النص المفهرس
صفحات 241-260
- ٢٤١ - إلى ترحيلهم قبل انقضاء المدة لئلا يفتك الشعب بهم جميعافى كل مكان، وظلت بريطانيا خالية من اليهود طوال ثلاثة قرون تقريبا. ولكن عادوا إليها سنة ١٦٥٦ م فى عهد الطاغية (كرومويل) الذى اغتصب الملك (شارل الأول) بعد أن قدم له اليهود الأموال الطائلة فى سبيل بلوغ أغراضه . (ب) وفى فرنسا: تعرض اليهود فى أزمنة مختلفة لنقمة الشعب الفرنسى وغضبه ، لأنهم دمروا اقتصاده الوطنى، وخنقوه بالربا الفاحش، والمعاملات السيئة . ١ - ففى عهد ( لويس التاسع) تدهورت الحالة الاقتصادية فى فرنسا فأصدر أمرا إلغاء ثلث ما اليهود على الفرنسيين من ديون، ثم أصدر أمرا بإحراق جميع كتبهم المقدسة، وخاصة التلمود. وقد قال أحد المؤرخين إنهم أحرقوا فى باريس وحدها محمول أربع وعشرين مركبة من نسخ التلمود وغيرها)(١) . ٢ - وخلال تولى ( فيليب الجميل) حكم فرنسا. أنزل الفرنسيون باليهود صنوفاءن القتل والنهب والتشريد ، ثم طردوا من فرنسا نهائيا، ولكنهم عادوا إليها بعد أن دفعوا ( لفيليب ) ثلثى الديون التى لهم فى فرنسا. ٣ - وفى سنة ١٣٢١ م هاجمهم الشعب الفرنسى وذبح عددا كبيرا منهم ، ونكل بهم تشكيلا شديدا، ثم طردوا من فرنسا بعد أن نهبت أموالهم ولم يستطيعوا العودة إليها إلا فى أواسط القرن السادس عشر. ٤ - وفى أوائل القرن التاسع عشر حاول ( نابليون) أن يستغلهم لبلوغ مطامعه، ولكنهم غانوه، فاحتقوم، وبطش بعدد منهم، وقال عنهم إنهم حثالات البشروجراثيمه. ". ولم ينج اليهود من بعاش الشعب الفرنسى إلا فى القرنين التاسع عشر والعشرين . . (١) تاريخ الإسرائيلين ص ٨٣ شاهين .كاريوس،" ١٦٠ - سورة الأعراف، ؛ - ٢٤٢ - (٥) وفى إيطاليا، حاربهم البابوات حربا شعواء وأطلقوا عليهم اسم ( الشعب المكروه) وأغروا الشعب الإيطالى بهم فأعمل فيهم القتل والتشريد وقد أصدر البابوات مراسم عديدة لتكفير اليهود وتسفيه ديافتهم القائمة على التلود . وفى سنة ١٢٤٢ م أعلن البابا ( جريجورى) التاسع اتهامات صريحة ضد التلمود الذى يطعن فى المسيح ، المسيحية، وأصدر أوامره بإحراقه فأحرقت جميع أسخه . وفى سنة ١٥٤٠ ثار الشعب الإيطالى على اليهود ثورة عارمة قتل فيها الآلاف منهم وطردوا من بقى حيا خارج إيطاليا . (د) وفى أسبانيا: ذاق اليهود من الشعب الأسباني ومسلوكه صنوف الذل وألوان الهوان، ولم يظفروا بالراحة إلا فى أيام الحكم الإسلامى لأسبانيا. ولنكتف بذكر عقوبة واحدة من العقوبات المتعددة التى نزلت هم فى تلك البلاد . فى عهد الملك (فرديناند) وزوجته (إيزابلا) وصلت موجة الخط على اليهود أقصاها: لتغلغلهم فى الحياة الأسبانية، واستيلائهم على اقتصادها وإشعالهم فار الخلافات الدينية بين الطوائف ... فرأى الملك وزوجته أن خير وسيلة لوقاية البلاد من شرورهم هى طردهم من أسبانيا طردانهائيا . وفى ٣١ من مارس سنة ١٩٥٢ صدر المرسوم التالى عن الملك (فرديناند): ( يعيش فى مملكتنا عدد غير قليل من اليهود ، ولقد أنشأنا محاكم التفتيش منذ اثنتى عشرة سنة . وهى تعمل دائما على توقيع العقوبة على المدنيين، وبناء على التقارير التى رفعتها لنا محاكم التفتيش، نبت بأن الصدام الذى يقع بين المسيحيين واليهود يؤدى إلى ضرر عظيم، ويؤدى بالتالى إلى القضاء على المذهب الكائولیکی ، ولذا قررنا نفى اليهودذ كورا وإناثا خارج حدود مسلسكتناوإلى - ٢٤٣ - الأبد وعلى اليهود جميعا الذين يعيشون فى بلادنا وممتلكاتنا ومن غير تميز فى الجنس أو الأعمار أن يغادروا البلاد فى غضون فترة أقصاها نهاية يوليو من نفس العام، وعليهم ألا يحاولوا العودة تحت أى ظرف أو سبب ... (١). وبمقتضى هذا القرار طرد اليهود شر طردة من أسبانيا بعدأن أرغمواعلى ترك ذهبهم ونقودهم ، وبعد