النص المفهرس

صفحات 161-180

التاسع
- ١٦١ -
الجزء
فى حق المؤمنين عندما أقدموا على حرب أعدائهم فى بدر ...
أقول: عندما يتدبر ذلك ليرى أن هذا القول دأب كل المنافقين والذين
«فى قلوبهم مرض فى كل زمان ومكان .
إننا فى عصرنا الحاضر رأينا كثيرين من أصحاب العقيدة السليمة،
والنفوس النقية، والقلوب المضحبة بكل شىء فى سبيل نصرة الحق .. رأينا
هؤلاء يبلغون رسالات الله دون أن يخشوا أحدا سواء ويها جمون الطغاة
والمبطلين والفجار، لمكنوا لدين الله فى الأرض، حتى ولو أدت بهم هذه
المواجة إلى بذل أرواحهم ..
ورأينا فى مقابل هؤلاء الصادقين أقواما - من آثروا شهوات الدنيا على
" كل شىء - لا يكتفون بالصمت وهم يشاهدون أصحاب العقيدة السليمة
بسارعون الطغاة .
بل هم - بسبب خلو نفوسهم من المثل العليا - يلقون باللوم على هؤلاء
المؤمنين، ويقولون ما حكاه القرآن من أقوال فى أشباههم السابقين من
المنافقين والذين فى قلوبهم مرض: ((عر هؤلاء دينهم)).
إنهم لا يدر كون الأمور بصيرة المؤمن، ولا يزفونها بميزان الإيمان.
إن المؤمن يرى التضحية فى سبيل الحق مؤدية إلى إحدى الحسنيين
النصر أو الشهادة .
أما هؤلاء المنافقون والذين فى قلوبهم مرض ، فلا يرون الحياة إلا متعة
وشهوة وغنيمة ((فإن أعط وامنها رضوا وإن لم يعطوامنها إذا هم يسخطون) (١)
وقوله - تعالى - «ومن يتوكل على الله فإن الله عزیز حكيم ، حض
. المؤمنين على التمسك ما يدعوهم إليه إيمانهم من استقامة وقوة ..
سورة التوبة الآية ٨ه.
(م ١١ - سورة الأنفال )

تفسير سورة
- ١٦٢ -
الأنفال
أى: ومن يكل أمره إلى الله، ويثق به - ينصره - سبحانه - على أعدائه».
فإنه - عز وجل - عزيز لا يغلبه شىء ، حكيم فيما يدبر من أمر خلقه.
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة، قد صارت تصوير أبد بما ما عليه.
الكافرون وأشباههم من بطر ومفاخرة وصد عن سبيل الله .. ومن طاعة.
الشيطان أوردهم المهالك ..
وحکت ما قالوه من أقوال معدل على جهم وجهلهم وانطماس بصيرتهم ..
ونهت المؤمنين عن التشبه بهم، لأن البطر والمفاخرة والبغى، والباع
الشيطان : .. كل ذلك يؤدى إلى خزى الدنيا وعذاب الآخرة .
ولقد كان أبو جهل قه فى البغى والبطر والمراءاة عندما قال - بعد أن
نصحه الناصحمون بالرجوع عن الحرب فقد نجحت الغير: (( لا أن نرجع حتى
فرد بدءاً، فنقيم ثلاثا، تنحر الجزر، ونشرب الخمر ، وتعزف القيان علينا.
فلن تزال العرب تهابنا أبدا،.
وعندما بلغت مقالة أبى جهل أبا سفيان قال: ((وأقوماه !! هذا عمل عمرو
ابن هشام ( يعنى أبا جهل)) كره أن يرجع؛ لأنه قرأس على الناس فبغى»
والبغى منقصة وشؤم . إن أصاب محمد النغير ذالنا)).
وصدقت فرأسه أبى سفيان، فقد أصاب محمد - خ - النفيه
وقسربل المشر كون بالذل والهوان فى بدر بسبب بطرم ورياهم وصدم
عن سبيل الله ، واتباعهم لخطوات الشيطان .
فاللهم نسألك أن توفقنا إلى ما يرضيك، وأن تجنبنا البطر والرياء
وسوء الأخلاق .
وبعد هذا البيان لأحوال الكافرين فى حياتهم؛ انتقل القرآن لبيان
أحوالهم عند مانهم .

التاسع
- ١٦٣ -
الجزء
، وَلَوْ تَرَّ إِذْ يَتَوََّّ الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلَتَبِّكَهُ
فقال - تعالى -:
(يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَرُهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْخَرِيقِ ( ذَلِكَ
بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّمِ لِلْعَبِيدِ لّه
والخطاب فى قوله - تعالى -: ((ولو تری ... ، للنبى-ژیت - أو لكل من
يصلح للخطاب و ((لو)) شرطية، وجوابها محذوف لتفظيع الأمر وتهويله.
والمراد بالذين كفروا: كل كافر وقيل المرادبهم قتلى غزوة بدر من المشركين.
قال ابن كثير : وهذا السياق وإن كان سببه عروة بدر ، ولكنه عام فى
حق كل كافر. ولهذا لم يخصصه الله بأهل بدر بل قال - سبحانه - «ولو ترى
إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ... )، (١).
والفعل المضارع هنا وهو ((قرى)) بمعنى الماضى، لأن أو الامتناعية
ترد المضارع ماضيا .
والفعل (يتوفى)) فاعلة محقوف للعلم به وهو الله - عز وجل - وقوله:
(الذين كفروا، هو المفعول وعليه يكون: «الملائكة، ,مبتدأ، وجملة
« يضربون وجوههم ٠٠٠) خبر.
والمعنى ولوعاينت وشاهدت أيها العاقلى حال الذين كفرواحين يتوفى اقه
أزواجهم، لعا ينت وشاهدت منظراً مخيفاً، وأمراً فظيماً تقشعر من هو له الأبدان
ثم فصل الله - سبحانه - هذا المنظر الخريف محملة مستأنفة فقال، والملائكة
يضربون وجوههم وأدبارهم، والمراد بوجوههم: ما أقبل منهم وبأدبارهم:
ما أدبر وهو كل الظهر .
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٠٢١٩

