النص المفهرس
صفحات 1-20
"التفسير الوسيط. .للقرآن الكريم تفسير سورة الأنفال د الدكتور محمّد سيد طنطاوى مفتى الديار المصرية الطبعة الثالثة ١٤٠٨ هـ ١٩٨٨ م "رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَا إِنَّكَ أَنْثَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ* 1 ٧ ش الباب الأخضر المشهد الحسينى القاهرة. ت ٩٣٦٠٠٨ بسم اللهالرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله ومن والاه وبعد فهذا تفسير لسورة الأنفال أسأل الله - تعالى - أن يجعة خالصا أوجهه ونافعا لعباده إنه سميع مجيب . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله و حبه وسلم؟ المؤلف د. محمد سيد طنطاوى تمهيد بين يدى تفسير السورة ١ - سورة الأنفال هى السورة الثامنة فى ترتيب المصحف، فقد تقدمتها سورة الفاتحة وهى مكبة، ثم جاءت بعد سورة الفاتحة أربع سور مدنية، هن أطول السور المدنية فى القرآن، وهن سور: البقرة، آل عمران، النساء. المائدة ثم جاءت بعد هذه السور الأربع سورتان مكيتان، وهما أطول السور المكية فى القرآر، ورقا: الأنعام والأعراف ثم جاءت سورة الأنفال بعد ذلك ، ف.كانت الثامنة فى ترتيب سور المصحف . ٢ - وعدد آياتها خمس وسبعون آبه فى المصحف الكوفى ، وست وسبعون فى الحجازى ، وسبع وسبعون فى الشامى . ٣ - وقد سميت سورة الأنفال بهذا الاسم، لحديثها عن الأنفال أى الغنائم فى أكثر من موضع . وقد أطلق عليها بعض الصحابة سورة در، فقد أخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير أن ابن عباس سئل عنها فقال . تلك سورة بدر (١) ٤ - وسورة الأنفال كلها مدنية، وممن قال بذلك : زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وعطاء بن أبى رباح والحسن ، وعكرمة . قال صاحب المنار: وقيل إنها مدنية إلا آية ٦٤٠، وهى قوله - تعالى -: (يأيها التي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين، فقد روى البزار عن ابن عباس أنها نزلت لما أ-لم عمر بن الخطاب، فعلى. ذا وضعت فى سورة الأنفال وقرقت مع آياتها التى زلت فى التحريض على القتال فى غزوة بدر لمناسبتها (١) تفسير الآلوسى = ٩ ص ١٥٧ الجرء - ٦ - التاسع المقام، وروى عن مقاتل استثناء قوله - تعالى - «وإذ يمكر بك الذين كفروا اليثبتوك أو يقتلوك .... الآية ٣٠))؛ لأن موضوعها انتمار قريش بالنبى - 5 - قبيل الهجرة، بل فى الية التى خرج فيها رسول الله - ريخ - مع صاحبه أبى بكر بقصد الهجرة وباتا فى الغار ، وهذا استنباط من المعنى، وهو استنباط يرده ماصح عن ابن عباس من أن الآية نفسها نزلت فى المدينة . وزاد بعضهم استثناء خمس آيات أخرى بعد هذه الآية ، وهى قوله - )الى -: ((وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمنا ... إلى قوله: «بما كنتم تكفرون » (الآيات من ٣١ - ٣٥)؛ لأن موضوعها حال كفار قريش فى مكة ، وهذا لا يقتضى نزولها فى مكة ، بل ذكر ات بها رسول بعد الهجرة، وكل ما نزل بعد الهجرة فهو مدنى، (١) . والذى ترتاح إليه النفس أن سورة الأنفال جميعها مدنية، وأن مافى بعض آياتها من أوصاف لأحوال المشركين فى مكة قبل الهجرة لا يعنى كون هذه الآيات مكية؛ لأن هذه الآيات إنما هى من باب تذكير الرسول وأصحابه بما كان عليه أولئك القوم من عناد ومكابرة وانحراف عن الطريق القويم، أدى بهم إلى الهزيمة فى بدر وفى غيرها من المعارك التى كان