أن نفتوا سمومهم فى أسبانيا زهاءسبعةقرون و کان عددهم عندما خرجوا منها مطرودين يبلغ نصف مليون نسمه ويعتبر بعض اليهود هذا القرار وما تلاه من طرد وتشريد أسوأ من خراب أورشليم . (٥) وفى روسيا: كان يعيش نصف يهود العالم تقريبا خلال القرن التاسع عشر وقد استعملوا طول مدة إقامتهم فى روسيا كل وسائلهم الخبيثة للتدمير والتخريب، ففتحوا الخافات وتاجروا فى الخمور، وأقرضوا بالربالفاحش، واستولوا على الكثير من أموال الدولة بالطرق المحرمة، وقتلوا الكثير من أبناء الشعب الروسى عندما مكنتهم الظروف من ذلك وكوفرا الجمعيات السرية التى عملت على هدم نظام الحكم لقيصرى واستمرت فى نشاطها حتى أزالته بواسطة الثورة الشيوعية فى سنة ١٩١٧ م هذه الشوره التى كان معظم قوادها من اليهود. ولم ينس الروس لليهود ما قاموا به نحوهم من عدوان واستغلال ، فانقضوا عليهم عدة مرات لمتخلص منهم وأعملوافيهم الذبح والقتل بلا رحمة ، وكان من أبرز المذابح التى أوقعها الروس باليهود مذبحة سنة ١٨٨١م ومذبحه سنة ١٨٨٢ م فقد حاول الفلاحون الروس أن يدمروا اليهود قدميرا فى هاتين السفتين . وعندما نشر الكاتب الروسى (فيلوس ) فمخا قليلة من (بروتوكولات حكماء صهيون ) سنة ١٩٠٢ م التى تفضح نيات اليهود الإجرامية تجاه العالم أجمع، جن جنونهم خوفا وفزعا. وعمت المذابح عندهم فى روسيا حتى لقد قتل منهم فى إحداها نحو عشرةآلاف يهودى. (١) خطر اليهود العالمية على (الإسلام والمسيحية) ص١٨ لعبدالله التل. - ٢٤٤ - (و) وفى ألمانيا: انتشر اليهود فى كثير من مدنها منذ "قرن الثامن الميلادى، وسكنوا على ضفاف نهر الراين، واستغلوا الشعب الألماني أسوأ استغلال حتى كادوا يستولون على أمواله عن طريق الربا الفاحش واستخدام الوسائل المختلفة لجمع المال الحرام . ولقد هاج الشعب الألمانى ضدهم فى أوقات مختلفة، واستعمل معهم كل وسائل القتل والسلب والطرد. يقول صاحب كتاب ( تاريخ الإسرائيليين، وظل القتل والذبح منتشرا فى اليهود إلى أن صدرت الأوامر بطردهم من أنحاء - ألمانيا - فى أزمنة متتابعة، وذلك ما بين القرنين الثانى عشر والرابع عشر، حتى لم يكد يبقى منهم واحدا فيها ... )(١). وكان آخر ما لاقوه من عذاب وتقتيل وتشريد على يد («هتلر)) ابتداء من توليه الحكم ألمانيا سنة ١٩٣٣ إلى أن سقط حكمه سنة ١٩٤٥. وفى كل البلاد التى نزل بها اليهود ، تعرضوا لنقمة السكان وغضبهم وازدرائهم ، يستوى فى ذلك تاريخهم القديم والوسيط والحديث ، لقد أنزل العالم بهم ضربات قاصمة، وعقوبات صارمة ، شملت التشكيل والطرد والسجن والقتل ومصادرة الأموال . ويقرر أحد الكتاب الغربيين أن كل الأمم المسيحية اشتر كت فى اضطهاد اليهود وإنزال مختلف العقوبات بهم، وكانت القسوة مع اليهود تعد مأثرة يمتدح المسيحيون بعضهم بعضا عليها (٢). هذا ، والشىء الذى نؤ كده بعد سرد هذه النماذج من العقوبات التى نزلت. باليهود فى مختلف العصور والأمم، هو أن اليهودهم المسئولون عن كل اضطهاد وقع بهم، وأنهم مستحقون لهذه العقوبات لأسباب من أهمها: (١) تاريخ الإسرائيليين ص ٨٨ (٢) ( اليهودية ص ٧٣ الدكتور أحمد شلبى) - ٢٤٥ - أولا : أفافيتهم وأطماعهم التى لاحدود لها ,فقد سوغت لهم أنافيتهم أن العالم ملك لهم ي كل من فيه وما فيه، وأن غليهم متى جلوا فى أى دولة أن ينهبوا خيراتها بكل وسيلة وإن يجمعوا أموالها بأى طريقة، فإن المال هو معبود اليهود من قديم . وأنافيه البهود وجشعهم وأكلهم أموال الناس بالباطل «جعلهم محل نقمة العالم وغضبه، ولقد فطن بعض الزعماء العقلاء إلى خطر تغلغل اليهود فى بلاده، فأخذ يطردهم منها، ويحذر أبناء أمته من شرورهم، ومن هؤلاء الزعماء العقلاء (بنيامين فرانكلين) أحد رؤساء الولايات