النص المفهرس
صفحات 81-100
تقسي سورة
= ٨١ -
الأنفال
تأمينهم كلهم. وأقبل أصحاب رسول الله - صَلّ - وأنزل الله .. وما
- رميت إذ رميت ولكن الله رمى)، (١).
وهناك روايات أخرى ذكرت أن قوله - تعالى - ((وما رميت إذ
رميت ولكن الله رمى، المقصود به رميه - مصر - لأبى بن خلف يوم
أحد أو رميه للكنانة بن أبى الحقيق فى غزوة خيبر، أو رمبه المشركين
فى غزوه حنين .
ولكن المحققين من العلماء ضعفوا هذه الروايات، ورجحوا أن
المقصود بهذه الجملة مافعله النبي - صل - فى بدر من رميه بالحصافى
وجوه المشركين ، لأن السورة تحكى أحداث غزوة بدر ، وغزوة بدر
كانت قيل أحد وخيبر وحنين ...
قال ابن كثير : وقد روى فى هذه القصة عن عروة ومجاهد وعكرمة
وقتادة وغير واحد من الأئمة أنها نزلت فى رمية النبى - عليه - يوم
بدر ... وسياق الآية فى سورة الأنفال فى قصة بدر لا محالة، وهذا ما
"لا يخفى على أئمة العلم».
والمعنى: إنكم - أيها المؤمنون - لم تقتلوا المشركين فى بدر بقوتكم
وشجاعتكم، ولكن الله - تعيلى - هو الذى أظهر كم بحوله وقوته ،بأن
خذلهم، وقذف فى قلوبهم الرعب، وقوى قلوبكم، وأمدكم بالملائكة ،
.ومنحكم من معونته ورعايته ما بلغكم هذا النصر.
والفاء فى قوله: «فلم تقتلوهم .. ، يرى صاحب الكشاف أنها جواب
شرط محذوف تقديره: إن افتخر ثم بقتلهم فأنتم لم تقتلوم ,ولكن الله
-قتلهم، لأنه هو الذى أزل الملائكة، وألقى الرعب فى قلوبهم، وشاء
بالنصر والظفر وأذهب عن قلوبكم الفرع والجزع .
(١) تفسير ابن كثير ج٢ ص ٢٩٥.
(م .٦ - سورة الأنفال)
الجزء
- ٨٢ -
التاسع
وقوله: ((وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى، خطاب التى - ) ...
بطريق التلوين .
أى: ((وما رميت)، بالرعب فى قلوب الأعداء ((إذ رميت) فى
وجوههم بالخصباء يوم بدر ((ولكن الله، - تعالى - هو الذى «رمى))
بالرعب فى قلوبهم: فهزمهم ونصركم عليهم.
أو المعنى: ما أوصلت الخصباء إلى أعينهم إذ رميتهم بها، ولكن الله.
هو الذى أوصلها إليها .
ورجم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الجملة الكريمة.
( يعنى أن الرمية التى رميتها - يا محمد - لم ترمها أنت على الحقيقة، لأنك
هو رميتها ما بلغ أثرها إلا ما يبلغه أثر رمى البشر، ولكنها كانت رمية الله،
حيث أثرت ذلك الأثر العظيم. فأثبت الرمية ارسول الله - فَتَّةٍ - لأن
صورتها وجدت منه . ونفاها عنه، لأن أثرها الذى لا تطيقه البشر فعل
الله - عز وجل -، فكان الله - تعالى - هوفاعل الرمية على الحقيقة، وكأنها
لم توجد من الرسول - عَ لَّهِ - أصلا (١).
وقال الألوسى: واستدل بالآية على أن أفعال العباد بخلقه - تعالى -
وإنمالهم كسبها ومباشرتها وقال الإمام: أثبت - سبحانه- كونه- ح طة -
راميا، ونفى كونه راميا، فوجب حمله على أنه - زيت - رمى كسبا، والله.
- تعالى - رمى خلفا (٢).
فإن قيل: لماذا ذكر مفعول القتل منفياً ومثبتاً ولم يذكر الرمى مفعول قط؟
فالجواب - كما يقول أبو السعود -: «أن المقصود الأصلى بيان حال
الرمى نفيا وإثباتا، إذهو الذى ظهر منه ماظهر، وهو المنشأ لتغير المرمى به فى نفسه
وتكثره إلى حيث أصاب عينى كل واحد من أولئك الأمة الجمنشىء من ذلك،(٣
(١) تفسير الكفاف ج٢ ص ٢٠٧ (٢) تفسير الألوسى ج ٩ ص ١٨٥
(٣) تفسیر أبى السعود = ٢ ص ٢٢٣
تفسير سورة
- ٨٣ -
الأنفال
وقوله - سبحانه -: «وليبلى المؤمنين منه بلاء حسناً، بيان لبعض
وجوه حكمته - سبحانه - فى خذلان الكافرين، ونصر المؤمنين.
وقوله ((ليلى)) من البلا. بمعنى الاختبار. وهو يكون بالنعمة لإظهارة
الشكر، كما يكون بالمحنة لإظهار الصبر. والمراد به هنا: الإحسان والنعمة
والعطاء ليزداد المؤمنون شكراً لربهم الذى وهبهم ماوهب من نعم.
واللام التعليل متعلقة بمحذوف مؤخر.
والمعنى. ولكى يحسن - سبحانه إلى عباده المؤمنين، وينعم عليهم بالنصر
والغنائم ؛ ليزدادوا شكراً له فعل ما فعل من خذلان الكافرين وإذ لالهم.
وقوله ((إن الله سميع عليم) تذييل قصد به الحض على طاعة الله، والتحذير
من معصيته، أى: إن الله سميع لأقوالكم ودعائكم، عليم بضمائركم
وقلوبكم، فاستبقوا الخيرات لتنالوا المزيد من رعايته ونصره.