تفسير سورة
- ١٦٤ -
الأنفال
أى: «الملائكة عند ما يتوفى أقه - تعالى-هؤلاء الكفرة يضربون ما أقبل
منهم وما أدبر ، لإعراضهم عن الحق، وإيثارهم الغى على الرشد .
ومنهم من يرى أن الفعل (يتوفى)) فاعله ((الملائكة)، وأن قوله ((الذین
كفروا، هو المفعول وقدم على الفاعل للاهتمام به .
وعليه تكون جملة ((يضربون وجوههم .. ) حال من الفاعل وهو الملائكة.
فيكون المعنى: ولو رأيت - أيها العاقل - حال الكافرين عندما نتوفى
الملائكة أرواحهم فتضرب منهم الوجوه والأدبار، لرأيت عندتق ما يؤلم
النفس، ويخيف الفؤاد .
ويبدو لنا أن التفسير الأول أبلغ، لأن توضيح وتفصيل الرؤية بالجملة
الاسمية المستأنفة خير منه بجملة الحال، ولأن إسناد التوفى إلى اللّه أكثر
مناسبة هنا، إذ أن الله - تعالى - قد بينوظيفة الملائكة هنا فقال: «يضربون
وجوههم وأدبارهم» .
- وخص - سبحانه - الضرب الوجوه والأدبار بالذكر، لأن الوجوه
أكرم الأعضاء، ولأن الأدبار هى الأماكن التى يكره الناس التحدث عنها فضلا
عن الضرب عليها. أو لأن الخزى والنكال فى ضربهما أشد وأعظم.
وقوله: ((وذوقوا عذاب الحريق)) معطوف على قوله ((بضربون))
بتقدير الفول . أى يضربون وجوههم وأدبارهم ويقولون لهم: ذوقوا
هذاب تلك النار المحرقة التی کنتم تكذبون بها فى الدنيا .
والذيق حقيقة إدراك المطعومات . والأصل فيه أن يكون فى أمر
مرغوب فى ذوقه وطلبه .
والتعبير به هذا عن ذوق العذاب هو لون من التهكم عليهم، والاستهزاء
بهم، كما فى قوله - تعالى -: «قبشرم بعذاب أليم، وهو أيضا يشعر بأن ما وقع

الجزء
- ١٦٥ -
التاسع
عليهم من عذاب إنما هو بمنزلة المقدمة لما هو أشد منه، كما أن الذوق عادة
يكون كالمقدمة المطعوم أو الشىء المذاق .
وقوله: « ذلك بما قدمت أبدبكم وأن الله ليس بظلام العبيد، بيان
الأسباب التى أدت بهم إلى هذا المصير الشىء. وأنهم هم الذين جنوا على
أنفسهم يقوم صنيعهم ، وانقيادهم للهوى والشيطان .
أى : ذلك الذى نزل بكم - أيها الكافرون - من الضرب وعذاب النار)،
سببه ما قدمته أيديكم من عمل میء، وفعل قبيح، وقول مذكر. وجحود الحق
وأن القه ـ تمال ـ ليس ذی ظلم لکم ولا اخیر کم، لأن حكمته-سبحانه-
قد اقتضت ألا يعذاب أحدا إلا بسبب ذنب ارتكبه، وجرم اقترفه.
اسم الإشارة , ذلك، يعود إلى الضرب وعذاب الحريق، وهو مبتدأ،
وخبره قوله (( بما قدمت أيديكم)).
والمراد بالأيدى: الأنفس والذوات. والتعبير بالأيدى عن ذلك من
قبيل التعبير بالجزء عن الكل .
وخصت الأيدى بالذكر، للدلالة على التمكن من الفعل وإرادته، ولأن
أكثر الأفعال يكون عن طريق البطش بالأبدى، ولأن نسبة الفعل إلى اليد
تفيد الالتصاق به ، والاتصال بذاته .
وقوله: (وأن الله ليس بظلام للعبيد، خير لمبتدأ محذوف، والجملة
اعتراض تذييلى مقررا المضمون ماقبله.
أى: ذلك الذى نزل بكم سببه ما قدمته أيديكم، والأمر أناقه -تمالى_
ليس بمعذاب لعبيده من غير ذنب جنوه .
ويجوز أن يكون معطوفاً على «ماء المجرورة بالباء. أى: ذلك بسبب
ما قدمه أيديكم وأن الله ليس بظلام العبيد .
قال بعض العلماء: فإن قيل ما سر التعبير بقوله ((ظلام)) بالمبالغة، مع أن