المتحدة، فإنه ألقى خطابا سنة ١٧٨٩ قال فيه: ( هناك خطر عظيم يهدد الولايات المتحدة الأمريكية ، وذلك الخطر هو ( اليهود ). أيها السادة: حيثما استقر اليهود، تجدونهم يومنون من عزمه الشعب، ويزعزعون الخلق التجارى الشريف . إنهم لا يندمجون بالشعب . لقد كونو. حكومه داخل الحكومة. وحينما يجدون معارضة من أحد فإنهم يعملون على خفق الأمه ماليا كما حدث للبر تغال وأسبانيا .. إذا لم يمنع اليهود من الهجرة بموجب الدستور . ففى أقل من مائتى سنة سوف يتدفقون على هذه البلاد بأعداد ضخمة تجعلهم يحكموننا ويدمروننا ويغيرون شكل الحكومة التى ضحينا وبذلنا لإقامتها دماءنا وحياتنا وأموالنا وحريتنا. إذا لم يستن اليهود من الهجرة فإنه لم يمض أكثر من مائتى سنة ليصبح ابناؤنا عمالا فى الحقول لتأمين الغذاء اليهود .. ، إنى أحذركم أيها السادة. إذا لم نستثنوا اليهود من الهجرة إلى الأبد فسوف يلعنكم أبناؤكم وأحفادكم فى قبوركم ، إن عقليتهم تختلف عنا حتى لوعاشوا بيننا عشرة أجيال . والنمر لا يستطيع تغيير لونه . اليهود خطر على هذه البلاد . وإذا دخوها فسوف يخربونها ويفدونها ... )(١). (١) كتاب ( اليهودية العالمية وحربها المستمرة على المسيحية) ص ١٣٠ لإيليا أبو الروس . - - ٢٤٦ - والتعليق على هذا الخطاب نقول: ما أصدق ماتوقعه (فرافـ كلين) لولا أنه قد أخطأ التقدير فى المدة اللازمة لتحويل أمريكا إلى بقرة حلوب لليهود ، فقد قدر (فرانكلين) هذه المدة بمائى سنة أى فى سنة ١٩٨٩، بينما استطاع اليهود أن يسخروا سياسة أمريكا وأسلحتها ، وأموالها وعلها ونفوذها وخيراتها ، لمنفعتهم الخاصة فى مدة تقل عما توقعه بأكثر من خمسين سنه . ثانيا: غرورهم وتعاليهم: فاليهود يعتبرون أنفسهم أبناء الله وأحباؤه ، وشعبه المختار. ومن قديم الزمن وهم يقسمون العالم إلى قسمين متقابلين : قسم إسرائيل وهم صفوة الخلق وأصحاب الخطوة عند الله، وقسم آخر يسمونه الأمم ( الجوييم) أى غبر اليهود ومعنى (جوييم) عندهم، وثنيون وكفره وبهاثم وأنجاس . وقد أدى هذا الغرور والتعالى باليهود إلى إهدار كل حق لغيرهم عليهم ، وأن من حق اليهود أن يسرقوا من ليس هودياً وأن يغدوه ويكذبوا عليه ويقتلوه إذا أمنوا اكتشاف جرائمهم ، وقد أشار القرآن الكريم إلى تلك الرذيلة التى تمكنت من اليهود بقوله. (ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من أن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا مادمت عليه قائما ، ذلك بأنهم قالوا ليس علينا فى الأميين سبيل، ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون). وكتب اليهود - لاسيما التدود - طاحة بالوصايا التى تتيح لهم أن يعاملوا غيرهم بمعاملة تخالف معاملتهم مع بعضهم ، من ذلك ماجاء فى التلمود: إذا خدع يهودى أحداً من الأمم وجاءيهودى آخر واختلس من الأممى بعض ماعنده بنقص الكيل أو زيادة الثمن ، فعلى اليهوديين أن يقتسما الغنيمة التى أرسلها إليهما (يهواه)(١) ويهواه هو إله اليهود. (١) الصهيونية العالمية صر ٤؛ للأستاذ عماس. محمد د العقاء. - ٢٤٧ - ونتيجة لهذا الغرور والتعالى الذى تميز به اليهود ، وأهدروا بسببه كل حق أو كرامة لسواهم من الناس ، قام غيرهم من الأمم ليدافع عن حقه الذى سلبوه منهم ، وليوقع بهم أقسى العقوبات جزاء غرورهم الكاذب ، وتعاليهم الباطل . ثالثا: عزلتهم وعصبيتهم وخيانتهم للبلاد التى أوتهم فهم متعصبون متحزبون ، لايجمعهم حب بعضهم لبعض ولكن تجمعهم كراهية من ليس على ملتهم ، كما يجمعهم الحقد على العالم بأسره . وقد أصبحت العزلة والعصبية والعنصرية طابع اليهود الذى لا محيد لهم عنه ، ويصف الدكتور ( ويزمان) أول رئيس لإسرائيل طابع العزلة فى اليهود بقوله: ( وكان اليهود