النص المفهرس

صفحات 261-280

- ٢٦١ -
أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة جمعاء - أى سالمة الإذن - هل
تحسون فتها من جدعاء - أى مقطوعة الأذن .
وفى صحيح مسلم عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله - صلى الله
عليه وسلم -: يقول الله - تعالى - إنى خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين
فاجتالتهم عن دينهم. أى صرفهم عن دينهم - وحرمت عليهم ما أحللت
هم ..
وروى الطبرى عن الحسن الأسود بن سريع قال : قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم « كل قسمة تولد على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها فأبواها يهوداتها
أو ينصرانها,ونذلك يتبين لنا أن المعنى الإجمالى الآية الكريمة أن الله
- تعالى -. نصب للناس فى كل شىء من مخلوقاته - ومنها أنفسهم - دلائل
توحيده وربوبيته ، وركز فيهم عقولا وبصائر يتمكنون بها تمكنا تاما من
معرفته والاستدلال بها على التوحيد والربوبية حتى صاروا بمنزلة من إذا
دعى إلى الايمان بها سارع اليه بدون شك أو تردد.
فالكلام على سبيل المجاز التمثيلى لكون الناس قد فطرهم الله - تعالى-
على معرفته والايمان به، وجعلهم مستعدين جميعا لنظر المؤدى إلى الاعتراف
بوحدانيته ، ولا إخراج للقرية ولا قول ولا إِشهاد بالفعل .
وعلى هذا الرأى سان المحققون من مفسرى السلف والخلف :
ويرى بعض المفسرين , أن معنى الآية الكريمة: أن الله - تعالى - مسح
ظهر آدم فأخرح منه ذريته كالذر، وأحياهم وجعل لهم العقل والنطق، وألهمهم
ذلك الاقرار ، ثم أعادهم إلى ظهر أبيهم آدم ، واستشهدوا لذلك بأحاديث
وآثار ليست صحيحة الاسناد، وما حسن إسناده منها فقد أوله العلماء بما يتفق
مع منطوق الآية الكريمة .
وقد رد أصحاب الر أى الأول على هذا البعض بردود منها: أن الله - تعالى
قال: ((وإذ أخذ ربك من بنى آدم)، ولم يقل من آدم، وقال ((من ظهورهم،

- ٢٦٢ -
ولم يقل من ظهره، وقال ((ذريتهم)) ولم يقل ذريته. قال (( إنما أشر كآباؤنا.
ولم يمكن لهم يومئذ أب مشرك، لأن آدم حاشاه من الشرك بالله - تعالى:
قال الامام ابن كثير بعد أن ساق عدداً كبيراً من الأحاديث فى هذا
المعنى: ومن ثم قال قائلون من السلف والخلف: إن المراد بهذا الاشهاد إنماهو
فطرهم على التوحيد كما تقدم فى حديث أبى هريرة وعياض والأسود بن سريع
وقد فسر الحسن الآية بذلك ، (١)
ثم بين - سبحانه - سبب الاشهاد وعلله فقال: ((أن تقولوا يوم القيامة
إنا كنا عن هذا غافلين، أى: فعلنا ما فعلنا كراهة أن تقولوا، أو منعا من أن.
تقولوا يوم القيامة معتذرين عن شرككم: إنا كنا عن هذا الأمر وهو إفراد
الله - تعالى - بالربوبية غافلين لم فنبه اليه، لأنهم ما داموا قد خلقوا على
الفطرة ، ونصب الله لهم فى كل شىء من مخلوقاته ما يدل على وحدانيته ،
وجاءتهم الرسل فبشرتهم وأنذرتهم . فقد بطل عذرهم ، وسقطت حجتهم .
ثم بين - سبحانه - سببا آخر لهذا الاشهاد فقال: ((أوتقولوا إنما أشرك
٢ باؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم .
أى . وفعلنا ذلك - أيضا منعا لكم من أن تقولوا يوم الحساب: إن
آباءنا هم الذين سنوا هذا الاشراك وساروا عليه فنحن قد اتبعناهم فى ذلك
بمقتضى أننا أبناؤهم، وننهج نهجهم من بعدهم ، فإن قولكم هذا غير مقبول
بعد أن هيأ الله لكم من الأسباب ما يفتح قلوبكم لغور الحق لو كنتم
مستعدين لقبوله .
والاستفهام فى قوله (( أفتهلكنا بما فعل المبطلون)) للإنكار. أى: أنت
ياربنا حكيم وعادل فهل تؤ اخذنا بما فعل آباؤنا من الشرك وأسسوا من الباطل
أو بفعل آبائنا الذين أبطلوا تأثير العقول وأقوال الرسل؟ إنك ياربناقد وعدت
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٢٦٤

