النص المفهرس

صفحات 1-20

التفسير الوسيط
للقرآن الكريم
تفسيـ
الصورة التوفَّة
لفضله
الدكتور محمد سيد طنطاوى
الدكتور
الأستاذ بجامعة القاهرة
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
١٤٠٥ - ١٩٨٥

( الجزء العاشر )
( الطبعة الثانية )
فى الباب الاخضر المشهد الخشيفي
ت ٥٣٦٠٠٨
القاهرة

"رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْثَ السَّمْيُعُ الْعَلِيمُ"

f

بسم اللهالرحمن الرحيمُ
المقدمة
الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد
وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين .
وبعد : فهذا تفسير تحليلى لسورة التوبة ، توخيت فية أن أبرز ما اشتملت
عليه السورة الكريمة من توجيهات سامية، وآداب عالية، وهدايات
شاملة ، وحكم جليلة ، وتراكيب بليغة ....
والله نسأل أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، ونافعا لعباده، وشفيعا
لنا عنده - سبحانه - يوم نلقاه، إنه أكرم مسئول وأعظم مأمول .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ؟
المؤلف
تحريراً ١٩ من شوال سنة ١٣٩٥ هـ
محمد سيد طنطاوى
الموافق ٢٤ من أكتوبر سنة ١٩٧٥ م

تميد بين يدى تفسير سورة التوبة
نقصد بهذا التميد - كما سبق أن بينا فى تفسير السور السابقة - إعطاء
القارىء صورة واضحة عن السورة التى ستفسرهاقبل أن نبدأ فى تفسيرها
آية آية , فنقول:
١ - سورة النوبة هى السورة التاسعة فى ترتيب المصحف، فقد سبقها
سؤ الفاتحة، والبقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام،
.والأعراف ، والأنفال .
٢ - وعدد آياتها مائه وتسعة وعشرون آية عند الكوفيين . ومائة
،وثلاثون آية عند جمهور العلماء.
٢ - أعاؤها:
عرفت هذه السورة منذ العهد النبوى بجملة من الأسماء منها :
(١) التوبة : وسميت بهذا الاسم لتكرار الحديث فيها عن التوبة
والائبين ومن ذلك قوله - تعالى -: ((فإن تبتم فهو خير لكم ... (١).
وقوله - تعالى -: ((فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم
:فى الدين (٢)» .
وقوله - تعالى - : «ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور
رحيم(٣))).
وقوله - تعالى -: ((وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاصالحا وآخر
سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم .. )) (٩).
(١) الآية ٣
(٢) الآية ٢٧
(٢) الآية ١١.
(٤) الآخ ١٠٢-

- ٨ --
وقوله - تعالى -: «وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يثوب ..
عليهم ... ، (١).
إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التى تكررت فى هذه السورة عن.
التوبة والتائبين .
. (ب) براءة: وسميت بذلك لافتتاحها بقوله - سبحانه -: ((براءة من
الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين ....
وهذان الاسمان - التوبة وبراءة - هما أشهر أسماء هذه السورة الكريمة.
(ح) الفاضحة: وسميت بهذا الاسم لحديثها المستفيض عن المنافقين.
وصفاتهم وأحوالهم ... وفضيحتهم على رءوس الأشهاد .
أخرج البخاري عن سعيد بن جبير قال : قلت لابن عباس: سورة التوبة
قال: التوبة هى الفاضحة . ما زالت تنزل: ومنهم ومنهم، حتى ظنوا أنها لن ..
تبقى أحدا منهم إلا ذكر فيها (٢)
(د) المنقرة: وسميت بذلك، لأنها نقرت عما فى قلوب المنافقين والمشركين
فكشفت عنه ، وأظهرته للناس ..
(*) المثيرة: وسميت بهذا الاسم، لأنها أثارت مثالبهم وعوراتهم ..
أى : أخرجتها من الخفاء إلى الظهور ...!
( و) المبعثرة: لأنها بعثرت أسرارهم. أى بينتها وعرفتها للمؤمنين ..
(ز) المدمرة: أي الملكة لهم .....
إلى غير ذلك من الأسماء التى اشتهرت بها هذه السورة الكريمة (٣)
هذا، وليس فى سور القرآن الكريم أكثر أسماء منها ومن سورة الفاتحة ..
(١) الآية ١٠٦.
(٢) صحيح البخارى: ٦ ص ١٨٣. طبعة مصطفى الحلى سنة ٠١٣٤٥
(٣) راجع تفسير الآموسى ج١٠ ص٣٦. الطباعة المنيرية الطبعة الثانية .