ثم يقرر - سبحانه - سنة من سننه التى لا تتخلف، وهى تقوية الحق
وتوهين الباطل ، وليزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم ، وثباتا على ثباتهم
فيقول: (( ذلكم وأن الله،وهن كيد الكافرين)).
(قال الإمام الرازى: قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ((موهن)) - بفتح
الواو وتشديد الهاء والنون. من التودين. تقول وهنت الشىء أي ضفته-،
((كيد، بالنصب على المفعولين. وقرأ حفص عن عاصم ((موهن كيد))
بالإضافة. وقرأ الباقون (((مومن، بالتخفيف، - من أو هنته فأنا موهنه
بمعنى أضعفتة -((وكيد، بالنصب وتودينا كيدهم ومكرهم يكون بأشياءمنها:
إطلاع المؤمنين على عوداتهم، وإلقاء الرعب فى قلوبهم، وتفريق كلمتهم)،(١)
واسم الإشارة ((ذلكم)) يعود إلى ما سبق من فعمة الإبلاء والقتل
والرمى وغير ذلك من النعم. وهو مبتدأ وخبره محذوف، وقوله: (( وأن
الله موهن ... ، معطوف عليه .
(١) تفسير الفخر الرازى = ١٥ ص ٠١٤١
-٨٤-
الجر.
المعنى: ذلكم الأس منحته إيا كم من المعطاء الحسن، والقتل للمشر كين،
والإمداد بالملائكة، وإدال الماء عليكم .. (ذلكم كله نعم منى إليكم، ويضاف
إلى ذلك كله أنه - سبحانه - مضعف لكيد الكافرين ومفسد لمكرم بكم.
قال ابن كثير: وهذه بدارة أخرى مع ما حصل من النصر، فإنه أعلهم
بأنه مضعف كيد الكافرين فيما يستقبل، مصغر أمرهم، وأنهم فى تبار ودمار)) (١)
وبعد أن ذكر - سبحانه - عباده المؤمنين بما حباهم به من منن فى غزوة
بدر، ليستمروا على طاعتهم له ولرسوله ... أقبع ذلك بتوجيه الخطاب إلى
الكافرين الذين حملهم الرسوخ فى الكفر على أن يدعو الله أن يجعل الدائرة
فى بدر على أضل الفريقين فقال - تعالى -: ((إن تستفتحوا فقد جاء كم
الفتح، وإن تنتهوا فهو خير لكم، وإن تعودوا نعد، وان تغنى عنكم
فتتكم شيئاً ولو كثرت، وأن الله مع المؤمنين».
روى الإمام أحمد والنساى والحاكم وصححه، عن ثعلبة، أن أباجهل
قال حين النفى القوم - فى بدر -: اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا نعرفه،
فأحنه - أى فأهلكه - الغداء. فكان المستفتح (٢).
وعن السدى أن المشركين حين خزجوا من مكة إلى بدر أخذوا بأستار
الكعبة فاستصروا الله وقالوا: اللهم انصر أهدى الجندين، وأكرم الفئتين،
وخير القبيلتين. فقال - تعالى - ((إن تستفتحوا .. الآية)) (٣).
قال الراغب: وقوله: ((إن تستفتحوا ... ، أى: إن طلبتم الظفر،
أو طلبتم الفتاح أى الحكم ... والفتح إزالة الإغلاق والأشكال ... ويقال:
فتح الفضية فتاحا. أى فصل الأمر فيها وأزال الإغلاق عنها. قال - تعالى -:
(« ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين)). والاستفتاح:
(١) و (٢) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٠٢٩٣
(٣) تفسير ابن جرير ج ٢٠٨٫٩.
۔
تفسير سورة
-٨٥ -
الأنفال
الاستصار - أى طلب النصر - قال - تعالى -،وكانوا من قبل إسفلحون
على الذين كفروا ١١٠٠٠٠).
والمعنى: إن تطلبوا الفتح أى: القضاء والفصل بينكم وبين أعدائكم
المؤمنين (( فقد جاءكم الفتح» أى: فقد جاءكم الفصل والقضاء فيما طلبتم
حيث حكم الله وقضى بينكم وبين المؤمنين ، بأن أعزم ونصرهم لأنهم
على الحق ، وخذلكم وأذلكم لأنكم على الباطل.
فالخطاب مسوق للكافرين على سبيل التهكم بهم، والتوبيخ لهم ، حيث
طلبوا من الله - تعالى - القضاء بينهم وبين المؤمنين، والنصر عليهم ، فكان
الأمر على عكس ما أرادوا حيث حكم الله فيهم بحكمه العادل وهو خذلانهم
لكفرهم وجهودهم، وإعلاء كلمة المؤمنين، لأنهم على الطريق القويم.
وقوله: «وإن تنتهوا فهو خير لكم، أى: وإن تتهوا عن الكفر
وعداوة الحق، يكن هذا الانتهاء خيراً لكم من الكفر ومحاربة الحق.
وقوله: ((وإن تعودوا تعد وأن تغنى عنكم فثتكم عبثاً ولو كثرت .. ))
تحذير لهم من التمادى فى الباطل بعد ترغيبهم فى الانقياد الحق .
أى: ((وإن تعودوا)، إلى محاربة الرسول - يخ - والمؤمنين
وعداوتهم ((فعد، عليكم بالجريمة والذلة. وعلى المؤمنين بالنصر والعزة،
ولن تستطيع فئتكم وجماعتكم - ولو كثرت - أن تدفع عنكم شيئاً من تلك
الهزيمة وذه الذلة، فإن الكثرة والقوة لاوزن لها ولا قيمة إذا لم يكن له
مع أصحابها بعوته وتأييده.
