النص المفهرس
صفحات 181-200
١٠جزء - ١٨١ - التاسع وأن نجاتهم من القتل أو الأسر فى الدنيا أن تنفعهم شيئاً من العذاب المبين فى الآخرة . وعلى هذه القراءة يكون فاعلى ((يحسبن، قوله , الذين كفروا)، ويكون المفعول الأول ليحبن محذوف أى: ولا يحسبن الذين كفروا أنفسهم .. والمفعول الثاني جملة («سبقوا، وأما على القراءة الثانية ((ولا تحسبن، فيكون قوله (( الذين كفروا، هو المفعول الأول. وجملة ،سبقوا، هى المفعول الثانى. أى: ولا تحسبن - أيها الرسول الكريم - أن هؤلاء الكافرين قد سبقونا بخيانتهم لك، أو أفلتوا عن فقابنا وصاروا فى مأمن منا ... كلا، إنهم لا يعجزوننا عن إدراكهم وإنزال العقوبة بهم فى أى وقت نريده ونشائها فنحن لا يعجزناشى ... وعلى كلا القراءتين فالمقصود من الآية الكريمة. قطع أصما الكافرين فى النجاة، وإقناطهم من الخلاص، فكأنه - سبحانه - يقول لهم: إن من لم يصبه عذاب الدنيا، فوف يصيبه عذاب الآحرة، ولا مفر له من ذلك ما دام قد استحب الكفر على الإيمان . أما المؤمنون فلهم من الله - تعالى - التأبيد والنصر وحسن العافية . ثم أمر - سبحانه - المؤمنين بإعداد وسائل القوة التي بها يصلون إلى النصر، وإلى بعث الرعب فى قلوب أعدائهم ... فقال - عز وجل -: وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّ أَسْتَطَعْتُ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِّبَاطِ الْخَيْلِ ثُونَ بِ عَدُوَّ الَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَاَزِينَ مِنْ دُوِمْلَا تَعْلَمُونَهُمَّ اللهُ يَعْبُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوْ مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيْلِ الَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا ٦٠ المُفْكُونَ وقوله: ((وأحدوا .. ، معطوف على ما قبله، وهو من الإعداد بمعنى تهيئة الشىء المستقبل . والخطاب لكافة المؤمنين . تفسير سورة - ١٨٢ - الأنفال والرباط فى الأصل مصدر ربط ، أى شد. ويطلق يعنى المربوط مطلقا. وكثر إستعماله فى الخيل التى تربط فى سبيل الله. فالإضافة إما باعتبار عموم. المفهوم الأصلى، أو بملاحظة كون الرباط مشتر كابين معان أخر كملازمة الثغور، والمواظبة على الأمر ، فإضافته لأحد معافيه البيان . قال صاحب الكثاف: والرباط : اسم الخيل التى تربط فى سبيل انه. ويجوز أن يسمى بالرباط الذى هو بمعنى المرابطة . ويجوز أن يكون جمع وبيط كفصيل وفصال ـ بقال نعم الربط هذا، لما يرتبط من الخيل (١). والمعنى: عليكم - أيها المؤمنون - أن تعددا لقتال أعدائكم ما تستطيعون: إعداده من وسائلى القوة على اختلاف صنوفها وألوانها وأسبابها. وجاء - سبحانه - بلفظ «قوة، منكراً، ليشمل كل ما يتقوى به فى الحرب كائنا ما كان . قال الجمل: وقوله ((من قوة، فى محل نصب على الحال. وفى صاحبها وجهان: أحدهما أنه الموصول. والثانى: أنه العائد عليه، إذ التقدير ما استطعتموه حال كونه بعض الفوة . ويجوز أن تكون ((من)، لبيان الجنس)) (٢). وقوله: ((ومن رباط الخيل، معطوف على ما قبله من عطف الخاص على العام . أى: أعدوا لقتال أعدائكم، ما أمكنكم من كل ما يتقوى به عليهم فى الحرب ، من نحو: حصون وقلاع وسلاح .. ومن رباط الخيل للغزو والجهاد فى سبيل الله . وخص ربط الخيل بالذكر من بين ما يتقوى به ،لمزيد فضلها وغنائها فى الحرب، ولأن الخيل كانت الأداة الرئيسية فى القتال فى العهد النبوى. وقوله: (١) تفسير الكشاف = ٢ من ٠٢٣٢ (٢) حاشية الجمل على الجلالين = ٢ ص ٢٥٣. الجزء - ١٨٣ - التاسع « ترهبون به عدو الله وعدوكم)) بيان المسقصود من الأمر بإعداد ما يمكنهم :إعداده من قوة . ع وقوله: (( تهبون)) من الرهبة وهى مخافة مع تحرز واضطراب. والضمير المجرور - وهو قوله ((به) - يعود إلى الإعداد المأخوذ من قوله، وأعدوا،. أى: أعدوا ما استطعتم من قوة، حالة كونكم مرهبين هذا الإعداد عدو الله وعدوكم ، من كل كافر ومشرك ومنحرف عن طريق الحق، وعلى «رأس هؤلاء جميعا. كفار مكا الذين أخرجوكم من دياركم بغير حق ، ـويهود المدينة الذين لم يتركوا وسيلة للإضرار بكم إلا فعلوه . وقوله ((وآخرين من دونهم لا نعلموفهم الله يعلمهم، معطوف على ماقبله أى: ترهبون بهذا الإعداد عدو الله وعدوكم کشرکی مكة ويهود المدينة . وترهبون به أيضاً أعداء آخرين غير هؤلاء الأعداء المعروفين لكم. أی : تر ھیون بهذا الإعداد أعداء معروفین لگم ۔ کشرکی مکة وہیود المدينة، وترهبون به أيضاً أعداء آخرين غيرم أنتم لا تعرفونهم لأنهم يخفون عداوتهم لكم، ولكن الله - تعالى - الذى لا يخفى عليه شيء يعلمهم، وسيحبط أعمالهم . وقد اختلف المفسرون فى المرادبه ؤلاء الأعداء الذين عبر الله عنهم بقوله لا تعلمونهم الله يعلمهم، فمنهم من قال: المراد بهم بنو قريظة ومنهم من قال : المراد بهم أهل فارس والروم . ورجح ابن جرير أن المراد بهم : كفار الجن .. لأن المؤمنين كانوا عالمين بعداوة بنى قريظة وفارس والروم لهم ... والمعنى ترهبون بذلك الإعدادعدو اتهوهدی کم من بنى آدم الذین علمتمعداو تهم، وترهبونبه جنسا تفسير -ورة - ١٨٤ - الأنفال آخر من غير بنى آدم لا تعلمون أماكنهم وأحوالهم، أنه يعلمهم دونكم، لأن بنى آدم لايرونهم ... (١). ورجح الفخر الرازى أن المراد بهم المنافقون. قال: ((لأن المنافق من عادته أن يتربص ظهور الآفات، ويحتال فى إلقاء الإفساد والتفريق بين المسلمين - بطرق قد لا تعرف.، فإذا شاهد كون المسلمين فى غابة القوة .. خافهم وترك الأفعال المذمومة ، (٢). ولعل مارجحه الفخر الرازى هو الأقرب إلى الصواب ، لأن عداوة المنافقين للمؤمنين كثيراً ماتكون خافية، ويشهد لهذا قوله - تعالى - فى. آية أخرى: ((ومن حولكم من الأعراب منافقون ومى أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن تعلمهم .. )، (٣). ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بالدعوة إلى الإنفاق فى سبيله ، وبشر المنفقين محسن الجزاء فقال: «ما تنفقوا من شى. فى سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون». أى: وما تنفقوا - أيها المؤمنون - ((من شىء، قل أو كثر هذا المنفق « فى سبيل الله.، أى فى وجوه الخيرات التى من أجلها الجهاد لإعلاء كلمة الدين (( يوف إليكم، أى: يصل إليكم عوضه فى الدنيا وأجره فى الآخرة (وأنتم لا تظلمون، أى: لا تنقصون شيئاً من العوض أو الأجر. قالوا: والتعبير بالظلم - مع أن الأعمال غير موجبة للثواب حتى يكون رك ترتيبه عليها ظلما - لبيان كال نزاهته - سبحانه - عن ذلك بتصويره. (١) راجع تفسير ابن جرير ج ١٠ ص ٣٢ طبعة مصطفى الحلبى --. الطبعة الثانية سنة ١٣٧٣ هـ، سنة ١٩٥٤ م (٢) تفسير الفخر الرازى = ١٥ ص ٠١٨٦ (٣) سورة التوبة الآية ١٠١ - ١٨٥ - الجزء التاسع بصورة ما يستحيل صدوره عنه - تعالى - من القبائح، وإبرار الإثابة فى معرض الأمور الواجبة عليه - تعالى -، (١). هذا، ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتى : ١ - وجوب إعداد القوة الحربية للدفاع عن الدين وعن الوطن وعن كل ما يحب الدفاع عنه، لأن أعداء الإسلام إذا ما علموا أن أتباعه أقوياء هابوم، وخافرا بأسهم، ولم يجرؤا على مها جمتهم .. قال القرطبى: وقوله- تعالى -: ((وأعدوا لهم .، أمر الله المؤمنين بإعداد القوة للأعداء، بعد أن أكدتقدمة التقوى، فإن الله - تعالى - لوشاءلهزمهم بالكلام والتفل فى وجوههم، وبحفنة من تراب ، كما فعل رسول الله - *- ، ولكن أراد أن يبتلى بعض الناس ببعض بعله السابق وقضائه النافذ ... (٢) . وقال بعض العلماء: دلت هذه الآية على وجوب إعداد القوة الحربية، إنقاء بأس الغدر وهجومه، ولماعمل الأمراء بمقتضى هذه الآية أيام حضارة الإسلام، كان الإسلام عزيزاً، عظيماً، أبى الضم، قوى القنا، جليل الجاه، وفير السنا، إذ نشر لوا- سلطته على منبسط الأرض، فقبض على خاصية الأقطار والأمصار . أما اليوم فقد ترك المسلمون العمل بهذه الآية الكريمة، ومالرا إلى النعيم. والغرف، فأهملوا فرضاً من فروض الكفاية، فأصبحت جميع الأمة آئمة يترك هذا الفرض، ولذا تعانى اليوم من غصته ما تعانى. وكيف لا يطمع العدو فى بلاد الإسلام، وهى لا يرى فيها معامل للأسلحة، وذخائر الحرب، بل كلها ما يشترى من بلاد العدو؟ (١) حاشية الجمل على الجلالين = ٢ ص ٢٥٤ (٢) تفسير القرطبى = ٨ ص ٣٥ تفسير سورة - ١٨٦ - الأنفال أما آن لها أن تتنبه من غفلتها، فتعد العدة التى أمراته بها لأعدائها، وتتلافى ما فرطت قبل أن يداهم العدو ما بقى منها بنيه ورجله .. ؟ (١). إن القوة التى طلب الله من المؤمنين إعدادها لإرهاب الأعداء ، تتناول كل مامن شأنه أن يجعل المؤمنين أن وياء . كإعداد الجيوش المدربة، والأسلحة المتنوعة التى تختلف بحسب الأزمنة والأمكنة . وما روى من تفسير القوة - التى وردت فى الآية - بالرمى، فإنما هو على سبيل المثال، ولأن الرمى كان فى ذلك الوقت أقوى ما يتقوى به. قال الفخر الرازى عند تفسيره الآية، والمراد بالقوة هنا ما يكون سبباً لحصول القوة، وذكروا فيه وجوها : الأول : المراد من القوة أنواع الأسلحة . الثانى: روى أنه - صَ لّم - قرأ هذه الآبه على المنبر وقال: «ألا :إن القوة الرمى، قالها ثلاثا . الثالث : قال بعضهم : القوة هى الحصون . الرابع: قال أصحاب المعانى: الأولى أن يقال: هذا عام فیکل ما بتقوىبه. على حرب العدو، وكل ماهو آلة للغزو والجهاد فهو من جملة القوة، وقوله - عَّة -: (( القوة هى الرمى)) لا يفى كون غير الرمى معتبراً. لا أن قوله - صَاء - «الحج عرفه والندم قوله)) لا ينفى اعتبار غيره. بل يدل على أن هذا المذكور جزء شريف من المقصود فكذا هنا. وهذه الآيه تدل على أن الاستعداد للجهاد بالنبل، والسلاح، وتعليم الفروسية، والرمى فريضه إلا أنه من فروض الكفايات . ٣ - أن رباط الخيل للجهاد فى سبيل الله فضله عظيم ، وثوابه كبير، (١) تفسير الفاتى ج ٨ ص ٣٠٢٥ .(٢) تفسير الفخر الرازى ج ١٥ من ١٨٥ الجزء - ١٨٧ - التاسع فقد كانت الخيل هى خير ما عرف العرب من وسائل الانتقال فى الحرب وأسرعها ، وما زالت الخيل لها قيمتها فى بعض أنواع الحروب. قال القرطى، فإن قيل: إن قوله ((وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة، كان يكفى، فلما خص الخيل بالذكر ؟. قيل له: إن الخيل لما كانت أصل الحرب وأوزارها (١) التى عقد الخير فى قواسيها، وهى أقوى القوة، وأشد العدة، وحصون الفرسان ، وبها يجال فى الميدان، لما كانت كذلك خصها بالذكر تشريفاً، وأقسم بغبارها مكريما، فقال: ((والعاديات ضبحا)، (٢). وقال الإمام ابن العربى: وأمارباط الخيل فهو فضل عظيم ومنزلة شريفة. روى الأئمة عن أبى هريرة أن رسول الله - ربيع - قال: «الخيل ثلاثة، لرجل ستر، ولرجل أجر، وعلى رجل وزر. فأما الذى هى عليه وزر فرجل ربطها رياء وفخرا ونوا لأهل الإسلام - أى: مناوأة ومعاداة - فهى عليه وزر . وأما الذى هى عليه ستر فرجل ربطها تغنيا وتعمفا، ولم ينس حق الله فى ظهورها فهى عليه سعر . وأما الذى هى له أجر فرجل ربطها فى سبيل الله، فأطال لها فى مرج أوروضة، فما أكات من ذلك المرج أو الروضة من شىء إلا كتب الله له عدد ما أكلت حسنات .... وروى البخارى ومسلم عن جابر بن عبد الله قال: رأيت رسول الله - مَّ له - بلوى خاصية فرس اباصبعيه وهو يقول: «الخير معقودفى أوأصي الخيل إلى يوم القيامة. (٣). (١) أوزار الحرب: أثقالها من آلة حرب وسلاح وغيره. (٢) تفسير القرطبى ج ٨ ص ٢٧ (٣) أحكام القرآن - القسم الثاني ص ٨٦٢ لابن العربى ، طبعة عيسى احلى . الطبعة الأولى سنة ١٩٥٧. تفسير سورة - ١٨٨ - الأنفال ٤ - أن المقصود من إعداد العدة فى الأسلام إنما هو إرهاب الأعداء. حتى لا يفكروا فى الاعتداء على المسدين، وحتى يعيش أقباع هذا الدين آمنين. مطمئنين فى ديارهم، وحتى يستطيعوا أن يبلغوا رسالة اللّه إلى خلقه من. للناس دون أن يخشوا أحدا سواه - عز وجل .. وليس المقصود بإعداد العدة إرهاب المسالمين، أو العدوان على الآمنين، أو القهر والإذلال للناس واستغلالهم فيما يغضب الله - تعالى -.. ، ولذلك وجدنا الآية صريحة فى بيان المقصود من هذا الإعداد، وهو - كما عبرت عنه «ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم. الله يعلمهم ..... وهناك آيات أخرى صريحة فى بيان سبب مشروعية القتال فى الإسلام. ومن ذلك قوله - تعالى -: ((وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين)) (١). وقوله - تعالى -: ((وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين، فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين)، (٢) : والخلاصة: إن من اقبع آيات القرآن الواردة فى الفعال يجدها جميعها تقرر أن سبب القتال فى الإسلام ينحصر فى رد العدوان ، وحماية الدعوة الإسلامية من التطاول عليها وتثبيت حرية العقيدة، وتطهير الأرض من الظلم والطغيان . ٥ - وجوب الإنفاق فى سبيل الله، ومن أشرف وجوه الإنفاق فىسبیل ألله أن يبذل المسلم ما يستطيع بذله فى الجهاد الذى هو ذروة سنام الإسلام، والذى ما تركه قوم إلا ذلوا ... وألقوا بأنفسهم فى التهلكة. ولقد بشرت الآية الكريمة المنفقين فى سبيل الله، بأنه - سبحانه - سيجازيهم على إنفاقهم جزاء وافيا لا نقص معه ولا ظلم . (٢) سورة البقرة : الآية ١٩٣ . (١) سورة البقر الآية ١٩٠ الناع - ١٨٩ - الجزء قال-تعالى-وما تنفقوا منشىء فى سبيل الله يوفإليكم وأنتم لا تظلون )). وفى الحديث الشريف الذى رواه الترمذى عن أبى يحيى قال: قال رسول الله ن ◌َ؟ -: ((من أنفق نفقة فى سبيل الله كتب له سبعمائة ضعف (١). ثم أمر - تعالى - رسوله - بَ﴾ - بقبول السلم والمصالحة. إذا ما رغب أعداؤه فى ذلك ، وكانت ظواهرهم وأفعالهم قدل على صدق نواباهم فقال - تعالى - : وَإِنْ جَنَحُوْ لِلَِّ فَاجْتَحْ لَهَا وَتَوَ تُّلْ عَلَى آلِهِ إِنَّهُ أُهُوَ الَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ وَ إِنْ يُرِيدُواْأَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ الله هُوَ الَّذِ أَبَّدَكَ بِنَصْرِهِ، وَبِالْمُؤْمِنِينَ ﴾ وَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْقَقْتَ مَا فِى الْأَرْضِ جَميعًا مَّ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَئِكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ يَهُّ إُِّ عَزِيزٌ حَكِيم ٦٣ وقوله («جنحوا)) من الجنوح بمعنى الميل، يقال: جنح فلان للشئ. وإليه - يجنح - مثلث النون - جنوحاً. أى: مال إليه وله. قال القرطبى: والجنوح: الميل. وجنح الرجل إلى الآخر: مال إليه .. ومنه قيل للأضلاع جوانح؛ لأنها مالت على الحشوة - بضم الحاءوكسرها- أى : الأمعاء. وجنحت الإبل : إذا مالت أعنافها فى السير قال ذو الرمة : إذا مات فوق الرحل أحببت روحه بذكراك والعبس المراسيلى جنح (٢) وقرأ الأعمش وأبو بكروا بن محيض (السلم)) - بكسر السين-وقرأ الباقون (١) رياض الصالحين للإمام النووى ص ٤٨٩ طبعة عيسى الحلبى. (١) العيس: الإبل البيض والمراسيل: سهلة السير وجنح: ماثلة صدور ماإلى الأرضز تفسير سورة - ١٩٠ - الأنفال بالفتح. وإنما قال ((لها، لأن السلم مؤنثة - تأنيث نقيضها وهى الحرب .. ويجوز أن يكون التأنيث للغطلة (١). والمعنى: عليك - أيها الرسول الكريم - أن تنكل فى الحرب بأوائذهب للكافرين الناقضين لعهودهم فى كل مرة، وأن تهىء ما استطعت من قوة لإرهابهم فإن مالوا بعد ذلك إلى ((السلم، أى: المسالمة والمصالحة فوأفقهم ومل إليها ما دامت المصلحة فى هذه المسالمة . وقوله ((وتوكل على الله إنه هو السميع العليم، معطوف على، فاجنح لها» لقصد التثبيت و بعث الطمأنينة فى قلبه . أى: أقبل المسالمة ما دام فيها مصلحتك، وفوض أمرك إلى الله - تعالى -. ولا تخش مكرهم وكيدهم وغدرهم، إنه - سبحانه -«هو السميع، لأقوالهم .. ((العليم، بأحوالهم، فيجازيهم بما يستحقون، ويردكيدهم فى أسرهم .. وعبر - سبحانه - عن جنوحهم إلى السلم بحرف («إن، الذى يعبر به عن. الشىء المشكوك فى وقوعه، الإشارة إلى أنهم ليسوا أهلا لإختيار المسالمة أو المصالحة لذاتها، وإنما هم جنحوا إليها لحاجة فى نفوسهم، فعلى المؤمنين. أن يكونوا دائما على حذر منهم، وألا يأمنوا مكرهم. هذا وقد اختلف العلماء فيمن عنى بهذه الآية . فمنهم من يرى أن المعنى بها أهل الكتاب ، ومنهم من يرى أن الآية عامة. أى تشمل أهل الكتاب .. والمشركين. ثم اختلفوا بعد ذلك فى كونها منسوخة أولا ؟ وقد حكى ابن جرير معظم هذه الخلافات ورجمح أن المقصود بهذهالآية جماعه من أهل الكتاب ، وأن الآية ليست منسوخه فقال ما ملخصه: «عن قتادة أن قوله (( وإن جنحوا للسلم فاجمح لها ٠ ٠، ، نسوخه بقوله. فى سورة براءة , فاقتلوا المشركين حيث وجد تموهم ،(٢). وبقوله: ((وقاتلوا). المشركين كافة))(٣). (١) تفسير القرطبى بتصرف يسير ج ٨ ص ٠٣٩ (٢) سورة براءة ((التوبة، الآية • (٣) سورة براءة ((التوبة، الآية ٣٦٪ التاسع - ١٩١ - الجزء فقد كانت هذه ، أى الآية التى معنا وهى قوله - تعالى -((وإن جنحوا السلم ٠٠٠٠ - قبل براءة. كان النبى - 83 - يوادع القوم إلى أجل، فإما أن يسلموا، وإما أن يقاقلهم، ثم نسخ ذلك بعد فى براءة فقال: ((فاقتلوا المشركين } حيث وجد تموم)). وعن عكرمة والحسن البصرى قالا . . وإن جنحوا السلم ... ، نسختها الآية التى فى براءة وهى قوله - تعالى - , قاقلوا الذين لا يؤمنون بالله. ولا باليوم الآخر .. ، (١) الآية . ثم قال ابن جرير: فأما ما قاله قتادة ومن قال مثل قوله من أن هذه الآية منسوخة ، فقول لا دلالة عليه من كتاب