فى موتول ( مسقط رأسه) بروسيا، يعيشون كما يعيش اليهود فى مئات المدن الصغيرة والكبيرة منعزلين منكشين ، وفى عالم غير عالم الناس الذين يعيشون معهم ) . ولعل أدق صورة للتحريض على العزلة والتمسك بها، ماذكره (سلامون شحتر) فى خطابه بمدرسة اللاهوت اليهودية العليا حيث قال : (إن معنى الاندماج فى الأمم هو فقدان الذاتية. وهذا النوع من الاندماج مع ما يترتب عليه من النتائج، هو ما أخشاه أكثر مما أخشى المذابح والاضطهادات)(١). وقد تسبب عن عزلتهم وعصبيتهم أمور خطيرة، فقد نظروا إلى من سواهم من الأمم فظرة كلها عداء وريبة وحذر ، وصار طابعهم فى كل زمان ومكان عدم الإخلاص لاية هيئة دينية أو دنيوية، وعدم الولاء للأوطان التى يعيشون فيها ويأكلون من خيراتها ، وإنما يجعلون ولاءهم لجماعتهم ومصالحهم الخاصة دون غیر ها ، لا ن الیهو دی یهو دى قبل كل شىء، مهما تكن جنسيته، ومهما يعتنق من عقائد ومبادىء فى الظاهر، وإذا تعارضت جنسيته مع يهوديته (١) كتاب (اليهودية) ص ٣٣ للدكتور أحمد شلبى. - ٠٢٤٨ ناصر يهوديته، وحاول أن يشيع الخراب والصغار فى الأمة التى هو فرد من أفرادها خصوصا إذا أمن العقاب والصهيونية العالمية تأمر اليهود فى كل مكان أن يجعلوا ولاءهم لإسرائيل وليس الدول التى يعيشون فيها. تقول جولدا ما يير وزيرة خارجية إسرائيل سابقا: ( إن اليهود المقيمين خارج إسرائيل ضوائف مشتتة تعيش فى المنفى، وأنهم مواطنون إسرائيليون قبل كل شىء، ويتحتم عليهم الولاء المطلق لهذه الدولة الجديدة مهما تكن جنسيتهم الرسمية التى يسبغونها على أنفسهم ، وإن اليهودى الإنجليزى الذى ينشد بحكم إنجليزيته نشيد (حفظ الله الملكة) لا يمكن أن يكون فى نفس الوقت صهيونيا ) (١). وما أكثر الحوادث التى قام فيها اليهود بدور العيون والجواسيس على الأوطان التى يعيدون فيها لحساب أعدائها ، واظهر مثل على ذلك ماقام به اليهود المقيمون فى ألمانيا من خيانات لها خلال الحرب العالمية الأولى، وكان ثمرة هذه الخيانات هزيمة ألمانيا، ومنح اليهود جزاء غدرهم الوطنى وعد ( بافور) من الحكومة البريطانية سنة ١٩١٧ م . وقد عدد ( هتلر ) خيانات اليهود لأ لمانيا وذكر منها استنزاف أموال الشعب بالربا الفادح وإفساد التعليم والسيطرة لصالحهم على المصارف والبورصة والشركات التجارية ، والسيطرة على دور النشر، والتدخل فى سياسة الدولة لغير مصلحة ألمانيا وفى القمة من خيافاتهم التجسس ضد ألمانيا الذى احترفه عدد كبير منهم). ويختم هتلر حديثه الطويل عن اليهود بقوله (وإذا قيض لليهودى أن يتغلب على شعوب هذا العالم ، فسيكون تاجه إكليل جنازة البشرية، وعندما يستأنف كوكبنا السيار طوافه فى الأثير كما فعل منذ ملايين السنين لن يكون هناك بشر على سطحه .. لهذا أعتقد أنى تصرفت معهم حسبماشاء خالقنا ، (١) من محاضرة مطبوعة عن (اليهود ودولة إسرائيل). - ٢٤٩ - لأبى بدفاعى عن نفسى عند اليهودى، إنما أفاضل فى سبيل الدفاع ، عن عمل الخالق )(١) . وإذن فعزلة اليهود، وعصبيتهم، وخيافتهم للأوطان التى آوتهم، كان جزاؤها العادل ما حل بهم من دمار وتشريد خلال العصور المختلفة. رابعاً : اضطهاهم لغيرهم متى ملكوا القدرة الظاهرة أو الخفية لذلك وتاريخ اليهود ملطخ بجرائم القتل والذبح والنهب والسلب والغدر والبطش بخيرهم وعلى. بالمجازر التى قاموا بها ضد الشعوب التى كان لهم النصر عليها ، وقد ساعدهم على ذلك ما أمرتهم به كتبهم من قتل وإذلال أخيرهم متى واتتهم الفرصة عليه، ففى سفر الخروج مانصه . ( حين تقترب من مدينة لكى تخاربها استدعها إلى الصلح، فإن إجابتك فكل الشعب الموجود فيها يكون للتسخير ، ويستعبد لك ، وإن لم تسالمك بل عملت معك حربا خاصرها، وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف، هكذا