الأنفال
- ١٦٦ -
تفسير سورة
فى نفس الظلم أبلغ من (في كثرته، وقفى الكثرة لا ينفى أصله، بل ربما
إشعر بوجوده، وبرجوع النفى القيد ؟
وأجيب بأجوبة :
منها: أنه نفى الأصل الظلم وكثرته، باعتبار آحاد من ظلم ، كأنه قيل
ظالم لفلان وأفلان وعلم جرا. فلما جمع هؤلاء عدل إلى «ظلام، لذلك،
أى : الكثرة الكمية فيه .
ومنها: أنه إذا انتفى الظلم والسكثير، انتى الظلم القليل، لأن من يظلم
يظلم للانتفاع بالظلم، فإذا ترك كثيره، مع زيادة نفعه فى حق من محول
عليه النفع والضر، كان لقليله مع قلة نفعه أكثر تركا .
ومنها: أن يظلاماء النسب كعطار ، أى: لا ينسب إليه الظلم أصلا.
ومنها: أن كل صفة له - تعالى - فى أكمل المراقب، فلو كان
- سبحانه - ظالما، كان ظلاما، فنفى اللازم فى الملزوم.
ومنها: أن فى ((الظلام، لنفى الظالم ضرورة أنه إذا افتفى الظلم أنتفى
واله، فجعل نفى المبالغة كناية عن ففى أصله، انتقالا من اللازم إلى اللزوم.
ومنها: أن العذاب من العظم بحيث لولا الاستحقاق لكان المعذب بمثله
ظلاما بليغ الظلم متفاقه، فالمراد تنزيهه - تعالى - وهو جدير بالمبالغة.
وفى صحيح مسلم عن أبى ذر عن رسول الله - بَءٍ - أن الله
- تعالى - يقول: (( ياعبادى إنى حرمت الظلم على نفسى، وجعلته بينكم
محرما، فلا تظلموا .. (١).
وبذلك نرى أن هاتين الآيتين قد بينتا حالة المشر كين عند قبض أرواحى.
بيانا يحمل النفوس على الإيمان والطاعة لله - تعالى - فقدرسم القرآن صورة
مفزعة لهم، صورة الملائكة وهى تضرب وجوههم وأديارهم بأمر من أقـ
- تعالى - الذى ماظلمهم، ولكنهم هم الذين أحلوا بأنفسهم هذا المصير المؤ.
المهين، حيث كفروا بالحق، وحاربوا أنباعه، واستحبوا العمى على الهدم
(١) تفسير القاسمى = ٨ ص ٢٠١٦

التاسع
٠٠ -١٦٧-
الجزء
ثم بين- سبحانه - أن هؤلاء الكافرين فى كفرهم وطغيانهم كمادةٍ من سبقهم
من الأمم الظالمة وإن من سنة الله - تعالى - فى خلقه ألا يعاقب إلا بذنب،
وألا يغير النعمة إلا السبب . فقال - تعالى - :
گهاُبِ ،الٍ
فِرْعَوْنُ وَالَّذِينَ مِن ◌َّهِمْ كَفَرُواْ ◌ٍعَايَتِ الّهِ فَأَخَذَهُمُ الله ◌ِذُنُوبِهِمْ
إِنَّ اللَّهَ قَرِىُّ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَلَمْ يَكُ مُغَيِرًا نِعْمَةٌ
أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَّى يُغَيِرُواْمَا بِأَنْفُسِهِمٌ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (چ
كَبِءَ الٍ فِرْعَوْنَّ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِغَايَتِ رَيْهِمْ
فَأَهْلَكْتَهُمْ بِذُنُورِهِمْ وَأَغْرَ قْنَآءَالَ فِرْعَوْنَّ وَكُلُّ كَانُواْ ◌َلِينَ (٣)
والكاف فى قوله: «كداب .. ، للتشبيه، والجار والمجرور فى موضع
· رفع خبر لمبتدأ محذوف.
والدأب: أصله الدوام والاستمرار. يقال: دأب فلان على كذا بدأب
دأباً - بفتح الهمزة - ودأباً - بسكونها - ود.وباً، إذا دوام عليه وجد فيه .
ثم غلب استعماله فى الحال والشأن والعادة، لأن الذى يستمر فى عمل أمد طويلا
: يصير هذا العمل عادة من عاداته، وحالا من أحواله، فهو من باب إطلاق
الملزوم وإرادة اللازم.
والآل - كما يقول الراغب - مقلوب عن الأهل، ويصغر على اهيل، إلا
أنهخص بالإضافة إلى أعلام الناطقين دون النكرات ودون الأزمة والأمكنة
يقال: آل فلان، ولا يقال: آل رجل .. ولا يقال: آل الحجام .. بل يضاف
إلى الأشرف والأفضل فيقال: آل الله، وآل السلطان. والأمل يضاف إلى
لكل، فيقال: أهل الله، وأهل الحجام، وأهل زمان كذا ... » (١)
(١) المفردات فى غريب القرآن ص ٠٣٠

تفسير سورة
- ١٦٨ -
الانفال
والمقصود بآل فرعون: هو وأعوانه وبطاقته، لأن الآل يطلق عل.
أهد الناس التصاقا واختصاصا بالمضاف إليه.
والمعنى: شأن هؤلاء الكافرين الذين حاربوك يا محمد، والذين هلك منهم.
من هلك فى بدر، شأنهم وحالهم وعادتهم فيما اقترفوه من العامر والعصيان وفيها
فعل بهم من عذاب وخذلان، كشأن آلفرعون الذين استحبوا العمى على
الهدى ، والذين زينوا له الكفر والطغيان حتى صار عادة له ولهم ،.
وقد أخذم - سبحانه - أخذ عزيز مقتدر. بسبب كفرهم وفهورهم.
وقد خص - سبحانه - فرعون وآ له وبالذكر من بين الأمم الكافرة،
لأن فرعون كان أحمد الطغاة طغيانا، وأكثرهم غرورا وبطرا، وأكثرهم.
فى الاستهانة بقومه وفى الاحتقار لعقولهم وكيانهم.
ألم يقل لهم - كما حكى القرآن عنه - «أنا ربكم الأعلى) (١)،
وألم يبلغ به غروره أن يقول لهم: «أليس لى ملك مصر وهذه الأنهار.
تجرى من تحتى أفلا تبصرون)» (٢)؟
أما آله وبطانته وأهوانه، فهم الذين زينوا له السوء، وحرضوه دل
البطش بموسى لأنه جاءهم بالحق، ولقد حكى اللّه عنهم نفاقهم وضلالهم
وانغماسهم فى الآثام فى آيات كثيرة، ومن ذلك قوله- تعالى -: ((وقال الملأمن
قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا فى الأرض ويذرك وآلمتك ؟
قال: سنقتل أبناءهم ونستحى نساءهم وإنا فوقهم قاهرون: (٣).
ولقد وصف الله - تعالى - قوم فرعون بهوان الشخصية، وتفاهة العقل،
والخروج عن كل مكرمة فقال: « فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما ...
فاسقين)) (٤) وذلك لأن الأمة التى تترك الظالم وبطانته يعيشون فى الأرض ..
(١) سورة النازعات الآية ١٤
٠١٠
, الزخرف
(٢)
(( الأعراف : ١٢٧
(٣)
(٤) سورة الزخرف الآية ٥٣