- ٢٦٣ -
أنك لا تأخذ الأبناء بفعل الآباء ونحن قد سلكنا طريقهم والحجة عليهم بما
شرعوا لنا من الباطل فكيف تؤاخذنا ؟
والجواب على ذلك أن الإقرار بالربوبية والتوحيد هو فى أصل فطر تكم
فلم لم ترجعوا إليه عند ما دعاكم رسولنا الكريم إلى وحدانية الله وفيذ الشركاء
إن انقيادكم الآباء بعد أن وهبكم الله العقول المفكرة، وأرسل اليكم الرسل
مبشرين ومنذرين لن يعفيكم من المسئوليه، ولن ينقذكم من العذاب.
ثم قال - تعالى - وكذلك ففصل الآيات ولعلهم يرجعون)) أى: ومثل
هذا التفصيل البليغ نفصل لبنى آدم الآيات والدلائل ليستعملوا عقولهم ،
ولعلهم يرجعون إلى فطرتهم وما إستكن فيها من ميثاق ، وإلى خلقتهم
وما كمن فيها من ناموس . فالرجوع إلى الفطرة القويمة كفيل بغرس عقيدة
التوحيد فى القلوب ، وردها إلى بارئها الواحد القهار الذى قطرها على الحق،
وصرفها عن الجهل والتقليد.
هذا، وقد أُخذ العلماء من هذه الآيات أمورا من أهمها:
١ -- فساد التقليد في الدين، وأنه - تعالى - قد أزاح العذر، وأزال العلل
بحيث أصبح لا يعذر احد بكفره أو شركه.
٢ - أن معرفته - تعالى - فطرية ضرورية. قال - تعالى - ،ولئن
سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله)).
وروى الترمذى عنعمران بن الحصين قال: قال النبى - صلى الله عليهوسلم-
لأبى: يا حصين كم إلها تعبد اليوم. قال أبى: سبعة ستا فى الأرض وواحدا
فى السماء قال. فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك . قال: الذى فى السماء.
فالله - تعالى - فطر الخلق كلهم على معرفة فطرة التوحيد ، حتى من خلق
مجنونا لايفهم شيئا ما يحلف إلا به . ولا يلهج لسانه بأكثر من اسمه المقدس (١)
ثم ضرب - سبحانه - مثلا لمن لا يعمل بعلمه فقال - تعالى -:
(١) تفسير القاسمى = ٧ ص ١٩٠٢:

- ٢٦٤ ٠
((وَانْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الْذِى آتَيْنَهُ آيَتِاَ فَانْسْلَخَ مِنْهاَ فَأَعْبَعَهُ
الشَّيْطَنُ فَكَنَ مِنَ الغَوِينَ (١٧٥) وَأُو شِئْنَاَ لَرَفَنَهُ بها، وَلَكِنَّهُ
أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ والتَّعَ هَوَاهُ، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ
عَلَيْهٍ يَلْهَتْ، أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَتْ، ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الّذِينَ كَذَّبُوا
بِآيَاتِناً، فَقْصُصِ القَصَصَ لَمَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) ساء مثلاً الْقَوْمَ
الَّذِينَ كَذْبِوا بَ يَتِنَ وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يُظْلِونَ (١٧٧))).
قال صاحب المنار: هذا مثل ضربه الله - تعالى للمكذبين بآيات الله
المنزلة على رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم .. وهو مثل من آقاه الله آياته
فكان عالما به؛ حاقظا لقواعدها وأحكامها قادرا على بيانها والجدل بها، ولكنه
لم يؤت العمل مع العلم، بل كان عمله مخالفا تمام المخالفة لعله فسلب هذه
الآيات. لأن العلم الذى لا يعمل به لا يلبث أن يزول فأشبه الحية التى تنسلخ من
جلدها وتخرج منه وتتركه على الأرض ، أو كان فى التباين بين علمه وعمله
كالمتسلخ من العلم التارك له , كالثوب الخلق يلقيه صاحبه، والثعبان يتجردمن
جلده حتى لا تبقى له به صلة على حد قول الشاعر :
فكأنهم خلقوا وما خلقوا
خلقوا ، وما خلقوا المكرمة
فكأنهم رزقوا وما رزقوا
رزقوا ، وما رزقوا سماح يد
فاصل معنى المثل: أن المكذبين بآيات الله المنزلة على رسوله مع إيصاحها
بالحجج والدلائل كالعالم الذى حرم ثمرة الانتفاع من علمه، لأن كلا منهما
لم ينظر فى الآياب نظر تأمل واعتبار وإخلاص. (١)
وقوله - تعالى - ((واتل عليهم نبأ الذى آتيناه آياتنا فانسلخ منها)) أى:
أقرأ على قومك يا محمد ليعتبروا ويتعظوا خبر ذلك الانسان الذى آتيناه آياتنا
(١) تفسير المنار جـ ٩ ص ٤٠٥

- ٢٦٥ -
بأن علمناه إياها، وفهمناه مراميها ,فانسلخ من تلك الآيات إنلاخ الجلد من
الشاة ، أو الحية من جلدها .
والمراد أنه خرج منها بالكلية بأن كفر بها، ونبذها ورا. ظهره، ولم
ينتفع بما اشتملت عليه من عظات وإرشادات . .
وحقيقة السلح كشط الجلد وإزالته بالكلية عن المسلوخ عنه ، ويقال لكل
شىء فارق شيئا على أتم وجه انسلخ منه. وفى التعبير به ما لا يخفى من المبيلغة وقوله:
((فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين، أى: فلحقه الشيطان وأحركه فصار هذا
الإنسان بسبب ذلك من زمرة الضالين الراسخين فى الغواية، مع أنه قبل ذلك
كان من المهتدين :
وفى التعبير بقوله « فأتبعه الشيطان) مبالغة فى ذم هذا الإنسان وتحقيره،
جعل كأنه إمام للشيطان والشيطان يتبعه ، فهو على حد قول الشاعر :
وكان فتى من جند إبليس فارتقى به الحال حتى صار إبليس من جنده
قال الجمل: أتبعه فيه وجهان: أحدهما : أنه متعد لواحد بمعنى أدركه
ولحقه، وهو مبالغة فى حقه حيث جعل إماما للشيطان . وثانيهما أن يكون
متعديا لاثنين لأنه منقول بالهمزة من تبع ، والمفعول الثانى محذوف تقديره :
فأتبعه الشيطان خطواته ، أى جعله تابعا لها : ومن تعديته لا ثنين قوله - تعالى -
(((اتبعناهم ذرياتهم بإيمان.(١).
وقوله «ولو شقنا لرفعناه بها، كلام مستأنف مسوق لبيان ما ذكر من
الإنسلاخ وما يتبعه .
والضمير فى قوله (( لرفعناه، يعود إلى الشخص المعبرعنه بالاسم الموصول
((الذى)، والضمير فى قوله (( بها، يعود إلى الآيات. ومفعول المشيئة محذوف
أى: ولو شئنا رفعه بسبب تلك الآيات إلى درجات الكمال والعرفان]
لرفعناه ،لأننا لا يستعصى على قدر تناشى.، ولكننا لم نفعل ذلك لأن سنتنا
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٠٢١١