وقوله: «وإن الله مع المؤمنين، قذبيل قصد به تثبيت المؤمنين، وإلقاء
الطمأنينة فى افرسهم .
أى: وأن له مع المؤمنين بعونه وتأييده، ومن كان لقمعه فلن يغلبه
خالب مهما بلغت قوته ..
(١) المفردات فى غريب القرآن الراغب الأصفهانى من. ٣٧ - بتصرف وتلخيص-
الجزء
- ٨٦ -
التاسع
قال الجمل: ((قرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم بفتح ((أن، والباقون
بكسرها . فالفتح من أوجه: أحدها: أنه على لام العلة والمعلل تقديره، ولأن
الله مع المؤمنين كان كيت وكيت. والثانى: أن التقدير: ولأن الله مع
المؤمنين امتنع عنادهم .. والثالث أنة خبر مبتدأ محفوف. أى: والأمر
أن الله مع المؤمنين.
والوجه الأخير يقرب فى المعنى من قراءة الكسر لأنه استئناف (١).
هذا وما جرينا عليه من أن الخطاب فى قوله تعالى(((إن تستفحوا .. ))
المشركين هو رأى جمهور المفسرين.
ومنهم من يرى أن الخطاب فى الآية الكريمة المؤمنين ((وعليه يكون
المعنى: ((إن تستفتحوا .. ، أى تطلبوا -أيها المؤمنون - النصر على أعدائكم
«فقد جاءكم الفتح، أى: فقد جاءكم النصر من عند الله كما طلبتم.
((وإن تنتهوأ، أى عن المنازعة فى أمر الأنفال، وعن التكاسل فى طاعة
الله ورسوله، «فهو ، أی هذا الانتها. (( خير لكم ».
(((وإن تعودرا)، إلى المنازعات والتكاسل (وزمد، عليكم بالإنكار
وتهيج الأعداء .
وأن تفنى عنكم فتنكم شيئاً ولو كثرت، أى: وله تفيد؟ أكثرتكم
شيئاً مهما كثرت إن لم يكن الله معكم بنصره.
وأن الله - تعالى - مع المؤمنين الصادقين فى إيمانهم وطأعتهم له. والذى
يبدو لنا أن كون الخطاب للكافرين أرجح، لأن أسباب النزول تثريده، فقد
سبق أن بينا أن الكافرين عند خروجهم إلى بدر تعلقوا بأستار الكعبة
وقالوا: اللهم انصر أهدى الجندين ... وأن أباجهل قال حين النقى القوم:
(١) حاشية الجمل على الجلالين +٢ ص ٠٢٣٦
الأنفال
- ٨٧ -
تفسير سورة
اللهم] أينا أقطع الرحم ... فأحنه الغداة. قال ابن جرير: فكان ذلك
استفتاحه؛ فأنزل الله فى ذلك ((إن تستفتحوا فقد جاء كم الفتح .. )) (١).
ولعل مما يرجح أن الخطاب فى قوله - تعالى - ((إن تستفتحوا ... ))
الكافرين، أن بعض المفسرين - كابن جرير وابن كثير - ساروا فى تفسيرهم
الآية على ذلك، وأعملوا الرأى القائل بأن الخطاب المؤمنين فلميذكروه أصلا
أما صاحب الكشاف فقد ذكره بصيغة ((وقيل)) وصدر كلامه يكون
الخطاب للكافرين فقال: قوله - تعالى -: «إن تستفتحوا ... خطاب
لأهل مكة على سبيل التكم ، وذلك أنهم حين أرادوا أن ينفروا تعلقوا
بأستار الكعبة وقالوا : اللهم أنصر أقرانا للهيف ، وأوصلنا الرحم،
وأفكنا للعانى .... (٢) .
وبذلك نزى هذه الآيات الكريمة التى افتتحت بنداء المؤمنين ، قد أمرتهم
بالثبات عند لقاء الأعداء .. وبينت لهم جوانب من مظاهر فضل الله عليهم،
ورعايته لهم ... ورغبت المشركين فى الانتهاء عن شركهم وعن محاربتهم
الحق، وحذرتهم من التمادى فى باطلهم وطغيانهم ... وأخبرتهم فى ختامها
بأن الله - تعالى - مع المؤمنين بتأييده ونصره.
ثم وجهت السورة الكريمة نداء ثانياً إلى المؤمنين، أمرتهم بطاعة الله
ورسوله، ونهتهم عن التشبه بالكافرين وأمثالهم من المنافقين
يَأيَُّ الَّذِينَ
فقال - تعالى -:
ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، وَلَا تَوَلَّوْاْ عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ (٣)
وَلَا تَكُونُوْ كَالَّذِيْنَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (﴾ إِنَّ نَّ
◌َّوَآتٍ عِندَ اللّهِ الْعُّ الْبُكُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (﴾ وَلَوْ عَلِمَ
(َُّ فِيِهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَواْ وَّهُم مُعْرِضُونَ(2)
(١) تفسير ابن جرير جـ ٩ ص ٢٠٨
(٢) « الكشاف = ٢ ص ٢٠٨
بر.
= ٨٨ -
التاسع
والمعنى؛ فأيها الذين آمنوا حق الإيمان، أطيقوا الله ورسوله فى كل ..
أحوالكم، ، ولا تولوا عنه، أى ولاتعرضوا عنه، فإن فى إهرامام عنه.
خسارة عظيمة لكم فى دنياكم وآخرتكم .
قال الألوسى: ((وأعيد الضمير إليه - على -، لأن المقصودطاعته،
وذكر طاعة الله - تعالى- توطئة لطاعته، وهى مستلزمة لطاعة الله ...
