النص المفهرس

صفحات 101-120

الأنفال
- ١٠١ -
تفسير سورة
بطونا، وأعراه جلودا، وأبينه ضلالا، من عاش منهم عاش شقيا، ومن
مات منهم ردى فى النار، يؤ كلون ولا يأكلون، وأقه ما نعلم قبيلا من حاضر
أهل الأرض يومئذ كانوا أثر منهم منزلا، حتى جاء الله بالإسلام، فمكن به
فى البلاد ، ووسع به فى الرزق ، وجعلكم به ملوكا على رقاب الناس .
فبالاسلام أعطى الله ما رأيتم، فشكروا الله على نعمه، فإن ربكم منعم محب
الشكر، وأهل الشكر فى مزيد من الله - تعالى -»(١).
وبذلك يرى أن هذه الآيات الثلاثة قد جمعت بين الترغيب والترهيب
والتحذير ... الترغيب كما فى قوله - تعالى -: «يأيها الذين آمنوااستجيبوا
له والرسول ٠٠٠،
والترهيب كما فى قوله - تعالى -: ((واتقوا فتنة لا تصيين الذين
الموامنكم خاصة ....
والتذكير كما فى قوله - تعالى - «واذكروا إذا أنتم قليل مستضعفون
فى الأرض .....
وبالترغيب فى الطاعات ، وبالترهيب من المعاصى، وبالتذكير بالنعم،
ينجح الدعاة فى دعوتهم إلى الله .
ثم وجه - سبحانه - بعد ذلك ندا. رابعا وخامسا إلى المؤمنين فقال :
(يَأْيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَخُونُواْ
اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَاشَئِكُرْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (3﴾ وَأَعْلَمُواْ أَمَّ
أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ وَ أَبْرٌّ عَظِيم ◌َ بَأَيُّهَا
الَّذِينَءَامَنُواْ إِنَّتَّقُوا اللهَيَجْعَل لَّكُرْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْعَنُرْسِئَاتِكُر
وَيَغْلَكُمْ وَاللهُذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾
(١) تفسير ابن جرير ج٩ ص ٠٢٢٠

البرء
- ١٠٢ -
التاج
روى المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى -: ((يأيها الذين آمنوا
لا غفوارا، روايات منها :
ما جاء عن ابن عباس من أنها نزلت فى أبي لبابة حين بعثه رسول الله -
صلى اله عليه وسلم - إلى بنى قريظة فقالوا له: يا أبالبابة ماتزى؟ أننزل على
حكم سعد بن معاذ فينا؟ فأشار أبو لبابة إلى حلقه . أى أن حكم سعدفيكم
يكون الذبح فلا تنزلوا . .
قال أبو لبابة: والله مازالت قدماى - عن مكانهما - حتى علمت أنى
قد خنت الله ورسوله .. .
ومنها ما جاء عن جابر بن عبد الله من أنها نزلت فى منافق كتب إلى أي
سفيان يطلعه على سر من أسر من أسرار المسلمين.
ومنها ما جاء عن السدى من أنها نزلت فى قوم كانوا يسمعون الشىء من
النبى - صلى الله عليه وسلم - ثم يحدثون به المشركين .. (١).
قال ابن كثير: والصحيح أن الآية عامة وإن صح أنها وردت على سبب
خاص؛ فإن الأخذ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب هو المعتمد عند
الجماهير من العلماء.
وقوله ((لا تخوفوا)) من الخون بمعنى النقص. يقال خونه تخويناً أى:
نسبه إلى الخيانة ونقصه .
قال صاحب الكشاف: معنى الخون: النقص. كماأن معنى الوفاء التمام.
ومنه تخونه إذا تنقصه، ثم استعمل فى ضد الأمانة والوفاء ؛ لأنك إذا خنت
الرجل فى شىء فقد أدخلت عليه النقصان فيه. وقد أسمير فقيل: خان الدلو
الكرب - والكرب حبل يشد فى رأس الدلو - وخان المشتار السبب.
والمشتار مجتنى العسل والسبب الحبل-لأنه إذا انقطع به فكأنه لم يف له ((٢)
(١) راجع تفسير ابن جرير ج٩ ص ٢٢١. وتفسير الفخر الرازى
٣ ١٥ ص ١٥١ ابن كثير حـ ٢ ص ١٣٠٠
(٢) تفسير الكشاف = ٢ ص ٠٢١٣

-
١٠٣٠ -
السير كوى
الاخال
والمقصود بنيانة الله: إترك فرائضه وأو امره التى كلف العباد بها،
وانتهاك حرماته التى نهى عن الاقتراب منها .
والمقصود مخيانة الرسول - بَلَى -: إهمال سنته التى جاء بها
وأمرنا بالتقيد بتعاليها .
المقصود بالأمانات: الأسرار والعهود والودائع وغير ذلك من الشئون
التى تكون بينهم وبين غيرهم مما يجب أن يصان ويحفظ.
والمعنى: ((بأيها الذين آمنوا لا تخونوا الله، بأن تهملوا فرائضه،
: وتتعدوا حدوده، ولا تخوفوا «الرسول، بُ لَّم، بأن تتركوا سنته
وتنصرفوا إلى غيرها ,وتخالفوا ما أمركم به وتجترحوا ما نها كم عنه،
ولانخونوا(( أماناتكم، بأن تفشر الأسرار التى بينكم، وتنقضوا العهود
التى تعاهدتم على الوفاء بها، وتنكروا الودائع التى أودعها لديكم غيركم ،
وتستبيحوا ما يجب حفظه من سائر الحقوق المادية والمعنوية ، فقوله :
((وتخونوا أماناتكم، معطوف على قوله (( لا تخونوا)).
وأعاد النهى للإشعار بأن كل واحد من المنهى عنه مقصود بذاته اهتماما به.
وقوله: ((وأنتم تعلمون، الواو الحال، والمفعول محذوف. أى. والحال
أنكم تعلمون سوء عاقبة الخائن لله ولرسوله والأمانات التى ائتمن عليها))
فعليكم أن تتجنبوا الخيانة فى جميع صورها؛ لتنالوا رضى الله ومثوبته.
ولما كان حب الأموال والأولاد والاشتغال بهم من أهم دواعى
الاقدام على الخيانة، نبه - سبحانه - إلى ذلك فقال: « وأعلموا إنما
أمرالكم وأولاد كم فتنة، وأن الله عنده أجر عظيم)).
أى: وأعلموا -أيها المؤمنون - أنما أموالكم وأولادكم فتنه، أى امتحان
واختبار لكم من الله - تعالى - ، ليتبين قوى الإيمان من ضعيفه.
أما قوى الإيمان فلا يشغله ماله وولده عن طاعة الله، وأما ضعيف الإيمان

