف الناس فتراجعوا .. فأمرهم رسول الله - صَّ اللّه - أن
يصدقوا الحملة ، وأخذ قبضة من تراب ثم رمى بها القوم ، فما بقى إنسان

- ٩١ -
تفسير سورة التوبة
حتهم إلا أصابه منها فى عينيه وفمه ما شغله عن القتال، ثم انهز موافاتبع المسلمون
أقفاءهم يقتلون ويأسرون، وما تراجع بقية الناس إلا والأسرى مجندلة بين
يدى وسول اللّه فى عَل ف (١):
هذه خلاصة لغزوة حنين التى اجتمع فيها للمسلمين - للمرة الأولى.
جيش تعداده اثنا عشر ألفاً، فلما أعجبتهم هذه الكثرة والقوة ... أصيبوا
بالهزيمة فى أول معركة ... ليعلموا أن كثرتهم أن تغنى عنهم شيئاً إذا لم
یکن عون الله معهم .
فقوله. تعالى: (( لقد نصر كم الله فى مواطن كثيرة ويوم حنين إذ
أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا :: تذكير للمؤمنين ببعض نعم الله
التّه عليهم؛ حتى يداوموا على طاعته ومحبته. وحتى لا يغتروا بقوتهم
مهما كثرت.
والمواطن: جمع موطن. وهو المكان الذى يقيم فيه الإنسان. يقال:
استوطن فلان بمكان كذا ، إذا جعله وطنا له .
والمراد بالمواطن هنا : الأماكن التى حدثت فيها الحروب بين المسلين
وأعدائهم .
قال الآلوسى: وقوله : ((ويوم حنين) معطوف على محل مواطن وعطف
ظرف الزمان على ظرف المكان وعكسه جائز ... وأوجب الزمخشرى
كون ((يوم، منصوبا بفعل مضمر والعطف من قبيل عطف الجملة على الجملة .
أى: ونصركم يوم حنين .. (١)
وقوله: (( إذا أعجبتكم نثرتكم) بدل من يوم حنين، أو عطف له.
(١) تفسير ابن كثير. بتصرف وتلخيص ٠ ٢ ص٣ ٠٣٤ وراجع
تفاصيل هذه الغزوة فى السيرة النبوية لابن هشام ج٤ من صـ٨٠ إلى صـ ٠١٤٣
جامعة الحلبى ٠ ١٩٣٦ تحقيق مصطفى السقا وزميليه .
. (١) تفسير الألوسى = ١٠ ص ٦٥ - بتصرف وتليخص:

- ٩٢ -
الجزء العاشر.
- وأعجبتكم: من الإعجاب بمعنى السرور بما يتعجب منه. وسبب هذا.
الإعجاب أن عدد المسلمين كان اثناعشر ألفا، وعدد أعدائهم كان أربعة آلاف .!
وقوله: ((فلم تغن عنكم شية، بيان الأثر الى الذى أعقب الإعجاب
بالكثرة ، وأن سرورهم بهذه الكثرة لم يدم طويلا، بل قبعه الحزن والهزيمة.
وقوله: (( تغن)) من الغناء بمعنى النفع. تقول: مايغنى عنك هذا الشىء).
أى : ما يجزى. عنك وما ينفعك .
وقوله: «وضاقت عليكم الأرض بمارحبت، بيان لشدة خوفهم وفزعمهم ..
قال القرطبى: والرحب - بضم الراء - السعة. تقول منه : فلان
رحب الصدر .
والرحب - بالفتح - الواسع . تقول منه : بلد رحب وأرض رحبة .
وقيل: الباء بمعنى مع، أى: وضاقت عليكم الأرض مع رحبها . وقيل.