- تعالى -، لأنه مبلغ فنه، فكان الراجع إليه - به - كالراجع
إلى الله - تعالى -، (١).
وقوله: ( وأنتم تسمعون ، جملة حالية مندوقة لتأكيد وجوب الانتها.
عن التولى مطلقا، لا لتقييد النهى عنه بحال السماع ..
أى أطيعوا الله ورسوله - أيها المؤمنون - ولا تتولوا عنه والحال أنكم.
تسمعون القرآن الناطق بوجوب طاعته، والمواعظ الزاجرة عن مخالفته.
وقوله: ((ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون، تأكيد لما قبله ،
ونهى لهم عن التشبه بالضالين .
أى أطيعوا الله ورسوله فى كل أحوالكم عن إخلاص وإذعان،
ولا تقصروا فى ذلك فى وقت من الأوقات، وإيا كم أن تتشبهوا بأولئك.
الكافرين والمنافقين الذين أدعوا السماع فقالوا معناً، والحال أنهم لم يسمعوا
سماع تقدير والعاظ، لأنهم لم يصدقوا ما سمعوه، ولم يتأثروا به . بل نبذوه
وراء ظهورهم .
فالمنفى فى قوله - تعالى - ((وهم لا يسمعون، سماع خاص، وهو مجاعٍ.
التدبر والاقماظ، لكنه جىء به على سبيل الإطلاق، للإشعار بأنهم قد.
تولوا منزلة من لم يسمع أصلا، يجعل ماعهم بمنزلة العديم، حيث أنه سماع.
لا وزن له ، ولا فائدة لهم من وراته، مع أنهم لو فتحوا آذانهم وقلوبهم.
الحق لاستفادوا، ولكنهم آثروا التى على الرفع.
(١) تفسير الآلوسى = ٩ ص ١٧٨
سودة
- ٨٩ -
الثرية
ثم وسف - سبحانه - الكفار والمنافقين وأهباههم وصفاً يحمل
العقلاء على النغور منهم، فقالى - تعالى -: «إن شر الدواب عند الله الصم.
البكم الذين لا يعقلون ....
.
والدواب: جمع دابة وهى كل ما يدب على الأرض. قال - تعالى -:
- والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشى على يظنه، ومنهم من يمنى على
رجلين ، ومنهم من يمنى على أربع ... (١) .
قال الجمل: ((وإطلاق الدابة على الإنسان لما ذكروه فى كتب اللغة من أنه).
تطلق على كل حيوان ولو آدميا، وفى المصباح: الدابة كل حيوان فى الأرض
مميزا أوغير ميز» (٧) وقد روى أن هذه الآية نزلت فى نفر من بنى عبدالدار،
كانوا يقولون: نحن صم بكم عما جاء به محمد ، فقتلوا جميعا يوم بدر.
وهذا لا يمنع أن الآية الكريمة يشمل حكمها جميع المشركين والمنافقين،
إذ العبرة بعموم الفظ ، لا بخصوص السبب.
والمعنى: إن شر ما يدب على الأرض («عند الله، أى: فى حكمه وقضائه،
هم أولئك ((الصم، عن سماع الحق ((البكم ، عن النطق به «الذين لا يعقلون))
أى لا يعقلون التمييز بينه وبين الباطل .
ووصفهم - سبحانه - بذلك مع أنهم يسمعون وينطقون، لأنهم يفتفعوا
بهذه الحواس، بل استعملوما فيما يضر ويؤذى، فكان وجودها فيهم كعدمها:
وقدم المحم على البكم، لأن صرمهم عن سماع الحق متقدم على بكمهم
فإن السكوت عن النطق بالحق من فروع عدم سماعهم له، كما أن النطق به
من فروع سماعه.
وقوله (hابن لايعقلون، تصنيف لكال -و. حالهم، لأن الأسم الأبكم.
(١) سورة النور الآية ٤٥
(٢) حاشية الجمل على الجلالين به ٣ ص ٠٢٢٣
- ٩٠ -
الجوء
التاسع
إذا كان له عقل ربما فهم بعض الأمور .. أما إذا كان بجانب صممة وبكمه
- فافد العقل ، فإنه فى هذه الحالة يكون قد بلغ الغاية فى سوء الحال ..
قال صاحب المنار: وقوله: ((الذين لا يعقلون، أى: فقدوا فضيلة العقل
الذى يميز بين الحق والباطل والخير والشر، إذ لو عقلوا لطلبوا، ولو طلبوا
اسمعوا وميزوا، ولو سمعوالنطقوا وبينوا، وتذكروا وذكروا .. فهم
لفقدهم منفعة العقل والسمع والنطق صاروا كالفاقدين لهذه المشاعر والقوى ..
بل ثم شر من ذلك لأنهم أعطيت لهم المشاعر والقوى فأفسدوها على أنفسهم
لعدم استعمالها فيما خلقها الله لأجله، فهم كما قال الشاعر:
فكانهم خلقوا وماخلقوا
خلقوا ، وما خلقوا المكرمة
فكانهم رزقوا ومارزقوا
رزقوا وما رزقوا -اح يد
ولم يصفهم هنا بالعمى كما وصفهم فى آية الأعراف وآيتى البقرة ، لأن
المقام هنا مقام تعريض بالذين ردوا دعوة الإسلام ، ولم يهتدوا بسماع
آيات القرآن» (١).
وقوله - تعالى - ((ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ... » بيان لما
جبلوا عليه من أبثار الغى على الرشد، والضلالة على الهداية .
أى: ولو علم الله - تعالى - فى هؤلاء الصم البكم (خيرا، أى: استعدادا
للإيمان ورغبة فیا یصلح نفوسهم وقلوبچم (( لاسمعهم، سماع تفهم و قدبر ،
أى: اجعلهم سامعين للحق، ومستجبين له، ولكنه - سبحانه - لم يعلم
فيهم شيئاً من ذلك . حجب خيره عنهم بسبب سوء استعدادهم.