- ٩ -
٤.٠٠ - زمان ومكان نزولها:
قال ابن كثير : هذه السورة الكريمة من أواخر ما نزل على رسول الله.
- شَدة - كما قال البخارى ... ،١١).
وقال صاحب المنار: هى مدنية بالاتفاق. وقيل: إلا قوله- تعالى -
((ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولوكانوا أولى قربى ...
الآية، وذلك لما روى فى الحديث المتفق عليه من نزولها فى النهى عن استغفاره
- عَّ - لعمه أبي طالب - كما سيأنى تفصيله عند تفسيرها.
ويجاب عنه بجواز أن يكون زولها تأخر عن ذلك، وتما يقوله العلماء فى
مثل هذا المقام من جواز نزول الآيةمرتين: مرة منفردة ومرة فى أثناء السورة.
واستثنى ابن الفرس قوله - تعالى - «لقد جاءكم رسول من أنفسكم.
إلى آخر الآيتين اللتين فى آخرها؛ فزعموا أنهما مكيتان.
ويرده ما رواه الحاكم وأبو الشيخ فى تفسيره عن ابن عباس من أن داتين
الآيتين من آخر ما نزل من القرآن، كما يرده أيضا قول الكثيرين من أن
هذه السورة نزلت تامة .
وما يعارض هذا مما ورد فى أسباب نزول بعض الآيات، يجاب عنه بأن
أكثر ما روى فى أسباب النزول، كان يراد به أن الآية نزلت فى حكم كذا .
أعنى أن الرواة كافوا يذكرونها كثيرا فى مقام الاستدلال. وهذا لا يدل على
نزولها وحدها ، ولا على كون النزول كان عند حدوث ما استدل بها عليه ،.
كما قلنا آنفا فى احتمال نزول آية استنكار الاستغفار للمشركين فى المدينة،
وإن كان ما ذكروه من سببها حدث بمكة قبل الهجرة (٢) ).
وقال بعض العلماء: ومن مراجعة نصوص السورة مراجعة موضوعية» ..
ومراجعة ماجاء فى الروايات المأثورة عن أسباب النزول وملابساته، ومراجعة.
(١) تفسير ابن كثير جـ٢ ص ٠ ٢٣- طبعة عيسى الحلى.
(٢) تفسير المنار = ١٠ ص ١٧٤ ٠

- ١٠ -
أحداث السيرة النبوية كذلك .. يتبين أن السورة بجملتها نزلت فى العام
التاسع من الهجرة . ولكنها لم تنزل دفعة واحدة
ومع أننا لا نملك الجزم بالمواقيت الدقيقة التى نزلت فيها مقاطع السورة
فى خلال العام التاسع ، إلا أنه يمكن الترجيح بأنها نزلت فى ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى منها : كانت قبل غزوة تبوك فى شهر رجب من هذا العام.
والمرحلة الثانية: كانت فى أثناء الاستعداد لهذه الغزوة ثم فى ثناياها .
والمرحلة الثالثة : كانت بعد العودة منها .
أما مقدمات السورة من أولها إلى نهاية الآية الثامنة والعشرين منها ،
فقد نزلت متأخرة فى نهاية السنة التاسعة قبيل موسم الحج من ذى القعدة
أو فى ذى الحجة .
وهذا - على الإجمال - هو كل ما يمكن ترجيحه والاطمئنان إليه (١).
والذى نراه أن هذا القول هو الذى تسكن إليه النفس فى الحديث عن زمان
ومكان نزول السورة الكريمة؛ لأن الذى يستعرض آياتها يراها-فى مجموعها-
قرسم للمؤمنين ما يجب أن تكون عليه علاقاتهم مع المشركين، ومع أهل الكتاب
ومع المنافقين ؛ ومع غيرهم من الطوائف .
كما يراها ترسم لهم الطريق الذى يجب عليهم أن يتخذوه أساساً لدولتهم.
ومنهاجا لحياتهم، حتى تستمر عزتهم ، وتبقى كلمتهم عالية قوية بعد أن فتح
الله لهم مكة وأدل الشرك وأهله .
كما يراها - أيضا - تتحدث باستفاضة عن أحداث قد وقعت خلال غزوة
تبوك أو قبلها أو بعدها . وغزوة تبوك قد كانت فى السنة التاسعة من الهجرة.
٥ - لماذا لم تذكر البسملة فى أول سورة التوبة؟.
(١) تفسير ((فى ظلال القرآن، للاستاذ الشهيد سيد قطب. الطبعة
الخامسة سنة ١٣٨٦ هـ و سنة ١٩٦٧ م .