ولا سنة ولا فطرة عقل. لأن قوله ((وإن جنحوا للسلم فاجنح لها .. ، إنما عنى به بنو قريظة - كما قال مجاهد - وكانوا يهودا أهل كتاب وقد أذن الله - جل ثناؤه-المؤمنين. بصلح أهل الكتاب ، ومتار كتهم الحرب، على أخذ الجزية منهم . وأماقوله: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموم ... ، فإنما عنى بهمشر كو العرب من عبده. الأوثان ، الذين لا يجوز قبول الجزية منهم، فليس فى إحدى الآيتين نفى حكم الأخرى، بل كل واحدة منهما محكمة فيما أنزات فيه .... (٢). هذا ما يراه ابن جرير. أما ابن كثير فقد وافقه على أن الآية ليست منسوخة، وخالفه فى أن المقصود بها بنو قريظة ، فهو يرى أن الآية عامة فقد قال - رحمه الله -: قوله: ((وإن جنحوا، أى : مالوا السلم، أى المسالمة والمصالحة والمهادفة ((فاجنح لها، أى: فمل إليها وأقبل منهم ذلك. ولهذا لما طلب المشر كون عام الحديبية الصلح ووضع الحرب بينهم وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قتسع سنين أجابهم إلى ذلك مع ما اشترطوا من الشروط الآخر ... (١) سورة براءة ((التوبة، الآ ية ٢٩ (٢) تفسير ابن جرير + ١٠ ص ٠٣٤ سورة - ١٩٢ - الأقال وقال مجاهد : نزلت فى بنى قريظة، وهذا فيه نظر، لأن السياق كلهفى وقعة بدر، وذكرها مكتتف لماكله . وقال ابن عباس ومجاهد وزيد بن أسلموعطاء الخراسانى وعكرمة والحسن وقتادة: إن الآية منسوخة بآية السيف فى براءة، وهى قوله - تعالى- («قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يدوم صاغرون ، ، وفيه نظر أيضا، لأن آية براءة فيها الأمر بقتالهم إذا أمكن ذلك، فأما إذا كان العدو كثيفا فإنه يجوز مهادفتهم كما دات عليه هذه الآية الكريمة (( وإن جنحوا .. )، وكما فعل النبى - صلى الله عليه وسلم - يوم الحديبية. فلا منافاة ولا نسخ ولا تخصيص .. » (١). ويبدو لنا أن ما ذهب إليه ابن كثير أرجح، لأن الآية الكريمة تقرر مبدأ عاما فى معاملة الأعداء ، وهو أنه من الجائز مهادقتهم ومسالمتهم مادام ذلك فى مصلحة المسلين . ولعل هذا هو ما قصده صاحب الكشاف بقوله - عند تفسير الآية -: «والصحيح أن الأمر موقوف على مايرى فيه الإمام ملاح الإسلام وأهله. من حرب أو سلم. وليس بحتم أن يقاتلوا أبدا. أو بجابوا إلى الهدنة أبدا)، (٢). ثم أمن الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - من خداع أعدائه، إنهم أرادوا خيانته، وبيتواله الغدر من وراء الجنوح إلى الـلم فقال- تعالى -: " «وإن يريدوا أن يخدعوك، فإن حسبك الله هو الذى أيدك بنصرة وبالمؤمنين». أى: وإن يرد هؤلاء الأعداء الذين جنحوا إلى السلم فى الظاهر أن مخدهوك (١) تفسير ابن كثير = ٢ ص ٠٢٢٢ (٢) تفسير الكشاف = ٢ من ٠٢٣٣ الجزء - ١٩٣ - التاسع - با محمد - لتكف عنهم حتى يستعدوا لمقائلتك فلا قبال بخداعهم، بل صالحهم مع ذلك إذا كان فى الصلح مصلحة للإسلام وأهله، ولا تخف منهم، فإن الله كافيك بنصره ومعونته ، فهو - سبحانه - الذى أمدك بما أمدك به من وسائل النصر الظاهرة والخافيه، وهو - سبحانه - الذى أيدك بالمؤمنين الذين هانت عليهم أنفسهم وأموالهم فى سبيل إعزاز هذا الدين، وإعلاء كلمته ... الآية الكريمة تشجيع النبى - صلى الله عليه وسلم - على السير فى طريق الصلح ما دام فيه مصلحة للإسلام وأهله، وتبشير له بأن النصر سيكون له حتى ولو أراد الأعداء بإظهار الميل إلى السلم المخادعة والمراوغة. وقوله: ((حسب)) صفة مشبهة بمعنى اسم الفاعل. أى. بحسبك وكافيك. قال الفخر الرازى: فإن قيل: أليس قد قال - تعالى - ((وإما تخافن من قوم خيانة فانيذ إليهم .... أى: أظهر نقض ذلك العهد، وهذا يناقض ما ذكره فى هذه الآية ؟ قلنا: قوله : ((وإما تخافن من قوم خيانة، محمول على ما إذاتا كدذلك الخوف بأمارات قوية دالة عليها وتحمل هذه المخادعة على ما إذا حصل فى قلوبهم نوع نفاق وتزوير، إلا أنه لم تظهر أمارات تدل على كونهم قاصدين للشر وإثارة الفتنة، بل كان الظاهر من أحوالهم الثبات على المسالمة وترك المنازعة .. فإن قيل: كما قال: «هو الذى أيدك بنصره، فأى حاجة مع نصره إلى المؤمنين حتى قال ((وبا المؤمنين)) ؟ قلنا: التأييد ليس إلا من الله لكنه على قسمين: أحدهما ما يحصل من غير واسطة أسباب معلومة معتادة والثانى ما يحصل بواسطة أسباب معلومة. فالأول هو المراد من قوله (( أيدك بنصره)) والثانى هو المراد من -قوله: (( و بالمؤمنين)»(١) . (١) الغسير الفخر الرازى ج ١٥ ص ١٨٨. ١٣٢١ - سورة الأنفال ) تفسير سورة - ١٩٤ - الأنفال ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر فضله فى كيفيةتأييده لرسوله بالمؤمنين. فقال - تعالى -: ((وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما فى الأرض جميعاًما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم)). أى: أن من مظاهر فضل الله عليك يا محمد أن أيدك - سبحانه - بنصره. وأن أبدك بالمؤمنين ، بأن حبب إليهم الإيمان وزينه فى قلوبهم ، وجعل منهم قوة موحدة، فصاروا بفضله - تعالى - كالنفس الواحدة، بعد أن كانوا متنازعين متفرقين وأنت يا محمد« لو أنفقت ما فى الأرض جميعا، من الذهب والفصة وغيرهما ،! استطعت أن تؤلف بين قلوبهم المتنافرة المتنازعة. ((ولكن الله، بفضله وقدرته هو وحده الذى ألف بينهم ،فصاروا إخوانا" متحابين متصافين ((إنه)) - سبحانه - ((عزيز)، أى: غالب فى ملكه وسلطانه. على كل ظاهر وباطن (( حكيم) فى كل أفعاله وأحكامه .. وهذه الآية الكريمة بؤبدها التاريخ، ويشهد بصدقها أحداثه، فنحق. نعلم أن العرب - وخصوصا الأوس والخزرج - كانوا قبل الإسلام فى حالة شديدة من التفرق والتخاص والتنازع والتحارب ... فلما دخلوا فى الإسلام .. تحول بخضهم إلى حب، وتخاصمهم إلى مودة، وتفرقهم إلى اتحاد ... وصاروا فى توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، إلى مستوى لم يعرفه التاريخ من قبل ... ... ولقد أجاد صاحب الكشاف - رحمه الله - فى تصويره لهذه المعانى حيث - قال : ((التأليف بين قلوب من بعث إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -... من الآيات الباهرة، لأن العرب - لما فيهم من الحمية والعصبية، والانطواء. على الضغينة .. - لا يكاد يأتلف منهم قلبان، ثم أنتلفت قلوبهم على اتباع رسول الله - عَّ - واتحدوا، وأنشأوا يرمون عن قوس واحدة، وذلك لما نظماللهمن الفتهم ، وجمع من کلمتهم ، وأحدث بيتهم من التعابه: والتواد، وأماط عنهم من التباغض والتماقت، وكلفهم من الحب، فى الله. والبغض فى الله. ولا يقدر على ذلك إلا من يملك القلوب)، فهو يقلبها كيفف يشاء، ويصنع فيها ديد . الجزء - ١٩٥ - التاسع قبل: هم الأوس والخروج، كان بينهم من الحروب والوقائع ما أملك سادتهم ورؤساءهم، ودق جاجهم. ولم يكن لبخضائهم أمد ومشهى. ويذرما التجاور الذى يهمج الضغائن، ويديم التحاشد والتنافس. وعادة كل طائفتين كافتا بهذه المثابة أن تتجنب هذه ما آثرته أختها ، وتكرهه وتنفر منه. فأنساهم الله - تعالى- ذلك كله، حتى اتفقوا على الطاقة، وتصافو اوساروا أنصاراً، وعادوا أموانا، وما ذاك إلا بلطيف صنعه، وبلغ قدرته» (١). هذا، وفى الصحيحين أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - لما خطب الأنصار فى شأن غنائم «حنين، قال لهم: بامعشر الأنصار !! ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بى؛ وعالة فأغناكم الله بي؟ وكنتم متفرتين فالفكر الله بي ؟ فكانوا يقولون كلما قال شيئا: انه ورسوله أمن»(٢). ودوى الحاكم أن ابن عباس كان يقول: إنالرحم لتقطع، وإن النعمة تكفر، وإن الله إذا قارب بين القلوب لم يزحز حهاشىء أميقرأ قوله - تعالى -: « لر أنفقت مافى الأرض جميعاً، ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم .. )،(٣). ثم معنت السورة الكريمة فى تثبيت العامأنينة فى قلب النبى - حتيلا- وفى قلوب أصحابه، فبينت لهم أن الله كافيهم وناصرهم، وأن القلة منهم تغلب الكثرة من أعداء الله وأعدائهم فقال - تعالى -: (١) تفسير الكشاف ج ٢ ص ٠٢٣٣ .(٢) صحيح البخارى ج ٥ ص ٢٠٠ من ((كتاب المغازى، طبعة مصطفى الحلبى سنة ١٩٤٥ وصحيح مسلم ج ٣ ص ١٠٨ من (( كتاب الزكاة)). (٣) تفسير ابن كثير ج ٢ ص ٠٣٢٣ تفسير سورة - ١٩٦ - الأنفال ٧٥٠٧٠٠٠١٠٠٤٥ ◌َيُّهَا النَّبِىُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمِنَّ أَتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿ وَأُهَا النَِّىُّ حَرِضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَلِّ. إِن يَكُن مِنْكُرْ عِشْرُونَ صَبِرُونَ يَغْلِبُواْ مِنَتَيْنِّ وَ إِن يَكُنْ مِنْهُ مِّنَةٌ يَغْلُواْأَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَهُمْ قَوْمٌ لَّ يَفْقَّهُونَ ﴾ اَلْفَنَّ خَقَفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلَ أَنَّ فِكُرْ ضَعْفًا فَإِن يَكُنْ مِنْكُم مِّنَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلُواْ مِنَتَبْنِ وَإِن يَكُن مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّنْبِرِينَ قال الفخر الرازى: أعلم أنه - تعالى - لما وعده بالنصر عند مخادعة الأعداء، وعده بالنصر والظفر فى هذه الآية مطلقاً على جميع التقديرات، وعلى هذا الوجة لا يلزم حصول التكرار؛ لأن المعنى فى الآية الأولى: إن أرادواخداعك كفاك الله أمرهم . والمعنى فى هذه الآية عام فى كل ما يحتاج إليه فى الدين والدنياً .. وهذه الآية نزلت بالبيداء فى غزوة بدر قبل القتال ... (١). وقوله: ((حسب)، صفة مشبهه بمعنى اسم الفاعل، والكافر فى محل جر والواد فى قوله (( ومن اتبعك، بمعنى مع، و((من)) فى محل نصب عطفا على الموضع، فإن قوله (( حسبك، بمعنى كافيك فى جميع أمورك. والمعنى: يأيها النبى كافيك الله وكافى متبعيك من المؤمنين فهو، - سبحانه- قاصر كم ومؤيد كم على أعدائكم وإن كثر عددم وقل عددكم، وما دام الأمر كذلك، فاعتمدوا عليه وحده، وأطيعوه فى السر والعلن؛ لكى يديم عليكم عونه وتأييده ونصره . قال بعض العلما: قال ابن القيم عند تفسيره لهذه الآيه: أى: لخ وحده شــ (١) تفسير الفخر الرازى ج ١٥ ص ١٩١. طبعه عبد الرحمن محمد، التاسيـ - ١٩٧ - الجر. كافيك وكافى أتباعك فلا يحتاجون معه إلى أحد. ثم قال: وههنا تقريران: أحدهما: أن تكون الواو عاطفة للفظ ((من) على الكافى المجرورة ... والثاني: أن تكون الواو بمعنى ((مع)، وتسكون ((من)) فى محل نصب عطفا على الموضع، فإن « حسبك، فى معنى كافيك أى : الله يكفيك ويكفى من اتيمك، كما يقول العرب: حسبك وزيداً درهم ، قال الشاعر : وإذا كانت الهيجاء وأنشقت العصا فحسبك والضحاك سيف مهند وهذا أصح التقريرين. وفيها تقدير ثالث: أن تكون ((من) فى موضع رفع بالابعداء : أى ومن اتبعك من المؤمنين فحسبهم الله وفيها تقدير رابع وهو خطأ من جهة المعنى، وهو أن يكون ((من)) فى موضع رفع عطفا على اسم الله. ويكون المعنى: حسبك الله وأتباعك. هذا وإن قال به بعض الناس فهو خطأ محض، لا يجوز حمل الآية عليه، فإن الحسب والكفاية لله وحده، كالتوكل والتقوى والعبادة ... ، (١). ثم أمر الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - بتحريض المؤمنين على القتال من أجل إعلاء كلمة الحق، فقال - تعالى -: ((يا أيها النبى حرض المؤمنين على الفغال. ٠٠٠. وقوله: ((حرض)) من التحريض بمعنى الحث على الشىء بكثرة التزيين له، وتسهيل الأمر فيه حتى تقدم عليه النفس برغبة وحماس . قال الراغب : الحرض ما لا يعتد به ولا خير فيه. ولذلك يقال أن أشرف على الهلاك حرض . قال - تعالى - ,حتى تكون حرضا أو من الهالكين)). والتحريص: الحث على الشىء .. فكأنه فى الأصل إزالة الخرض نحو حرضته وقذيته أى: أزلت عنه الحرض والقذى .. )،(٢). ولمعنى : يأيها النبى بالغ فى حث المؤمنين وأحماتهم على القتال بصبر وجلد، من أجل إحقاق الحق وإبطال الباطل . ولهذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحرض أصحابه على القتال (١) تفسير القاسمى ج ٨ ص ٣٠٣٠ (٢) المفردات فى غريب القرآن ص ١١٣ الأنفال - ١٩٨ - -ورة عند صفهم ومواجهة الأعداء كما قال لأصحابه يوم بدر حين أقبل المشر كون فى عددهم وعددهم: «قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض». فقال عمير بن الحمام: عرضها السموات والأرض؟ فقال رسول الله: نعم. فقا عمير: بخ بخ، فقال - صَ لّه -: «مايحملك على قولك بخ بخ،؟ قال: رجاء أن أكون من أهلها. قال - رقم - ((فإنك من أهلها، فتقدم الرجل فكر جفن -يفه وأخرج نمرات فجعل يأكل فنهن)، ثم ألقى بقيتين من يده وقال : لأن أما حيات حتى ٦ كلهن، إنها لحياة طويلة، ثم تقدم فقاتل حتى قتل - رضى الله عنه - (١). وقوله: (( إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين، وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفاً من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون، بشارة من الله - تعالى - للمؤمنين)، ووعد لهم بالظفر على أعدائهم. أى: قابلوا - أيها المؤمنون أعداء كم بقوة وإقدام، فانكم إن يوجد منكم عشرون رجلا صابرون يغلبوا - بسبب إيمانهم وصبرهم - مالتين من الكافرين، وإن