٠ - ٠١٦٩-١
الجزء
التاسع
فسادا، لا تستحق الحياة، ولا يكون مصيرها إلا إلى التعاسة والخسران.
وقوله .أكفروا بآيات الله، تفسيرهم اصنيعهم الباطل، ودأبهم على
الفساد والضلال .
والمراد بآيات الله: ما يعم المتلوة فى كتب الله - تعالى -، والبراهين
والمعجزات الدالة على صدق الأنياء فيما يبلغونه عن ربهم.
وفى إضافتها إلى الله: تعظيم لها وتشريف ، وتنبيه إلى قوة دلالتها على
الحق والخير .
و قوله: «فأخذهم الله بذنوبهم ،معطوف على قوله ، کفروابآپات انه».
لبيان ما ترتب على كفرهم من عقوبات أليمة .
وفى التعبير بالأخذ إشارة إلى شدة العذاب ، فهو - سبحانه - قد
أخذهم كما يؤخذ الأسير الذى لا يستطيع الفكاك من آسره.
والباء فى قوله: ((بذنوبهم، للسبيبة أى كفروا بآيات اقه فعاقبهم
- سبحانه - بسبب كفرهم وفسوقهم عن أمره.
ويجوز أن تكون الملابسة، أى : أخذهم وهم ملتهمون بذفو جم
دون أن يتوبوا منها، أو يقلعوا عنها.
وعلى الوجهين فالجمة الكريمة تدل على كمال عدل الله - تعالى - لأنه.
ما فاقبهم إلا أنهم استحقوا العقاب.
والمراد بذنوبهم: كفرهم وما تر تب عليه من فسوق وهصيان، وأصل
الذنب : الأخذ بذنب التى. أى بمؤخرته ، ثم أطلق على الجريمة ، لأن
مرتكبها يعاقب بعدها .
وقوله: ((إن الله قوى شديد العقاب)) تذييل مقرر لمضمون ماقبله من
الأخذ العديد ، بسبب الكفر والمعاصى .
أى: إن الله - تعالى - قوى لا يغلبه غالب، ولا يدفع قضاءه دافع
شديد عقابه لمن كفر بآياته، وفبق عن أمره .

نفسه سورة
- ١٧٠ -
الأنفال
وقوله: « ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا
ما بأنفسهم ... )، بيان أسنة من سننه - تعالى - فى خلقه، وتعليل
التعذيب أولئك الكفار، وأسلب نعمه عنهم وعن أشباههم من العصاة والجاحدين
وإسم الإشارة: (( ذلك)) يعود إلى تعذيب الكفرة المعبر عنه بقوله
- تعالى - ,فأخذم الله بذنوبهم).
وهو، أى: اسم الإشارة مبتدأ، وخبره قوله - سبحانه - ((بأن
اله لم يك مغيراً ... ، إلخ.
والمعنى: ذلك الذى نزل هؤلاء الكفرة من التعذيب والخذلان عدل.
إلهى، فقد جرت سنته - سبحانه - فى خلقه، واقتضت حكمته فى حكمه
ألا يبدل نعمة بنقل إلا بسبب ارتكاب الذنوب، واجتراح البنات، فإذا
لم يتلق الناس نعمه - عز وجل - بالشكر والطاعة، وقابلوها بالكفر
والعصيان، بدل نعمتهم بنقم جزاء وفاها .
وشيه بهذا قوله - تعالى - فى آية أخرى: (( إن الله لا يغير ما بقوم.
حتى يغيروا ما بأنفسهم)، (١).
قال الفخر الرازى: قال القاضى: معنى الآية أنه - تعالى - أنعم
عليهم بالعقل والقدرة وإزالة الموائع وتسهيل السبل، والمقصود أن يشتغلوا
بالعبادة والشكر، ويعدلوا عن الكفر، فإذا صرفوا هذه الأحوال إلى
الفسق والكفر، فقد غيروا نعمة الله - تعالى - على أنفسهم، فلا جرم
استحقوا قبديل النعم بالنقم، والمنح بالمحن.
قال: وهذا من أو كدما يدل على أنه - تعالى - لا يبتدى. أحدا
.بالعذاب والمضرة .. (٢).
(١) سورة الرعد الآية ١١.
(٢) تفسير الفخر الرازى * ١٠ ص ١٨١