-٢٦٦ -
جرت أن ترفع من عنده الاستعداد لذلك أما الذين استحبوا العمى على الهدى
فنذرهم فى ضلالهم يعمهون .
وقد بين القرآن هذا المعنى فى قوله: ((ولكنه أخلد إلى الأرض واقبع
هواه، أخلد إلى الأرض : أى ركن إليها . وأصل الإخلاد اللزوم للمكان
من الخلود .
أى: ولو شتنا لرفعنا هذا الإنسان إلى منازل الأبرار بسبب تلك الآيات
ولكنه هو الذى ركن إلى الدنيا، واطمأن بها ، واستحوذت بشهواتها على
نفسه، واختار لنفه طريق التسفل المنافى للرفعة، واتبع هواه فى ذلك فلم
ينتفع بشىء من الآيات التى آتيناه إياها .
أى: أن مقتضى هذه الآيات أن ترفع صاحبها إلى أعلى عليين ، ولكن
هذا المقتضى عارضه مانع وهو إخلاد من أوتى هذه الآيات إلى الأرض واتباعه
للهوى ، فتغلب المافع على المقتضى ، فهو كماقال القائل :
قالوا فلان عالم فاضل
فأكرموه مثلما يقتضى
فقات: لما لم يكن عاملا
تعارض المافع والمقتضى
قال الألوسى: وما ألطف نسبة إتيان الآيات والرفع إليه - تعالى -
ونسبة الانسلاخ والإخلاد إلى العبد ، مع أن الكل من الله - تعالى .. ،
إذ فيه من تعليم العباد حسن الأدب مافيه. ومن هنا قال - صلى الله عليه وسلم -:
اللهم إن الخير بيديك والشر ليس إليك(١))).
وقوله , فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث)).
اللهث: إدلاع اللسان بالنفس الشديد. يقال: لهث الكلب يلهث ..
كممع ومنع ــ لهما ولهانا، إذا أخرج اسانه فى التنفس.
والمعنى: فمثل هذا الإنسان الذى آتيناه آياتنا فانسلخ منها وأصبح إيتاء
الآيات وعدمها بالنسبة له سواء، مثله كمثل الكلب إن شددت عليه وأتبعته
(١) تفسير الآلوسي ج ٩ ص ٠١١٤

- ٢٦٧ -
لهث، وإن تركته على حاله لهث -- أيضا -، فهو دائم اللهث فى الحالين.
لأن اللهث طبيعة فيه ، وكذلك حال الحريص على الدنيا ، المعرض عن الآيات
بعد إيتائها ، إن وعظته فهو الإيثاره الدنيا على الآخرة لا يقبل الوعظ، وإن
تركت وعظه فهو حريص - أيضا - على الدنيا وشهواتها.
والإشارة فى قوله , ذلك مثل القوم)) إلى وصف الكلب أو إلى المنسلخ
من الآيات ، أى : ذلك المثل البعيد الشأن فى الغرابة مثل القوم الذين كذبوا
بآماتنا من الجاحد ين المست كبرين المنسلخين عن الهدى بعد أن كان فى حوزتهم .
وقوله « فاقصص القصص لعلهم يتفكرون)) أى: إذا ثبت ذلك ،
فاقصص على قومك أيها الرسول الكريم المقصوص عليك من جهتنا لعلهم
يتفكرون فينزجرون عماهم عليه من الكفر والضلال .
والفاء فى قوله ((فاقصص)، لتر تيب مابعدها على ماقبلها . والقصص مصدر
بمعنى اسم المفعول ، واللام فيه لأمهد، وجملة الترجى فى محل نصب على أنها حال
من ضمير المخاطب أو فى موضع المفعول له. أى فاقصص القصص راجيا
لتفكرهم ، أو رجاء التفكرم.
وقوله: ((ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا، إستئناف موق لبيان
كمال قبحهم بعد النيان السابق. و((ساء)) بمعنى بئس وفاعلها مضمر،
و((مثلا، تمييز مفسر له، والمخصوص بالذم قوله - تعالى - «القوم الذين
كذبوا بآياتنا ».
أى: ساء مثلا مثل أولئك القوم الذين كذبوا بآياتناحيث شبهوا بالكلاب
إما فى استواء الحالتين فى النقصان وأنهم ض لون وعظوا أم لم يوعظوا، وإما
فى الخسة، فإن الكلاب لاهمة لها إلا فى تحصيل أكلة أو شهوة، فى خرج
عن خير الهدى والعلم وأقبل على هواه صار شبيها بالمكلب، وبئس المثل مثله
ولهذا ثبت فى الصحيحين عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
قال: « ليس لنا مثل السوء. العائد فى مبته كالكلب يعود فى قيته)).