يوجد منكم مائة يغلبوا ألفاً منهم، وذلك بسبب أن هؤلاء الكافرين قوم بعهلة بحقوق الله - تعالى - وبما يجب عليهم نحوه. فهم - كما يقول صاحب الكشاف -: «يقاتلون على غير احتساب وطلب ثواب كالبها ثم «فيقل ثباتهم. ويعدمون لجهلهم بالله نصرته، ويستحقون الخذلان. بخلاف من يقاتل على بصيرة ومعه ما يستوجب به النصر والإظهار من الله - تعالى -، (٢). وقال صاحب المنار: والآية تدل على أن من شأن المؤمنين أن يكونوا أعلم من الكافرين وأفقه منهم بكل علم وفن يتعلق بحياة البشر وإرتقاء الأمم. وأن حرمان الكفار من هذا العلم هو السبب فى كود المائة منهم دون البشرية من المؤمنين الصابرين ... (١) تفسير ابن كثير + ٢ ص ٣٢٤ (٢) تفسير الكشاف = ٢ من ١٣٥ الجزء - ١٩٩ - التاسع سوهكذا كان المؤمنون فى قرونهم الأولى .. أما الآن فقد أصبح المسلمون غافلين عن هذه المعانى الجليلة ، فزال مجمدهم .. (١). ثم حكى - سبحانه - بعض مظاهر فضله على المؤمنين ورحمته بهم فقال: ((الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً، فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين، وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين باذن الله .... وقوله « ضعفاً، قرأه بعضهم بفتح الضاد، وقرأه آخرون بضمها ،وهما بمعنى واحد عند الجمهور، والمراد به الضعف فى البدن . وقيلى الضعف - بالفتح - يكون فى الرأى والعقل، وبالضم يكون فى البدن والمعنى: لقد فرضنا عليكم - أيها المؤمنون - أول الأمر أن يثبت الواحد منكم أمام عشرة من الكافرين .... والآن وبعد أن شق عليكم الاستمرار على ذلك ، ولم تبق هناك ضرورة لدوام هذا الحكم لكثرة عددكم ٠٠- شرعنا لكم التخفيف رحمة بكم ، ورعاية لأحوالكم، فأوجبنا عليكم أن يثبت الواحد منكم أمام اثنين من أعدائكم بدلا من عشرة، وبشرفاكم بأنه إن يوجد منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين من أعدائكم، وإن يوجد منكم ألف يغلبوا ألفين منهم بإذن الله وفيسيره . وتأييده . وقوله: ((والله مع الصابرين، تذييل مقرر لمضمون ما قبله. أى: والله - تعالى - مع الصابرين بتأيده ورعايته ونصره، - فاحرصوا على أن تكونوا من المؤمنين الصادقين لتنالوا منه - سبحانه - ما يسعد كم فى دنيا كم وآخرتكم . هذا، ومن العلماء من يرى أن هذه الآية قد نسخت الآية السابقة عليها، . ومنهم من يرى غير ذلك . قال الألوسى: قوله: «إن يكن منكم عشرون .. » شرط فى معنى الأمر (١) تفسير المنار = ١٠ ص ٨٩ بتصريف وتلخيص. - ٢٠٠ - الأعمال تفسير سورة بمصابرة الواحد العشرة، والوعد بأنهم إن صبروا غلبوا - بعون الله. وتأييده - فالجنة خبريه لفظاً إنشائية معنى. والمعنى: ليصبرن الواحد لعشرة؛ وليست بخير محض ... وقوله: ((الآن خفف الله عنكم .. ، أخرج البخارى وغيره عن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال: لما نزلت: إن يكن منكم عشرون ... شق ذلك على المسلمين إذا فرض عليهم أن لا يفر واحد من عشرة فجاء التخفيفه وهل يعد ذلك نسخاً أولا؟ قولان: اختار بعضهم الثانى منهما وقال: إن الآية مخففة، ونظير ذلك التخفيف على المسافر بالفطر. وذهب الجمهور إلى الأول، وقالوا: إن الآية الثانية ناسخة الأولى (١) . . وقال بعض العلماء : فرض الله على المؤمنين أول الأمر ألا يفر الواحد. من المؤمنين من العشرة من الكفار ، وكان ذلك في وسعهم ، فأعز الله بهم .. الدين على قلتهم ، وخذل بأيديهم المشركين على كثرتهم، وكانت السرايا. تزم من المشركين أكثر من عشر أمثالها تأييداً من الله لدينه. ولما شق على المؤمنين الاستمرار على ذلك، وضعفوا عن تحمله، ولم تق ضرورة لدوام هذا الحكم لكثرة عدد المسلمين ممن دخلوا فى دين الله. أفواجا نزل التخفيف، ففرض على الواحد الثبات الاثنين من الكفار ،. ورخص له فى الفرار إذا كان العدو أكثر من اثنين . وهو - كما اختاره مكى - رخصة كالفطر للمسافر، وذهب الجمهور إلى. أنه نسخ)» (٢). وقال الشيخ القاسمى: إن قيل: إن كفاية عشرين لمائتين تغنى عن كفاية. مائة لألف، وكفاية مائة لماقتين تغنى عن كفاية ألف الألفين ، لما تقر رمن وجوب ثبات الواحد للعشرة فى الأولى، وثبات الواحد للائنين فى الثانية. فاسر هذا التكرير ؟ (١) تفسير: لالوسى = ١٠ ص ٣١ بتصرف وتلخيص. (٢) صفوة البيان لمعاني القرآن ص ٣٠٧ لفضيلة الأسماذ الشيخ حسنين محمد مخلوف.