- ١٠٤ -
رجره
التاسع
فيشغله ذلك عن طاعة الله، ويجعله يعيش حياته عبداً لما له، ومطيع المطالب-
أولاه، حتى ولو كانت هذه الطاعة متنافية مع تعاليم دينه وآدابه .
وقال صاحب المنار: الفتنة هى الاختبار والامتحان بما يشق على النفس.
فعله أو تركه ، أو قبوله أو إنكار ...
وأموال الإنسان عليها مدار حياته، وتحصیل رغائبه وشهو اته، ودفع
كثير من المكاره عنه، فهو يتكلف فى طلبها المثاق ، وير كب الصعاب،
ويكلفه الشرع فيها التزام الحلال واجتناب الحرام، وبرغبه فى القصد .
الاعتدال فى إنفاقها ..
وأما الأولاد نحبهم - كما يقول الأستاذ الأمام - ضرب من الجنون.
يلقيه الفاطر الحكيم فى قلوب الأمهات والآباء، فيحملهم على بذل كل .
ما يستطاع بغله فى سبيلهم ..
روى أبو ليلى من حديث أبى سعيد الخدرى مرفوعا «الولد ثمرة القلب،.
وإنه مجبنة مبخلة محزنة)). لحب الولد قد يحمل الوالدين على اقتراف الآثام، ..
وعلى الجبن، وعلى البخل ، وعلى الحزن ..
فالواجب على المؤمن اتقاء خطر الفتنة الأولى بكسب المال من وجوهه.
الخلال، وإنفاقه فى وجوهه المشروعة .. واتقاء خطر الفتنة الثانية باتباع .
ما أوجبه الله على الآباء من حسن تربية الأولاد على الدين والفضائل،.
وتجنيبهم أسباب المعاصى والرذائل،(١).
وقوله ((وأن الله عنده أجر عظيم، تذيبل قصد به ترغيب المؤمنين فى.
طاعة الله، بعد أن حذرهم من فتنة المال والولد .
أى: وأعلموا أن الله عند. أجر عظيم لمن آثر طاعته ورضاء على جمع المال.
(١) تفسير المنار ج ٩ ص ٥٩٤ - بتصرف وتلخيص.

تفسير سورة
- ١٠٥ -
الأنفال
وحب الأولاد، فكونوا - أيها المؤمنون - من حرب المؤثرين لحباقه
على حب الأموال والأولاد لتنالوا السعادة فى الدنيا والآخرة .
ثم ختم -سبحانه- تناءاته للمؤمنين بهذا النداء الذى يهديها إلى سبل الخير
والفلاح فقال -سبحانه ((يأيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاماً،
وبكفر عنكم سيئاتكم، ويغفر لكم، والله ذو الفضل العظيم)).
والفرفان فى كلام العرب - كمايقول ابن جرير - مصدر من قولهم فر قت بين
الشىء والشىء أفرق بينهما فرقاً وفرقاناً - أى أفرق وأفصل بينهما ...
وقد اختلف أهل التأويل فى العبارة عن تأويل قوله ويجعل لكم فرقانا ..
فقال بعضهم: يجعل لكم مخرجا. وقال بعضهم نجاة، وقال بعضهم فصلا
وفرقا بين حقكم وباطل من يبغيكم السوء من أعدائكم ... وكل ذلك
متقارب المعنى، وإن اختلفت العبارة ... )، (١)
وقال الآلوسی : «فرقانا، أى:هداية و فورا فى قلوبكم تفر قون به بینالحق
والباطل - كما روى عن ابن جريج وابن زيد - أو نصرا يفرق به بين الحق
والباطل بإعزاز المؤمنين وإذلال الكافرين - كما قال الفراء - أو جاء فى
الدارين - كماهو كلام السدى - أو مخرجا من الشبهات - كماجاء عن مقائل
أو ظهورا يشهر أمر كم وينشر صيتكم - كما يشعر به كلام محمد بن إسحاق.
من بت أفعل كذا حتى سطح الفرقان أى الصبح. وكل المعانى ترجع إلى الفرق
بين أمرين. وجوز الجمع بين المحققين الجمع بينها)، (٢) ونحن مع هذا البعض من
المحققين فى جواز الجمع من هذه المعانى فيكون المعنى: (( يا أيها الذين آمنوا
أن تتقوا الله، بأن تصونوا أنفسكم من كل ما يغضبه، وتطيعوه فى السر
والعان « يجعل لمكم فرقانا، أى هداية فى قلوبكم تفرقون بها بين الحق والباطل
ونصر! تعلوا به كلتكم على كلمة أعدائكم «ومخرجا من الشبهات التى تقلق.
(١) تفسير ابن جرير ج ٩ ص ٢٢٤ - بتصرف وتلخيص -
(٢) تفسير الآلوسى = ٩ ص ١٩٦.