النصر فيها للمؤمنين. ٥ - وقدذكربعض المفسرين - ومنهم الز مخشرى - أن سورة الأنفال غزات بعد سورة البقرة، ولعل مرادهم بذلك أن نزولها كان بعد نزول بعض الآيات من سورة البقرة. لأنه من المعروف أن سورة البقرة لم تنزل دفعة واحدة ، وإنما ابتدأ فزولها بعد الهجرة، ثم امتد هذا النزول لا ياتها إلى قبيل وفاة الرسول - مت الله، بمدة قصيرة. ٦ - قال الألومى: ووجه مناسبةم الصورة الأعراف أن سورة الأعراف (١) تفسير المنار = ١٩ ص ٥٣٧ - بتصرف يسير. ٠ الأنفال -٧- لأسير سورة خيها «خط العفو وأمر بالعرف ... ، وفى هذه - أى الأنفال - کثیر من أفراد المأمور به، وفى الأعراف ذكر قصص الأنبياء - عليهم الصلاة .((السلام - مع أقوامهم، وفى هذه ذكر - 5في - وذكر ما جرى بينه وبين قومه . وقد فصل - سبحانه - فى تلك قصص آل فرعون وأضرابهم وماحل بهم وأجمل فى هذه ذلك فقال: ((كدأب بآل فرعون والذين من قبلهم كفروا بابات اله فأخذهم اله بذنوبهم ... ،. وأشار هناك إلى سوء زعم الكفرة فى القرآن بقوله - تعالى -: .« وإذا لم تأنهم بآية قالوا لولا اجتبيتها .... وصرح بذلك هنا إذ يقول .. .((وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا ....... إلى غير ذلك من المناسبات . ثم قال الألوسى: والظاهر أن وضعها هناتوقينى، وكذا وضع براءة (بعدها، وإلى ذلك" ذهب غير واحد ... )) (١). والحق أنه بمطالعتنا لما يقوله الآلونى وغيره من المفسرين فى بيان وجه مناسبة السورة التى قبلها، نرى أن هذه الأقوال لا تخلو من تكلف، وأن كثيراً ما ذكروه من مناسبات بين سورتين معينتين لا يختص بهما، بل هو موجود فيهما وفى غيرهما . فالآلوسى - مثلا- يجعل من وجوه مناسبة الأففال للأعراف أن الأعراف فيها ((وأمر بالعرف)) وأن الأنفال فيها كثير من أفراد المأمور به ... وهذا المعنى زاه فى كثير من السور المتتالية، فسورة آل عمران - مثلا - من بين آياتها قوله - تعالى -: ((ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ... (٢) وسورة النساء - التى بعدها - فيها (١) تفسير الآلوسى = ٩ ص ١٥٨ تتصرف يسير. .(٢) الآية ١٠٤ ، المرء ---- التاسع - أيضاً - كثه من أفراد المأمور به؛ لأن الأمر بالحروف من الدعائم الى يقوم عليها المجتمع الإسلامى. والذى تميل إليه النفس أن ترتيب السور توفيقى، وأن كل سورة لمه موضوعاتها التى نراها بارزة بصورة تميزها عن غيرها . ٧ - وسورة الأنفال عند ما تتأمل ما اشتملت عليه من آيات، تراها. تحدثنا - فى مجموعها - عن غزوة بدر، فتعرض أحداثها الظاهرة، كماتعرض. بشارات النصر فيها، وتكشف عن قدرة أقله وتدبيره فى وقائع هذه الغزوف. الحاسمة، وتبين كثيراً من الإرشادات والتشريعات الحربية التى يجب على. المؤمنين اتباعها حتى ينالوا النجاح والفلاح . روى البخارى عن ابن عباس أن سورة الأنفال نزلت فى بدر (١) :- (أ) لقد افتحت السورة الكريمة ببيان أن قسمة الأنفال - أى الغنائم - مردها إلى الله ورسوله، وأن على المؤمنين أن يذعنوا لما يفعله فيها رسولهم - عَّ - ثم وصف المؤمنين الصادقين أكل وصف، وبشرتهم بأسمى المنازل، وأرفع الدرجات . ال - تعالى -: « يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول .. فاتقوا الله وأصلحوا ذاتبينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتممؤمنين،(١). إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تمليت عليهم