النص المفهرس

صفحات 41-60

سورة - ٤١ - الأنفال
مھ.
المرح والتردد أمام وسائل العزة والشرف، متى وجد هم بجانب هذا الترد
ما يدل على مواقف الشرف والكرامة ...
ولا كذلك يكون الأمر إذا بدأت ببيان تناقلهم فى الخروح إلى الغزوة
وانظر كيف يكون وقع المطلع إذا جاء على هذا الوجه . كما أخرجك ربك
من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين الكار هون ... الخ)).
لاريب أنه مطلع شديد الوقع على النفوس، بصور علاقه المؤمنين
بغيهم فى صورة بأباها إيمانهم به وامتثالهم لأمره . بصورهم فى شقاق
واختلاف مع اندهم ورسولهم ويصورهم فى ثوب الكراهة الشديد
المعالى الأمور وهز الحياة :
لهذا كله جاء الأسلوب فى سرد الوقائع غير مكترث بمخالفة ترتيبها فى
الوجود الخارجي»(١).
٣ - استدل جمهور العلماء بقوله - تعالى -,وإذا تليت عليهم آيات
زادتهم إيمانا، على أن الإيمان يزيد وينقص ..
ومن المفسرين الذين بسطوا القول فى هذه المسألة الإمام الآلوسي، فقد
ال ما ملخصه :
قوله - تعالى - ,وإذا تليت عليهم آياته، أى: القرآن , زادتهم إيمانا
أى: تصديقا كما هو المتبادر، فإن تظاهر الأدلة وتعاضد الحجج ممالاريب
فى كونه موجبا لذلك .
وهذا أحد أدلة من ذهب إلى أن الإيمان يقبل الزيادة والنقص، وهو
مذهب الجم النغير من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين ، وبه أقول لكثرة
الظراء الدالة على ذلك من الكتاب والسنة من غير معارض لها عقلا.
بل قد احتج عليه بعضهم بالعقل - أيضا - وذلك أنه لو لم تتفاوت حقيقا
(١) تفسير القرآن الكريم ص ٥٤٤ لفضيلة الأستاذ الشيخ محمود شلتوت
- رحه اقـ ـ.

الجزء
- ٤٢-
التاسع
الإيمان لكان إيمان آحاد الأمة بل المنهمكين فى الفسق والمناصى، مساويا
الإيمان الأنبياء والملائكة، واللازم باطل فكذا الملزوم.
وقال النووى: إن كل أحد يعلم أن ما فى قلبه يتفاضل حتى يكون فى
بعض الأحيان أعظم بقينا وإخلاصا منه فى بعضها، فكذا التصديق والمعرفة
يتفاضلان بحسب ظهور البراهين وكثرتها ..
وذهب الإمام أبو حنيفة وكثير من المتكلمين إلى أن الإيمان لا يزيد
ولا ينقص. واختاره إمام الحرمين، محتجين بأنه اسم التصديق البالغ حد
الجزم والإذعان، وذلك لا يتصور فيه زيادة ولا نقصان. فالمصدق إذا أتى
بالطاعات أو ارتكب المعاصى فتصديقه بحاله لم يتغير أصلا، وإنما يتفاوت
إذا كان اسما الطاعات المتفاوتة قة وكثرة.
وذهب جماعة منهم الإمام الرازى إلى أن الخلاف فى زيادة الإيمان
ونقصانه وعدمهما لفظى، وهو فرع تفسير الإيمان، فمن فره بالتصديق قال:
:إنه لا يزيد ولا ينقص، ومن فسره بالأعمال مع التصديق قال: إنه يزيد وينقص،
وعلى هذا قول البخارى , لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار،
فمارأيت أحداً منهم يختلف فى أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص)، وهو
المعنى بما روى عن ابن عمر أنه قال. قلنا يا رسول الله إن الإيمان يزيد
.وينقص، قال. نعم، يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة، وينقص حتى
يدخل صاحبه النار» (٢).
ويبدو لنا أن رأى جمهور العلماء فى هذه المسأله، أولى بالقبول؛لأنهمن
الواصح أن إيمان الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام- أرسخ وأقوى من إيمان
آحاد الناس، ولأنه كلما تكاثرت الأدلة كان الإيمان أشد رسوغا فى النفس
وأعمنى أثراً فى القلب، فلاتزلزله العمبهات ولا تزعزعه العوارض والفتن.
(١) تفسير القرآن الكريم =٥٤٤ لفضيلة الأستاذ الشيخ محمود شلتوت
- رحمه أنه -
(٢) تفسير الآلوسى = ٩ ص ١٦٥