بمعنى على. أى: على رحبها. وقيل المعنى برجها فتكون ((ما)، مصدرية(٢)
والمعنى: أذكروا - أيها المؤمنون -نعم الله عليكم، وحافظوا عليها بالشكر
وحسن الطاعة ، ومن مظاهر هذه النعم أنه- سبحانه. قد نصركم على أعدائكم
مع قلتكم . فى مواقف حروب كثيرة ؛ كغزوة بدر وغزوة بنى فينقاع
والنضير ... كما نصر كم. أيضا. فى يوم غزوة حنين، وهو اليوم الذى
راقئكم فيه كثرتكم فاعتمد تم عليها حتى قال بعضكم : لن نغلب اليوم.
من قلة ...
ولكن هذه الكثرة التى أعجيتم بها لم تنفعكم شيئا من النفع فى أمر العدو
بل انهزمتم أمامه فى أول الأمر، وضاقت فى وجوهكم الأرض مع رحاتها.
وسعتها بسبب شدة خوفكم، فكنتم كما قال الشاعر:
كأن بلاد القه وهى عريضة على الخائف المطلوب كفة حابل (١)
وقوله: ( ثم وليتم مدبرين)) تذيل مؤكد لما قبله وهو شدة خوفهم.
(١) تفسير القرطى ج ١٠ ص ٠١٠١
(٢) الكفة . بالكسر . حبالة الصائد. والحابل: الذى ينصب الحالة .

- ٩٣ -
تفسير سورة التوبة
ووليتم : من النولى بمعنى الإعراض. ومديرين: من الإدبار بمعنى
الذهاب إلى الخلف .
أى: ثم وليتم الكفار ظهوركم منهزمين لا قلوون على شىء.
وهكذا، زى الآية الكريمة قصور ماحدث من المؤمنين فى غزوة حنين
تصويرا بديعا معجزا .. فهى تنتقل من تصوير سروره بالكثرة، إلى تصوير
عدم نفعهم بهذه الكثرة، إلى تصوير شدة خوفهم حتى لكأن الأرض على
سعتها تضيق بهم وتقفل فى وجوههم ، إلى تصوير حركاتهم الحسية المتمثلة
فى توليه الآبار، والنكوص على الأعقاب .
وبعد هذا الخوف الشديد الذى أصاب المؤمنين فى مبدأ لقائهم بأعدائهم
فى غزوة حنين، يجىء نصر الله الذى عبر عنه. سبحانه. بقوله: ( ثم
أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ...
والسكينة: الطمأنينة والرحمة والأمنة وهى فعيله من السكون: وهو ثبوت
الشىء بعد التحرك. أو من السكن وهو كل ما سكنت إليه واطمأننت به
من أهل وغيرهم :
أى: ثم أنزل الله. تعالى. على رسوله. وَ اللّه. وعلى المؤمنين رحمته
التى تسكن إليها القلوب، وتطمئن بها اطمئنانا يستتبع النصر القريب.
وقد كان الرسول. عَّاللَّه. فى حاجة إلى هذه السكينة؛ لأنه مع
شجاعته وثباته ووقوفه فى وجه الأعداء كالطود الأشم. أصابه الحزن
والأسى افرار هذا العدد الكبير من أصحابه عنه.
وكان المؤمنون الذين ثبتوا من حوله فى حاجة إلى هذه السكينه ؛
ليزدادوا ثباتا على ثباتهم ، وإيمانا على إيمانهم .
وكان الذين فروا فى حاجة إلى هذه السكينة ، ليعود إليهم ثباتهم،
فيقبلوا على قتال أعدائهم بعد أن دعاهم رسولهم، عَّ اللّه. إلى ذلك.
وقوله: (وأنزل جنودا لم تروها)) بيان لنعمة أخرى سوى إنزال السكينة.
أى: وأنزل مع هذه السكينة جنودا من الملائكة لم قروها بأبصاركم،
ولكنكم وجدتم أثرها فى قلوبكم، حيث عاد إليكم ثباتكم وإقدامكم.

- ٩٤ -
وقوله: « وعذب الذين كفروا، بيان لنعمة ثالثة سوى السابقتين.
أى : أنزل سكينته وأنزل جنودا لم تروها، وعذب الذين كفروا بأن
سلطكم عليهم فقتلتم منهم من قتلتم ، وأسرتم من أسرتم .