FF
الجزء
التاسع
- ١٠٦ -
النفوس، ونجاة مما تخافون ... وفضلا عن كل ذلك فإنه - سبحانه - .
يكفر عنكم سيئاتكم، أى يسترها عليكم فى الدنيا، ((ويغفر لكم، أى:
ويغفر لكم يوم القيامة مافرط منكم من ذنوب بلطفه وإحسانه وقوله :
(( والله ذو الفضل العظيم، تذييل قصد به التعليل لماقبله، والتنبيه على أن ماوعد
به - سبحانه - المؤمنين على تقوام إنما هو تفضل منه لهم ، فهو - سبحانه-
صاحب العطاء الجزيل، والخير العميم .. لمن أطاعه واتقاه، وصان نفسه
عما بسخطه وبغضبه .
فأنت ترى أنه - سبحانه - قد رآب على تقواه على الخوف منه , نعما
عظمى ، ومنناكيرى، وأى نعم يتطلع إليها المؤمنون أفضل من هداية
القلوب وتكفير الخطايا والذنوب ؟ .
اللهم لا تحرمنا من هذه النعم والمنن بفضلك وإحسانك ، فأنت وحدك
صاحب العطاء العميم، وأنت وحدك ذو الفضل العظيم، وأنت وحدك
على كل شىء قدير ...
وبعد : فنحن - أخى القارىء - أو استعرضنا سورة الأنفال من
مطلعها إلى هنا ، لرأبناها تحدثنا -- على سبيل الاجمال - عن:
(أ) أحكام الأنفال، وأن مرد الحكم فيها إلى الله ورسوله ..
(ب) وعن الصفات الكريمة التى يجب أن يتحلى بها المؤمنون لينالوا
مغفرة الله ورضوانه ..
(ج) وعن أحوال بعض المؤمنين الذين اشتركوا فى غزوة بدر،
وكانوا بفضلون الغير على النغير. ولكن - اللّه تعالى - بين لهم أن الخير
فيما قدره لا فيما بظنون . .
(د) وعن النعم والبشارات وأسباب النصر التى أمد الله بها المؤمنين فى
بدر والتى كان من آثارها ارتفاع شأنهم، واندحار شأن أعدائهم ..
(٥) وغن التوجيهات الحكيمة التى أعقبت تلك النداءات الخمسة التى نادى

تفسير سورة - ١٠٧ - الأنفال
الله بها المؤمنين، فقد أمرم - سبحانه - بالثبات فى وجه أعدائهم، وبالطاعة
التامة له ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - وبالاستجابة السريعة للحق الذى
جاءهم به الرسول - صلى الله عليه وسلم -.. ونهتهم عن التولى يوم الزحف؛
وعن التشبه بمن قالرا سمعنا وهم لا يسمعون، وعن إقرار المنكرات والبدع
والرضا بها، وعن خيانة الله والرسول، وعن خيانة الأمانات التى تجب
صيانتها والمحافظة عليها ...
ووعدهم - سبحانه - بداية القلوب، وتكفير الخطايا والذنوب،
متى القوه ووقفوا عند حدوده ..
(و) والآن، وبعد هذا التوجيه الحكيم، والتأديب القويم ، والتعليم
المنافع والتذكير بالنعم، والتحذير من النقم .. ماذا نرى؟
نزى السورة الكريمة تأخذ فى قذ كير المؤمنين بجوانب من جرائم أعدائهم
فتقص عليهم ما كان من هؤلاء الأعداء من قآمر على حياة رسولهم -صلى الله
عليه وسلم ومن تهكم بالقرآن الكريم وادعاء أنهم فى استطاعتهم أن يأتوا
بمثله لوعاءوا، ومن استهزاء بتعاليم الإسلام، وسخرية بشعائره وعباداته
من إنفاق لأموالهم ليصدوا الناس عن الطريق الحق ، ومن إصرار على
العناد والجحود جعلهم يستعجلون العذاب ..
ومع كل هذا فالسورة الكريمة تفتح الباب فى وجوه هؤلاء الجاحدين
المعاندين ، وتأمر المؤمنين أن ينصحوم بالدخول فى دين الله .. فإذا لم
يستجيبوا لنصحهم فعليهم أن يقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين
كل فته ..
اسمع - أخى القارئ . - بتدبر إلى الآيات التى تحكى كل ذلك
بأسلوبها البليغ المؤثر فتقول :

التاسع
- ١٠٨ -
الجزء
،وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ
لُشْبِتُكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْيُخْرِجُوَةٌ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُ الله وَاللهُ تَخْرُ
الْمُكِرِينَ ﴾ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ◌َا ◌َتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ
لا
لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَاْ إِنْ هَا إِلَّ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ (﴾ وَ إِذْ قَالُواْ الَّهُمَّ
إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَيْنَ حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ
أَقْنَا بِعَذَابٍ أَلِ ﴾ وَمَا كَانَ اللهُلِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ.
اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (﴾ وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللهُ وَهُمْ