تفسير سورة
- ٤٣ -
الأنفال
ومن أوضح الأدلة على أن الإيمان يقوى بقوة البرهان إلى درجة الإطمئنان،
ماحكاه الله- تعالى- عن إبراهيم فى قوله: «وإذ قال إبراهيمرب أرنى كيف
تحمي الموتى، قال أو لم تؤمن؟ قال: بلى، ولكن ليطمئن قلبى (١)).
فهذه الآية تدل دلالة واضحة على أن مقام الطمأنينة فى الإيمان ، يزيد على
ما دونه من الإيمان المطلق قوة وكما لا «فإن إبراهيم - عليه وسلام- لاشك أنه
كان مؤمنا عندما سأل ربه هذا السؤال، وإنما سأله ذلك لينتقل من مرتبة
علم اليقين إلى مرتبة أعلى: وهى مرتبه عين اليقين ...
هذا، وشبيه بهذه الآية فى الدلالة على قبول الإيمان الزيادة والنقصان
قوله - تعالى -: ، الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فأخشوم
فزادهم إيمانا ٠٠٠٠(٢)
وقوله - تعالى -: ، هو الذى أنزل السكينة فى قلوب المؤمنين ليزدادوا
إيمانا مع إيمانهم ... ).(٣).
وقوله - تعالى -: (( وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته
هذه إيمانا؟ فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون . وأما الذين فى
قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وما تواوهم كافرون)) (٤).
وقوله - تعالى -: ((ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله
ورسوله، وصدق الله ورسوله، وما زادهم إلا إيمانا وتسليما ، (٥)
إلى غير ذلك من الآيات الكريمة التى وردت فى هذا المعنى :
٤ - فى هذه الآيات الكريمة تربية ربانية للمؤمنين، وتوجيه لهم إلى
ما يسعدهم، وإرشاد لهم إلى أن المؤمن الصادق فى إيمانه، هو الذى يجمع بين
سلامة العقيدة، وسلامة الخاق ، وصلاح العمل، وأن المؤمن متى جمع بين
هذه الصفات ارتفع إلى أعلا الدرجات، وأحس بحلاوة الإيمان فى قلبه ...
(٢) سورة آل عمران الآية ١٢٣
(١) سورة البقرة الآية ٢٦٠
(٣) سورة الفتح، الآية ؛ (٤) سورة التوبة: الآيتان: ١١٢٥٠١٢٤
.(٥) سورة الأحزاب: الآ ية ٢٢

التاسع ..
-٤٤-
الجزء
روى الحافظ الطبر انى عن الحارث بن مالك الأنصارى أنه مر برسوله
أنه - ظله - فقال له: ((كيف أصبحت يا حارث))؟ قال: أصبحت
مؤمنا حقا. فقال له الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((أنظر ما تقول فإن
لكل شىء حقيقة، فما حقيقة إيمانك،؟ فقال الحارث: عزات نفسى هن.
الدنيا فأسهرت ليلى، وأظمات نمارى وكانى أنظر إلى عرش دبى بادراً.
وكأنى أنظر إلى أهل الجنة يتراور وزفيها. وكأنى أنظر إلى أهل النار يتضاغون
فيها. فقال - بَّم -: ((باحارث عرفت فالوم، ثلاثا (١)
ثم أخذت السورة ، بعد هذا الافتتاحالمشتمل على أروع استهلال وأبنه
وأحكمه ... فى الحديث عن الغزوة التى كان من ثمارها تلك الأنفال،
فأستعرضت بجمل أحداثها ، وصورت نفوس فريق من المؤمنين الذين.
اث- كوا فيها أكمل تصوير، استمع معى - أخي القارئ .- بتدير وتعقل إلى
كَمَآ أَخْرَجَكَ.
قوله - تعالى - :
وَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ غَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكِ هُوَ ◌ّ
يُجَدِلُونَكَ فِى الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَّنَ كَأَّمَا يُسَافُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ
يَنْظُرُونَ ﴾ وَإِذْ يَعِدُ كُ اللهُ إِحْدَى الطَّيِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ
غَيْرَ ذَاتِ الّوَكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللّهُ أَنْ يُحِّ الْحَقِّ بِكَلِمَاتِهِ،
وَيَقْطَعَ دَابِ الْكِّفِرِينَ (چٌ لِيُحِّ الْحَقِّ وَ يُبْطِلَ الْبَطِلَ وَلَوْ
رِهَ الْمُجْرِمُونَ (®
الكاف فى قوله - تعالى -: «كما أخرجك ربك .. ) بمعنى مثل، أى: التشبيه،
وهى خبر لمبتدأ محذوف هو المعبه، وما بعدها هو المشبه به، ووجه الشبه
مطلق الكرامة، وما ترتب على ذلك من غير المؤمنين .
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٢٨٦ طبعة عيسى الحلبى .

تفسير سورة
- ٤٥ -
الأنفال
والمعنى : حال بعض أهل بدر فى كراهتهم تقسيمك الغنائم بالسوية،
مثل حال بعضهم فى كراهة الخروج القتال، مع ما فى هذه القسمة والقتال
حن خير وبركة .
ونحن عندما نستعرض أحداث غزوة بدر، نرى أنه قدحدث فيها أمر أ
- يدلان على عدم الرضا من فريق من الصحابة، ثم أعقبهما الرضا والإذعان
والتسليم لحكم الله ورسوله.
. أما الأمر الأول فهو أن فريقا من الصحابة - وأكثرهم من الشبان -
كانوا يرون أن قسمة الغنائم بالسوبة فيها إجحاف بحقهم، لأنهم هم الذين
قاموا بالتصيب الأوفر فىالقتال ، وأن غيرم لم يكن له بلاؤم - كما سبق أن
بينا فى أسباب نزول قوله - تعالى - ((يسألونك عن الأنفال .. الخ)).
ولكن الرسول - طَّله - قسم غنائم بدر بين الجميع بالسوية، كما
أمره الله - تعالى -.
وكان هذا التقسيم خيراً المؤمنين، إذ أصلح الله بينهم، وردهم إلى
حالة الرضا والصفاء ..
وأما الأمر الثانى: فهو أن جماعة منهم كرهوا قتال قريش بعد نجاة العير
التى خرجوا من أجل الحصول عليها. وسبب كراميتهم لذلك أنهم خرجوا
بدون استعداد القتال ، لا من حيث العدد ولا من حيث العدد ..
ولكنهم استجابوا بعد قليل لما نصحهم به رسولطم - منّ الله - من
وتجوب قتال قريش ..
وكان فى هذه الاستجابة نصر الإسلام، ودحر الطغيان .
قال ابن کثیر : روی الحافظ بن مردوہہ ۔ بسندہ - عن أبى أيوب
الأنصارى قال: قال رسول الله - عزوجل - ونحن بالمدينة: «إنى أخبرت
عن عبر أبى سفيان بأنها مقبلة، فهل لكم أن نخرج قبل هذه العير لعل الله أن
يفهمنا (ياما ؟، فقلنا نعم , يخرج وخرجنا: فلماسرنا يوما أو يومين قال لنا