آياته. زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون (٢) الذين يقيمون الصلاة وما رزقنام ينفقون (٣) أولئك م المؤمنون حقاً، لهم درجات عند ربهم ومغفرة. ورزق كريم ، (٤). (٢) صحيح البخارى. كتاب التفسير ج١ ص ٧٧ طبعة مصطفى. الحلبى سنة ١٣٤٥ هـ الأنفال - ٩ - تفسير سورة (ب) وبعد هذا الحديث الطيب عن أوصاف المؤمنين الصادقين ، تبدأ السورة فى الحديث عن حال بعض الذين اشتر كوا فى غزوة بدر، وكيف أنهم كرهوا القتال فى أول الأمر، لأنهم لم يخرجوا من أجله وإنما خرجوا من أجل الحصول على التجارة التى قدم بهامشر كو قريش من بلاد الشام لکن الله - تعالی ۔۔ أراد أن یعلهم وغیرم أن الخير فیما قدره، لا فيما بقدرون وریدون . استمع إلى السورة الكريمة بتأمل وتدبر وهى تصور هذه المعانى. بأسلوبها البليغ المؤثر فتقول. (( كما أخرجك ربك من بيتك بالحق، وإن فريقاً من المؤمنين. لمكارهون (٥) يجادلونك فى الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت. وهم ينظرون (٦) وإذ يعد كم الله إحدى الطائفتين أنها لكم، وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ، ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع. دابر الكافرين (٧) ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون (٨))). (جـ) ثم تسوق السورة بعد ذلك ألواناً من البهارات التى تشعر المؤمنين. بأن الله - تعالى - قد أجاب لهم دعاءهم، وأنه - سبحانه - سيحمل النصر فى هذه المعركة حليفاً لهم، ومن مظاهر هذه البشارات أن الله - تعالى - أمدهم بألف من الملائكة مردفين، وأمدهم بالنعاس ليكون مصدر. طمأنينة لقلوبهم، وأمدهم بمياه الأمطار ليتطهروا بها، ولتفست الأرض من تحتهم ، وأمدهم قبل ذلك وبعده هو نه الذى جعلهم يقبلون على قتال أعدائهم بقلوب ملؤها الأقدام والشجاعة قال - تعالى -: «إذ تستغيثور ربكم فاستجاب لكم أنى مد كم: المرء - ١٠ - التاسع: بألف من الملائكة مردفين (٩) وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم (١٠) إذا ينهبكم النعاس أمنة منه، وبنزل عليكم من السماء ماء ليطهر كم به، ويذهب عنكم .وجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام (١١))). (د) ثم وجهت السورة الكريمة خمس نداءات إلى المؤمنين. أرشدتهم فى كل واحد منهم إلى ما فيه خيرهم وفلاحهم . فقد أمرتهم فى النداء الأول بالثبات فى وجوه أعدائهم، ونهتهم عن الفرار منهم، وهددت من بولهم ديره بسوء المصير، وأخبرتهم بأن الله معهم ما داموا معتمدين عليه، ومستجيبين لما يدعوهم إليه. وأمرتهم فى النداء الثانى بطاعة الله ورسوله، وحذرتهم من المعصية، ومن التشبه بالكافرين الذين وقالوا سمعنا وهم لا يسمعون،. وأمرتهم فى النداء الثالث بالمسارعة إلى أداء ما كلفوا به من تكاليف فيها سعادتهم وفلاحهم، وخوفتهم من ارتكاب ذاوب لا يحيق شرها بالذين ارتكبوها وحدهم، وإنما يعمهم وغيرهم من رأوا المنكر فلم يعملوا على تغييره ونههم فى النداء الرابع عن خيانة الله ورسوله، أى: من ترك فرائض الله، وعن هجر سنة رسوله .. وحذرتهم من أن تشغلهم أموالهم وأولادهم عن طاعة الله وعن أداء واجباته . ثم بشرتهم فى النداء الخامس بأنهم إذا ما اتقوا الله حق تقاته، فإنه - سبحانه - :زقهم الهداية والنصر والنجاة من كل مكروه. تدبر معى - أخى القارىء - هذه النداءات، وما اشتملت عليه من توجيهات سامية وإرشادات عالمية، حيث يقول - سبحانه -: . تفسير سورة - ١١ - الأنفال ٤٤ (( يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولوهم الأدبار (١٥))، ... .بأيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا قولوا عنه وأنتم تسمعون (٢٠))).٠٠, بأيها الذين آمنوا استجيبوا لله والرسول إذا دعاكم لما يحببكم (٢٤) ... ( يأيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون (٢٧) ... , بأبها آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فراناً ويكفر عنكم -ثانكم (٢٩)،٠ (٥) ثم أخفت السورة بعد ذلك فى تذكير المؤمنين بنعم الله عليهم ليز دادوا له شكراً، وفى تصوير ما عليه الكافرون من جهل وعنادوخسران. فحكت ما قالوه فى شأن القرآن من كذب ومكابرة . وحكت استهزاءهم بالدين ، وإمعانهم فى الجحود، وتعجلهم للعذاب .. وحكت ما كانوا يقومون به من تصفيق ولغو عند قراءة القرآن، حتى يشغلوا الناس عن سماعه ... وحكت مسارعتهم إلى إنفاق أمر الهم ،لا فى وجوه الخير، ولکن فی وجوه الشر التى ستكون عاقبتها الخسران وسوء المصير. وبعد أن حكت كل هذه الرذائل عن الكافرين، أمرت الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يبلغهم أنهم إذا ما انتهوا عن كفرهم وعنادهم، فإن الله - تعالى - سيغفر لهم ما سلف من ذنوبهم. أما إذا استمروا فى طغيانهم وجحودهم ، فستدور الدائرة عليهم . قال - تعالى -: «وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك، ويمكرون ويمكر اله، والله خير الماكرين (٣٠) - ١٢ - الجزء التاسع وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا، لو نشاء لقلنا مثل هذا، إن هذا؟ إلا أساطير الأولين (٣١) وإذا قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو أنتنا بعذاب أليم ( ٣٢) وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم، وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون (٣٣). (و) وبعد أن افتتحت السورة الكريمة بالحديث المجمل عن الغنائم وساقت فى أعقابه ما ساقت من توجيه وإرشاد وترغيب وترهيب. بعد كل ذلك عادت السورة إلى الحديث عن الغنائم ،ففعلت ما أجملته فى مطلعها ، وذكرت المؤمنين بنعم أخرى منحهم الله إياها فى بدر . ومن ذلك: أنه - سبحانه - هيألهم المكان المناسب لقتال أعدائهم، وجعل اللقاء الحاسم بين الفريقين بدون موعد سابق ... وقلل كل فريق. فى عين الآخر ليقضى - سبحانه - قضاءه النافذ ... قال - تعالى -: ((وأعدوا أنما غنمتم من شىء فأن الله خمسة والرسول ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ، إن كنتم. آمنتم بالله وما على أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شىء قدير (٤١) إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى ، والركب أسفل منكم، ولو قواعدتم لا ختلفتم فى الميعاد ولكن ليقضى. الله أمراً كان مفعولا. ليهلك من هلك عن بينة ويحي من حى عن بينة وإن. الله لسميع عليم (٤٢) .. (ر) ثم يأتى بعد ذلك النداء السادس والأخير للمؤمنين، فيأمرهم سورة - ١٣ - الأتعال - سبحانه - فيه بالثبات عند لقائهم لأعدلهم، وبالإكثار من ذكره، حربالطاعة التامة له ولرسوله، وبالابتعاد عن التنازع والاختلاف. ثم ينهاهم من التشبه بالمرائين، والمتكبرين، والمغرورين، الذين زين لهم الشيطان - و. أعمالهم ... ولكنه عندما تزأدى الجمان نكم على عقبيه والدين سيكون مصيرم الهزيمة فى الدنيا ، والعذاب المهين فى الآخرة بسبب كفرهم بآيات الله، وإيثارهم الضلالة على الهداية. ال - تعالى -: «يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا، .واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون (٤٥) وأطيعوا الله ورسوله ولاتنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين (٤٦) -ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً ورثاء الناس ويصدون عن سبيل الله، والله بما يعملون محيط (٤٧) وإذا زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لاغالب لكم اليوم من الناس وإنى جار لكم، فلما تراءت الفئتان نکس على عقبيه وقال إنى برىء منکم انى أرى مالا ترون، إنى أخاف الله، والله شديد العقاب (٤٨)». (ح) ثم تمضى السورة الكريمة فى التصوير رذائل الكافرين، وفى تشجيع المؤمنين على قتالهم، وإعداد العدة لدحرثم وتشريدهم ما داموا مستمرين على كفرهم وخيانتهم ... ، فإن جنحو اللسلم. ومالوا إلى المصالحة والمهادنة أقبل منهم ذلك - أيها الرسول الكريم -، واحترس من خداعهم وغدرم، وحرض أتباعك على قتالهم بصبر وجلد . ٠ قال - تعالى -: ((إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون (٥٥) الذين عاهدى منهم ثم ينقضون عهدهم فى كل مرة [الجرة - ١٤ - التاسع وهم لا يتقون (٥٦) فإما تثققنهم فى الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم. يذكرون (٥٧) وإما تخاف من قوم خيانة تافيذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين (٥٨) ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهيم. لا يعجزون (٥٩) وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله. يعلمهم ، وما تنفقوا من شىء فى سبيل الله يوف إليكم وأتم: لا تظلمون (٦٠) وإن جنحوا للسلم تاجتح لها وتوكل على الله إنه هو السميع. العليم (٦١)،. (ط) ثم انتقلت السورة إلى الحديث عن أسرى غزوة بدر من المشركين. فبينت ما كان يجب على الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين فى شأنهم، وعاتبتهم لإيثارهم أخذ الفداء على ما عند الله من ثواب عظيم، وأباحت لهم. أن يأكلوا ما غنموه، فإنه حلال طيب، وأمرت النبى - صلى الله عليه وسلم -. أن يدعو الأسرى إلى الدين الحق، وأن يخبرهم بأنهم متى آمنوا ظفروا. بخيرى الدنيا والآخرة .. تأمل معى - أخى القارىء - هذه الآيات الكريمة التى ساقتها السورة فى هذا المعنى . . (( ما كأن لنبى أن يكون له أدرى حتى يثخن فى الأرض». تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم (٦٧). اولا كتاب من اللّه سبق لمكم فيما أخذقم عذاب عظيم (٦٨) فكلوا ما غنمتم حلالا طيباً واتقوا الله إن الله غفور رحيم (٦٩). يأيها النبي قل لمن فى أيديكم من الأسرى إن يعلم اله فى قلوبكم خيراً. چٍ ؟ - ودة - ١٥ - الأقفال .. يؤلكم خيراً ما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم (٧٠) وإن يريدوا خيانهلك فقد خانوا اللّه من قبل فأمكن منهم واعه عليم. حكيم (٢١)،. (ى) وإذا كانت السورة قد تحدثت فى أوائلها عن صفات المؤمنين .. الصادقين، وعن حال الذين كرهوا الخروج القتال فى بدر ... فإنها قد تحدثت فى ختامها - أيضاً - عن أصناف المؤمنين ... فمدحت المهاجرين السابقين ، ومدحت الأنصار الذين آووا ونصروا. لأنهم قد اشتركوا جميعا فى