- ٢٣٨ -
وقوله ((وأنفسهم كانوا يظلون، معطوف على (( كذبوا، داخل معه
فى حكم الصله بمعنى أنهم جمعوا بين أمرين قبيحين: التكذيب وظلهم أنفسهم
أو منقطع عنه بمعنى وما ظلموا إلا أنفسهم وحدها بارتكابهم تلك الموبقات
والخطيئات . فإن العقوبة لا تقع إلا عليهم لا على غيرهم .
هذا. والذى ذهب إليه المحققون من العلماء أن هذه الآيات الكريمة المثل
فيها مضروب لكل إنسان أوتى علما ببعض آيات الله، ولكنه لم يعمل بمقتضى
علمه، بل كفر بها وفبذها وراء ظهره وصار هو والجاهل سواء.
وقيل : إن الآيات الكريمة واردة فى شخص معين، واختلفوا
فى هذا المعين .
فبعضهم قال إنها فى أمية بن أبي الصلت ، فإنه كان قد قرأ الكتب ، وعلى
أن الله مرسل رسولا وتمنى أن يكون هو هذا الرسول، فلما أرسل الله -
تعالى - نبيه محمداً - صلى الله عليه وسلم - حسده ومات كافراً.
وبعضهم قال: نزلت فى أبى عامر الراهب الذى سماه النبى - صلى الله
عليه وسلم -، الفاسق، كان بترهب فى الجاهلية فلما جاء الإسلام خرج
إلى الشام، وأمر المنافقين باتخاذ مسجد الضرار والشقاق.
وبعضهم قال : إنها فى منافقى أهل الكتاب ، كانوا يعرفون صفه النبى
- صلى الله عليه وسلم - ومخرجه، فلما بعثه الله - تعالى - كفروا به.
وبعضهم قال: إنها نزلت لتحكى قصة رجل من علماء اليهود اسمه بلعم
ابن باعوراء أوفى علم بعض كتب الله ثم انسلخ منها بأن كفر بها ونبذها بعد
أن رشاء اليهود .
والذى نراه أن الرأى الأول الذى عليه المحققون من المفسرين هو الراجح،
وأن هؤلاء الذين ذكروا يندرجون تحته ، لأنه لم يرد نص صحيح بعين

- ٢٦٩ -
اسم الذى وردت الآيات فى حقه، فوجب أن نحملها على أنها واردة فى شأن
كل من علم الحق فأعرض عنه واتبع هواه.
ثم يعقب القرآن على هذا المثل ببيان أن الهداية والضلال من اله، وأن
هناك أقواماً من الجن والإنس قد خلقوا لجهنم بسبب إيشارهم طريق الشر على
طريق الخير قال - تعالى - :
((مَنْ يَهْدِ اللهُ فهوَ الَتَدِى، وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ مُمُ
الْخَاسِرُونَ (١٧٨) وَقَدْ ذَرَأْنَا لَجَهَنْ كَثِراً مِنَ الْجِنْ وَالإنْسِ لَهُمْ
قُلُوبٌ لا يَفْقَّهُونَ بِاَ ، وَلَهُمْ أَعْيُنٌّ لاَ يُبْصِرُونَ بِها ، وَلَهُمْ آذَانٌ
لاَ يَسْمَعُونَ بِهاَ، أُولَئِكَ كَالْأَنْعَمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ مُمُ
الغَفِلُونَ (١٧٩))).
قوله (( من يهد الله فهو المهتدى)، أى: من يوفقه الله - تعالى - إلى سلوك
طريق الهدى باستعمال عقله وحواسه بمقتضى سنة الفطرة فهو المهتدى حقاً،
الواصل إلى رضوان الله صدقاً.
((ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون)) أى: ومن يخذله - سبحانه - بالحرمان
من هذا التوفيق بسبب إيثاره السير فى طريق الهوى والشيطان على طريق
الهدى والإيمان، فأولئك هم الخاسرون لدنياهم وآخرتهم.
وأفرد - سبحانه - المهتدى فى الجملة الأولى مراعاة للفظ، من))، وجمع
الخاسرين فى الثانية مراعاة لمعناها فإنها من صيغ العموم.
وحكمة إفراد المهتدى للإشارة إلى أن الحق واحد لا يتعدد ولا يتنوع،
وحكمة جمع الثانى وهو قوله ((الخاسرون)) الإشارة إلى تعدد أنواع الضلال،
وتنوع وسائله وأساليبه .
وقوله (( ولقد ذر أنا لجهنم كثيراً من الجن، كلام مستأنف مقرر لمضمون
ما قبله ومفصل له .

- ٢٧٠ -
و ((الذرأ، الخلق. يقال: ذرأ الله خلقه يذرأم ذراً، أى: خلقهم.
واللام فى « لجهنم، للعاقبة والصيرورة.
أى: ولقد خلقنا لدخول جهنم والتعذيب بها كثيراً من الجن والانس
وهم الكفار المعرضون عن الآيات وتدبرها، الذين علم الله منهم أزلا
إختيارهم الكفر فشاءه منهم وخلقه فيهم وجعل مصيرهم النار لذلك.
ثم بين - سبحانه - صفاتهم التى أدت بهم إلى هذا المصير السيء فقال .
((لهم قلوب لا يفقهون بها، أى: لا يفقهون بها الآيات الهادية إلى الكالات
مع أن دلائل الإيمان مبثوثة فى ثنايا الكون تدركها القلوب المتفتحة ،
والبصائر المستنيرة .
وجملة ((لهم قلوب)) فى محل نصب صفة أخرى لقوله (( كثيراً، وجملة
« لا يفقهون بها، فى محل رفع صفة القلوب .
وقوله (( ولهم أعين لا يبصرون بها، أى: لهم أعين لا يبصرون بها ما فى
هذا الكون من براهين تشهد بوحدانية الله، مع أنها معروضة للأبصار
مكتوفة للأنظار، فهم كما قال - تعالى -، ((وكأين من آية فى السموات
والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون، فهم لهم أعين ترى وتبصر ولكن
بدون تأمل أو إعتبار ، فكأن وجودها وعدمه سواء .
وقوله (( ولهم آذان لا يسمعون بها، أى: لا يسمعون بها الآيات
والمواعظ سماع تدبر وإتعاظ ، أى أنهم لا ينتفعون بشىء من هذه الجوارح
التى حملها اللّه سببا للهداية.
قال صاحب الكشاف: «هم المطبرع على قلوبهم الذين على الله أنه لا لطف
لهم : وجعلهم فى أنهم لا يلقون أذهانهم إلى معرفة الحق ، ولا ينظرون بأعينهم
إلى ماخلق الله نظر اعتبار ، ولا يسمعون ما يتلى عليهم من آيات سماع تدبير
كأنهم عدموافهم القلوب، وإبصار العيون واستماع الآذان، وجعلهم لإعراقهم