وقوله ((وذلك جزاء الكافرين)، أى وذلك الذى نزل هؤلاء الكافرين
من التعذيب جزاء لهم على كفرهم، وصدهم عن سبيل الله ..
ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر قدرته ورحمته بعباده فقال - تعالى
, ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم)).
أى : ثم يتوب الله. تعالى. من بعد هذا التعذيب الذين كفروا فى
الدنيا، على من يشاء أن يتوب عليه منهم، بأن يوفقه للدخول فى الإسلام،
والله. تعالى. واسع المغفرة، عظيم الرحمة، لا يحاسب الكافرين . بعد
إيمانهم على ما حصل منهم من كفر.
قال. تعالى .: ((قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف،
وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين، (١).
قال ابن كثير: وقوله: «ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء .. ، قد تاب.
الله على بقية هوازن فأسلموا، وقدموا عليه،سلمين، والحقوه وقد قارب مكة
عند الجعرانة ، وذلك بعد الوقعة بقريب من عشرين يوماً فعند ذلك خيرهم
بين سديهم وبين أموالهم فاختاروا سبهم، وكانوا ستة آلاف أسير، ما بين
صى وامرأة فرده عليهم: وقسم الأموال بين الغانمين . ونقل أنا سامن الطلقاء
لكى يتألف قلوبهم على الإسلام ((فأعطاهم مائة مائة من الإبل، وكان جملة
من أعطاهم مائة من الإبل مالك بن عوف النضرى واستعمله على قومه(٢)
وبذلك نرى هذه الآيات الكريمة قد ذكرت المؤمنين بجانب من نعم الله
عليهم . ومن رحمته بهم، وأرشدتهم إلى أن النصر لا يتانى لمن أعجبوا
بكثرتهم فأنشغلوا بها عن الاعتماد عليه - سبحانه ... وإنما النصر يتأنى لمن
أخلصوا لله سرائرهم وعلانيتهم , وباشروا الأسباب التى شرعها - سبحانه-
للوصول إلى الفوز والظفر .
قال ابن القيم : افتتح الله . تعالى غزوات العرب بغزوة بدر، وختم غزوم
بغزوة حنين ، لهذا يقرن بين هاتين بالذكر، فقال بدر وحنين وإن كان بينهما
(٢) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٢٤٦
(١) سورة الأنفال الآية ٣٨

- ٩٥ -
سبع سنين ... وبهاتين الغزوتين طفئت جمرة العرب لغزو رسول الله
ح اليه - والمسلمين. فالأولى خوفتهم وكسرت من حدتهم، والثانية
استفرغت قواهم ، واستنفدت سهامهم، وأذات جمهم، حتى لم يجدوا بدا
من الدخول فی دین الله(١).
وبعد هذا التذكير والتوجيه من الله تعالى - لعباده المؤمنين ... وجه
سبحانه - إليهم نداء أمرهم فيه يمنع المشركين من قربان المسجد الحرام،
ووعدهم بالعطاء الذى يغنهم ، فقال :
وَأَيُّهَ الَّذِينَ ءَامَنُوَاْ إِنَّا أَلْمُشْرِكُونَ تَسْ فَلَا
يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ
يُغْنِكُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِةٍ إِن شَآءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾
وقوله: ((نجس ، بالتحريك - مصدر نجس الشىء ينجس فهو نجس إذا
كان قذراً غير نظيف = وفعله من باب ((تعب)، وفى لغة من باب (( قتل)).
قال صاحب الكشاف : النجس : مصدر. يقال نجس نجا وقذر قذرا،
لأن معهم الشرك الذى هو بمنزلة النجس ، ولأنهم لا يتطهرون ولا يغتسلون.
ولا يحتذبون النجاسات فهى ملابسة لهم . أو جعلوا كأنهم النجاسة بعينها،
مبالغه فى وصفهم بها (٢).