" المرء
- ١٧١ -
التاسع
وقال صاحب الكشاف: ((فإن قلت: فما كان من تغيير آل فرعون
ومشركي مكة حتى غير الله نعمته عليهم ، ولم تكان لهم حال مرضية فيغيروها
إلى حال مسخوطة ؟
قلت : كما تغير الحال المرضية إلى المسخوطة ، تغير الحال المسخوطة
-أسخط منها وأولئك كانوا قبل بعثة الرسول - بيكو - إليهم كفرة
عبدة أصنام، فلما بعث إليهم بالآيات البينات فكذبوه وعادوه وتحربوا
عليه ساعين فى إرافة دمه، غيروا حالهم إلى أسوأ ما كانت، فغير الله
بما أنعم به عليهم من الإمهال وعاجلهم بالعذاب، (١).
وقوله: ((وأن الله سميع عليم)، معطوف على قوله: ((بأن الله لم يك
صغيرا نعمة ... إلخ .
أى: ذلك التعذيب بسبب جحودهم للنعم، وبسبب أنه - سبحانه - سميع
لما نطقوا به من سوء، وعلم بما ارتكبوه من قبائح ومنكرات، وقد
حاقبهم على ذلك بما يستحقون من عذاب: ((وما ظلمهم ولكن كانوا
أنفسهم يظلمون ،.
ثم ذكر - سبحانه - ما عليه المشركون من جحود وغرور وعناد على سبيل
التاكيد والتوبيخ فقال: «كذأب آل فرعون والذين من قلهم كذبوا بابات
ربهم فأهلكناهم بذنوبهم، وأغرقنا آل فرعون، وكل كانوا ظالمين».
- أى شأن هؤلاء المشركين الذين حار بوك يا محمد ، كشأن آل فرعون ومن
القدمهم من الأقوام السابقة، كقوم نوح وقوم هود ... ، كذب أولئك
هيما بآيات ربهم التى أوجدها - سبحانه - لهدايتهم وسعادتهم .. فكانت
نتيجة ذلك أن أهلكهم - سبحانه - بسبب ما ارتكبوه من ذنوب، وبسبب
استعمالهم النعم فى غير ما خلقت له .
(١) تفسير الكفاف +٢ ص ٢٣٠

تفسير سورة
- ١٧٢ -
الأنفال
((وأغرقنا آل فرعون، الذين زينوا له الكفر والبطر والطغيان)).
((وكل كانوا ظالمين، أى: وكل من الأقوام المذكورين ومن على
شاكلتهم فى الكفر والضلال، كانوا ظالمين لأنفسهم بكفرهم"، ولأنبيائهم.
بسبب محاربتهم لهم، وإعراضهم عنهم مع أن الأنبياء ما جاءوا إلا لهدايتهم.
وجع الضمير فى ((كانوا، وظالمين)) مراعاة لمعنى ((كل، لأنها منه
قطعت عن الإضافة جاز مراعاة لفظها تارة، ومراعاة معناها أخرى،
واختير هنا مراعاة المعنى لأجل الفواصل .
قال الجمل: ((فإن قلت)، ما الفائدة من تكرير هذه الآية مرة ثانية ؟"
قلت : فيها فوائد منها: أن الكلام الثانى يجرى مجرى التفصيل الكلام
الأول ، لأن الآية الأولى فيها ذكر أخذم، والثانية ذكر إغراقهم فذلك
تفسير للأول .
ومنها : أنه ذكر فى الآية الأولى أنهم كفروا بآبات أفقه وفى الآية الثانية.
أنهم كذبوا بآيات ربهم ، ففى الآية إشارة إلى أنهم كفروا بآيات الله.
وجحودها، وفى الثانية إشارة إلى أنهم كذبوابها مع جحودهم لها، وكفرهم بها.
ومنها: (( أن تكرير هذه القصة للتأكيد)) (١).
وبعد ، فإن المتدبر فى هذه الآيات الكريمة، براها تصور تصويراً
واضحاً سنة من سنن الله فى خلقه، وهی أنه - سبحانه - لایسلب نعمه عن.
قوم إلا بسبب ذنوب اقترفوها، وأنه - تعالى - لا ينزل عقوباته بهم إلابعد.
لجاجهم فى طغيانهم، وإدبارهم عن نصح الناصحين .
ورحم الله الأستاذ الإمام محمد عبده فقد كتب مقالا جيداً صدره
بقوله تعالى: (ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا
ما بأنفسهم .....
(١) حاشية الجمل على الجلالين = ٢ ص ٢٥١.

الجزء
- ١٧٢ -
التاسع
ومما جاء فى هذا المقال قوله: «تلك آيات الكتاب الحكيم، تهدى
إلى الحق وإلى طريق مستقيم ....
أرشدنا - سبحانه - إلى أن الأمم ما سقطت من عرش عزها،
ولا بادت ومحمى اسمها من لوح الوجود إلا بعد نكوبها عن تلك السنن
التى منها - سبحانه - على أساس الحكمة البالغة. إن الله لا يغير ما بقوم من
عز وسلطان، ورفاعة وحفض عيش، وأمن وراحة حتى يغير أولئك ما
بأنفسهم من نور العقل، وصحة الفكر ، وإشراق البصيرة ، والاعتبار
- بأفعال الله فى الأمم السابقة، والتدبر فى أحوال الذين حادوا عن صراط الله
فهلها وحل بهم الدمار . ثم أعدو لهم عن سنة العدل ، وخروجهم عن
طريق البصيرة والحكمة ، حادوا عن الاستقامة فى الرأى ، والصدق فى
القول، والسلامة فى الصدر، والعفة عن الشهوات، والحمية على الحق ،
والقيام بنصرته والتعاون على حمايته .. خذاوا العدل ولم يجمعوا همهم على
إعلاء كلمته، واقبعوا الاهواء الباطلة، وانكبوا على الشهوات الفانية ..
فأخذهم الله بذنوبهم وجعلهم عبرة للمعتبرين.
هكذا جعل الله بقاء الأمم ونماءها فى التحلى بالفضائل وجعل ملاكها
.ودمارها فى التخلى عنها.
سنة ثابتة لاتختلف باختلاف الأمم، ولا تتبدل بقبدل الاجيال، كسفته
- سبحانه - فى الخلق والإيجاد، وتقدير الأرزاق وتحديد الآجال .. » (١).
وبعد أن شرح - سبحانه - أحوال المهلكين من شرار الكفرة، شرع
فى بيان أحوال الباقين منهم، وتفصيل أحكامها، فقال - تعالى -:
(١) راجع تفسير المنار ج ٢ ص ٤٦ ففيه المقال بتمامه.