ولذا قال - تعالى - بعد ذلك: ((ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون»
أى: ولو أسمعهم سماع تفهم وتقدير، وهم على هذه الحالة العاريةمنكل خير
لتولوا عما سمعوه من الحق ((وهم معرضون)) عن قبوله جحودا وعنادا.
قال الفخر الرازى: قوله - تعالى: ((ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم
(١) تفسير المنار ج ٩ ص ٠٧٨
سورة - ٩١ - الأنفال
ـول أسمعهم لتولوا وهم معرضون، أى: أن كل ما كان حاصلا، فإنه يجب
أن يعلمه الله، فعدم عماقه بوجوده من لوازم عدمه، فلا جرم حسن التعبير
من عدمه فى نفسه بعدم علم أنه بوجوده، وتقرير الكلام : لو حصل فيهم
خيراً لأسمعهم الله الحجج والمواعظ سماع تعليم وتفهم ، ولو أسمعهم بعد
أن علم أنه لا خير فيهم لم ينتفعوا بها، ولتولواوهم معرضون» (١).
ثم وجه - سبحانه - إلى المؤمنين غدا. ثالثا أمرهم فيه بالاستجابة
لتعالمه ، وحذرهم من الأقوال والأعمال التى تكون سبباً فى عذابهم ،
وذكرهم بجانب من مننه عليهم ، فقال - تعالى -:
13
ما
وَأَعْلُوْ أَنَّ الَهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ، وَأَنٍَُّ إِلَيْهِ تُّحْتَرُونَ ﴾
وَأَبِّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيَنَّ الَّذِينَ ظَمُواْ مِكُرْ خَاصَّةً وَأَعْلُواْ أَنَّ اللَّهُ
شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ وَذْكُوّ إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِ الْأَرْضِ
تَخَافُونَ أَنْ يَمَّفَكُ النَّاسُ فَعَاوَنَكُمْ وَأَيََّ كُم ◌ِنَصْرِهِ، وَرَزَقَّهُمْ
﴿ مِّنَ الطَّيَتِ لَعَلَّكْ تَشْكُرُونَ ()
قال القرطبى: قوله - تعالى - ((يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله
والرسول .. )) هذا الخطاب للمؤمنين المصدقين بلا خلاف، والاستجابة:
الإجابة ... قال الشاعر:
فلم يستجيبه عند ذاك مجيب (٢)
وداع دعا يامن يجيب إلى الندى
أى : فلم يجبه عند ذاك مجيب.
(١) تفسير الفخر الرازى -٥ ص ١١٤
(٢) «القرطبى = ٧ ص ٣٨٩
الجزء
- ٩٢ ٠
التاسع
- وكان الإمام القرطبى يرى أن السين والتاءفى قوله: «اسعيبوا. زائدتان ..
وأعل الأحسن من ذلك أن تكون السين والتاء الطلب، لأن الاستجابة.
فى الإجابة بنشاط ومن استعداد .
وقوله ((لما يحييكم) أى لما يصلحكم من أعمال البر والخير والطاعة: التى
وصلكم متى تمسككم بها إلى الحياة الكريمة الطيبة فى الدنيا، وإلى السعادة.
لتى ليس بعدها سعادة فى الآخرة .
وهذا المعنى الذى ذكرناه لقوله (( لما يحبيكم ، أدق ما ذكره بعضهم من.
ن المراد بما يحميهم القرآن، أو الجهاد، أو العلم ... إلخ.
وذلك ، لأن أعمال البر والخير والطاعة تشمل كل هذا.
والمعنى: ((يأيها الذين آمنوا، بالله حق الإيمان، ((استجيبواته والرسول»
من طواعية واختيار، ولمشاط وحسن استعداد, إذا دماكم، الرسوله ..
- صلى الله عليه وسلم - ((لما يحييكم، أى: إلى ما يصلح أحوالكم، ويرفع
درجاتكم، من الأقوال النافعة، والأعمال الحسنة، التى بالتمسك بها تميون.
حياة طيبة، وتظفرون بالسمادتين: الدنيوية والأخروية.
والضمير فى قوله(( دعاكم، يعود إلى الرسول الله - صلى الله عليه وسلم -
لأنه هو المباشر الدعوة إلى الله، ولأن فى الاستجابة له استماية لله - تعالى -
قال - سبحانه -: ((من يطع الرسول فقد أطاع الله، ومن قول فا.
أرسلناك عليهم حفيظاً » (١).
وقوله: ((واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه. تحذيرلهم من الغفلة
عن ذكر الله، وبعث لهم على مواصلة الطاعة له - سيحانه ــ .
وقوله: «محول)، من الحول بين الشىء والشىء، بمعنى الحجرو الفصل بينهما ..
قال الراغب: أصل الحول تغير الشىء وانفصاله حتى غيره، واختبار
(١) سورة النساء. الآية ٠٨٠
تفي مورا
- ٩٣ -
الأنفال
التغير قيل حال التى. محول حقولا واستحال تهيأ لأن يحول، وباعتبار
الانفصال قيل حال بيني وبينك كذا ... أى فصل ... ، (١)
هذا ، والمفسرين فى معنى هذه الجملة الكريمة أقوال متعددة أهمهاقولان:
أما القول الأول فهو أن المراد بالحيلولة بين المرء وقلبه - كما يقول
ابن جرير -: أنه - سبحانه - أملك لقلوب عباده منهم. وأنه يحول بينهم
وبينها إذا شاء، حتى لا يقدر ذو قلب أن يدرك شيئا من إيمان أو كفر،
أو أن يعى به شيئا، أو أن يفهم إلا بإذنه ومشيئته ، وذلك أن الحول بين
الشىء والشىء إنما هو الحجز بينهما، وإذا حجز - جل ثناؤه - بين عبد
- وقلبه فى شىء أن يدركه أو يفهمه، لم يكن للعبد إلى إدارك ما قد منع الله قلبه
إدراکه سبیل ، وإذا كان ذلك معناه دخل فى ذلك قول من قال: يحول بين
المؤمن والكفر، وبين الكافر والإيمان .