عراء ويجى)
لاعراء
عفنى
قيل: وجوز أن يكون لفظ ((نجس، صفة مشبهة - وإليه ذهب
الجوهرى ولابد حينئذ من تقدير موصوف مفرد افظاً مجموع معنى، ليصح
الإخبار به عن الجمع. أى جنس نجس ونحوه (٣).
وقوله: (( إنما المشركون نجس)) فيه ما فيه من التعبير البديع المصور
المجسم لهم، حتى لكانهم بأرواحهم وما هيتهم وكانهم .. النجس يمشى
على الأرض فيتحاشاه المتطهرون، ويتحاماه الأتقياء من الناس .
(١) تفسير القاسمى = ١٠ ص٣٠٩٩ (٢) تفسير الكشاف ج٣ص٢٦١
.(٣) تفسير الآلوسي ج ١ ص ٦٨

- ٩٦ -
تفسير سورة التوبة
.وقوله : فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ،تفريع على نجأستهم
والمراد النهى عن الدخول إلا أنه عبر عنه بالنهى عن القرب مبالغة فى
إبعادهم عن المسجد الحرام ما
والنهى وإن كان موجها إلى المشركين ، إلا أن المقصود منه نهى
المؤمنين عن تمكينهم من ذلك ، والمراد بقوله: « بعد عامهم هذا العام
الذى حصل فيه النداء بالبراءة من المشركين ، وبعدم طوافهم بالمسجد
الحرام ... وهو العام التاسع من الهجرة .
قال ابن كثير : أمر الله عباد المؤمنين الطاهرين ديناوذاتا بنفى المشركين
الذين هم نجس دنيا - عن المسجد الحرام، وأن لا يقربوه بعد نزول هذه
الآية. وكان نزولها فى سنة تسع. ولهذا بعث رسول اللّه عَّ له - عليا
صحبة أبى بكر رضى الله عنهما - عامئذ ، وأمره أن ينادى فى المشركين: أن
لا يحج بعد هذا العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان. فأتم اللّه ذلك
وحكم به شرعا وقدراً (١).
وقوله: « وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء، بشارة
من الله تعالى للمؤمنين بأن سيعطيهم من فضله ما يغنيهم عن المشركين.
والعيلة : الفقر والفافة : يقال : عال الرجل يعيل عيلة فهو عائل إذا
افتقر ، ومنه قول الشاعر :
وما يدرى الفقير متى غناه وما يدرى الغنى متى يقيل
وقرىء ( عائلة)). بمعنى المصدر كالعافية: اسم فاعل صفة لموصوف
مؤنث مقدر أى : حالا عائلة .
قال ابن جرير - بعد أن ساق روايات فى سبب نزول الآية - :
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٦٨
ـعب
٠
التفسير
بالقرب

تفسير سورة:
- ٩٧ -
التوبة
سعن عملية العوفى قال: لما قيل ((ولا يحج بعد العام مشرك، قالوا: قد كنا
نصيب من بياعاتهم فى الموسم، قال فنزلت ((يأيها الذين آمنوا إنما المشركون
نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا، وإن خفتم عيلة فسوف
يغنيكم الله من فضله ... الآية)) (١).
والمعنى: لا تمكنوا. أيها المؤمنون. المشركين من دخول المسجد الحرام
- بعد هذه السنة؛ لأنهم نجس .. ولا تخشوا الفقر والفاقة بسبب عدم تمكينهم؛
حيث إنكم تتبادلون معهم التجارات والمبايعات .. لأن الله تعالى. قد وعدكم
أن يغنيكم من فضله بالعطايا والخيرات التى تكفيكم أمر معاشكم ...
وقد أنجز الله . تعالى . لهم وعده، فأرسل السماء عليهم مدرارا، وفتح
لهم البلاد، فكثرت بين أيديهم الغنائم وألوان الخيرات، ودخل فى دين
. الله من هم أيسر حالا وأغنى مالا من هؤلاء المشركين ...