[الجزء - ٤٦ - التاسع
(((مازون فى قتال القوم؟ إنهم قد أخبروا بخروجكم)؟ فقلنا: مالنا؟
طاقة بقتال العدو ولكننا أردنا الغير. ثم قال: ((ماترون فى قتال القوم))؟"
فقال المقداد بن عمرو . إذن لا نقول لك يا رسول الله كما قال بنو إسرائيل
لموسى: ((إذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون .. )، ولكن إذهب ..
أنت وربك فقائلا إنا معكما مقاتلون».
وفى رواية أن أبا بكر وعمر وسعد بن معاذ تكاموا بكلام سر لهرسول
لقہ ۔ صلی الله عليه وسلم- (١) هذا ، وما قررنا، قبل ذلك من أن الكاف فى
قوله - تعالى - (( كما أخرجك ربك .. ، بمعنى مثل، هو ما نرجحه من بین.
أقوال المفسرين التى أوصلها بعضهم إلى عشرين قولا .
قال الجمل . قوله (كما أخرجك ربك .. ، فيه عشرون وجهاً. أحدها:
أن الكاف نعت لمصدر محذوف تقديره: الأنفال ثابتة قه ثبوتاً كما أخر جك.
ربك . أى: ثبوتاً بالحق كإخراجك من بيتك . يعنى أنه لامرية فى ذلك.
الثانی : أن تقدیره وأصلحوا ذات یینکم إصلاحاً كما أخرجك، وقد
التفت من خطاب الجماعة إلى خطاب الواحد .
الثالث: تقديره: وأطيعوا الله ورسوله طاعة ثابتة محققة كماأخرجك.
أى: كا أن إخراج الله إياك لا مرية فيه ولا شبهة .. الخ (٢).
والحق أن معظم الوجوه النحوية التى ذكرها الجمل وغيره من المفسرين
- كأنى حيان والآلومى - أقول: إن معظم هذه الوجوه يبدو عليها.
التكلف ومجانية الصواب .
ورحم الله صاحب الكشاف فقد أهمل أكثر ما ذكره المفسرون فى.
ذلك ، واكتفى بوجهين فقال :
(١) تفسير ابن كثير = ٢ ص ٢٨٧ - بتصرف وتلخيص.
(٢) راجع حاشية الجمل على الجلالين ج٢ ص ٢٢٦. طبعة عيسى الحلب.

تفسير سورة
٠ - ٤٧ -
الأنفال
قوله: ((كما أخرجك ربك .. فيه وجهان أحدهما: أن يرتفع محل
الكاف على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: هذه الحال كمال إخراجك
يعنى أن حالهم فى كراهية مارأيت من تنفيل الغزوة مثلى حالهم فى كراها
خروجك الحرب.
والثانى : أن ينتصب على أنه صفة مصدر الفعل المقدر فى قوله
((الأنفال لله والرسول، أى: الأنفال استقرت الله والرسول، وثبتت مع
كرامتهم ثباتاً مثل ثبات إخراج ربك إياك من بيتك وم كارهون» (١)
والوجه الأول من الوجهين الذين ذكرهما صاحب الكشاف هو الذى
نميل إليه، وهو الذى إذكرها، قبل ذلك بصورة أكثر تفصيلا.
وأضاف - سبحانه - الإخراج إلى ذاته فقال: « كما أخرجك ربك
للإشعار بأن هذا الاخراج كان بوحى منه - سبحانه - وبأنه هو الرام
له فى هذا الخروج.
والمراد بالبيت فى قوله: ((من بيتك، مسكنه - صلى الله عليه وسلم.
بالمدينة أو المراد المدينة نفسها ، لأنها مثواه ومستقره، فهى فى اختصاصم
به كاختصاص البيت بساكنه.
وقوله: ((بالحق، متعلق بقوله: ((أخرجك، والباء السببية، أى: أخرجك
بسبب؟ نصرة الحق، وإعلاء كلمة الدين، وإزهاق باطل المبطلين.
ويجوز أن يكون متعلقاً بمحذوف على أنه حال من مفعول أخرجك
وتكون الباء للملابسة، أى: أخرجك إخراجً ملتبساً بالحق الذى لا يحر.
حوله باطل :
قال الآلودى: وقوله: ((وإن فريقاً من المؤمنين الكارهون،، أى
الخروج، إما لعدم الاستعداد القتال، أو الميل الغنيمة، أو النفرة الطبيعية عنه
وهذا ممالا يدخل تحت القدرة والاختيار، فلايردأنه لا يليق بمنصب الصحابة
(١) تفسير الكفاف ج ٢ ص ١٩٦