- ٢٧١ -
فى الكفر وشدة شكائمهم فيه، وأنه لا يأتى منهم إلا أفعال أهل النار مخلوقين
النار ، دلالة على توغلهم فى الموبقات ، وتوغلهم فيما يؤهلهم لدخول النار. (١).
وقوله « أولئك كالأنعام، أى: أولئك الموصوفون بتلك الصفات
المذكورة كالأنعام السارحة التى لا تنتفع بشىء من هذه الجوارج التى جعلها
الله سبباً للهداية .
وقوله (( بل هم أضل)) تنقيص لهم عن رتبة الأنعام، أى: بل هم أسوأ
حالا من الأنعام، إذ أن الأفعام ليس لها سوى الاستعدادات الفطرية التى تهديها
أما الإنسان فقد زود إلى جانب الفطرة بالقلب الواعى ، والعقل المدرك، والعين
المبصرة، وزود بالقدرة على اتباع الهدى أو اتباع الضلال، فإذا لم يفتح بصره
وقلبه وسمعه على الحق فإنه يكون أضل من الأنعام الموكولة إلى استعدادتها
الفطرية .
وقوله (( أولئك هم الغافلون، أى أولئك المنعوتون بما ذكرهم الكاملون
فى الغفلة عما فيه صلاحهم وخيرهم وسعادتهم ، بسبب إستحواذ الهوى
والشيطان عليهم ولا يظلم ربك أحدا .
وبعد أن بين - سبحانه - حال المخلوقين لجهنم بسبب غفلتهم وإعمالهم
لعقولهم وحواسهم، أعقبه ببيان العلاج الذى يشفى من ذلك، وبالنهى عن
اتباع المائلين عن الحق فقال - تعالى - :
((وَلَِّ الأسماءِ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بها، وَذَرُوا الَّذِينَ بُلْحِدُونَ فى
أَسَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠))).
قال القرطى: قوله - تعالى - «وقه الأسماء الحسنى فادعوه بها، أمر
بإخلاص العبادة لله - تعالى - وبجانبة الملحدين والمشركين . قال مقاتل وغيره
(١) تفسير الكشاف ج ٢ ص ١٧٩

- ٢٧٢ -
من المفسرين : نزلت الآية فى رجل من المسلمين كان يقول فى صلاته : يارحمن
يا رحيم . فقال رجل من مشركي مكة: ألير يزعم محمد وأصحابه أنهم يعبدون
ربا واحداً فما بال هذا يدعو ربين اثنين ؟ فنزات)، (١).
والأسماء : جمع اسم ، وهو اللفظ الدال على الذات فقط أو على الذات مع
صفة من صفاتها سواء كان مشتقا كالرحمن، والرحيم ، أو مصدراً كالرب
والسلام .
والحسنى: تأنيث الأحسن أفعل تفضيل، ومعنى ذلك أنها أحز الأسماء
وأجلها ، لأنبائها عن أحسن المعانى وأشرفها .
والمعنى: ولله - تعالى - وحده جميع الأسماء الدالة على أحسن المعانى
وأكمل الصفات فادعوه أى سموه وأذ كروه و نادوه بها .
روى الشيخان عن أبى هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - : إن لله تسعة وتسعين اسماً من حفظها دخل الجنة والله وتر
يحب الوتر ، .
قال الألوسى: والذى أراه أنه لا حصر لأسمائه -- عزت أسماؤه ...
فى التسعة والتسعين ، ويدل على ذلك ما أخرجه البيهقى عن ابن مسعود قال:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ((من أصابه هم أو حزن فليقل:
اللهم إنى عبدك وابن عبدك وابن أمتك ، ناصيتي فى يدك ماض فى حكمك ،
عدل فى قضائك ، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك ، أو أنزلته
فى كتابك، أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به فى علم الغيب عندك،
أن تجعل القرآن ربيع قلبى ونور صدري وذهاب همى وجلاء حزنى ... الخ)،
فهذا الحديث صريح فى عدم الحصر .
(١) تفسير القرطبى جـ ٧ ص ٢٢٥