قال صاحب الكشاف: قوله: ((فسوف يغنيكم الله من فضله)، أى: من
عطائه أو من تفضله بوجه آخر؛ فأرسل عليهم السماء عليهم مدرارا، فأغزر
بها خيرهم، وأكثر مسيرهم. وأسلم أهل قبالة (٢) وجرس حملوا إلى مكة
. الطعام وما يعاش به؛ فكان أعود عليهم بما عافوا العيلة لفواته.)) (٣)
والتقييد بالمشيئة فى قوله: « إن شاء، ليس للتردد، بل هو التعليم
المؤمنين رعاية الأدب مع الله. تعالى. كما فى قوله:(( لتدخلن المسجد الحرام
أن شاء الله آمنين.» ولبيان أنَّ هذا الإغناء بإرادته . سبحانه. وحده،
فعليهم أن يجعلوا اعتمادهم عليه، وتضرعهم إليه لا إلى غيره، والتنبيه على
أن عطاءه. سبحانه . لهم، هو من باب التفضل لا الوجوب؛ لأنه لو كان
واجبا ما قيده المشيئة .
سبب الفلق
بالمشـ
٨
(١) تفسير ابن جرير = ١٠ ص ١٠٧
(٢) قبالة: بلد باليمن خصبة ومثلها جرس
(٣) تفسير الكشاف ج ٢ ص ٢٦٠
(٧ - سورة التوبة )

الجزء - ٩٨ - العاشر
ولما كانت مشيته - سبحانه - تجرى حسب مقتضى علمه وحكمته،.
فقد ختم الآية بقوله: (( إن الله عليم حكيم)).
أ)) : إن الله عليم بأحوالكم ومصالحكم، وبما يكون عليه أمر.
حاضركم ومستقبلكم حكم فيما شرعه لمكم. فاستجيبوا له لتنالوا السعادة.
فى دنيا كم وآخرتكم .
هذا، ومن الأحكام والآداب التى استفبطها العلماء من هذه الآيةما يأتى:
أن المراد بالمشركين فى الآية ما يتناول عبدة الأوثان وغيرهم من أهل.
الكتاب . كما هو مقتضى ظاهر اللفظ، وكما يدل عليه قوله - تعالى -. إن.
أنّه لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء .. )، (١)
المراد
بالموسين
أى: لا يغفر أن يشرك به بأى لون من ألوان الشرك.
ويرى كثيرً من الفقهاء أن المراد بالمشركين هنا: عبدة الأوثان فحسب،
لأن الحديث خاص بهم من أول السورة إلى هنا .
٢ - يرى جمهور الفقهاء أن نجاسة المشركين مرجعها إلى خبث.
بواطنهم لعبادتهم سوى الله - تعالى -، أما أبدانهم فطاهرة.
وقد بسط صاحب المنار القول فى هذه المسألة فقال ما ملخصه: (قال بعضهم.
بنجاسة أعيان المشركين، ووجوب تطهير ما تصيبه أبدانهم مع البلل .
حكى هذا القول عن ابن عباس والحسن البصرى .. وجمهور الظاهرية ..
ويرى جمهور السلف والخلف وأصحاب المذاهب الأربعة أن أعيانهم.
طاهرة. لأنه من المعلوم أن المسلمين كانوايعاشرون المشركين ويخالطونهم .
ومع هذا فالنبى - صَّيّة - لم يأمر بغسل شىء مما أصابته أبدانهم ...
بل الثابت أنه - عَنْتبده - توضأ من مزادة مشركة، وأكل من طعام.
الكم
(١) سورة النساء الآية ٤٨

-٩٩-
اليهود ... وأطعم هو وأصحابه وفداً من الكفار ولم يأمر بغسل الأوانى التى
أكلوا وشربوا فيها ...
وروى الإمام أحمد وأبو داود من حديث عبد الله بن مسعود قال كنا نغزو
مع رسول الله، فنصيب من آفية المشركين وأسقيتهم فتستمتع بها ولا يعيب
ذلك علينا ... ،١١
٣ - اختلف الفقهاء فى المراد بالمسجد الحرام فى قوله - تعالى - , فلا
يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ... ،
فقال ابن عباس وابن جبير ومجاهد وعطاء: المراد به الحرمكله فيشمل.