الأنفال
- ١٧٤ -
تفسير سورة
﴿ إِنَّ شَرَّ الَّوَابِ عِنْدَ الهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (قَ الَّذِينَ
عَدَثَّ مِنْهُمْ ثُمَ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِ كُلّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ(﴾
فَإِّتَشْقَفَنَّهُمْ فِ أْخَرْبِ فَشَرِّدُ بِهِم مِّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَّ كُرُونَ (َّ).
وَإِمَّ تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَنَةً فَأَتْبِدْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَآءٍ إِنَّ اللَّهَلًا:
يُحِبُّ الْخِّنِينَ (٦﴾ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَقُواْ إِنَهُمْ لَا
يُعْجُزُونَ (9)﴾
ال الفخرانى: أعلم أنه - تعالى - لما وصف كل الكفار بقوله:
(( وكل كانوا ظالمين، أفرد بعضهم بعزبة فى الشر والعناد فقال: ((إن شر
الدواب عند الله، أى: فى حكمه وعلمه من حصلت له مفتان:
الأولى : الكافر الذى يكون مستمراً على كفره مصرا عليه ...
الثانية: أن يكون ناقضا للعهد على الدوام ...
قال ابن عباس: هم بنو قريظة، فإنهم نقضوا عهد رسول الله - برلين -.
وأعانوا عليه المشركين بالسلاح فى يوم بدر. ثم قالوا: أخطأنا، فماهه
مرة أخرى فنقضوه أيضا يوم الخندق ... )، (١).
والدواب: جمع دابة. وهى كل ما يدب على الأرض. قال - تعالى".
«والله خلق كل دابة من ماء، فمنهم من يمشى على بطنه، ومنهم من يمشى ..
على رجلين، ومنهم من يمشى على أربع .. ، (٢).
قال الجمل: ((وإطلاق الدابة على الإنسان إطلاق حقيقي، لما ذكرومـ
فى كتب اللغة من أنها تطلق على كل حيوان ولو آدميا. وفى المصباح:
الدابة كل حيوان فى الأرض ميزاً وغير مميز)،(٣).
والمعنى: ((إن شر، ما يدب على الأرض ,عندالله، أى: فى حكمه
وقضائه (الذين كفروا، أى: الذين أصروا على الكفر ولجوا فيه.
(١) تفسير الفخر الرازى = ١٥ -١٨٢ (٢) سورة النور، الآية٥ ﴾.
(٣) حاشية الجمل على الجلالين = ٢ - ٢٢٦

التاسع
- ١٧٥ -
الجزء
وقد وصفهم - سبحانه - بأنهم شر الدواب لاشر الناس ، الإشعار بأنهم.
بمعزل هما يتحلى به الناس من تعقل وتدبر للأمور، لأن لفظ الدواب وإن
كان يطلق على الناس، إلا أنه عند إطلاقه عليهم يلقى ظلاخاما يجعل العقول.
تتجه إلى أن هؤلاء الذين أُطلق عليهم اللفظ هم إلى الدواب التى لا تعقل.
أقرب منهم إلى الآدمين العقلاء، وفى وصفه -سبحانه - لهم بأنهم شر الدواب
زيادة توبيخ لهم ، لأنهم ليسوا دوابا تحسب بل هم شرما وأخسها .
وقوله: ((فهم لا يؤمنون) تذييل جىء به على وجه الاعتراض بالبيان
أى: أنهم - بسبب إصرارهم على الكفر - صار الإيمان بعيدا عنهم ،
وأنهم سواء أنذروا أم لم ينذروا مستمرون فى الضلال والعناد.
وقوله : « الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم فى كل مرة .. » بدل.
من الموصول الأول وهو قوله: (الذين كفروا .. ، أو عطف بيان له .
أى: إن شر الدواب عند الله الذين أصروا على الكفر ورسخوا فيه،
الذين ((عاهدت منهم)) أى: أخذت منهم عهدهم «ثم ينقضون عهدهم فىكل.
مرة، دون أن يفوا بعهودهم ولو مرة واحدة من المرأت المتعددة.
فقوله: ((عاهدت)) مضمن معنى الأخذ، ولذا عدى بمن.
قال الألوسى: قوله: ((الذين عاهدت منهم .. ، بدل من الموصول.
الأول، أو عطف بيان، أو فعت، أو خبر مبتدأ محذوف، أو نصب على
الفم، وعائد الموصول قيل: ضمير الجمع المجرور، والمراد : عاهدتهم،
و((من، الإيمان بأن المعاهدة - التى هى عبارة عن إعطاء العهد وأخذه
من الجانبين - معتبرة هنا من حيث أخذه - مصر89 -، إذ هو المناط لما
فعى عليهم من النقص، لا إعطاؤه - عليه الصلاة والسلام - إياهم عبده
كأنه قيل: الذين أخذت منهم عهدهم ، وقال أبو حيان: إنها تبعيضية،
لأن المباشر بعضهم لا كلهم .. )) (١) .
(١) تفسير الآلومى = ١٠ ص ٢٢