- ٢٧٢ ٠
وحكى النووى إنفاق العلماء على ذلك وأن المقصود من الحديث الإخبار
بأن هذه التسعة والتسعين من أحصاها دخل الجنة ، وهو لايتافى أن له - تعالى-
أسماء غيرها ، (١)
ثم قال - تعالى - «وذروا الذين يلحدون فى أسمائه سيجرين ما كانوا
يعملون » .
ذروا: فعل أمر لم يرد فى اللغة إستعمال ماضيه ولا مصدره، وهو بمعنى
الترك والإهمال .
ويلحدون من الإلحاد وهو الميل والانحراف، يقال: ألحد إلحادا إذا
مال عن القصدوالاستقامة ، وألحد فى دين الله : حاد عنه ؛ ومنه لحد القبرلأنه
بمال بحفره إلى جانبه بخلاف الضريح فإنه يحفر فى وسطه .
والمعنى: ولله - تعالى - أشرف الأسماء وأجلها فسموه بها أيها المؤمنون،
وأتركوا جميع الذين يلحدون فى أسماته - سبحانه - بالميل بألفاظها أو معانيها
عن الحق من تحريف أو تأويل أو تشبيه أو تعطيل أو ما ينافى وصفها بالحسنى
أتركوا هؤلاء جميعا فإنهم سيلقون جزاء عملهم من الله رب العالمين.
ومن مظاهر إلحاد الملحدين فى أسمانه - تعالى - تسمية أصنامهم بأسماء
مشتقة منها ، كاللات: من الله - تعالى - ، والعزى : من العزيز ، ومناة : من
المنان وتسميته - تعالى - بما يوهم معنى فاسدا، كقولهم له - سبحانه -: يا أبيض
الوجه كذلك من مظاهر الإلحاد فى أسماء - تعالى -، تسميته بما لم يسم به نفسه
فى كتابه، أو فيما صح من حديث رسوله ، إلى غير ذلك ما يفعله الجاهلون
والضالون .
ثم تمضى السورة الكريمة فى هديها وتوجيهها فتفصل صنوف الخلق ،
وتمدح من يستحق المدح ونذم من يستحق الذم فنقول :
(١) تفسير الآلومى ج ٩ ص ٠١٢٣
(١٨ - سورة الأعراف )

- ٢٧٤ -
(وَممِّنْ خَلَقْنَ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وبِهِ يَعْدِلونَ (١٨١) وَالَّذِينَ
كَذِّبوا بِآيَاتِناَ سَلَمْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأَمْلِي لَهُمْ
إِنَّ كَيْدِى مَتِيِنٌ (١٨٣) أَوَ لَمَّ يَتَفَكَّرُوا، ما بِصَاحِبِهِم مِنْ جِنَّةٍ إِذْهُوَ
إِلَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤) أَوَ لَمْ بَنْظُرُوا فِى مَلَكُوتِ السَّمْوَاتِ وَالْأَرْضِ
ومَاَ خَلَقَ اللهُ مِنْ شَىْءٍ وأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قد اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ
فَبِأَىِّ حَدِيثٍ بَعْدَهَ يُؤْمِنُونَ (١٨٥) مَنْ يُضْلِلِ الَّهُ فَلاَ هَادِىَ لَهُ،
ويذْرُهُ فِى طُغْيَنِ يَعْهُونَ (١٨٦)».
وقوله(( وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون)) معطوف على قوله
(((ولقد ذر أنا .. ) قبل ذلك، لأن كلتيهما تفصيل لإجمال قوله - تعالى -
((من يهد الله فهو المهتدى ... )
أى: وممن خلقنا الجنة، لأنه فى مقابلة (، ولقد ذر أنا لجهنم، أمة يهدون
بالحق ، أى: يدعون إليه ويسيرون عليه ، وبه يعدلون أى: به يقضون
وينصفون الناس .
وقد وردت آثار تفيد أن المراد بهذه الأمه: الأمة المحمدية ففي الصحيحين
عن معاوية بن أبى سفيان قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -«لا زال
طائفة من أمتى على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى تقوم الساعة ، وفى
رواية: (( حتى يأمر الله وهم على ذلك)):
وقال قتادة: بلغنا أن النبى - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قرأ هذا الآية
يقول : هذه لكم، وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها .
وعن الربيع بن أنس - فى هذه الآية - قال: قال رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - إن من أمتى قوما على الحق حتى ينزل عيسى بن مريم متى مانزل)).

- ٢٧٥ -
وقد استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن الإجماع حجة فى كل عصر ،
وعلى أنه لا يخلو عصر من مجتهد إلى قيام الساعة .
ثم ذكر - سبحانه - حال المكذبين فقال. ((والذين كذبوا بآياتنا
سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ).
الاستدراج : - كما قال الفرطى - ه. الأخذ بالتدريج منزلة بعد منزلة.
والدرج لف الشىء ، يقال: أدرجته ودوجته . ومنه أدرج الميت فى أكفانه .
وقيل : هو من الدرجة، فالاستدراج أن يحط درجة بعد درجة إلى المقصود.
قال الضحاك : كلما جددوا لنا معصية جددنا لهم نعمة ،(١) .
وقال صاحب الكثاف: الاستدراج: إستفعال من الدرجة بمعنى
الاستصعاد أو الاستنزال درجة بعد درجة، ومنه: درج الصبى إذا قارب بين
خطوه، وأدرج الكتاب. طواه شيئا بعد شىء، ودرج القوم: مات بعضهم
فى أثر بعض . ومعنى ((سنستدرجهم، سنستدفيهم قليلا قليلا إلى ما يهلكهم
ويضاعف عقابهم. ((من حيث لا يعلمون)، مايراد بهم. وذلك أن يواتر
الله نعمه عليهم مع أنهما كهم فى الغى ، فمكلما جدد عليهم نعمة ، ازدادوا بطرا
وجددٍ أمعصية، فيتدرجون فى المعاصى بسبب ترادف النعم، ظانين أن مواترة
النعم محبة من الله وتقريب . وإنما هى خذلان منه وتبعيد، فهو إستدراج
من الله - تعالى - نعوذ بالله منه))(٢) .
وقد قيل : إذا رأيت الله - تعالى - أنعم على عبد وهو مقيم على معصيته
فاعلم أنه متدرج .
وقوله: ((وأملى لهم إن كيدى متين، الإملاء: الإمداد فى الزمن والإمهال
(١) تفسير القرطبى ج ٧ ص ٠٣٢٩
(٢) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٠١٨٢