المسجد الحرام ومكة، لأن المسجد الحرام حيث أطلق فىالقرآن ..
فالمراد به الحرم كله . وعليه فالكافر يمنع من دخول الحرم كله ..
المرادي عمد الك
0750
ويرى الشافعى أن المراد المسجد الحرام بخصوصه أخذا بظاهر اللفظ .
قال القرطبى: وقال الشافعى : الآية عامة فى سائر المشركين، خاصة فى
المسجد الحرام ، ولا يمنعون من دخول غيره ، فأباح دخول اليهودى
والنصر انى فى سائر المساجد)، (٢).
ـوح عمد
7.
٤
ويرى الإمام مالك أن المراد المسجد الحرام بالنصر وبقية المساجد.
تقاس عليه ، لأن العلة - وهى النجاسة - موجودة فى المشركين ، والحرمة
موجودة فى كل مسجد ،
المسجد الرا
ويد المساء
وعليه فلا يجوز تمكنيهم لا من المسجد الحرام ولا من غيره من المساجد.
ويرى الأحناف أن المراد بالمسجد الحرام الحرم كله ، إلا أن النهى هنا
ليس منصبا على دخوله وإنما هو منصب على المنع من الحج والعمرة . ومن
الحج إليه أى : لا تمكنوا - أيها المؤمنون - المشركين من الطواف بالمسجد
الحرام بعد عامهم هذا .
قال الآلوسي: وبؤيده قوله - تعالى - ((بعد عامهم هذا،، فإن
(١) راجع تفسير المنار جـ ١٠ ص ٣٢٢ وما بعدها .
(٢) تفسير القرطبي، جـ ١٠ ص ٠١٠٥
الرح كله
المشع موطأ
دون السفود !

- ١٠٠ -
تقييد النهى يدل على اختصاص المنهى عنه بوقت من أوقات العام. أى: لا يحجوا
ولا يعتمروا بعد حج عامهم هذا وهو عام تسعة من الهجرة ... ويدل عليه
نداء على - كرم الله وجهه - يوم نادى ببراءة ألا لا يحج بعد عامنا هذا
مشرك، وكذا قوله - سبحانه - ((وإن خفتم عبلة)، أى: فقراً بسبب منعهم،
لما أبهم كانوا يأتون فى الموسم بالمتاجر، فإنه إنما يكون إذا منعوا من
دخول الحرم كما لا يخفى ٤٠)
ثم قال: والحاصل أن الإمام الأعظم يقول بالمنع عن الحج والعمرة
ويحمل النهى عليه ، ولا يمنعون عنده من دخول المسجد الحرام ومن دخول
سائر المساجد ، (9) .
٤ - قال القرطبى: فى هذه الآية دليل على أن تعلق القلب بالأسباب فى
الرزق جائز، وليس ذلك بمناف للتوكل، وإن كان الرزق مقدرا، ولكنه
علقه بالأسباب لتظهر القلوب التى تتعلق بالأسباب ، من القلوب التى تنوكل
على رب الأرباب وقد تقدم أن السبب لا ينافى التوكل ، ففى الحديث الذى
أخرجه البخارى أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: «لو قوكاتم على
الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا وتروح بطانا، (٢)
- أى: تغدو صباحا وهى جياع، وتعود عشية وهى متلئة البطون -.
هذا، وبتدبر آيات السورة الكريمة - من أولها إلى هنا - زاها قد
وضحت العلاقات النهائية بين المسلمين وبين المشركين عبدة الأوثان، وفصلت
كثيرا من الأحكام التى تخص الفريقين ، ومن ذلك أنها قررت :
١ - براءة الله ورسوله من عهود المشركين الذين مردوا على نقض
المواثيق .
(١) تفسير الألوسى ج ١٠ ص ٠٦٨
(٢) تفسير القرطبى = ١٠ ص ١٠٧ - بتصرف يسير -