تفسير سورة
- ١٠٩ -
الأنفال
يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْخَرَاِ وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءَهُ{ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ:
إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَئِكِنَّ أَكْثِرُهُمْ لَا يَعْلُونَ () وَمَا كَانَ صَلَاُهُمْ عِنْدَ
اَلْبَيْتِ إِلَّمُكَ وَتَصْدِيَّةٌ فَذُوقُواْ الْعَذَّابَ بِمَا كُنُمْ تَكْفُرُونَ (9)
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوْيُنْفِقُونَ أَمْوَ لَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَنْ سَبِ الّهِ فَسَبُنِقُونَهَا
ثُمَّتَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّ
يُحْتَرُونَ (٣) لِمِيزَ اللّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيِثَ
بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَرْ كُمَهُ جِعًا فَيَجْعَلَهُ فِ جَهْمَ أُوْلَكَ هُمُ
الْخَسِرُونَ ﴾ قُل ◌ِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُ مَا قَدْ سَلَفَ
وَإِن يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ ﴾ وَقَتِلُوهُمْ حَتَّى لَا
تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُ لِلَّهِ فَإِنِ أَنْتَهُواْ فَإِنَّ اللَّه ◌ِمَا يَعْمَلُونَ
يَصِيرٌ ﴾ قَوْ تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَوْلَنْكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ
ج
النَّصِيرُ
قال ابن كثير، عن ابن عباس في قوله: ((وإذ يمكربك الذين كفروا))

تفسير سورة
- ١١٠ -
الأنفال
أنه قال: تشاورت قريش ليلة بمكة - فى شأن النبى - صلى الله عليه وسلم-».
وذلك بعد أن رأوا أمره قد اشتهر، وأن غيرهم قد آمن به - فقال بعضهم إذا؟:
أصبح فأثبتوه بالوثاق. وقال بعضهم بل أقتلوه. وقال بعضهم بل أخرجوه
ثم اتفقوا أخيرا على قتله -، فأطلع الله تعالى نبيه على ذلك، وأمره أن
لا بيبيت فى مضجعه، فأمر النبى - ملح - علياً أن يبيت مكانه ففعل
وخرج النبي - صَدّ - حتى لحق بالغار، وبات المشر كون محرسون
عليا بحسبونه النبى - صِّ ل - فذا أصبحوا ثاروا إليه، فلما رأوا
عليا قالوا له أين صاحبك؟ قال: لا أدرى فاقتصوا أثره، فلما بلغوا الجبل اختلط
عليهم، فصعدوا فى الجبل فروا بالغار ، فرأو على بابه نسج العنكبوت،
فقالوا لو دخل هنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه ، فمكث فيه ثلاث ليال.
وقد ذكر ابن كثير وغيره روايات أخرى تتعلق بهذه الآية ، إلا أننا
تكتفى بهذه الرواية، لإفادتها للمطلوب فى موضوعنا، ولأن غير ها قد اشتمل
على أخبار أفكرها بعض المحققين ، كما أنكرها ابن كثير نفسه (١).
وقوله: (( وإذ يمكر .. ، تذكير من الله - تعالى - لنبيه للمؤمنين ببعض
فعمه عليهم، حيث نجى نبيه - صَ الله - من مسكر المشركين حين
تآمروا على قتله وهو بينهم بمكة. قال ابن جرير: أنزل الله على النبى - صلى
اقه عليه وسلم- بعد قدومه المدينة سورة الأنفال ، یذ کرہ نعمه علیه-ومن
ذلك قوله - تعالى - ((وإذ يمكر بك الذين كفروا ... الآية)» (٢).
وقوله (( يمكر، من المكر، وهو - كمايقول الراغب - صرف الغير عما
يقصده مجميلة وذلك ضربان: مكر محمود وذلك أن يتحرى بمكره فعلاجميلا.
ومنه قوله - تعالى - ((والله خير الماكرين)). ومكر مذموم، وهو أن يتحرى
بمكره فعلا قبيحا، ومنه قوله - تعالى - وإذ يمكر بك الذين كفروا .. ، وقال
(١) راجع التفسير ابن کثیر ہ٢ص٣٠٢و تفسیر ابن جرير ج٩ص٢٢٦
(٢) تفسير ابن جرير ج ٩ ص ٠٢٢٨

الجزء
التاسع
- ١١١ -
وقال - سبحانه وتعالى - فى الأمرين: «ومكروا مكرا ومكرنا مكراوم
لا يشعرون » (١)
وقوله: ((ليثبتوك، أى ليحبسوك. يقال أثبته إذا حبسته.
والمعنى: وأذكر - يا محمد - وقت أن نجيتك من مكر أعدائك، حين
تآمروا عليك وأنت ين أظهرهم فى مكة، لكى يثبتوك، أى: بحبوك فى
فى دارك، فلا تتمكن من لقاء الناس ومن دعونهم إلى الدين الحق (( أو يقتلوك))
بواسطة مجموعة من الرجال الذين اختلفت قبائلهم فى النسب ، حتى يتفرق
دمك فيهم للانقدير عشيرتك على الأثير الآخذ بثأرك من هذه القبائل المتعددة ..
((أو يخرجوك)) أى: من مسكة منفيا مطاردا حتى يحولوا بينك وبين
لقاء قومك .
وقوله: ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين)) بيان لموضع
النعمة والمئة، أى: والحال أن هؤلاء المشركين يمكرون بك وبأتباهك
المكر السىء، والله - تعالى - يرد مكرهم فى نحورهم، ويحيط كيدهم،
ويجيب سعيهم، ويعاقب عليه عقابا شديداً، ويدبر أمرك وأمر أتباعك،
ويحفظكم من شرورهم، فهو - سبحانه - أقوى الماكرين. وأعظمهم
تأثيراً، وأصلهم بما بما يضر منه وما ينفع.
قال الألوسى: قوله ((ويمكرون ويمكر الله، أى: برد مكرهم ويجعلى
وخامته عليهم، أو بجانبهم عليه أو يعاملهم معاملة الماكرين، وذلك بأن
أخرجهم إلى بدر، وقال المسلمين فى أعينهم حتى حملوا عليهم فلقوا
منهم ما يديب منه الوليد .
((والله خير الماكرين)) إذ لا يعتد بمكرهم عند مكر - سبحانه -.
وإطلاق هذا المركب الإضافى عليه - تعالى - إن كان باعتبار أن مكر.
- سبحانه - أنفذ وأبلغ تأثيرا فالإضافة للتفصيل، لأن لمكر الغير - أيضا -
(١) المفردات فى غريب القرآن ص ٤٧١ الراغب الأصفهانى- بتصرف يسبر