- ٤٨ -
التاسع
والجملة فى موضع الحال «وهى حال مقدرة؛ لأن الكرامة وقعت
جمد الخروج، (١).
والمعنى الاجمالى الآية الكريمة : حال بعض المشركين فى بدر فى كرامة
خدمة الغنيمة بالسوية بينهم، مثل حال فريق منهم فى كراهة الخروج للقتال،
مع أنه قد ثبت أن هذه القسمة وذلك القتال، كان فيهما من الخير لهم ،
إذ الخبر فيما قدره الله وأراده، لا فيما يظنون.
وقوله - تعالى -: «يجادلونك فى الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى
الموت وهم ينظرون، حكاية لمما حدث من هذا الفريق الكاره القتال،
وتصوير معجز لما استبد به من خوف وفزع .
والمرادبة وله ,يجادلوفك، مجادلتهم النبى صلى الله عليه وسلم فى شأن القتال
.وأولهم له. ما كان خروجنا إلا العير، ولو أخبر تنا بالقتال لأعددنا العدة له.
والضمير يعود الفريق الذى كان كارهاً للفتال .
والمراد بالحق الذى جادلوا فيه: أمر القتال الذى حضهم الرسول - صلى
الله عليه وسلم - على أن يعدوا أنفسهم له".
وقوله: «بعد ما تبين، متعلق: ((بيجادلون، و((ما) مصدرية»
والضمير فى الفعل «تبين، يعود على الحق.
والمراد بتبينه: إعلام الرسول -صلى الله عليه وسلم - لهم بأنهم سينصرون
على أعدائهم فقدروى أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أخبرهم قبل نجاة
الغير بأن الله وعده الظفر بإحدى الطائفتين: العير أو التغير، فلما نجحت الميرعلم
أن الظفر الموعود به إنما هو النفير، أى : على المشركين الذين استنفرهم
أبو سفيان للقتال لا على الغير، أى: الابل الحاملة لأموال المشركين.
(١) تفسير الآلوسي =٩ ص ١٧٠

الأنفال
- ٤٩ -
تفسير سورة
"والمعنى: بحادلك بعض أصحابك - يا محمد - ((فى الحق، أى فى أمر
: (القتال (( بعد ما تبين)) أى، بعد ما تبين لهم الحق بإخبارك إياهم بأن النصر
سيكون حليفهم ، وأنه لامفر لهم من لقاء قريش تحقيقاً لوعد الله الذى
وعد بإحدى الطائفتين .
وقوله : «كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون، أى: يكرهون القتال
كراهة من بساق إلى الموت ، وهو ناظر إلى أسبابه، ومشاهد لموجباته.
والجملة فى محل نصب على الحالية من الضمير فى قوله: ((لكارهون)).
وفى هذه الجملة الكريمة تصوير معجز لما استولى على هذا الفريق من
خوف وفرع من القتال يسبب قلة عددهم وعددهم.
وقوله: (( بعد ما تبين، زيادة فى لومهم، لأن الجدال فى الحق بعد
تبينه أقبح من الجدال فيه قبل ظهوره .
ثم حكى - سبحانه - جانباً من مظاهر فضله على المؤمنين، مع
جزع بعضهم من قتال عدره وعدوهم ، وإبثارهم الغير على النغير فقال:
- ((وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم، وتودون أن غير ذات الشوكة
تكون لكم .)).
والمراد بإحدى الطائفتين: العير أو النفير، والخطاب المؤمنين .
والمراد بغير ذات الشوكة: الغير، والمراد بذات الشوكة : النغير .
والشوكة فى الأصل واحدة الشوك وهو النبات الذى له حد، ثم
استمرت الشدة والحدة، ومنه قولهم: رجل شائك السلاح أى: شديدقوى.
والمعنى: واذكروا - أيها المؤمنون - وقت أن وعدكم الله - تعالى-
على لسان رسوله - صلى اله عليه وسلم - بأن إحدى الطائفتين: العير أو التغير
هى لكم تظفرون بها، وتتصرفون فيها تصرف المالك فى ملكه، وأنتم
مع ذلك تودون وتتمنون أن تظفروا بالطائفة التى ليس معها سلاح
وهى المير .
( ٢ ٤ - الأنفال )

الجر.
- ٠ ..
التاسع
وعبر - سبحانه - عن وعده لهم بصيغة المضارع ((يعدكم، مع أنه
هذا الوعد کان قبل نزول الآية ، لاستحضار صورة الموعود به في الذهے ،
والمداومة شكره - سبحانه - على ما وهبهم من نصر وفوز،.
وإنما وعدهم - سبحانه - إحدى الطائفتين على الإبهام مع أنه كان
يريد إحداهما وهى التغير، ليستدرجهم إلى الخروج إلى لقاء العدو حتى.
ينتصروا عليه ، وبذلك تدول هيبة المشركين من قلوب المؤمنين :
وقوله, إحدى، مفعول ثان ليعد. وقوله: («أنها لكم) بدل اشتمال.
من (( إحدى) مبين لكيفية الوعد.
أى : بعدكم أن إحدى الطائفتين كائنة لكم، ومختصة بكم، تتسلطون.
عليها تسلط الملاك ، وتتصرفون فيها كيفما شثم.
وقوله: ((وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم، معطوف على
قوله : (( يمدكم، أى: وعدكم - سبحانه - إحدى الطائفتين بدون تحديد
لإحداهما، وأنتم تحبون أن تكون لكم طائفة الغير التى لاقتال فيها يذكر،
على طائفة النفير التى تحتاج منكم إلى قتال شديد، وإلى بذل المهج والأرواح ..
وفى هذه الجملة تعريض بهم، حيث كرهوا القتال، وأحبوا المال،
وما هكذا يكون شأن المؤمنين الصادقين.
ثم بين لهم - سبحانه - أنهم وإن كانوا يريدون الغير ، إلا أنهـ.
- سبحانه - يريد لهم النفير، ليعلو الحق، ويزهق الباطل، فقال: ((ویر ید.
إذ أن يحق الحق بكلماته ، و يقطع دابر الكافرين.
أى: ويريد الله بوعده غير ما أردتم ,أن يحق الحق بكلماته، أبى ألا
يظهر الحق ويعلمه بآياته المنزلة على رسوله، وبقضائه الذى لا يتخلف، وإن.
يستأصل الكافرين ويفهم، ويقطع دابرهم : أى آخرهم الذى يدبرهم.