- ٢٧٦ -
والتأخير ، مشتق من الملاوة والملوة ، وهى الطائفة الطويلة من الزمن .
والملوان : الليل والنهار.
ويقال: أملى له إذا أمهله طويلا، وأملى البعير: إذ أرخى له فى الزمام
ووسع له فى القيد ليتسع المرعى ،
والكيد كالمكر، وهو التدبير الذى يقصد به غير ظاهره بحيث ينخدع
المكيد له بمظهره فلا يفطن له حتى ينتهى إلى ما يسوده من مخبره وغايته.
وإضافته إلى الله - تعالى - يحمل على المعنى اللائق به ، كإبطال مكر أعدائه
أو إمدادهم بالنعم ثم أخذهم بالعذاب .
ومتين : من المتانة بمعنى الشدة والقوة . ومنه المتن للمظهر أو للحم الغليظ.
والمعنى . والذين كذبوا بآياتنا سنستدفيهم قليلا قليلا إلى ما يهلكهم
ويضاعف عقابهم بكثرة النعم بين أيديهم ، حتى يفاجئهم الهلاك من حيث
لا يعلمون أن صنعتا هذا مهم هو لون من الإستدراج ، وأمهل لهؤلاء
المكذبين المستدرجين فى العصر ، وأعد لهم فى أسباب الحياة الرغدة ، إن
كيدى شديد متين لايدافع بقوة ولا بحيلة . وفى الحديث الشريف الذى رواه
الشيخان عن أبى موسى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إن
الله لملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته،.
وقوله ((وأملى لهم)) جوز بعضهم أن يكون خبرالمبتدأ محذوف أى:
وأنا أملى لهم. وقيل هو معطوف على قوله (( سنستدرجهم)) وقيل هو مستأنف
ثم أمر - سبحانه - هؤلاء الظالمين بالتفكر والتدبر فقال: « أولم
يتفكروا، ما بصاحبهم من جنة، إن هو إلا نذير مبين،
الهمزة للأفكار والتوبيخ، وهى داخلة على فعل حذف للعلم به من سياق.
القول، والوال للعطف على مقدر يستدعيه المقام .
والجنة: مصدر كالجلسة بمعنى الجنون. وأصل الجن الستر عن الحاسة.

- ٢٧٧ -
والمعنى: أكذب هؤلاء الظالمون رسولهم - صلى الله عليه وسلم - ولم
يتفكروا فى أكما ليس به أى شىء من الجنون، بل هو أكمل الناس عقلا ،
وأسدم رأيا ، وأنقام نفساً .
والتعبير ((بصاحبهم للإيذان بأن طول مصاحبتهم له ما يطلعهم على
نزاهته عما إنهموه به، فهو - صلى الله عليه وسلم - قد لبث فيهم قبل الرسالة
أربعين سنة كانوا يلقبونه فيها بالصادق الأمين ، ويعرفون عنه أسمى ألوان
الإدراك السليم والتفكير المستقيم .
قال الجمل: وجملة ((ما يصاحبهم من جنة)) فى محل نصب معمولة ليتفكروا
فهو عامل فيها محلا لا لفظا لوجود المعلق له عن العمل وهو ما التافية .
وبحوز أن يكون الكلام قد ثم عند قوله (( أو لم يتفكروا، ثم إبتداء
كلاما آخر إما استفهام إنكان وإما نفياً. ويجوز أن تكون ((ما، استفهامية
فى محل الرفع بالإبتداء والخبر بصاحبهم. والتقدير: أى شىء استقر بصاحبهم
من الجنون، (١) .
وقوله (( إن هو الا نذير مبين، بيان لوظيفته - صلى الله عليه وسلم -
أى : ليس بمجنون كما زعمتم أيها المشركون وإنما هو مبالغ فى الإنذار ،
مظهر له غاية الإظهار . فهو لا يقصر فى تخريفكم من سوء عاقبة التكذيب،
ولا يتهاون فى نصيحتكم وإرشادكم الى ما يصلح من شأنكم .
ثم دعائم القرآن الى النظر والاستدلال العقلى فقال: «أو لم ينظروا فى
ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شىء)).
الملكوت : هو الملك العظيم زيدت فيه الام والتاء للمبالغه كما فى جبروت
والجملة الكريمة مسوقة لتوبيخهم على اخلالهم بالتأمل فى الآيات التكوينية
أثر تقريمهم على عدم تفكرهم فى أمرنبيهم - صلى الله عليه وسلم - ،
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٢١٥