وقول من قال: يحول بينه وبين عقله . و قول من قال:يحول بينه وبين
قلبه حتى لا يستطيع أن يؤمن ولا يكفر إلا بإذنه ... فالخبر على العموم
حتى يخصصه ما يجب التسليم له)، (٢) وقد رجح ابن جرير هذا القول بعد
أن ذكر قبله بعض الأقوال الأخرى .
وقال ابن كثير - بعد أن لخص القول الذى رجحه ابن جرير -: وقد
وردت الأحاديث عن رسول الله - بي ـ بما يناسب هذه الآية، ومن
ذلك ما رواه الإمام أحمد والترمذى عن أنس بن مالك قال : كان النبى
- * - يكثر أن يقول: « يامقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)).
قال فقلنا: يارسول الله آمنا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا؟ قال:
- نعم، إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله - تعالى - بقلبها،.
وفى صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو أنه سمع رسول الله - توريد -
يقول: إن قلوب بنى آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن كتاب واحد»
(١) المفردات فى غريب القرآن ـ١٢٧ ٠ (٢) تفسير ابن كثير -١٧٠٠٩
الجزء
- ٩٤ -
التاسع
يصرفها كيف شاء، ثم قال رسول الله - عمرة -: « اللهم يا مصرف.
القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك ،
وروى : الإمام أحمد والنسائى وابن ماجه عن النواس بن سمعان الكلابى
قال: سمعت النبي - بَّ - يقول: ما من قلب إلا وهو بين إصبعين
من أصابع الرحمن رب العالمين، إذا شاء أن يقيمه أقامه، وإذا شاء أن
يزيغه أزاغه : (١).
أما القول الثاني فهو أن المراد بالحيلولة بين المرء وقلبه - كما يقول.
الزمخشرى - («أنه - سبحانه - يمبت المرء فتفوته الفرصة التى هو واجدها،
وهى التمكن من إخلاص القلب ومعالجة أدوائه وعلاء، ورده سليما كمايريده
أقه، فاغتنموا هذه الفرصة، وأخلصوا قلوبكم لطاعة الله ورسوله)، (٢).
أو - كما يقول الفخر الرازى - بعبارة أوضح: «أن المراد أنه - تعالى -
يحول بين المرء وبين ما يتمناه ويريده بقلبه، فإن الأجل حول دون الأمل.
فكأنه قال: بادروا إلى الأعمال الصالحة ولا تعتمدوا على ما يقع فى قلوبكم
من قوقع طول البقاء، فإن ذلك غير موثوق به . وإنما حسن إطلاق لفظ ..
القلب على الأمانى الحاصلة فى القلب، لأن تسمية الشىء باسم ظرفه جائزة
كقولهم: سأل الوادى): (٣).
والذى قراء أن القول الثانى أولى بالقبول، لأن الآية الكريمة ساقته
لحض المؤمنين على سرعة الاستجابة للحق الذى دعاهم إليه رسولطم زي
والذى بأقباعه يحيون حياة طيبة . وتذكيرهم بيوم الحساب وما فيه من
ثواب وعقاب، كما قال - تعالى - فى ختامها ((وأنه إليه تحشرون)).
(١) تفسير الكثاف ج ٢ ص ٠٢١٠
(٢) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٢٩٨ - باختصار يصير -
(٣) تفسير الفخر الرازى ج ١٥ ص ١٤٨ - وقد ذكر (بضعة) أقوال.
غير هذا القول فراجعه إن شنت.
تفسير سورة
- ٩٥ -
الأنفال
وليست مسوقة لإثبات قدرة الله، وأنه أملك لقلوب عباده منهم: وأنه
يحول بينهم وبينها إذا شاء .
فالمعنى الذى ذكره ابن جرير - وقابعه عليه ابن كثير وغيره، معنى وجيه
فى ذاته، إذ لا ينكر أحد أن الله مقلب القلوب ومالكها .. ولكن ليس
مناسبا هنا مناسبة المعنى الذى ذكره الزمخشرى والرازى، لأن الآ بة التى معنا
والتى بعدها صريحتان فى دعوة المؤمنين إلى الاستجابة للحق قبل أن
يفاجئهم الموت، وقبل أن تحل بهم مصيبة لا تصيب الظالمين منهم خاصة.
والمعنى الإجمالى ثلآية الكريمة ( يأيها الذين آمنوا استجيبواه والرسول،
بعزيمة صادقة، وسرعة فائقة، ((إذا دعاكم، الرسول - صلى الله عليه وسلم-
(( لما يحييكم، أي لما به تحيون حياة طيبة من الأقوال والأعمال الصالحة
((واعلموا، علما يقينا (( أن الله يحول بين المرء وقلبه، أى يحول بين المرء وبين
ما يتمناه قلبه من شهوات الدنيا ومتعها، فكم من إنسان يؤمل أنه سيفعل
كذا غدا ، وسيجمع كذا فى المستقبل، وسيحصل على كذا قريبا .. ثم يحول
الموت ويفصل بينه وبين آماله وأمانيه ... فبادورا إلى اغتنام الأعمال
الصالحة من قبل أن يفاجئكم الموت.
وقوله: ((وأنه إليه تحشرون) تذييل قصدبه تذكهرم بأهوال يوم القيامة.