تفسير سورة
- ٠١-
الأنفال
والدابر: التابع من الخلف. يقال: دبر فلان القوم يدبرم دیورا ،
إذا كان آخرم فى المحى. والمراد أنه سبحانه يريد أن يستأصلهم اقتصالا.
وقد ملك فى غزوة بدر عدد كبير من صناديد قريش الذين كانوا
يحاربون الإسلام، ويستهزئون بتعاليمه .
قال صاحب الكشاف فى معنى الآية الكريمة. قوله: «ويريد اله أن
يحق الحق بكلماته .... يعنى أنكم تريدون العاجلة وسفساف الأمور، وأن
لاتلقوا ما يرزقكم فى أبدائكم وأموالكم، والله - عز وجل - يرد معالى
الأمور، وما يرجع إلى عمارة الدين، ونصرة الحق، وعلى الكلمة والفوز
فى المارين. وشمتان ما بين المراه . ولذلك اختار لكم الطائفة ذات
الشركة، وكسر قوتهم يضمفكم، وغلب كثرتهم قلتكم، ومركم وأدلهم.
وحصل لكم مالا تعارض أدناه العير وما فيها، (١).
ثم بين - سبحانه - الحكمة فى اختيار ذات الشركة لهم، ونصرتهم
عليها فقال: ((ليحق الحق ويبطل الباطل ولوكره المجرمون)).
أى: فعل ما فعل من النصرة والظفر بالأعداء «ليحق الحق، أى:
ليثبت الدين الحق دين الإسلام ,ويبطل الباطل، أى: ويمحق الدين
الباطل وهو ما عليه المشر كون من كفر وطغيان .
وقوله: ((ولو كره المجرمون» بيان لنفاذ إرادته - سبحانه -. أى:
اقتضت إرادته أن يعز الدين الحق وهو دين الإسلام، وأن يمحق ماسواه،
ولوكره المشر كون ذلك ؛ لأن كراهيتهم لاوزن لها، ولا تعويل عليها ..
وبهذا يتبين أنه لا تكرار بين الآيتين السابقتين، لأن المراد بإحقاق
الحق فى قوله - تعالى - ((ويريد الله أن يحق الحق بكلماته»: إعلاؤه
وإظهاره ونصرته عن طريق قتال المؤمنين المشركين ..
(١) تفسير الكشاف = ٢ ص ١٩٩

الجزء - ٥٢ - التاسع
والمراد بإحقاق الحق فى قوله بعد ذلك فى الآية الثانية ((ليحق الحق ويبطل
الباطل)»: تثبيت دين الإسلام وتقويته وإظهار شريعته، ومحق دين الكفر.
فكأن ما اشتملت عليه الآبة الأولى هو الوسيلة والسبب وما اشتملت
عليه الآية الثانية هو المقصد والغاية .
وقد بسط هذا المعنى الامام الرازى فقال ما ملخصه: فإن قتل: أليس قوله:
وبريداللهأنيحق الحقبكلماته، ثمقوله بعدذلك: ((ليحق الحق، تكرار محض؟
الجواب: ليس ههنا تكرير؛ لأن المراد بالأول سبب ما وعد به فى هذه
الواقعة من النصر والظفر بالأعداء ، والمراد بالثانى: تقوية القرآن والدين
ونصرة هذه الشريعة ، لأن الذى وقع من المؤمنين يوم بدر بالكافرين ،
كان سبباً لعزة الدين وقوته، ولهذا السبب قرفة بقوله ((ويبطل الباطل))
الذى هو الشرك، وذلك فى مقابلة «الحق، الذى هو الدين والايمان.)) (١)
وإلى هذا ذرى السورة الكريمة قد حدثتنا فى الأربعة الآيات الأولى منها
عن حكم الله - تعالى - فى غنائم بدر بعد أن اختلف بعض المؤمنين فى
شأنها، وعن صفات المؤمنين الصادقين الذين يستحقون من الله - تعالى-
أرفع الدرجات .
ثم حدتتنا فى الأربعة الآيات الثانية منها عن حال بعض المؤمنين عندما
دعام النبى - بَله ـ إلى قتال أعدائهم، وعن مجادلتهم له فى ذلك ،
وعن إيثارهم المال على القتال، وعن إرادة الله ما هو خير لهم فى دنياهم
وآخرتهم ، وفى ذلك ما فيه من العبر والعظات لقوم يعقلون .
ثم ساق - سبحانه - بعض مظاهر تدبيره المحكم فى هذه الغزوة،
وبعض النعم التى أنعم بها على المؤمنين، وبعض البشارات التى تقدمكه
تلك الغزوة أو صاحبتها ، والتى كانت تدل دلالة واضحة على أن النصر
سيكون المسلمين فقال - تعالى - :
(١) تفسير الفخر الرازى = ١٥ ص ١٢٨