- ١١ -
للإجابة على هذا السؤال ذكر العلماء أقوالا متعددة لخصها الغرطى
تلخيصا حسنا فقال :
واختلف العلماء فى سبب سقوط البسملة من أول هذه السورة على أقوال
خمسة: الأول : - أنه قيل كان من شأن العرب فى زمانها فى الجاهلية ، إذا
كان بينهم وبين قوم عهد وأرادوا نقضه، كتبوا إليهم كتابا ولم يكتبوا فيه
بسملة؛ فلما نزلت سورة براءة بنقض العهد الذى كان بين النبى - صلى الله
عليه وسلم - والمشركين، بعث بها النى - صلى الله عليه وسلم - على بن أبى
طالب فقرأها عليهم فى الموسم، ولم يعمل فى ذلك على ما جرت به عادتهم
فى نقض العهود من ترك الجملة .
وقول ثان : - روى النسائى قال : حدثنا أحمد قال: حدثنا محمد بن المثنى
عن محمد بن سعيد قال: حدثنا عوف، قال: حدثنا يزيد الرقاشى - وفى
صحيح الترمذى يزيد الفارسى - قال: قال لنا ابن عباس: قلت لعثمان: ما حملكم
على أن عمدتم إلى ((الأنفال، وهى من المثانى، وإلى ((براءة)) وهى من المتين
فقر نتم بينهما، ولم تكتبوا سطر بسم الله الرحمن الرحيم، ووضعتموها فى
السبع الطوال ؛ فما حملكم على ذلك ؟
قال عثمان: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا نزل عليه
الشىء يدعو بعض من يكنب عنده فيقول: «ضعوا هذه الآيات فى السورة
التى يذكر فيها كذا وكذا، وكانت(( الأنفال)) من أوائل ما أنزل - أى بعد
الهجرة -، و ((براءة، من آخر القرآننزولا، وكانت قصتها شبيهة بقصتها.
وقبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يبين لنا أنها منها فظنت أنها
منها، فمن ثم قرقت بينهما ولم أكنت بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم.
وقول ثالث: روى عن عثمان أيضا . وقال مالك فما رواه ابن وهب وابن
القاسم وابن عبدالحكم: إنه لما سقط أولها سقط بسم الله الرحمن الرحيم معه.

-١٢ -
.. وفافى ذلك عن ابن جلان أنه بلغه أن سورة «براءة، كانت تعدل البقرة
أو قربها فذهب منها : فلذلك لم يكتب بسم الله الرحمن الرحيم.
وقال سعيد بن جبير : كانت مثل سورة البقرة .
وقول رابع : - قاله خارجة وأبو عصمة وغيرهما . قالوا: لما كتبوا
المصحف فى خلافة عثمان اختلف أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"
فقال بعضهم: براءة والأنفال سورة واحدة، وقال بعضهم: هما سورتان.
فتركت بينهما فرجة لقول من قال إنه ما سورتان وتركت بسم أه الرحمن الرحيم.
لقول من قال هما سورة واحدة، فرضى الفريقان معاً، وثبتت حجتاهما.
فى المصحف .
وقول خامس: قال عبد الله بن عباس: سألت على بن أبى طالبٍ لماذا
لم يكتب فى براءة بسم الله الرحمن الرحيم؟ قال: لأن بسم الله الرحمن الرحيم ..
أمان ، وبراءة نزلت بالسيف ليس فيها أمان .
- وكذا قال المبرد: إن التسمية افتتاح للخير ، وأول هذه السورة
وعيد ونقض عهود ، فلذلك لم تفتتح بالنسمية .
ثم قال القرطبى والصحيح أن التسمية لم تكتب، لأن جبريل - عليه السلام-
ما نزل بها فى هذه السورة .. ))(١).
ألخ،
دها، وقول القرطبى: والصحيح أن التسمية لم تكتب ..
هو القول الذى نعتمدة، وقطمئن إليه قلوبنا، وقد رجحه المحققون من العلماء.
فقد قال الفخر الرازى - وقد ذكر ستة أوجه فى سبب إسقاط التسمية
من أولها - :
الصحيح أنه - صلى الله عليه وسلم - أمر بوضع هذه السورة بعد سورة
الأنفال وحيا، وأنه حذف بسم الله الرحمن الرحيم من أول هذه السورة وحبا(٢٪
(١) تفسير القرطبى ج٨ص ٦١ طبعة دار الكتب المصرية سنة ٠ ١٣٨ هـ سنة ١٩٦١م.
(٢) تفسير الفخر الرازى ج١٥ ص٢٢٦. طبعة عبد الرحمن محمد سنة ١٣٥٧ سنة ١٩٦٨°م