تفسير سورة
- ١١٢ -
الأنفال
نفو ذا أو تأثيراً فى الجملة ... وإن كان باعتبار أنه- سبحانه-لا ينزل إلا الحق
ولا يصيب إلا ما يستوجب الممكور به، فلا شركة لمكر الغير فيه، وتكون
الإضافة حينئذ الاختصاص، لانتفاء المشاركة .. ) (١) هذاهوالصورة التى
برسمها قوله - تعالى -: ((ويمكرون ويمكر الله، صورة عميقة التأثير، ذلك
حين تتراءى للخيال ندوة قريش، وهم يتآمرون ويتذا کرون ويدبرون
ويمكرون، والله من دواتهم محيط، ويمكربهم ويبطل كيدهم وهم لا يشعرون.
إنها صورة ساخرة، وهى فى الوقت ذاته صورة مفزعة .. فأين هؤلاء
البشر الضعاف المهازيل ، من تلك القدرة القادرة .. قدرة الله الجبار، القاهر
فوق عباده ، الغالب على أمره، وهو بكل شىء محيط ؟
والتعبير القرآنى يرسم الصورة على طريق القرآن الفريدة في التصوير،
أيهزبها القلوب، ويحرك بها أعماق الشعور»(٢)
ثم حكى القرآن بعد ذلك جانبا من الدعاوى الكاذبة التى تقوم بها
المشركون فقال - تعالى - ((إذا تعلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعباء لو نشاء
قلنا مثل هذا، إن هذا إلا أساطير الأولين . .
وقد ذكر كثير من المفسرين أن القائل لهذا القول: النضر بن الخارث؛
إنه كان قد ذهب إلى بلاد فارس فأحضر منها قصصاً عن ملوكهم ... ولما
دم مكة ووجد رسول الله ولم يتلو القرآن قال للمشركين: أو شئت
قلت مثل هذا، وكان - { 14 - إذا قام من مجلس، جاء بعده النضر
فجلس فيه وحدث المشركون بأخبار ملوك الفرس والروم ، وغيرهم ثم
قال: أبنا أحس قصصا؟ أنا أو محمد ؟ وقد أمكن الته منه يوم بدر، فقد
سره المقداد بن عمرو، فأمر - ص - بضرب عنقه وقال فيه: «إنه كان
قول فى كتاب الله - عز وجل - ما يقول)، (٣).
(١) تفسير الآلوسى = ٩ ١٩٨٠٠
(٢) من (فى ظلال القرآن) = ٩ - ٨٤٤ للأستاذ سيد قطب.
(٣) تفسير ابن كثير ٢٢ - ٢٠٤ بتصرف وتلخيص .

التاسع
- ١١٣ -
الجزء
وأسند _ سبحانه _ قول النضر إلى جميع المشركين، لأنهم كانواراضين
«بقوله، ولأنه كان من زعمائهم الذين يقودونهم إلى طريق الغواية .
، والأساطير - كما يقول ابن جرير -: جمع أسطر، وهو جمع الجمع،
لأن واحد الأسطر سطر. ثم يجمع السطر: أسطر وسطور، ثم يجمع
الأسطر أساطير وأساطر. وقد كان بعض أهل العربية: واحد الأساطير :
أسطورة - كأحاديث وأحدوثة (١) :- والمراد بها: تلك القصص والحكايات
التى كتبها الكاتبون عن القدامى، والتى يغلب عليها طابع الخرافة
والتخيلات التى لا حقيقة لها .
والمعنى: أن هؤلاء المشركين قد بلغ بهم الكذب والتمادى فى الطغيان ،
أنهم كانوا إذا قتلى عليهم آيات الله، قالوا، بصفافة ووقاحة: ((قد سمعنا))
أى: قد سمعنا ماقر أنه علينا - يا محمد - ووعيناه ((لونشاء القلنا مثل هذا، أى
لو نشاء لقلنا مثل هذا القرآن الذى قتلوه علينا يا محمد ما هو إلا من قصص
الأولين وحكاياتهم التى سطرها بعضهم عنهم وليس من عند الله - تعالى -
ولاشك أن قولهم هذا يدل على تعمدهم الكذب على أنفسهم وعلى الناس
فإن هذا القرآن - الذى زعموا أنهم لوشاء والقالوا مثله - قد تحدام فى نهاية
المطاف أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا وانقلبوا خاسرين.
والذى فعتقده أن قوهم هذا، ماهو إلا من قبيل الحرب النفسية التى كانوا
يشنونها على الدعوة الإسلامية، بقصد تضليل البسطاء، والوقوف في وجه
تأثير القرآن فى القلوب، ولمحاولة طمس معالم الحق ولو إلى حين .
ولكنهم لم يفلحوا. فإن نور الحق لا تحجبه الشبهات الزائفة، ولا يعدم
الحق أن بحد له أنصاراً حتى من أعدائه، يكفى هنا أن نستشهد بما قاله الوليد
ابن المغيرة فى وصف القرآن الكريم: «إن له لحلاوة، وأن عليه لطلاوة،
وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمشعر .. وما يقول هذا بشر)).
(١) تفسير ابن جرير ج٩ ص ٠٢٣١ (م٨ - سورة الأنفال)

سورة
- ١١ -
الأنفال
ورحم اله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لقوله - تعالى- لونشا ..
لمنامثل هذا .... نفاجة منهم وصلف تحت الراعدة، فإنهم لم يتوانوافى مشيتهم.
ساعدتهم الاستطاعة، وإلا فما منعهم إن كانوا مستطيعين أن يعاؤواغاية-
، تحداهم وقرعهم بالصـز حتى يفوزوا بالقدم المعلى دونه، مع فرط أنفتهم،
استنكافهم أن يغلبوا فى باب البيان خاصة .. )،(١).
ثم تمضى السورة فى حديثها من رذائل مشركي قريش ، فتحكى لوناضجيباً.
، ألوان عنادهم، وجحودهم للحق. فتقول: ((وإذا قالوا اللهم إن كانهذا"
و الحق من عندك فأمطر علينا حجارة موالها. أو اثقنا بعذاب أليم)) ..
وقائل هذا القول: النضر بن الحارث صاحب القول السالف« لو نهما ...
لمنا مثل هذا .... ذكر ذلك عطاء ومجاهد وسعيد بن جبير.
وأخرج البخارى عن أنس بن مالك أن قائل ذلك: أبو جهل بن عدام.
أخرجه ابن جرير عن بن رومان ومحمد بن قيس أن قريشا قال بعضها
مضی: أ کرم اقه محمدا ۔ سنی الله علیےوسلے ۔ من بیننا! اللهم إن كان هذا
والحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء (٢).
والمعنى: أن هؤلاء المشركين قد بلغ بهم العناد والجحود أنهم لم يكتفوا
فكار أن القرآن من عند الة، وأن محمدا قد جاءهم بالحق .. بل أضافو).
، ذلك قولهم: اللهم إن كان هذا الذى جاءنا به محمدمن قرآن وغيرههو الحق.
نزل من عندك، فعاقينا على إنكاره والكفر به ، بأن تنزل علينا حجارة.
) السماء هلكنا. أو تنزل علينا عذابا أليما يقضى علينا.
قال الجمل: قوله: «هو الحق، قرأ العامة الحق بالنصب على أنه خبر الكون
لفظ « هر ،الفصل .. وقرأ الأعش وزید بن علی «الحق ، بالرفع ووجهها
اهر برفع لفظ ((هو)) على الابتداء، والحق خبره، والجملة خير الكون)) (٣).
(١) تفسير الكشاف ج ٢ ص٢١٦ وقوله: « نفاحة، أى: تكبر، والصلف
فرور ومجاوزة الحد والراهدة السحابه وهذا مثل يضرب الرجل يتوعد ثم
"يعمل شيئا (٢) تفسير الآلوسى ٩٣ ١٩٩٧ (٣) حاشية الجمل على الجلالين ٢٠ -٢٤٣٠°

- ١٥ ١ -
الجزء
التاسع
وفى إطلاقهم « الحق، على ماجاء به الرسول وية، وجعله من عند.
اته؛ تهكم بمن يقول ذلك سواء أكان هذا القاتل - رسول صلى الله عليه
وسلم - أو المؤمنين .
وأل فيه العهد : أى الحق الذى أدعى محمد أنه جاء به من عند الله.
وقوله: «من السماء)، متعلق بمحذوف صفة لقوله ((حجارة)). وفائدة
هذا الوصف الدلالة على أن المراد بها حجارة معينة مخصوصة لتعذيب الظالمين.
قال صاحب الكشاف: وهذا أسلوب من الجحود بليغ. يعنى إن كان
القرآن هو الحق فعاقبنا على إنكاره بالسجيل كما فعلت بأصحاب الفيل، أو
بعذاب آخره ومرادهمنفى كونه حقا، وإذا انتفى كونه حقاً لم يستوجب منكره
عذابا، فكان تعليق العذاب بكونه حقا، مع اعتقاد أنه ليس بحق كتعليقه
بالمحال فى قولك: إن كان الباطل حقا فأمطر علينا حجارة من السماء .
فإن قلت : ما فائدة قوله ((من السماء، والأمطار لا تكون إلا منها؟
قلت : كأنهم يريدون أن يقولوا: فأمطر علينا السجيل وهى الحجارة
السومة المذاب، فوضع حجارة من السماء موضع السجيل.
وعن معاوية أنه قال لرجل من سبأ: ما أجهل قومك حين . لكوا
عليهم امرأة، فقال الرجل: أجهل من قومى قومك، فقد قالوا لرسول الله
٤ - حد دهاهم إلى الحق: « إن كان هذا هو الحق من عندك فأطر
علينا حجارة من السماء .. )، ولم يقولوا: إن كان هذا هو الحق فاهدنا!) (١)».
ولقد كان هذا الرجل حكما فى رده على معاوية، لأنه كان الأولى بأولئك
المثبر كين أن يقولوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاحد فاله ووفقنا
لاتباعه .. ولكن العناد الجامح الذى استولى عليهم جعلهم يؤثرون الملاك.
(١) تفسير الكشاف = ٢ ص ٠٢١٦