تفعل بجميع المدن البعيدة منك جداً، وأما مدن هؤلاء الشعوب التى يعطيك الرب إياها فلا تستبق منها قسمة ما )(٢). ولقد طبق اليهود هذه التعاليم أسوا تطبيق فى كل أدوار تاريخهم فلقد قتلوا فى روما وحدها مائة ألف مسيحى سنة ٢٠٤ م بإيعاز من الإمبراطور ( مارك أوريل ). ومالنا تذهب بعيداً فى الاستشهاد على إجرامهم، ومعارك فلسطين مازالت ما ئلة فى أذهاننا ، يقول أحد الكتاب المعاصرين: ( إن مذبحة دير ياسين كانت من أبشع المذابح التى ارتكبها اليهود. فقد قتلوا مائيين وخمسين إنسانا فى قرية صغيرة ومثلوا بأجسامهم، وذبحوا الأطفال فى أحضان أمهاتهم وأمام (١) كتاب (( كفاحى ، هتلر . (٢) سفر التثنية، الإصحاح العشرون ٢٠ - ٠١٧ - ٢٥٠ - أعينهن ... ). وحدث ما يشبه هذه المذابح فى كثير من مدن فلسطين كحيفا ويافا وقيية وكفر قاسم . والحق، أن مفاهيم اليهود الباطلة، وأنانيتهم الطاغية، وطباعهم القيمة وأخلاقهم الفاسدة، وعصبيتهم الذميمة، وقلوبهم القاسية، واستباحتهم لقتل غيرهم ، وإهدار كرامته ، كل ذلك جعلهم محل نقمة العالم وغضبه ، وبسبب هذه الأخلاق المرذولة سلط الله عليهم من يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة ، ومن يمزقهم شر ممزق . ويعجبنى فى هذا المقام قول المؤرخ اليهودى ((يوسيفوس)،(( لا توجد أمة فى الأرض فى كل أجيال التاريخ منذ بدء الخليقة إلى الآن تحملت ما تحمل بنو إسرائيل من الكوارث والآلام، على أن هذه الكوارث والآلام لم تكن إلا من صنع بنى إسرائيل أنفسهم )). والآن ، بعد سرد هذه العقوبات التى حلت ببنى إسرائيل فى مختلف العصور تأييداً لقوله - تعالى - ((ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب ... ، بسبب أعمالهم السيئة فهودإلى السورة الكريمة فتراها تحدثنا عن لون من ألوان الدعاوى الباطلة التى حكاما القرآن عنهم ، وهو زعمهم أن ذنوبهم مغفورة لهم ، وأنهم مهما فعلوا من ذنوب، وارتكبوا من موبقات، واستحلوا من أموال حرام، فلن يحاسبهم الله على ذلك إلا حسابا يسيراًلأنهم أبناؤه وأحباؤه، واستمع إلى السورة الكريمة وهى تحكى ذلك عنهم فتقول: ((فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَّرَضَ هُذَا الْأَذْنَى، وَيَقُولُونَ سَيُّغْفَرُ لَنَا، وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلَهُ يَأْخُذُوهُ، أَمَّ يْخَذْ عَلَيْهِم مِيثَقُ الكِتَّابِ أَنْ لاَ يَقُولُوا عَلَى اللهِ إلَّ الْحُقِ، وَدَرَسُوا مَا فِيِهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ - ٢٥١ - أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (١٦٨) والَّذِينَ يُمسِّكُونَ بالكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ إنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِين (١٦٩))). قال الإمام القرطى: الخلف - بسكون اللام - الأولاد، الواحد والجمع فيه سواء، الخلف - بفتح اللام - البدل ، ولداً كان أو غريبا . وقال ابن الأعرابى: الخلف - بفتح اللام - الصالح. وبسكونها الصالح ، ومنه قول للردى من الكلام خلف - بسكون اللام - ومنه المثل السائر , سكت ألفا ونطق خلفا ، قال لبيد . ذهب الذين يعاش فى أ كنافهم - وبقيت فى خلف كجلد الأجرب . تخلف فى الذم بالإسكان ، وخلف بالفتح فى المدح، هذا هو المستعمل المشهور، وفى الحديث الشريف ( يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ) وقد يستعمل كل واحد منهما موضع الآخر (١). والعرض - بفتح الراء - متاع الدنيا وحطامها من الدل وغيره . قال صاحب الكشاف : (قوله تعالى: يأخذون عرض هذا الأدنى أى حطام هذا الشىء الأدنى، يريد الدنيا وما يتمع به منها ، وفى قوله هذا تخسيس وتحقير ، والأدنى إما من الدنو بمعنى القرب، لأنه عاجل قريب، وإما من دنو الحال وسقوطها وقلتها والمراد ما كانوا يأخذونه من الرشا فى الأحكام على تحريف الكلم للتسهيل على العامة)(٢). والضمير فى قوله ( من بعدهم ) يعود إلى اليهود الذين وصفهم الله فى الآية السابقة بقوله ( وقطعناهم فى الأرض أما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك. وبلوفاهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون ). والمعنى: خلف من بعد أولئك القوم الذين قطعناهم فى الأرض أما خلف سوء، ورثوا كتاب الله وهو التوراة فقرأوه وتعلموه، ووقفوا على مافية من تحليل وتحريم وأمرونهى ولكنهم لم يتأثر وابه بل خالفوا أحكامه، واستحلوا (١) تفسير القرطى = ٧ ص ٣١٠ (٢) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٥١٦ - ٢٥٢ - محارمه مع علمهم بها، فهم يتها فتون على حطام الدنيا ومتاعها ويتقبلون المال الحرام بشراهة نفس. ويأكلون السحت أكلا لما ويقولون وهم والغون فى المعاصى ومصرون على الذنوب: إن اللّه سيغفر لنا ذنوبنا ولا يؤاخذنا بما أكلنا من أموال، لأننا من نسل أنبيائه، فتحن شعبه الذى اصطفاه من سائر البشر ، إلى غير ذلك من الأقاويل التى يفترونها على الله وهم يعلمون. وجملة, يأخذون عرض هذا الأدنى، مستأنفة لبيان ما يصنعون بالكتاب بعد ورائتهم إياه . وقيل هى حال من الضمير فى ورثوا . ثم أخبر - سبحانه - عنهم بأهم أهل إصرار على ذنوبهم ، وليسوا بأهل إنلية ولا قوبة فقال تعالى: (وإن يأنهم عرض مثله يأخذوه ) أى. أنهم يأخذون عرض الحياة الدنيا ويعرضون عن شريعه الله التى أنزلها عليهم فى التوراة ويزعمون أن الله لا يؤاخذهم بما فعلوا. ثم هم بعد ذلك لا يتوبون إلى الله ولا يستغفرونه، وإنما حالهم أنهم إن لاح لهم عرض حرام آخر مثل الذى أخذوه أولا بالباطل، تهافتوا عليه من جديد واستحلوه وأكلوه فى بطونهم ، وبدون توبة أو قدم. قال مجاهد قوله تعالى (وإن يأنهم عرض مثله يأخذوه ) لا يشرف لهم شىء من متاع الدنيا إلا أخذوه حلالاً كان أو حراما، ويتمنون المغفرة ( ويقولون سيغفر لنا) وإن يجدوا عرضا مثله يأخذوه (١). وقال السدى: (كانت بنوا إسرائيل لا يستقضون قاضيا إلا ارتشى فى الحكم وإن خيارهم اجتمعرا، فأخذ بعضهم على بعض العهود أن لا يفعلوا ولايرتشوا، جعل الرجل منهم إذا استقضى ارتشى ، فيقال له ما شأنك تر تشى فى الحكم؟ فيقول سيغفر لى ، فيطعن عليه البقية الآخرون من بنى إسرائيل (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٠٥١٩ - ٢٠٣ - صفعه فإذا مات أو نزع وجعل مكانه رجل ممن كان يطعن عليه قبل الرشوة يقول الله: وإن يأت: وإن يأت الآخرين عرض الدنيا يأخذوه)(١). ثم أنكر - سبحانه - عليهم مازعموه بقولهم: (سيغفر لنا ) وهم مصرون على معصيتهم فقال تعالى. ( ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على اللّه إلا الحق ودرسوا ما فيه). والمعنى: لقد أخذ الله العهد فى التوراة على هؤلاء المرتشين فى أحكامهم: والقائلين سيغفر الله فعلنا هذا ألا يقولوا على اله إلا القول الحق، ولا يخبروا عنه إلا بالصدق ولا يخالفوا أمره . ولا ينقضوا عهده ، ولا يتجاوزوا حدوده، وقد درس هؤلاء الكتاب، أى: قروه وفهموه، ولكنهم لم يعملوا بما أخذ عليهم من عهود ولم تتبعوا أو امر كتابهم ونواهيه، لأنهم درسوه ولم يتأثروا به، ولم تخالط تعاليمه شغاف قلوبهم ، فضيعوه واشتروا به ثمناً قليلا فیس ما يشترون . وقوله: أن لا يقولوا على الله إلا الحق)، بدل من ميثاق الكتاب أو عطف بيان له . وقيل إنه مفعول لأجله أى: لئلا يقولوا. وجملة ( ودرسوا مافيه) معطوفة فى المعنى على قوله تعالى ( ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ) أى أن الله تعالى قد أخذ عليهم الميثاق فى التوراة ودرسوه . قال ابن دريد: ( كان يأتيهم المحق بر شوةفیخر جونله كتاب الله فيحكمون له به ، فإذا جاء المبطل أخذوا منه الرشوة وأخرجوالة كتابهم الذى كتبوه بأيديهم وحكموا له (٢). ثم بين اللّه لهم أن ما أعده فى الآخرة للمتقين الذين يتعففون عن السحت. وعلى أكل أموال الناس بالباطل خير من متاع الدنيا وزهرتها الذى آثره هؤلاء الذين يفترون على الله الكدب فقال تعالى: (والدار الآخرة خير للذين (١) تفسير أن كثير حـ٢ ص ٢٦٠ (٢) تفسير القرطبى ٧ ض٣١٢ .. - ٢٥٤ - يتقون أفلا تعقلون) أى: والدار الآخرة وما أعده فيها من نعيم لأولئك الذين يتقونه حق تقاته فى السر والعلن، خير من عرض هذا الأدنى الذى استحله هؤلاء اليهود بدون حق وآثروه على ماعند الله من نعيم مقيم وثواب جزيل ( أفلا تعقلون) - يامن أكلتم أموال الناس بالباطل وقلتم سيغفر الله لنا ذنوبنا - هذا الحكم الواضح، الذى لا يخفى على ذى عقل سليم ، لم تطمسه الشهوات ، ولم يستحوذ عليه الشيطان . وفى هذا إشارة إلى أن الطمع فى متاع الحياة الدنيا هو الذى جعل بنى إسرائيل يقولون على الله غير الحق. ويتشعرن من المال الحرام بدون تعفف ويبيعون دينهم بنياه . قال الإمام الآلوسى: (والمراد من الآية توبيخ أولئك الورثة على بتهم القول بالمغفرة مع إصرارهم على الذنوب وجاء البت من السين فإنها للتأكيد كما قص عليه المحققون، وعن ابن عباس - رضى الله عنهما - إنهم وبخوا على إيجابهم على الله - تعالى - غفران ذنوبهم التى لا يزالون يعودون إليها ثم لا يتوبون منها . وقد أطبق أهل السنة على ذم المتمنى على الله ، ورووا عن شداد بن أوس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأمانى) ومن هنا قيل: إن القوم ذموا بأكلهم أموال الناس بالباطل وباتباعهم أنفسهم هو أما وتمنيهم على الله - سبحانه - الأمانى، ووبخوا على افترائهم على اللّه فى الأحكام التى غيروها، وأخذوا عرض هذا الأدنى على تغييرها، وقالوا على الله ما ليس بحق من القول(١)). ثم أثنى الله - تعالى - على من تمسك بكتابه، فأحل حلاله وحرم (١) تفسير الآلوسي ج ٩ ص ٩٧ بتصرف وتأخيص. - ٢٥٥ - حزامه ، ولم يتقول على الله الكذب فقال تعالى: (والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع اجر المصلحين). والمراد بالكتاب التوراة أو القرآن أو جفس الكتب السماوية عموما . والمعنى: والذين بستمكون يأوامر الكتاب الذى أنزله الله ويعتصمون يجبله فى جميع شئونهم إنا لا نضيع أجرهم لأنهم قد أصلحوا دينهم ودنياهم والله لا يضيع أجر من أحسن عملا . وخص الصلاة بالذكر مع دخولها فيما قبلها إظهار المزيتها لكونها عماد الدين وناهية عن الفحشاء والمنكر . وبذلك تكون الآيتان الكريمتان قد ويختا اليهود لافترائهم على الله الكذب وردقا عليهم فى دعواهم أن ذنوبهم مغفورة لهم مع تعمدهم أكل أموال الناس بالباطل ، وبينتالهم طريق الفلاح لسكى يسيروا عليها، إن كانوا ممن ينتفع بالذكر ، ويعتبر بالمثلات . ثم ختمت السورة الكريمة حديثها الطويل عن بنى إسرائيل بتد كيرهم بالعهد الذى أخذه الله عليهم ، وبأمرهم بالإيمان والعمل الصالح فقالت: ((وَإِذْ تَتَقْنَ الْجَبَلِ فَوْقَهُم كَأَنَّهُ مُلَّةٌ وَطَنُوا أَنَّهُ وَافِعٌ بِهِم، خُذُوا مَا آتَيْنَكُم ◌ِقُوَّةٍ واذْ كُرُوا ما فيهٍ لَمَلَّكُمْ تَنْقُونَ (١٧١)». والآية الكريمة معطوفة على ما سبق من أحوال بنى إسرائيل بتقدير : أذكر . ونتقناه : من النتق وهو الزعزعة والرفع والجذب بشدة، يقال: فتق الشىء ينتقه وينتقه ، جذبه واقتلعه . والمراد بالجبل جبل الطور الذى سمع موسى عليه الكلام من ربه . قيل: (( إن موسى لما أتى بنى إسرائيل بالتوراة وقرأها عليهم وسمعوا - ٢٥٦ - ما فيها من التغليظ كبر ذلك عليهم , وأبوا أن يقبلوا ذلك، فأمر اته الجبل فانقطع من أصله حتى قام على رءوسهم مقدار عسكرهم ، فلما نظروا إليه فوق ر.