١٣ -
عه. وقال الجلال: ولم تكتب فيها الصملة لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم
يأمر بذلك، كما يؤخذ من حديث رواه الحاكم .
أى أنه - كما يقول الجمل - لا مدخل لرأى أحد فى الإثبات الترك، وإنما
۔
المتبع فى ذلك هو الوحى والتوقيف. وحيث لم يبين النبى - صلى الله عليه وسلم-
ذلك تعين ترك النسمية ، لأن عدم البيان من الشارع فى موضع البيان
بيان للعدم )، (١) .
وقال بعض العلماء: ولم تكتب فى أولها البسملة لعدم أمره - صلى الله
عليه وسلم - بكتابتها، إذ لم ينزل بها جبريل - عليه السلام -. والأصل
فى ذلك التوقيف » .
أما الأقوال الخمسة التى نقلناها عن القرطبى - منذ قليل - فى سبب سقوط
البسملة من أول سورة التوبة، فإننالانرى واحدا منها يعتمد عليه فى هذا الأمر.
لأن القول الأول الذى حكاه بقوله: قيل كان من شأن العرب .... ألخ))
إنما هو تحليل عقلى على سبيل الاجتهاد لبيان الحكمة فى عدم كتابة البسملة
فى أولها . ومثل هذا التعليل يقال فى القول الخامس الذى حكاه ابن عباس،
عن على بن أبى طالب .
وأما القول الثاني - وهو الحديث الذى رواه النسائي والترمذى- فقد علق
عليه أحد العلماء المحققين بقوله: ((فى إسناده نظر كثير، بل هو عندى ضعيف
جداً ، بل هو حديث لا أصل له . يدور إسناده فى كل رواياته علىم یزید
الفارسى ، ... ويزيد الفارسى هذا اختلف فيه: أهو يزيد بن هرمزأم غيره؟
قال البخارى فى التاريخ الكبير: ((قال لى على: قال عبدالرحمن يزيد
الفارسى هو ابن هرمز. قال: فذكرته لبحيى فلم بعرفه، قال: ((وكان يكون
مع الأمراء). وفى التهذيب: «قال ابن أبى حاتم: اختلفوا هل هو يعنى ابن
هرمز يزيد الفارسى أو غيره ...
.. فهذا يزيد الفارسى الذى انفرد برواية هذا الحديث يكاديكون مجهولا،
حتى شبه على مثل ابن مهدى وأحمد والبخارى أن يكون هو ابن هرمز أو غيره.
١/ ٠١٠.ة الحا ءا الحلالين. جـ ٢ ص ٢٦١- طبعة عيسى الحلبى.