سورة
الإنفال
- ١٧٦ -
وقوله :!! ثم ينقضون عهدهم فى كل مرة، معطوف على الصلة.
وكان العطف (بثم، المفيدة التراخى، للإبذان بالتفاوت الشديد بين
ما أخذ عليهم من عهود، وبين ماتردوا فيه من نقض لها ، واستهانة بها.
وجىء بصيغة المضارع ((ينقضون) المفيدة للحال والاستقبال، الدلالة
على تعد النقض وتجدده، وأنهم على فيته فى كل مرة يعاهدون فيها غيرهم
وقوله: (( وهم لا يتقون)) فى موضع الحال من فاعل ((ينقضون)).
أى: أن هؤلاء القوم دأبهم نقض العهود والمواثيق فى كل وقت، ومع
ذلك خالهم وشأنهم أنهم لا يشعرون خلال نقضهم للعهود بأى تخرج
أو خجل، بل يرتكبون ما يرتكبون من المنكرات دون أن يتقوا عارها ،
أو يخشوا -و. عاقبتها.
ثم بين - سبحانه - ما يجب على المؤمنين نحو هؤلاء الناقضين لعهودهم
فى كل مرة بدون حياء أو تدبر للعواقب فقال: ((فإما تثقفنهم فى الحرب فشره
بهم من خلفهم لعلهم يف كرون ، فانفاء فى قوله , فإما، لتر تيب ما بعدها
علی ما قبلها.
وقوله: « تثقفنهم، من الثقف بمعنى الحذق فى إدراك الشىء وفعله .
قال الراغب: يقال ثقفت كذا إذا أدر كته بصرك لحذق فى النظر .
ثم يتجوز فيه فيستعمل فى الإدراك وإن لم تكن معه ثقافته. قال - تعالى -
(((فإما تثقفنهم فى الحرب)) (١).
وقوله: ((فشرد بهم)) من التشديد وهو عبارة عن التفريق مع الاضطراب.
يقال شردت بنى فلان، أى: قلعتهم عن مواطنهم وطردتهم عنها حتى فارقوها
قال الشاعر :
أطوف فى الأباطح كل يوم مخافة أن يشرد ب حكيم
(١) المفردات فى غريب القرآن الراغب الأصفهانى ص ٧٩.

التاسع
- ١٧٧ -
الجزء
أي : مخافة أن يسمع بى ويطردنى حكيم، وحكيم رجل من بنى سليم
.كانت قريش قد ولته الأخذ على أيدى السفهاء.
والمعنى: إنك يا محمد إذا ما أدر كمت فى الحرب هؤلاء الكافرين الناقضين ".
العهودهم وظفرت بهم - وهم بنو قريظة ومن لف لفهم -.. فافعل بهم فعلا
من القتل والتنكيل يتفرق معه جمع كل ناقض العهد ، ويفرع منه كل من
کان على شا کلتهم فى الكفر ونقض العهود ، ویمتبر به كل من سمعه من أهل
مکا وغيرهم .
غالبا- فى قوله ((فشره بهم)) السببية، وقوله ((من خلفهم)) مفعول شرد.
والمراد بمن خلفهم: كفار مكة وغيرهم من الضالين، أى : افعل
ببنى قريظة ما يشرد غيرهم خوفاً وفزعاً .
وقوة «لعلهم يذكرون، أى: لعل أولئك المشردين يتعظون بهذا القتل
والتنكيل الذى نزل بهؤلاء الناقضين لمهودهم فى كل مرة، فيمنعهم ذلك
عن نقض العين.
هذا، وإن تلك الآية الكريمة لمن أحكم الآيات التى ترشد المؤمنين إلى
وجوب أخذ المستمرين على كفرهم وعنادهم ونقضهم العهود أخذاً شديداً
رادعاً .. حتى يبقى المجتمع الإسلامى أمانه واستقراره وهيبته أمام أعدائه.
إن الآية الكريمة ترسم صورة بديمة للأخذ المفزع، والهول المرعب،
الذى يكفى السماع به الهرب والشرود، فما بال من يحمل هذا الأخذ الشديد ؟
إنها الضربة المروعة، بأمر الله - تعالى - رسوله أن ينزلها على
وأض كل مستحق لها بسبب كفنه وتلاعبه بالعهود ... وبذلك تبقى
لدين الله هيبته وسطوته .
هذا هو حكم المصرين على كفرهم النافذين لعهودهم .. أما الذين عنشى
(١٢.٥ - سعدة الأنفال)