- ٢٧٨ -
أى: أكذبوا ولم ويتفكروا فى شأن رسولطم - صلى الله عليه وسلم -
وما هو عليه من كمل العقل، ولم ينظروا نظر تأمل وإعتبار وإستدلال فى
ملكوت السموات من الشمس والقمر والنجوم وغيرهما، وفى ملكوت
الأرض من البحار والجمال والدواب وغيرها ، ولم ينظروا كذلك فيما خلق
الله ما يقع عليه إسم الشىء من أجناس لا يحصرها العدد ولا يحيط بها الوصف
مما يشهد بأن لهذا الكون خالقا قادرا هو المستحق وحده للعبادة
والخضوع .
وقوله (( من شىء)) بيان (( لما)) وفى ذلك تنبيه على أن الدلالة على التوحيد
غير مقصورة على السموات والأرض ، بل كل ذرة من ذرات العالم دليل على
توحيده .
وقوله: (( وأن على أن يكون قد إقترب أجلهم) فى محل جر معطوف
على ما قبله، و((أن)) مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن ، وخبرها عسى مع
فاعلها الذى هو , أن يكون)).
والمعنى: أو لم ينظروا - أيضا - فى إقتراب آجالهم، وتوقع حلولها
فيسارعوا إلى داب الحق والتوجه إلى ما ينجيهم قبل مفاجأة الموت لهم
ونزول العذاب بهم وهم أتعس حال .
إنهم لو تفكروا فى أمر رسولهم - صلى الله عليه وسلم - ولو نظروا
فيما خلق الله من مخلوقات بعين التدبر والاتعاظ، لآمنوا وهدوا إلى صراط
العزيز الحميد .
وقوله : ((فبأى حديث بعده يؤمنون، أى: إذا لم يؤمنوا بالقرآن وهو
أكمل كتب أفقه بيانا ، وأقواها برهانا، فبأى كلام بعده يؤمنون؟
والجملة الكريمة مسوقة للتعجب من أحوالهم . واقطع أى أمل فى إيمانهم
لأنهم ما داموا لم يؤمنوا بهذا الرسول المؤيد بالمعجزات ، وهذا الكلام.
المعجز الجامع لكل ما يفيد الهداية ، فأحرى بهم ألا يؤمنوا بغير ذلك.

- ٢٧٩ -
ثم عقب القرآن على هذا التوبيخ والهديد للمشركين بقوله: «من
يضلل الله فلا هادي له، ويذرم فى طغيانهم يعمرن ) .
أى: من يرد الله إضلاله يسبب اختياره للعضلالة، وصمعه عن الاستماع
للحق فلا قدرة لأحد على هدايته، وهو - سبحانه - يترك هؤلاء الضالين فى
فى طغيانهم متحيرين مترددين .
ثم بينت السورة الكريمة أن أمر الساعة مرده إلى الله - تعالى -،
وأن السائلين عن وقتها من الأحسن لهم أن يستعدوالها بدل أن يكثروا من
السؤال عن زمن مجيتها فقاات :
((يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَانَ مُرْسَهَا، قُلْ إِنَّا عِلْمُهَ دِنْهَ رَبِّى
لا يُجَلِّها لوَفْتْهاَ إِلَّ هُو تَقُلَتْ فِى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِكُم
إِلَّ بَثَةٌ، يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْاَ، قُلْ إِنَّـاَ عِلْمُهَا عِنْدَ اللهِ
وَلكنَّ أَ كْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَونَ (١٧٨) قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْاً
ولا ضَرَّا إِلَّ ما شاء اللهُ، ولو كُنْتُ أَعلَمُ الغَيْبَ لاستَكْثَرْت
مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَِّىَ السُّوءِ إِنْ أَنَاَ إلاَّ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ لَقَوْم.
يُؤْمِنُونَ (١١٨))).
قال الألوسى : عن ابن عباس أن قوماً من اليهود قالوا : يا محمد ، أخبرنا
متى الساعة إن كنت نبياً ، فإنا نعلم متى هى ، وكان ذلك امتحانا منهم ، مع
علمهم أن الله - تعالى - قد استأثر بعلها. وأخرج ابن جرير عن قتادة أن
جماعه من قريش قالوا: يا محمد أسر إلينا متى الساعة لما بيننا وبينك من القرابة
فنزلت )،(١).
(١) تفسير الآلوسى = ٩ ص ٠١٣٢

- ٢٨٠ -
وقوله : « يسألونك عن الساعة أيان مرساها، استئناف مسوق لبيان
بعض أنواع ضلالهم وطغيانهم،
والساعة فى الأصل اسم لمدار قليل من الزمان غير معين ، وتطلق فى عرف
الشرع على يوم القيامة وهو المراد بالسؤال هنا .
وأطلق على يوم القيامة ساعة إما لوقوعه بغتة، أو لسرعة مافيه من
الحساب ، أو لأنه على طوله قدر يسير عند الله - تعالى-،
و((أيان، ظرف زمان متضمن معنى متى. و(مرساها، مصدر ميمى
من أرساه إذا أثبته وأقره، ولايكاد يستعمل الإرساء إلا فى الشىء الثقيل
كما فى قوله - تعالى - ,والجبال أرساها، ونسبته هنا إلى الساعة باعتبار تشبيه
المعانى بالأجسام. و«أبان ((خبر مقدم و«مرساها، مبتدأ مؤخر.
والمعنى: يسألك بامحمد هؤلاء القوم عن الساعة قائلين أيان مرساها ؟
أى متى إرساؤها واستقرارها، أو من زمن مجيتها وحصولها ؟
وقوله (( قل إنما علمها عند ربى)) جواب عن سؤالهم : أى : قل أيها
الرسول الكريم: علم الساعة أو علم قيامها عندريى وحده ليس عندى ولاعند
غيرى من الخلق شىء منه .
والتعبير بإنما المفيد الحصر للاشعار بأنه ــ سبحانه ـــ هو الذى استأثر
يعلم ذلك ولم يخبر أحدا به من ملك مقرب أو أبى مرسل .
وقوله (( لايجليها لوقتها إلا هو)) بيان لاستمرار إخفائها إلى حين قيامها
وإقناط كلى عن إظهار أمرها بطريق الإخبار .
والتجلية : الكشف والإظهار . يقال: جلى لى الأمر وانجلى وجلاه
تجلية بمعنى: كشفه وأظهره أقم الاظهار .