- ١٤ -
ويذكره البخارى فى الضعفاء، فلا يقبل منه مثل هذا الحديث ينفرد به،
وفيه تشكيك فى معرفة سور القرآن الثابتة بالتواتر القطعى، قراءة وسماعا
وكتابة فى المصاحف. وفيه تشكيك فى إثبات البسملة فى أوائل السور،
كان عثمان كان يثبتها برأيه وينفيها برأيه، وحاشاه من ذلك .
فلا علينا إذا قلنا إنه (( حديث لا أصل له، تطبيقاً للقواعد الصحيحة.
التى لا خلاف فيها بين أئمة الحديث .
قال السيوطى فى تدريب الراوى فى الكلام على أمارات الحديث.
الموضوع: أن يكون منافيا لدلالة الكتاب القطعية، أو السنة المتواترة،
أو الإجماع القطعى)) ... (١).
وأما القول الثالث الذى يقول « إنه لما سقط أولها سقط معه.
بسم الله الرحمن الرحيم ... )، فهو قول ساقط لا يعتد به، لأنه لا دليل عليه
ولا سند له، ويؤدى الالتفات إليه إلى المساس بقداسة القرآن الكريم،
حيث إن بعض سوره كانت طويلة ثم سقط منها ما سقط . .
وأما القول الرابع الذى يزعم قائلوه أن بعض الصحابة قال: «براءة
والأنفال سورة واحدة ... )، فهو قول ضعيف ولا يعتد به - أيضاً -
كسابقه ، لأنه قد عرف واشتهر بأنهما سورتان مستقلتان منذ عهد النى
- صلى الله عليه وسلم - إلى يومنا هذا.
ولأن الذى يقرأ السورتين بإمعان وتدبر ، يرى أن لكل منهما
موضوعاتها الخاصة بها، والتى اهتمت بها أكثر من غيرها، فسورة الأنفال
تحدثت باستفاضة عن غزوة بدر وما يتعلق بها .. بينما سورة التوبة
قد تحدثت باستفاضة عن غزوة تبوك أى فى السنة التاسعة .
(١) راجع ((المسند للإمام أحمد، شرح وتحقيق الأستاذ الشيخ أحمد
شاكر. جـ ١ حديث رقم ٢٩٩ طبعة دار المعارف ، الطبعة الثالثة سنة ٠١٩٤٩
فقد تكلم الأستاذ أحمد شاكر على هذا الحديث / كلاما طويلا فأنظر.

- ١٥ -
قال الجاكم: إستفاض النقل أنهما سورتان .
وقال أبو السعود: إشتهارها - أى سورة التوبة - بهذه الأسماء المتقدمة .
. ألخ - يقضى بأنها سورة مستقلة ، وليست بعضاً من
براءة والفاضحة
سورة الأنفال ... ))(١) :
وقال بعض العلماء: وهذه الأسماء وغيرها مما ثبت إطلاقه على السورة
- أى سورة التوبة - من الصدر الأول، لم يعرف إطلاق واحد منها على
السورة التى قبلها وهى سورة الأنفال ، كما لم يعرف أنه أطلق اسم سورة
الأنفال على هذه السورة . وبذلك أحتفظت كل من السورتين منذ العهد
الأول بما لها من اسم لم تشاركها فيه صاحبتها .
وكما احتفظت كل من السورتين بما لها من اسم ، احتفظت كل منهما
بوقت نزولها، فسورة الأنفال نزلت بعد غزوة بدر . أى : فى السنة الثانية
من الهجرة . وسورة التوبة نزلت بعد غزوة تبوك ، وبعد خروج أبى بكر
على رأس المسلمين إلى الحج. أى : فى أواخر السنة التاسعة.
وكما احتفظت كل منهما بهذا وذاك ، احتفظت كل منهما - أيضاً -.
بهدفها الخاص .
فسورة التوبة عالجت شئوناً حدثت بعد زمن طويل من نزول سورة
الأففال، ومعرفتها باسم سورة الأنفال. وسورة الأنفال عالجت شئوناً
حدثت قبل نزول سورة التوبة ولم يرد لها ذكر فيها .
ولاشك أن كل هذه الاعتبارات الواضحة المبينة والمحققة فى السورتين
من الصدر الأول، تدل دلالة واضحة على أنهما سورتان منفصلتان، وأن
عدهماسورة واحدة رأى لا قيمة له، كما لا قيمة لاشتباه فى استغلال كل منهما.
(١) تفسير أبى السعود جـ ٢ ص ٢٥٠. طبعة محمد عبد اللطيف.