تفسير سورة - ٥٣ - الأنفال
إِذْ تَسْتَغِيْتُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِى مُدُّهُ
بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَكَةِ مُرْدِفِينَ () وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلَّبُشْرَى وَلِنَظْمَيِنَّ
ج
بِهِ، قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّ مِنْ عِندِ اللهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِ يزٌ حَكِيمٌ ﴾
إِذْ يُغَشِّبُ النَّعَاسَ أَمَنَّةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِنَ السَّمَآءِ مَآءَ
لَيْطَفِرَ كُ بِهِ، وَيُذْهِبَ عَنْكُمْرِ جْزَ الشَّيْطَنِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ
وَيُثَبِتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (٨) إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَلَبِّكَّةِ أَنِى مَعَكُمْ
ج
◌َُِّّواْ الَّذِينَءَ امَنُواْ سَأَلْقٍ فِ قُلُوبٍ الَّذِينَ كَفَرُواْالْعْبَ فَاضْرِبُواْ
فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَأَضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلّ بَنَانِ () ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآَقُوا اللهَ
وَرَسُولَهُ، وَمَن يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنَّاللّهَ شَدِيدُ الْعِقَّابِ لَّه
أَيْكُ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ ◌ِلْكَنْفِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (3)
قال القرطى: قوله - تعالى -: ((إذ تستغيثون ربكم، الاستغاثة: طلب
الغوث والنصر. يقال: غوث الرجل، أو قال: وأغوماه. والاسم الغوث
والغواث والغوات . واستغائنى فلان فأغثته، والاسم الغيات. (١).
وقوله ((مد كم)) من الإمداد بمعنى الزيادة والإعانة. وقد جرت عادة
القرآن أن يستعمل الإمداد فى الخير، وأن يستعمل المد فى الشر والذم.
ال - تعالى -: («وانقوا الذى أحدكم بما تعدون. أمدكم بأنعام وبنين.
وجنات وعيون »(٢) .
(١) تفسير القرطبى =٣٧٠،٥٧. مطبعة دار الكتب سنة ١٣٨٠ هسنة ١٩٦٠ م
(٢) سورة الشعراء. الآيات.

- ٥٤ -
الجزء
التاسع
وقال - تعالى -: ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددنا كم بأموال وبنين
وجعلنا كم أكثر تغيراً))(!).
وقال - تعالى -: ((قل من كان فى الضلالة فليمده له الرحمن مداً،(٢)
وقال - تعالى -: «الله يستهزىء بهم ويمدهم فى طغيانهم يعمهون، (٣)
وقوله: ((مردفين، من الإرداف بمعنى النتابع.
قال الفخر الرازى: قرأ نافع وأبو بكر عن عاصم ((مردفين)) - بفتح
الدال -. وقرأ الباقون بكسرها. والمعنى على السكر، أى: متتابسين بأنى
بعضهم فى إثر البعض كالقوم الذين أردفوا على الدواب .
والمعنى على قراءة الفتح، أى: فعل بهم ذلك، ومعناه أن اله - تعالى -
أردف المسدين وأجدهم بهم (٤) أى جعلهم خلف المسلمين لتقويتهم.
والمعنى: اذكروا - أيها المؤمنون - وقت أن كنتم - وأتم على أبواب
بدر - ((تستغيثون ربكم)، أى: تطلبون منه الغوث والنصر على عدوكم
((فاستجاب لكم) دعاءكم، وكان من مظاهر ذلك أن أخبر كم على أسان
نبيكم - م - يأتى (« مدكم، أى: معينكم وناصر كم « بألف من
الملائكة مردفين، أى: مقتابسن، بعضهم على أثر بعض. أو أن اته - تمالى.
جعلهم خلف المسلمين لتقويتهم وتثبيتهم .
روى الإمام مسلم عن ابن عباس قال: حدثنى عمر بن الخطاب قال:
لما كان يوم بدر، نظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المشركين
(١) سورة الإسراء. الآية.
(٢) سورة مريم، الآية.
(٣) سورة البقرة . الآية .
(٤) تفسير الفخر الرازى = ١٥ ص ٠١٢٠

الأعمال
تفسير سورة
ـم ألف، وأسماء ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، فاستقبل نبى الله - صلى الله
عليه وسلم - القبلة، ثم مد يديه تجعل يهتف بربه ويقول: اللهم أنجزلي
ما وعدتنى. اللهم أنجزلى ما وعدتنى. اللهم إن تملك هذه العصابة من أهل
الإسلام لا تعبد فى الأرض ، فما زال يهتف ربه ماداً يديه حتى سقط رداؤه
-عن منكبيه .
فأناء أبو بكر، فأخذ ردله، فألقاه على منكبيه ، ثم التزمه من ورائه،
- وقال: يا نبى أنه ! !كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وحدك.
-خانزل الله - عز وجل -: ((إذ نستفيئون ربكم فاستجاب لكم ... الآية))
فامده الله بالملائكة (١).
وروى البخاري عن ابن عباس قال: قال النبى - ◌َ؟ -
-يوم بدر، اللهم أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تعيد. فأخذ
أبو بكر بيده، فقال حسبك ، فخرج - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول:
٨ -يهزم الجمع ويولون الدبر)) (٢).
ودوى سعيد بن منصور عن طريق عبيد الله بن عبدالله بن عتبة قال:
"لما كان يوم بدر نظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المشركين
والكاثريم، وإلى المسلمين فاستقلهم , فركع ركعتين وقام أبو بكر عن يمينه.
فقال رسول الله - ب - وهو فى صلاته: اللهم لا تودع منى، اللهم
لا تخذانى، اللهم لا:ترنى-أى لا تقطعنى عن أهلى وأنصارى- أولا تنقصنى
شيئاً من عطائك - اللهم أنعدك ما وعد قلى - أى: استنجزك وحدك».
وروى ابن إسحاق فى سيرته أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: اللهم هذه
(١) صحيح مسلم =٥ ص ١٥٦. طبعة مصطفى الحلبى سنة ١٣٨٠ هـ
سنة ١٩٦٩ م.
(٢) صحيح البخارى - ٥ ص ٩٣. طبعة مصطفى الحلبى سنة ١٣٤٥ هـ.