سورة
- ١١٦ -
الأنفال
على الإذعان للحق ويفضلون عبادة الأصنام على اتباع محمد - سن ) - الذى
دعاهم إلى عبادة الله وحده .. وهكذا النفوس عندما تنغمس فى الأحقاد
وتمادى فى الجحود. وتفقاد الأهواء والشهوات، وتأخذها العزة بالإثم.
قرى الباطل حقا، والحق باطلا ، وتؤثر العذاب وهى سادرة فى باطلها ، على
الخضوع للحق والمنطق والصواب .
ثم تعقب السورة على هذا الدعاء الغريب الذى حكته عن مشركى مكة،
فتبين الموجب لإمهالهم وعدم إجابة دعاتهم فتقول: ((وما كان الله ليهذيهم
وأنت فيهم، وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون)).
أى : وما كان الله مريداً لتعذيب هو لاء الذين دعوا بهذا الدعاء الغريب
تعذيب استئصال وإهلاك، وأنت مقيم فيهم-يا محمد - بمكه، فقد جرت سنته
- سبحانه - ألا بهلك قرية مكذبة وفيها فيها والمؤمنون به حتى يخرجهم منها
ثم يعذب الكافرين. واللام فى قوله ((ليعذبهم، التأكيد النفى. والدلالة على
أن تعذيبهم والرسول - ◌َّ - بين أظهرهم غير مستقيم فى الحكمة.
والمراد بالاستغفار فى قوله: (( وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون))
استغفار من بقى بينهم من المؤمنين المستضعفين الذين لم يستطيعوا مغادرة
مكة بعد أن هاجر منها النبى -1882 - والمؤمنون .
أى: ما كان الله مريداً لتعذيبهم وأنت فيهم - يامحمد - وما كان -أيضا-
مريداً تعذيبهم وبين أظهرهم بمكه من المؤمنين المستضعفين من يستغفر الله،
وهم الذين لم يستطعوا مغادرتها واللحاق بك فى المدينة .
قالوا: ويؤبد أن هذا هو المراد بالاستغفار قوله - تعالى - فى آية
أخرى: ((لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما (١))) أى : لو تميز
(١) سورة الفتح الآية ٢٥.

الجزء
- ١١٧ -
التاسع
المؤمنون على الكافرين أعذبنا الذين كفروا عذابا أليما. وأسند- سبحانه-
الاستغفار إلى ضمير الجميع، لوقوعه فيما بينهم، ولمنزيل ما صدر عن البعض
منزلة ما صدر عن الكل . كمايقال: قتل أهل بلدة كذا فلانا والمراد بعضهم،
ويرى بعضهم أن المراد بالاستغفار المذكور: استغفار الكفرة أنفسهم
كقولهم (غفرانك فى طوافهم بالبيت، أو ما يشبه ذلك من معانى الاستغفار
وكأن هذا البعض يرى أن مجرد طلب المغفرة منه - سبحانه - يكون مانها
من عذابه ولو كان هذا الطلب صادراً من الكفرة .
ويرجح ابن جرير أن المراد بقوله: «وهم يستغفرون)، ففى الاستغفار
عنهم فقد قال بعد أن ذكر بضعة آراء: وأولى هذه الأقوال عندى بالصواب.
قول من قال: تأويله وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم يا محمد، وبين أظهر هم
مقيم، حتى أخرجك من بين أظهرهم ، لأنى لا أملك قرية وفيها نبيها، وما كان
الله معذبهم وهم يستغفرون من ذنوبهم وكفرهم ، ولكنهم لا يستغفرون
من ذلك بل هم مصرون عليه ، فهم للعذاب مستحقون ... »(١).
قال بعض المحققين: والقول الأول أبلغ لدلالته على أن استغفار الغير
مما يدفع به العذاب عن أمثال هؤلاء الكفرة.
. ثم قال: روى الترمذى عن أبى موسى الأشعرى قال: قال رسول الله
- ص - أنزل الله على أما نين لأمتى ((وما كان الله ليعذبهم ... »
الآية. فإذا معضيت تركت فيهم الاستغفار إلى يوم القيامة ».
قال ابن كثير: ويشهد لهذا مارواه الإمام أحمد والحاكم وصححه عن أبى سعيد
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال: إن إبليس قال لربه: بعزتك
وجلالك لا أبرح أغوى بنى آدم ما دامت الأرواح فيهم. فقال الله - تعالى.
فيعزتى وجلالى لا أبرح اغفر لهم ما استغفرونى)) (٢).
(١) تفسير ابن جرير ج ٩ ص ٠٢٣٨
(٢) تفسير القاسمى = ٨ من ٢٩٨٧ طبعة عيسى الحلبى سنة ١٩٥٨ م .