- ١٦ -
حتى يقال : تركت البسملة بينهما نظرا لاحتمال وحدتهما، وتركت بينهما
فرجة نظرا لاحتمال إنفصالهما .
: · وقد عرف مع ترك التسمية بينهما أنهما سورتان مستقلتان من عهد النبى
- صلى الله عليه وسلم - إلى يومنا هذا.
.. وقد جاءتا كذلك فى المصاحف الأولى: مصحف عثمان، وعلى، وابن
«عباس، فلا معنى بعد هذا كله لإثارة شبهة ق- تمس من قرب أو بعد قداسة
تنظيم كتاب الله وترتيبه بناء على روايات ضعيفه أو موضوعة (١).
مثل !! والخلاصة أن القول بأنهما سورة واحدة، قول لا وزن له، ولا يعول
عليه للأسباب التى ذكر ناها آنقاً .
قم: ٦- مناسبتها لسورة الأنفال:
قراء قال الألوسى: ووجه مناسبتها للأنفال أن فى الأولى قسمة الغنائم وجعل
حمنها لخمسة أصناف على ما علمت، وفى هذه قسمة الصدقات وجعلها ثمانيه
.أصناف على ما ستعلم إن شاء الله .
. (١١ وفى الأولى - أيضاً - ذكر العهود وهنا نبذها. وأنه - سبحانه-أمر فى
الأولى بالإعداد فقال: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة)» ونعى هنا على
المنافقين عدم الإعداد بقوله: (( ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة)).
للت خوانه - سبحانه - ختم الأولى بإيجاب أن يوالى المؤمنون بعضهم بعضا وأن
يكونوا منقطعين عن الكفار بالكلية، وصرح - جل شأنه - فى هذه بهذا
المعنى فقال: « براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين .. )).
إلى غير ذلك من وجوه المناسبه (٢) .
(١) تفسير القرآن الكريم ص ٦٠١٠ لفضيلة الأستاذ الشيخ محمود شلتون
طبعة دار القلم الطبعة الرابعة سنة ١٩٦٦
(٢) نفشير الآلوسى = ١٠ ص ٣٦

- ١٧ -
وقال صاحب المنار: وأما التناسب بينها وبين ما قبلها فإنه أظهر من
التناسب بين سائر السور وبعضها مع بعض، فهى-أى التوية - كالمتممة السورة
الأنفاز فى معظم مافيهما من أصول الدين وفروعه والسنن الإلهية والتشريع
. وأحكام المعاهدات .. فما بدىء به فى الأولى أتم فى الثانية، مثال ذلك.
١ - أن العهود ذكرت فى سورة الأنفال، وافتتحت سورة التوبة بتفصيل
الكلام فيها ، ولا سيما نبذها الذى قيد فى الأولى بخوف خيانة الأعداء.
٢٠ - تفصيل الكلام فى قتال المشركين وأهل الكتاب فى كل منهما .
٣٠ - ذكر فى الأولى صد المشركين عن المسجد الحرام وأنهم ليسوا
بأولياته، وجاء فى الثانية. « ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله .. )).
٤ - ذكر فى أول الأولى صفات المؤمنين الكاملين ، وذكر بعد ذلك
بعض صفات الكافرين. ثم ذكر فى آخرها حكم الولاية بين كل من
الفريقين. وجاء فى الثانية مثل هذا فى مواضع أيضاً. (١).
والحق أن الذى يقرأ السورتين بتأمل وقدبر براهما تعطيانه ما يشبه أن
يكون صورة تاريخية مجملة لدعوة النبى - بِ له . وجهاده إلى أن أتم الله
وله نعمة النصر .
فثلا عندما نقرأ سورة الأنفال نراها تتحدث عن حالة المسلمين قبل
الهجرة كما فى قوله . تعالى.,واذكروا إذا أنتم قليل مستضعفون فى الأرض
تخافون أن يتخطفكم الناس ... الآية ٢٦)).
كما تتحدث عن المكر السىء الذى صدر عن المشركين والذى كان من
أسباب الهجرة، كما فى قوله . تعالى .. وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك
أو يقتلوك أو يخرجوكويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين. الآية ٣٠)».
(١) تفسير المنار - بتصرف وتلخيص - ج ١٠ ص ٠١٧٥ للسيد
رشيد رضا.
(٢ - سورة التوبة)