الجزء
- ٠٦ -
التاسع
قريش قد أقبلت بخيلائها وفخر ها تحادك وتكتب رسولك ، اللهم قنصرك.
الذى وعدتنى)، (١) .
فإن قيل: إن هذه النصوص يؤخذ منها أن هذه الاستغاثة كانت من ..
رسول انه - - - فلماذا أسندها القرآن إلى المؤمنين؟
فالجواب: أن المؤمنين كانوا يؤمنون على دمائه - صلى الله عليه وسلم -.
ویتاسون به فى الدعاء ، إلا أن قروايات ذكرت دعاء الرسول - من -،
لأنه هو قائد المؤمنين، وهو الذى يحرص الرواة على نقل دعائه،
أكثر من حرصهم على نقل دعاء غيره من أصحابة .
وقيل: إن الضمير فى قوله ((تستغيثون، الرسول - صَلَه ـ.
وجىء به مجموءا على سبيل التعظيم. ويمكر على هذا القيل أن السياق بعد ..
ذلك لا يلتئم معه، لأنه خطاب المؤمنين بالنعم التى أنعم بها - سبحانه
- عليهم .
وعبر - سبحانه - بالمضارع ((تستغيثون)) - مع أن استغائتهم كانت قبل
نزول الآية - استحضارا الحال الماضية، حتى يستمروا على شكر هم لله، ولذلك
عطف عليه (( فاستجاب لكم، بصيغة الماضى مسايرة الواقع.
وكان العطف بالفاء للإشعار بأن إجابة دعائهم كانت فى أعقاب تضرعهم.
واستغائتهم وهذا من فضل الله عليهم، ورحمته بهم، حيث أجارهم من عدوهم،
ونصرهم عليه - مع قلتهم عنه - نصرا مؤزرا.
والسين والتاء فى قوله: ((تستغيثون، الطلب. أى: تطلبون منه الغوث.
بالنصر. وفى قوله: (( فاستجاب لكم)) فائدتان. أى: فأجاب دعاءكم.
فإن قيل: إن الله - تعالى - ذكر هنا أنه أمدهم بألف من الملائكة،
وذكر فى سورة آل عمران أنه أمدهم بأكثر من ذلك فكيف الجمع بينهما؟"
(١) تفسير المنارج ٩ ص٥٥٦ مطبعة دار المنار. الطبعة الثانية سنة ١٣٦٧ هـ.

سورة
- ٠٧ -
الأنفال
فالجواب أن الله - تعالى - أمد المؤمنين بألف من الملائكة فى يوم بدر،
كما بين هنا فى سورة الأنفال ، ثم زاد عددهم إلى ثلاثة آلاف كما قال
- تعالى - فى سورة آل عمران: ((ولقد نصركم الله يبدر وأنم أذلة فانقوا
الله لعلكم تشكرون. إذ تقول المؤمنين أان يكفيكم أن يمدكم ربكم
بثلاثة آلاف من الملائكة منولين ... )). ثم زاد عددهم مرة أخرى إلى
خمسة آلاف. قال ـ تعالى ـ«بلى أن تصبروا وتتقوا وياتوكم من فورهم
هذا، يمددكم ربكم بخسمة آلاف من الملائكة مسومين،(١).
وقد صبروا والقوا وأناهم المشركون من مكة فورا حين استنفرهم
أبو سفيان لإنقاذ الغير .. فكان المدد خمسة آلاف ..
واختار ابن جرير أنهم وعدوا بالمدد بعد الألف. ولا دلالة فى
الآيات على أنهم أمدوا بما زاد على ذلك ، ولا على أنهم لم يمنوا، ولا
يثبت شىء من ذلك إلا بنص.
وهذا بناء على أن المدد الذى وعد الله به المؤمنين فى آيات سورة
آل عمران كان خاصاً بغزوة بدر.
أما على الرأى القائل بأن هذا المدد الذى بتلك الآيات كان خاصا بغزوة
أحد فلا يكون هناك إشكال بين ما جاء فى السورتين .
وقد بسط القول فى هذه المسألة الإمام ابن كثير فقال ما ملخصه :
«اختلف المفسرون فى هذا الموعد هل كان يوم بدر أويوم أحد على قولين:
أحدهما: أن قوله - تعالى -: ((إذ تقول المؤمنين ألن يكفيكم أن
بمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة.، متعاق بقوله: (ولقد نصر كم الله ببدر)»
وهذا قول الحسن والشعبى والربيع بن أنس وغيرهم ..
فإن قيل فكيف الجمع بين هذه الآيات - التى فى سورة آل عمران
وبين قوله في سورة الأنفال -: « إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أنى
نعدكم بألف من الملائكة مردفين؟ ».
(١) سورة آل عمران الآيات من ١٢٣ - ٠١٢٥