: والضمير فى قوله ((وأنه، يعود إلى الله - تعالى - أو هو ضمير الشأن.
أى: وأنه - سبحانه - إليه وحده ترجعون لا إلى غيره، فيحاسبكم على
ما قد متم وما أخرتم، ويجاذى كل إنسان بما يستحقه من خير أو شر.
فأنت ترى أن الآية الكريمة قد جمعت بين الترغيب . فى العمل الصالح
بسرعة ونشاط، وبين الترهيب من التكاسل والغفلة من طاعة الله .
ثم يؤكد - سبحانه - بعد ذلك ترهيبه لهم من التراخى فى تغيير المنكر
فيقول: ((واتقوا فتنة لا تصيين الذين ظلموا منكم خاصة، واعلموا أن الله
شديد العقاب، والفتنة: من الفتن. وأصله - كما يقول الرافب -: إدخال
الذهب النار لتظهر جودته من رداءته، واستعمل فى إدخال الإنساني النار
١
-٩٦- التاسع
كاف قوله - تعالى -، ذوقوا فتتكم، أى: عذابكم، وتارة يسمون
ما يحصل عنه العذاب فتنة فيستعمل فيه نحو قوله - تعالى -: ((ألا في الفتنة
-سقطوا،. وقارة فى الاختبار نحو قوله - تعالى - ((وفتناك فتوناً)) (١).
والمراد بالفتنة هنا العذاب الدنيوى ، كالأمراض، والقحط ،
واضطراب الأحوال، وتساط الظلمة، وعدم الأمان .. وغير ذلك من المحن
والمصائب والآلام التى تنزل بالناس بسبب غديانهم الاذوب، وإقرارهم
المنكرات، والمداهنة فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ..
والخطاب لجميع المؤمنين فى كل زمان ومكان .
فالمعنى: دأوموا أيها المؤمنون على طاعة الله بقوة ونشاط)، وأحذروا
من أن ينزل بكم عذابا سيعم عند نزوله الأخيار والفجار والمحسنين والمسيئين.
وقوله، واعلموا أن الله شديد العقاب، المراد منه الحث على لزوم
الاستقامة خوفا من عقاب الله - تعالى - .
أى: واعلموا أن الله شديد العقاب لمن خالف أمره، وانتهك حرماته ..
قال صاحب الكشاف: وقوله (( لا قصيين)) لا يخلو من أن يكون
جواباً للأمر، أو فيا بعد أمر ، أو صفة افتنة .
فإذا كان جواباً فالمعنى: إن أصابتكم لا نصيب الظالمين منكم خاصة
ولكنها تعمكم ... وإذا كانت نهيا بعد أمر فكأنه قبل: واحذروا ذنباً
أو عقاباً، ثم قيل: لاتتعرضوا للظلم فيصيب العقاب أو أثر الذنب ووبالهـ
الجميع وليس - من ظلم منكم خاصة .
فإن قلت: كيف جاز دخول النون المؤكدة فى جواب الأمر؟
قلت: لأن فيه معنى النهى - ومتى كان كذلك جاز إدخال النون المؤكدة -
(١) المفردات فى غريب القرآن ص ٣٧١ الراغب الأمغهانى.
تفسير سورة
- ٩٧ -
الأنفال
-كما إذا قلت: إنزل عن الدابة لانطرحك أو لا قطر حنك. ومنه قوله-تعالى -:
« بأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده)،(١).
وقوله(( خاصة)) منصوب على الحال من الفاعل المستكن فى قوله
(( لا تصيين)). ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف. والتقدير :
إصابة خاصة .
هذا، وقد دلت الآية الكريمة على وجوب الإقلاع عن المعاصى ،
ووجوب محاربة مرتكبيها، فإن الأمة التى تشيع فيها المعاصى والمظالم
والمنكرات ... ثم لاتجد من يحاربها ويعمل على إزالتها، تستحق العقوبة
جزاء سكوتها واستغذائها وجبنها . .
وقد ذكر بعض المفسرين أن هذه الآية الكريمة فزات فى حق بعض
الصحابة الذين اشتر كوا فى واقعة الجمل فيما بعد ...
ولكن هذا القول لا تستسيغه ولا نؤيده ؛ لأن الآية الكريمة
تخاطب المؤمنين جميعاً فى كل زمان ومكان . وأمرهم بالبعد عن المعاصى
والمنكرات التى تفضى بهم إلى العذاب الدنيوى قبل الأخروى . وليست
خاصة بفريق دون فريق .
لذا قال ابن كثير: والقول بأن هذا التحذير بعم الصحابة وغيرهم هو
الصحيح، ويدل عليه الأحاديث الواردة فى التحذير من الفتن.
ومن ذلك ما رواه الإمام أحمد عن عدى بن عميرة قال: سمعت
رسول الله - {8 - يقول: ((إن الله - تعالى - لا يعذب العامة
بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه،
. فإذا فعلوا ذلك عذب الله الخاصة والعامة .
(١) تفسير الكهاف = ٣ ص ٢١١ - بتصرف يسير -
(م٧ - سورة الأنفال )
التاسع
-ـ ٩٨ -
الجزء
وروى الإمام أحمد أيضاً عن جرير بن عبدالله أن رسول انه - والج - قالت
((ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصى وهم أهر و أكثر ممن يعملون، ثم لم يغيروه،
إلا عمهم اه بعقاب» (١).
وقال الإمام القرطبى : قال ابن عباس: أمر الله المؤمنين ألا يقروا
المنكر بين أظهرهم فيعمهم العذاب ..
ففى صحيح مسلم عن زينب جحش أنها سألت رسول الله - عزوالتى -
فقالت له: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: ((نعم إذا
كثر الخبث».