الجزء
- ١٧٨ -
التاسع
منهم الخيانة فقد بين - سبحانه - حكمهم بقوله: «إوإما تخافن من قوم ..
خيانة فانبذ إليهم على سواء، إن الله لا يحب الخائنين».
وقوله: (( تخافن، من الخوف والمراد به هنا العلم.
وقوله ((فانيذ، من النبيذ بمعنى الطرح، وهو مجاز عن إعلامهم بأنهم ..
لا عهد لهم بعد اليوم. فشبه - سبحانه - العهد بالشىء الذی یرمی اهدم.
الرغبة فيه، وثبت النبذ له على سبيل التخييل، ومفعول ((فانبذ، محذوف
أى : فانبذ إليهم عهودهم .
قال الجمل: وقوله (( على سواء، حال من الفاعل والمفعول معا، أى:
فاعل الفعل وهو ضمير النبى - مخ لل - ومفعوله وهو المجرور يللى.
أى: حال كونكم مستوين فى العلم بطرح العهد. فعلمك أنت به لأنه
فعل نفسك، وعلمهم به بإعلامك إياهم ، فكأنه قيل فى الآية : فافيذ عهدهني
وأعلمهم بقبذهم ، ولا تقاتلهم بغتة لئلا بتهمونك بالغدر وليس هذامه
شأنك ولا من صفاتك، (١).
والمعنى: وإما تعلمن - يا محمد - من قوم بينك وبينهم عهد ومفارقتهم.
نقضه خيانة منهم ، بأمارات تلوح لك تدل على غدرهم ، فاطرح إليهم .
عهدهم علی طریق مستو ظاهر : بان تعلمهم بنیذك عهدهم قبل أن تحاربهم،
حتى تكون أنت وهم فى العلم بنبذ العهد سواء، لأن الله - تعالى - لا يحب
الخائنين وإن من مظاهر الخيانة التى يبغضها الله - تعالى - أن يحارب أحد
المتعاهدين الآخر دون أن يعلمه بإنهاء عهده.
قال ابن كثير: قال الإمام أحمد حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثناشعبة ...
عن أبى الفيض عن سليم بن عامر قال : كان بين معاوية وبين الروم عهد هـ .
(١) حاشية الجمل على الجلالين = ٢ ص ٢٥٢.

- ١٧٩ -
الجزء -
التاسع
وكان يسير نحو بلادهم ايقرب منها، حتى إذا انقضى العهد غزاهم فإذا شيخ
على دابة يقول: الله أكبر الله أكبر، وفاء لاغدرا: إن رسول لق-زل}}
قال: ((من كان بينه وبين قوم عهد فلا يحلن عقدة ولا يشدها حتى ينقضى
أمدها أو ينبذ إليهم على سواء».
قال: فبلغ ذلك معاوية فرجع. فإذا بالشيخ عمرو بن عبسة،.
قال ابن كثير: وهذا الحديث رواه أبو داود الطيالسى عن شعبة.
وأخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان فى صحيحه من طرق
عن شعبة به ، وقال الترمذى حسن صحيح .
وروى الإمام أحمد عن سلمان الفارسى أنه انتهى إلى حصن أو مدينة
فقال لأصحابه :
-
دعوى أدعوهم كما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدهوهم.
فقال: إنما كنت رجلا منكم فهدافى اللّه إلى الإسلام؛ فإن أسلتم فلكم ما لنا
وعليكم فا علينا. وإن أتم أبيتم، فأدوا الجزية وأنتم صاغرون فإن أييتم
ثابتاكم على سواء، إن الله لا يجب الخائنين. يفعل ذلك بهم ثلاثة أيام،
فلما كان اليوم الرابع غذا الناس إليها ففتحوها بعون الله)، (١).
وقال الفخر الرازى : قال أهل العلم: آثار نقض العهد إذا ظهرت. فإما
أن تظهر ظهوراً محتملا، أو ظهوراً مقطوعا به.
فإن كان الأول: وجب الإعلام على ماهو مذ كور فى هذه الآبة، وذلك
لأن بنى قريظة عاهدوا الغبى - صلى الله عليه وسلم - ثم أجابوا أبا سفيان
ومن معه من المشركين إلى مظاهرتهم على رسول الله، فحصل أرسول الله
- مَّ - خوف الغدر منهم به وبأصحابه، فهنا يجب على الإمام
أن يفبد إليهم جهودهم على سواء ويؤ ذنهم بالحرب.
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٣٢٠

- ١٨٠ -
الأطفال
تفسير سورة
أما إذا ظهر نقض العهد ظهوراً مقطوعا به ، فهنا لا حاجة إلى نبذ العهد،
وذلك كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأهل مكة، فإنهم لما نقضوا
العهد بقتل خزاعة وهم فى ذمة النبى -صلى الله عليه وسلم - وصل إليهم جيش
رسول الله يمر الطهران، وذلك على أربعة فراسخ من مكة، (١).
أى: أنهم لم يعلموا بحيش رسول اله - صلى الله عليه وسلم - الذى
جاء لمحاربتهم إلا بعد وصوله إلى هذا المكان . وبذلك نرى تعاليم الإسلام
ترتفع بالبشرية إلى أحمى آفاق الوفاء والشرف والأمان ... وتحقر من
شأن الخيانة والخائنين، وتتوعدهم بالطرد من رحمة الله، وبالبعد عن
رضوانة ومحبته .
" ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن الكافرين لن ينجو من عقابه، وبشر
المؤمنين بالنصر عليهم فقال: (ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون)
وقوله ( يحسبن )) من الحسبان بمعنى الظن . وقد قرأ ابن عامر وحفص
وحمزة ((يحسبن، بالياء. وقرأ الباقون بالتاء.
وقوله: ((يعجزون، من العجز. وأصله - كما يقول الراغب -: التأخر
عن الشىء ... ثم صار فى التعارف اسماً للقصور عن فعل الشيء، وهو ضد
القدرة ... والعجوز سميت بذلك لعجزما فى كثير من الأمور ... »(٢).
والمعنى - على القراءة بالياء -: ولا يحسبن الذين كفروا أنفسهم أنهم
قد سبقوا الله فنجوا من عقابه، وخلصوا من عذابه .. كلا إن حسبانهم هذا
باطل، لأنهم لا يعجدون الله، بل هو - سبحانه - قادر على إهلاكهم
و تعذيهم فى كل وقت ...
(١) تفسير الفخر الرازى * ١٥ ص ٢٢٠
(٢) المفردات فى غريب القرآن = ٣٢٢