بذل أموالهم وأنفسهم من أجل إعلاء كلمة الله، .. ثم بينت ما يجب عليهم. نحو غيرهم من المؤمنين الذين لم بها جروا ، بل ظلوا فى أرض الشرك. ثم مدحت المؤمنين الذين تأخرت هجرتهم عن صلح الحديبية - وإن كانوا أقل فى الدرجات من المهاجرين السابقين - . قال - تعالى -: ((إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسم فى سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض ، والذين آمنوا ولم يهاجر ما لكم من ولايتهم من شىء حتى يها جروا، وإن استنصروكم فى الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعلمون بصير (٧٢) والذين كفروا. بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير (٢٣) والذين آمنوا وهاجروا فى سبيل الله والذين اورا وقصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم ( ٧٤) والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولاتك منكم ، -١٩ - =- الجزء وأولوا الأرحام بعضهم أولى بعض فى كتاب الله، إن الله بكل شىء عليم (٧٥) .. ٨ - هذا عرض بجمل لما اشتملت عليه سورة الأنفال من توجيهات -سامية، وآداب عالية، وتشريعات حكيمة ... ومن هذا العرض زى أن الدورة الكريمة قد اهتمت بأمور من أبرزها ـحايلى : (أ) تربية المؤمنين على العقيدة السليمة. وعلى الطاءة فه ولرسوله. وإصلاح ذات بينهم، والثبات فى وجه أعدائهم، والإكثار من التقرب إلى خالقهم، والمداومة على مراقبته وخشيته وشكره، فهو الذى حدام للإيمان، وهو الذى آواهم وأيدهم بنصره ورزقهم من الطيبات .. بعد أن كانواضالين ومستضعفين في الأرض .: ولقد أفاضت السورة فى غرس هذه المعانى فى نفوس المؤمنين لأنها نزلت كما سبق أن بينا -- فى أعقاب اللقاء الأول بينهم وبين أعدائهم. فمكان من المناسب أن تكرر غرس هذه المعانى فى القلوب حتى تستمر على طاعة الله ورسوله، تلك الطاعة التى من ثمارها الظفر الدائم والخير الباقى .. (ب) تذكير المؤمنين بما عليه أهاؤهم من جحود وعناد، وبما كان منهم من مكر بر ولهم - صلى الله عليه وسلم - أو من استهزا هم بديهم وقرآنهم ومن عداوة شديدة الحق وأهله، ومن صفات ذميمة جعلتهم أهلا لاستحواذ الشيطان عليهم ... وهذا النف كير قد نكرر كثيراً ى سورتنا هذه، لكى إستمر المؤمنون على حسن استعدادهم، ولكى لا لفهم نشوة النصر فى بدر ما يضمره لهم أعداؤهم من كراهية وبغضاء، وما يبيتونه لهم من سوء وشر. (ج) إرشاد المؤمنين إلى المنهاج الذى يجب أن يسيرواعليه فى حالتى. حربهم وصلهم، لأنهم متى ساروا عليه حالفهم النصير، وصاحبهم التوفيق ففى حالة الحرب : أمرتهم السورة الكريمة بأن يبدوا لأعدائهم كل تفسير سورة - ١٧ - الأنفال ما يستطيعون من قوة. وأن يبذلواأموالهم بسخاء من أجل نصرة الحق .. جوأن يقاتلوا خصومهم بشجاعة وإقدام، وأن يكثروا من التقرب إلى الله بصالح الأقوال والأعمال - خصوصاً فى مواطن القتال - .. وأن يجعلوا غايتهم فى قتالهم إحقاق الحق وإبطال الباطل , حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله قه .. )). وأن يؤثروا السلم على الحرب متى وجد السبيل إليه، فإن السلم هو الأصل أما الحرب فهى أمر لا يلجأ إليه إلا عند الضرورة التى تقتضيها .. أما فى حالة . سلمهم: فقد أمرتهم السورة الكريمة بالتآخى والتناصر والنواد والتراحم والتصالح .. وفيف التنازع والتخاصم والاختلاف والبطر. كما أمرتهم بتقوى الله