وفى صحيح الترمذى: (( إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه،.
أو شك أن يعمهم الله بعقاب من عنده)).
وفى صحيح البخارى والترمذى عن النعمان بن بشير عن النبى - ربيع-
قال: مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا - أى
اقترعوا - على سفيته فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذین.
فى أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا فى
تصيبنا خرقاً ولم تؤذ من فوقنا، فإن يتر كوم وما أراودا هلكوا جميعاً،
وأن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً.
ففى هذا الحديث تعذيب العامة بذنوب الخاصة .
قال علماؤنا : فالفتنة إذا عمت هلك الكل وذلك عند ظهور المعاصى،.
وانتشار المذكر وعدم التغيير. وإذا لم تغير وجب على المؤمنين المنكرين
لها بقلوبهم هجران تلك البلدة والحرب منها ...
روى ابن وهب عن مالك قال: تهر الأرض التى يصنع فيها المنكر
چهارا ولا يستقر فيها.
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٢٩٩ - وهناك أحاديث أخرى ذكرها؟
فى هذا فراجعها إن شئت .
الأنفال
- ٩٩ -
تفسير سورة
واحتج بصنيع أبى الدرداء فى خروجه عن أرض معاوية حين أعلن
بالربا، فأجاز بيع سقاية الذهب بأكثر من وزنها ...
فإن قيل: فقد قال اته- تعالى -: ولاتزر وازرة وز أخرى ،،«كل مس
بما كسبت رهينة)). وهذا بوجب ألا يؤخذ أحد بذنب أحد، وإنما نتعلق
العقوبة بصاحب الذنب ؟
فالجواب | أن الناس إذا تظاهروا بالمنكر فمن الفرض على كل من رآءأن
بغيره، فإذا سكت عليه فىمكانهم عاص. هذا بفعله وهذا برضاء. وقد جعل
انه فى حكمه الراضى بمنزلة العامل؛ فانتظم فى العقوبة، (١).
وقال بعض العلماء: وذكر القسطلانى ((أن علامة الرضا بالمنكر عدم
التألم من الخلل الذى يقع فى الدين بفعل المعاصى، فلا يتحقق كون الإنسان
كارما له، إلا إذا تأم للخال الذى يقع فى الدين، كما يتألم ويتوجع لفقد ماله
أو واده. فكل من لم يكن بهذه الحالة، فهو راض بالمنكر، فتعمه العقوبة
والمصيبة بهذا الاعتبار)، (٢).
وبعد أن أمر - سبحانه - المؤمنين بالاستجابة له ونهاهم من الوقوع فى
ن المعاصى .. أخذ فى تذكيرهم بجانب من فضله عليهم فقال: «واذكروا إذ
أنتم قليل مستضعفون فى الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس .....
أى: ((أذكروا)) يامعشر المؤمنين ((إذ أنتم قليلمستضعفون فى الأرض
أى: وقت أن كنتم قلة مستضعفة فى أرض مكة تحت أيدى كفار قريش،
أو فى أرض الجزيرة العربية حيث كانت الدولة لغيركم من الفرس والروم.
حج وقوله: «تخافون أن يتخطفكم الناس، أى: تخافون أن يأخذكم
أحداز كم أخذا سريعا. لقوتهم وضعفكم . يقال خطفه يخطفه - من باب
تيب - أى: استليه بسرعة.
(١) تفسير القرطبى = ٧ ص ٢٩١.
(٢) تفسير القاسمى ج ٨ ص ٠٢٩٧٧
حـ
الجزء
- ١٠٠ -
التاسع
والمراد بالتذكر فى قوله: ((اذكروا، أن يقنبهوا بعقولهم وقلوبهم إلى ]
نعم الله، وأن يداوموا على شكرها حتى يزبدم - سبحانه - من فضله.
و: إذ» ظرف بمعنى وقت.و«أتم، مبتدأ، أخبر منه بثلاثة أخبار
بعد، وهى ((قليل، ومستضعفون، وتخافون)).
والمراد بالناس: كفار قريش، أوهم وغيرهم من كفار العرب }
والفرس والروم .
وقوله : ((فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات.، بيان
لما من به عليهم من نعم بعد أن كانوا محرومين منها:
أى: اذكروا وقت أن كنتم قلة ضعيفة مستضعفة تخشى. أن بأخذها
أعدائها أخذا سريعا، فرفع الله عنكم بفضله هذه الحال، وأبدلكم خيرا
منها، بأن(( آراكم)) إلى المدينة، وألف بين قلوبكم يا معشر المهاجرين والأنصار
(( وأبد كم بنصره، فى غزوة بدر، وقذف فى قلوب أعدائكم الرعب منكم
(«ورزقكم من الطبيات، أى: ورزقكم من الغنائم التى أحلها لكم بعدأن
كانت محرمة على الذين من قبلكم، كما رزقكم - أيضا بكثير من المطاعم
والمشارب الطيبة التى لم تكن متوفرة لكم قبل ذلك.
وقوله (( لعلكم تشكرون)) تذييل قصد به حضهم على مداومة الشكر
والطاعة لله - عز وجل - أى: نقلكم الله - تعالى -من الشدة إلى الرغاء، ومن
القلة إلى الكثرة، ومن الضعف إلى القوة، ومن الخوف إلى الأمن، ومن
الفقر إلى الغنى .. حتى تستمروا على طاعة الله وشكره، ولا يشغلكم من
ذلك أى شاغل .
قال ابن جرير: قال قتادة فى قوله - تعالى -ـ «واذكروا إذ أنتم قليل
مستضعفون فى الأرض ....
«كان هذا الحى من العرب أذل الناس ذلا، وأشقاء عيها، وأجرعه