الجزء - ١٨- العاشر
ثم نراها تفيض فى الحديث عن غزوة بدر، وتشير إلى ماظهر من المنافقين.
فيها، إذ يقول المنافقون والذين فى قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم. الآ ية ٤٩
وإلى ما حدث من اليهود من نقض للعهود (( وإما تخافن من قوم خيانةفانيف.
إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين، الآية ٥٨)).
أما سورة التوبة فهراها تذكر المسلمين بالنصر الذى منحة الله لهم فى
مواطن كثيرة قال. تعالى .: ((لقد نصركم الله فى مواطن كثيرة ٠٠٠)
((الآية ٢٥)، كما تصف بالتفصيل مواقف المنافقين فى غزوة تبوك وغيرها.
ولعل قيام السورتين الكريمتين بإعطاء القارئ. ما يشبه أن يكون صورة
تاريخية مجملة للدعوة الإسلامية هو الحكمة فى وضعهما مقترنتين وفى
تسميتهما بالقرينتين .
قال القرطبى:، كانتا تدعيان القرينتين، فوجب أن نجمعا وتضم إحداهما.
إلى الأخرى؛ للوصف الذى ازمهما من الاقتران ورسول الله - صلى الله .
عليه وسلم -)» (١) .
٧ - المقاصد الإجمالية لسورة التوبة:
عندما نقرأ سورة التوبه بتأهل و تدبر نراها فىمطلعها تحدد تحديد احاسما
المنهاج الذى يجب أن يسلكه المؤمنون فى علاقتهم مع المشركين، وتبين.
يوضوح وجلاء الأسباب التى تدعو المؤمنين إلى التزام هذا المنهاج .
فهى فى أولها تعلن براءة الله ورسوله من المشركين بسبب خياناتهم،.
وتمنحهم الأمان لمدة أربعة أشهر لكى يدم وافيها أمر أنفسهم، وتعلن للناس
عامة يوم الحج الأكبر أن الله ورسوله قد برنا من عهود المشركين، وأنها
قد نبذت إليهم، وتستثنى من هؤلاء المشركين أولئك الذين لم ينقضوا،
فتأمر المؤمنين بأن يتموا إليهم عهدهم إلى مدقهم، فإذا ما انتهت مدة الأمان فعلى
(١) تفسير القرطبی ج ٨ ص ٦٣

المسير سوره - ١٩ - التوبة
المؤمنين أن يقتلوا المشركين الناكثين حيث وجدوهم ، وأن يؤمنوا من
يطلب الأمان منهم حتى يسمع القرآن ويتدبره، ويطلع على حقيقة الإسلام.
وبذلك لا يبقى لة عذر .
استمع إلى السورة الكريمة وهى قصور كل هذه المعانى بأسلوبها
البليغ الحاسم فتقول :
براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين. فسيحوا فى
الأرض أربعة أشهر، واعلموا أنكم غير معجزى الله وأن الله مخزن
الكافرين. وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله
برىء من المشركين ورسوله؛ فإن تبتم فهو خير لكم، وإن قولوا
فاعلموا أنكم غير معجزى اللّه ، وبشر الذين كفروا بعذاب أليم .
تم نسوق السورة بعد ذلك الأسباب التى دعت إلى البراءة من المشركين.
والتى أوجبت على المؤمنين قتالهم ، وحرضتهم على ذلك بأنواع من
المشجعات فقالت :
« ألا تقاتلون قوماً فمكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدأوكم
أول مرة، أمخشونهم ؟ فاالله أحق أن تخشوه إن كنتم منؤمنين . قاقلوهم
يعذبهم الله يأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين.
ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم)).
ثم توجه السورة الكريمة خطابها إلى الذين شق عليهم القتال من المؤمين،
وتبين أن الحكمة فى الأمر به، إنما هى الامتحان والتمحيص فنقول .

الجزء - ٢٠ - العاشر
أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ، ولم يتخذوا
من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون.
ثم تصرح السورة الكريمة بعد ذلك بأن المؤمنين وحدهم هم الذين من
حقهم أن يعمروا مساجد الله ... أما المشركون فليس من حقهم ذلك
بسبب كفرهم ونجاستهم .
قال تعالى: ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على
أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفى النار هم خالدون. إنما يعمر
مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش
إلا الله فى أولئك أن يكونوا من المهتدين .
فإذا ما وصلنا إلى الربع الثانى من سورة التوبة رأيناها فى أوائله توجه
إلى المؤمنين نداء تأمرهم فيه أن يؤثروا محبة الله ورسوله على محبة الآباء
والأبناء والأموال .. وتهدد من يخالف ذلك فتقول:
يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم أولياء إن استحبوا الكفر على
الإيمان ، ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون . قل إن كان آباؤكم
وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال افترفتموما وتجارة
تخشون كسادها ، ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله
وجهاد فى سبيله ، فتربصوا حتى يأتي الله بأمره، والله لا يهدى القوم
الفاسقين .
ثم أخذت السورة الكريمة فى تذكير المؤمنين بألوان من نعم الله عليهم،