الغسير سورة
- ١١٨ -
الأنفال
ثم ري - سبحانه - بعض الجرائم التى ارتكبها المشر كون، والتى تقعلهم.
مستحقيه لعذاب الله، فقال - تعالى -: «رماهم ألا يعذبهم أقدموهم يصدرن
عن المسجد الحرام ، وما كانوا أولیاء، ، إن أو نیاؤه إلا المتقون، والآن
أكثرهم لا يعلمون).
والمعنى: وأى شىء يمنع من عذاب مشركى قريش بعد خروجك_ بالخوف
وخروج المؤمنين المستعدمفين من بين أظهرهم ؟ إنه لا مانع أبداً من وقوع
العذاب عليهم وقد وجد مقضيه منهم ، حيث أجترحوا من المنكرات
والسيئات ما يجعلهم مستحقيد للعقاب العديد .
الاستفهام فى قوله ((ومالهم ٠٠ ،(نکاری بمعنی النفى .أى :لا مانع من"
تعذيب اله لهم وقوله («وهم يصدون عن المسجد الحرام، جملة حالية مبينة
لجريمة من جرائمهم الشنيعة . أى: لامانع يمنع من تعذيبهم، وكيف لا يعذبون
وحالهم أنهم يمنعون المؤمنين عن الطواف بالمسجد الحرام، ومن زياد».
ومن مباشرة عباداتهم عنده .. ؟ إنهم لابد أن يعذبوا على هذه الجرائم.
ولقد أوقع الله بهم عذابه فى الدنيا: ومن ذلك ما حدث لهم يوم بدر
من قتل صناديدهم ومن أسر وجهاتهم، ومن كلمتهم .
وأما عذابهم فى الآخرة فهو أشد وأبقى من عذابهم فى الدنيا .
وقوله: (وما كانوا أولياءه، رد على ما كانوا يقولونه بالباطل: نحن ولاة
البيت الحرام ، فلنا أن نصدمن نشاء عن دخوله، ولنا أن نبيح من نها دخر له.
أى : إن هؤلاء المشركين ما كانوا فى يوم من الأيام أهلا لولاية البيفه.
الحرام بسبب شركهم وعداوتهم - له فعال - رب هذا البيت.
وقوله ((إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون) بيان
للمستحقين لولاية البيت الحرام، بعد نفيها عن المشركين.
أى: إن هؤلاء المشركين لبحرا أهلا لولاية البيت الحرام، وليسوا أهلا

- ١١٩ -
التاسع
لأن يكونوا أولياء فه - تعالى - بسبب كفرهم وجحودهم، وإنما المستحا
داذلك هم المتقود الذين صانوا أنفسهم عن الكفرو عن الشرك وعن
ما يغضب أنه، ولكن أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون ذلك بـ
جهلهم وتماديهم فى الجحود والهلال .
وقد جاءت جملة ((إن أولياؤه إلا المثقون، مؤكدة بأقوى أ!
التأكيد ، لئفى كل ولاية على البيت الحرام سوى ولا يتهم هم.
وننى - سبحانه - العلم عن أكثر المشركين، لأن قلة منهم كانت تعا
لا ولاية لها على المسجد الحرام ولكنها كانت تجحد ذلك عناداً وغرور
أو أن المراد بالأكثر الكل، لأن الأكثر حكم الكل فى كثير من الأحد
-كما أن الأقل قد لا يعتبر فينزل منزلة العدم.
ثم حكى - سبحانه - لونا آخر من ألوان ضلال هؤلاء المشر"
- وجحودهم فقال: ((وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصد.
فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون».
قال القرطبى ما ملخصه : قال ابن عباس: كانت قريش تظوف بالــ
عراة، يصفقون ويصفرون، فكان ذلك عبادة فى ظنهم ..
والمكاء: الصغير. يقال مكا يمكومكوا ومكان إذا صفر.
والتصدية: التصفيق . يقال : صدى يصدى تصدية إذا صفق .
وقال قتادة: المكاء : ضرب بالأيدى، والتصدية: الصباح.
وعلى التفسيرين ففيه رد على الجهلة من الصوفية الذين يرقصر
سويصفقون، وذلك كله مشكر يتنزه عن مثله العقلاء، ويتشميه فاعلة بالمشر؟
فيما كانوا يفعلونه عند البيت .. (١).
(١) تفسير القرطبى ٢٣ ص ٠٤٠

سورة
- ١٢٠ -
الأنفال
والمعنى: أن هؤلاء المشركين لم تكن صلاتهم عند البيت الحرام إلا تصفيفة.
صغيراً، وهرجا ومرجالا وقار فيه، ولا استشعار لحرمة البيت، ولا خشوع
ال الله - تعالى -. وذلك لجهلهم بما يجب عليهم نحو خالقهم، ولحرصهم.
، أن يسيئوا إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - وهو يقرأ القرآن، أو وهو
وف البيت، أو وهو يؤدى شيئاً من شعائر الإسلام وعباداته. فقد حكى
آن عنهم أنهم كانوا إذا سمعوا القرآن رفعوا أصواتهم بالصياح والغناء.
نعوا الناس من سماعه. قال - تعالى -: ((وقال الذين كفروا
تسمعوا لهذا القرآن والغوافيه لعلكم تغليون)، (١).
وروى ابن جرير أن ابن عمر حكى فعلهم، فصفر، وأمال خده وصفق بيديه
وقال مجاهد إنهم كانوا يصنعون ذلك ليخلطوا على النبى - صلى الله عليه.
لم - صلاته .
وعن سعيد بن جبير: كانت قريش بعارضون الفى - صلى الله عليه وسلم -.
الطواف يستمزاون به ، يصفرون ويصفقون (٢).
وقال الفخر الرازى: فإن قيل المكاء والتصدية ما كانا من جنس الصلاة.
يف جاز استثناؤهما من الصلاة؟
قلنا: فيه وجوه: الأول: أنهم كانوا يعتقدون أن المكا والتصدية من ..
ـ الصلاة فخرج هذا الاستثناء على حسب معتقدهم.
الثانى: أن هذا كقولك: وددت الأمير فجعل جفاق صلتى. أى:
الجفاء مقام الصلة ف.كذا هنا .
الثالث : الغرض منه أن من كان المکاء والتعدیة ملائه فلا صلاةله ..
(١) سورة فصلت . الآية.
(٢) تفسير ابن جرير = ٩ ص ٢٤٠.