الجزء -١٨- التاسع
فالجواب: أن التنصيص على الأنجم هنا ، لا ينا فى الثلاثة الآلافثائونها
القوله - تعالى - «مر دفين، بمعنى بردفهم غيرهم ويقبعهم الونى آخر مثلهم.
قال الربيع بن أنس: أمد الله المسلمين بألف ثم صاروا ثلاثة آلاف،
ثم صاروا خمسة آلاف ..
والقول الثانى يرى أصحابه أن هذا الرعد - وهو قوله - تعالى -:
(((إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة».
متعلق بقوله - قبل ذلك - ((وإذ غدوت من أهلك أبوى المؤمنيد
مقاعد للقتال .. ، وذلك يوم أحد .
وهو قول مجاهد، وعكرمة، والضحاك، وغيرهم.
لكن قالوا: لم يحصل الإمداد بالخمسة الآلاف، لأن المسلمين يومتنفروا.
وزاد عكرمة: ولا بالثلاثة الآلاف لقوله - تعالى - «بل إن
تصبروا وتقوا، فلم يصبروا بل فروا فلم يمدوا بملك واحد)) (١).
ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر فضله عليهم ورحمته بهم فى هذا
الإمداد فقال: وما جعله الله إلا بشرى، ولتطمئن به قلوبكم، وما النصر إلا
من عند الله، إن الله عزيز حكيم)، فالآية الكريمة كلام مستأنف سائه
- سبحانه - لبيان بعض مظاهر فضله على المؤمنين، ولبيان أن المؤثر الحقيقى
هو وحده حتى يزدادوا ثقة به، وحتى لا يقتطوا من النصر عند قلة أسبابه.
أى: وما جعل الله - تعالى - هذا الإمداد بالملائكة إلا بشارة لكم -
أيها المؤمنون - بالقصر على أعدائكم فى هذه الغزوة الحاسمة وقوله
(( بشرى، مفعول لأجله مستثنى من أهم الملل.
وقوله: ( ولتطمئن به قلوبكم) معطوف عليه: أى: وللسكن بهذا الإمداد
(١) أمير ابن كثير تصرف وتلخيص ج ١ ص ٤٠١.

سورة
- ٥٩ -
التوبة
علربكم، ویرولی عنکم الخوف ، و تهاجوا أعداءکم بنفوس لا يداخلها
الإحجام أو التردد ..
- وقوله: « وما النصر إلا من عند الله)).أى: ليس النصر بالملائكة
أو غيرهم إلا كانن من عند الله وحده، لأنه - سبحانه - هو الخالق لكل
شىء، والقادر على كل شيء ..
وإن الوسائل مهما عظمت، والأسباب مهما كثرت .. لا تؤدى إلى
النتيجة المطلوبة والغاية المرجوة، إلا إذا أبدتها إرادة الله وقدرته ورعايته.
وقوله: ((إن الله عزيز حكيم، أى: غالب لا يقهره شىء، ولا ينازعه
منازع حكيم فى تد بيره وأفعاله .
فالجملة الكريمة تديل قصد به التعليل لما قبله، وفيه إشعار بأن النصر
الواقع على الوجه المذكور من مقتضيات حكمته البالغة - سبحانه -.
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك بعض المتن الأخرى التى منحها للمؤمنين
قبل أن يلتحموا مع أعدائهم فى بدر فقال: ((إذ يغشيكم النعاس أمنة منه،
.وينزل عليكم من السماء ماء ليطهر كم به، ويذهب عنكم رجز الشيطان ،
.وليربط على قلوبكم، ويثبت به الأقدام» .
وقوله: « يغشيكم، بتشديد الشين من التغشية بمعنى التغطية من
غشاء تغشية أى : غطاء .
والنعاس: أولى النوم قبل أن يثقل وفعله - على الراجح - على وزن منع.
والأمنة: مصدر بمعنى الأمن. وهو طمأنينه القلب وزوال الخوف.
يقال : أمنت من كذا أمنة وأمنا وأمانا بمعنى.
قال الجمل: فى قوله: ((إذ يغشاكم النعاس، ثلاث قراءات سبعية.
الأولى: يغشاكم كيلقاكم ، من غضية إذا أتاه وأصابه وفى المصباح:
غهیته أغشاه من باب تعب بمعنى أقيته - وهى قراءة أبى عمرو وابن كثير -

- ٦٠ -
الجزء
التاسع
الثانية: يغشيكم - بإسكان الذين وكسر الشين - من أغداء . أى:
أوله بكم وأوقعه عليكم - وهى قراءة نافع -
الثالثة: يغديكم - بتشديد الدين وفتح الغين وهى قراءة الباقين -
من غشاء تعدية بمعنى غطاء.
إى: يفشيكم الله النعاس أى يجعله عليكم كالغطاء من حيث اشتماله عليكم.
والنعاس على القراءة الأولى مرفوع على الفاعلية، وعلى الأخير تين.
منصوب على المفعولية. وقوله: ((أمنة، حال أو مفعول لأجله. (١)
وقال القرطى :.. وكان هذا النعاس فى الليلة التىكان الفعال من غدها ،
فكان النوم مجيباً مع ما كان بين أيديهم من الأمر المهم، ولكن الله ربط جأشهم.
وعن على - رضى الله عنه - قال : ما كان فينا فارس يوم بدر غير
المقداد على فرس أبلق، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نام، سوى رسول الله
- قَدّة - تحت شجرة يصلى حتى أصبح.
وفى امتنان الله عليهم بالنوم فى هذه الليلة وجهان : - أحدهما : أن
قواهم بالأستراحة على القتال من الغد.
الثانى: أن أمنهم بزوال الرعب من قلوبهم: كما يقال: الآمن منيم»
والخوف مسهر)،(٢).
وقال ابن كثير: وجاء فى الصحيح أن رسول الله - مَ الله - لما كان
يوم بدر فى العريش مع الصديق، وهما يدعوان، أخذت رسول الله -
- عَج - سنة من النوم. ثم أستيقظ مقيما، فقال: أبشر يا أبا بكر،
هذا جبريل على ثناياه النقع. ثم خرج من باب العريش وهو يتلو قول الله
- تعالى - ((سيهزم الجمع ويولون الدبر)) (٣).
(١) حاشية الجمل على الجلالين = ٢ ص ٢٣٠ - بتصرف يسير -
(٢) تفسير القرطبى = ٨ ص ٣٧٢
(٣) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٢٩١