وبإيثار ما عنده من ثواب وأجر على الأموال - والأولاد . قال - تعالى -: ((واعلموا إنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم .. وهناك موضوعات أخرى تعرضت لها السورة : كحديثها عن الغنائم، وعن الأسرى، وعن المعاهدات، وعن أحداث غزوة بدر ، وعن المشاعر التى تحر كت فى نفوس بعض المشتر كين فيها قبل أن تبدأ المعركة وخلالها وبعدها . وقد ساقت السورة الكريمة كل ذلك بأسلوب يهدى القلوب، ويشرح الصدور ، ويرشد الناس إلى مواطن عزهم وسعادتهم. هذا، وأرى من المناسب - أخى القارئ .. أن نختم هذا العرض المجمل لسورة بدر - كما سماها ابن عباس - بتخليص لقصة هذه الغزوة لتقسم الجو " الذى نزلت فيه هذه السورة، ولندرك مراعى النصوص فيها .. لأننا نعتقه (٢ - الأنفال) التاسع الجزء أن مما يعين على فهم الآيات القرآنية فهماً قوياً مستنيراً، أن يكون القارى ... أو المفسر لهاملماً بأسباب نزولها وبالجو التاريخى الذى نزلت فيه، وبالأحداث. التى لا بست نزولها .. بجانب إلمامه بمدلولاتها اللغوية والبيانية .. قال الإمام ابن هشام عند حديثه عن ((غزوة بدر الكبرى)) (١). قال ابن إسحاق: لماسمع رسول الله - ربيع - بأبى سفيان مقبلا من العام فى. عير لقريش عظيمه .. ندب المسلمين إليها وقال: هذه عير قريش فيها أموالهم. فأخرجوا إليها أحل الله ينفلكموها)، فانتدب الناس نفف بعضهم وثقل بعضهم. وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله - مول# - يلقى حرباً. وكان أبو سفيان - حين دنا من الحجاز - يتجسس الأخبار، ويسأل من لقى من الركبان: تخوفاً على أمر الناس -أى: على أموالهم التى معه فى القافلة. حتى أصاب خبراً من بعض الركبان أن محمد أفد استنفر أصحابه لك ولغيرك فحذر عند ذلك . فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفارى فبعثه إلى مكة ، وأمره أن يأتى قريشاً فيستنفرهم إلى أموالهم، ويخبرهم أن محمداً قد عرض لهافى أصحابه. فخرج ضمضم بن عمرو سريعاً إلى مكة . فلما وصلها أخذ يصرخ ببطن الوادي .. ويقول يامعشر قريش : اللطيمة اللطيمة - أى: الغير التى تحمل الطيب والمسك والثياب .. - أموالكم مع. أبى سفيان قد عرض لهامحمد فى أصحابه، لا أرى أن تدركوها. الغوث الغوث. فتجهز الناس سراعاً وقالوا: أيظن محمد وأصحابه أن تكون كغير ابن الحضرمى ؟ کلا و اقه لیعلمن غير ذلك فکانوا بینرجلین ، إما خارج وإما باعث مكانه رجلا، وأوعبت قريش فلم يتخلف من أشرافها أحد. - خرجوا بالقيان والدفاف يغتين فى كل منهل ، وينحرون الجزر، وهم تستعمائة وخمسون مقائلا، وقادوا مائة فرس، عليها مائة دارع سوى درع المشاة، وكانت إبلهم سبعمائة بعير. ((١) السيرة النبوية لابن هشام ومعها شرحها للإمام السهيلى جهص٩١ طبعة دار الكتب الحديث بالقاهرة . تفسير سورة - ١٩ - الأنفال قال ابن إسحاق: وخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى ليال مضت من شهر رمضان فى أصحابه : واستعمل ابن مكتوم على الصلاة بالناس ، واستعمل على المدينة أباً لبابة .. ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير. وكان أبل المسلمين يومئذ سبعين بعيراً، فاعتقبوها أى كانوا يركبونها بالتعاقب، وكانت راية الأنصار مع سعد بن معاذ. وسلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طريقه من المدينة إلى مكة على نقب المدينة، ثم على العقيق ، ثم على ذى الحليفة .. ثم نزل قريباً من بدر .. وأتى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الخبر عن قريش بمسيرهم لمنعوا عيرفم، فاستدار الناس وأخبرهم عن قريش فقام أبو بكر فقال وأحسن، ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن. ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يارسول الله، أمض لما أراك الله فنحن معك والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى. اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك إفقاتلا إنا معكما مقاتلون . ثم قال رسول الله - بيع - أشيروا على أيها الناس، وإنما يريد الأنصار، وذلك لأنهم عدد الناس، وأنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا: يا رسول الله: إنا برآ. من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا، فإذا وصلت إلى ديارنا فأنت فى ذمتنا تمنعك مما نمنع منه أبا.ما ونساءنا . فلما قال رسول الله - عزالله - ذلك، قال له سعد بن معاذ: والله لكانك تريدنا يارسول الله، لقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق ، وأعطيناك على ذلك عهودنا وموائيقنا، فامض بارسول الله لما أردت فنحن معك فهو الذى بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته الجضناه معك ماتخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا، فرإنا لصبر فى الحرب» صدق عند اللقاء، ولعل الله يربك منا ما تقربه عينك غير بنا على بركة الله، ففرح - رسول الله - ٣ - بقول سعد .. التاسع - ٢٠ - الجزء ثم قال: سيروا وأبشروا، فإن الله - تعالى - قد وعدنى إحدى الطائفتين والله لكانى أنظر إلى مصارع القوم. قال ابن إسحاق: ثم ركب رسول الله - بَير - ومعه أبو بكر فسارا حتى وففا على شيخ من العرب، فسأله الرسول - عز 29 - عن قريش وعن محمد وأصا به وما بلغه عنهم ، فقال الشيخ لا أخر كما حتى تخبر انى معن أنما؟ فقال رسول الله - بلغ - إذا أخبر تنا أخبر ناك. قال: أذاك بذاك؟ قال : نعم، قال الشيخ: فإنه بلغنى أن محمداً وأصحابه خرجوايوم كدا و كذا ، فإن كان صدق الذى أخبرنى ، فهم اليوم بمكان كذا وكذا المكان الذى به المسلمون. وبلغفى أن قريشا خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان الذى أخبرنى صدقنى، فهم اليوم بمكان كذا وكذا، المكان الذى فيه قريش. فلما فرغ من خبره قال: من أنماء فقال رسول الله - ﴾ - نحن من ماء ، ثم انصرف عنه . ثم رجع رسول الله - بَ؟ - إلى أصحابه فلما أمسى أرسل إبعضهم إلى ماء بدر يلتمسون الخبر له .. فأصابوا ساقيين لقريش فأنوا بهما ... فقال لهما النبى - صلى الله عليه وسلم - أخبرانى عن قريش. قالا: هم والله وراء الكثيب الذى ترى بالعنوة القصوى . فقال لها: كم القوم؟ فالا كثير قال: ما عددهم؟ قالالاندرى قال: كم بنحرون كل يوم؟ قالا: يوماً نسعاً ويوماً عشراً. فقال القوم فيما بين التسعمائة والألف ثم قال لهما. فمن فيهم من أشراف قريش؟ قالا: عتبة وشيبة ابنا ربيعة، والنضر بن الحارث، وزمعة بن الأسود، وأمية بن خلف .. فأقبل رسول الله - 3 - على الناس فقال: هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها .. قال ابن إحاق: ولما رأى أبو سفيان أنه قد أحرز غيره، أرسل إلى قريش: إنكم إنما خرجتم لتمنعوا غير كم ورجالكم وأموالكم ، فقد نجاها القه فارجعوا، فقال أبو جهل: والله لافرجع حتى فرد ماء بدر، فنقم عليه