وسهم خروا ساجدين، فسجدواكل واحد منهم على خده وحاجبه الأيسر ، وجعل ينظر بعينه اليمنى إلى الجبل خوفا من أن يسقط فوقهم (١))). أى: وأذكر يا محمد وذكر بنى إسرائيل المعاصرين لك وقت أن رفعنا الجبل فوق آبائهم الذين كانوا فى عهد موسى حتى صار كأنه غمامة أو سقيفة فوق ر.وسهم لغريهم آية من الآيات التى تدل على قدر تناو على صدق نبينا موسى - عليه السلام - . قال بعض العلماء: « ورفع الجبل فوقهم لإرشادهم آية من آيات الله تقوى إيمانهم بأن التوراة منزلة من عند الله، وقوة الإيمان من شأنها أن تدفع إلى العمل بما فى الكتاب المنزل بحد وإجتهاد (١)). وقوله (( وظنوا أنه واقع بهم، أى: ووقع فى نفوسهم أن الجبل ساقط عليهم إذا لم يستجيبوا لما أمرهم به نبيهم - عليه السلام -. قال الجمل: وقوله ((وظنوا ... ، فيه أوجه: أحدها أنه فى محل جر نسقا على نتقنا المخفوض بالظرف تقديرا والثانى: أنه حال وقد مقدره عنده بعضهم ، وصاحب الحال الجبل . أى. كأنه ظلمة فى حال كونه ظنونا وقوعه بهم. والثالث: أنه مستأنف. فلا محل له . والظن هنا على بابه، وقيل بمعنى اليقين)). وقوله (( خذوا ماآتيناكم بقوة)) مقول القول محذوف دل عليه المعنى. والتقدير: وقلنا لهم خذوا ماآنيناكم بقوة، أى تمسكوا به وأعملوا بما فيه بجد ونشاط ، وتقبلوه بحسن إستعداد وبدون تقصير أو تردد. (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٣٠٦ (٢) تفسير القرآن الكريم لفضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين . مجلة لواء الإسلام: السنة الثانية : العدد السابع صر .. - ٢٥٧ - والمراد بقوله: (( بما آتيناكم)) التوراة التى أنزلها الله على موسى لتكون هدى ونوراً لهم . وقوله (( واذكروا مافيه، أى: أحفظوه وتدبروه وتدارسوه واعملوابه بلا تعطيل لشى. منه . قال القرطى: وهذاهو من المقصود من الكتب: العمل بمقتضاها لا تلاوتها باللسان فحسب، فقد روى النسائى عن أبى سعيد الخدرى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( إن من شر الناس رجلا فاسقا يقرأ القرآن لا يرعوى إلى شىء منه (١) .. ولعل فى قوله ( لعلكم تتقون، إما للتعليل فيكون المعنى: خذوا الكتاب بجد وعزم ، وأعملوا بما فيه بصدق وطاعة لتتقوا الهلاك فى دنياكم وآخرتكم. وإما للترجى، وهو منصرف إلى المخاطبين فيكون المعنى : خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا مافيه ولاتنسوه وأنتم ترجون أن تكونوا من طائفة المتقين . ولكن بنى إسرائيل لم يذكروا ولم يتدبروا بل نقضوا العهد، ولجوا فى المعصية ، فاستحقوا لعنة الله وغضبه، وماربك بظلام للعبيد. وبذلك تكون سورة الأعراف قدحدثتنا - من بين ما حدثتنا - من مطلعها إلى هنا عن هداية القرآن الكريم ، وعن يوم القيامة ومافيه من ثواب وعقاب، وجنة وفار، وعن النداءات التى وجها الله - تعالى - لبنى آدم تذ كيراً وتوجيهاً وتعليماً حتى يسعدوا فى دينهم ودنياهم ، وعن أحوال السعداء والأشقياء فى الآخرة وما يدور بينهم من مناقشات ومحاورات، وعن قصه آدم وإبليس وعن قصص فوح وهود وصالح ولوط وشعيب مع أقوامهم ، ثم أفاضت السورة الكريمة فى حديثها عن قصة موسى مع فرعون ومع بنى إسرائيل ... (١) تفسير القرطبى جـ ١ ص ٠٤٢٧ /١٧ - سورة الأعراف - ٢٥٨ - والهدف الأول الذى قصدته السورة مما عرضته من قصص وتوجيهات. وإرشادات هو إثبات وحدانية الله، وإخلاص العبادة له، وحمل الناس على السير فى الطريق المستقيم، وقد استعملت السورة فى عرضها لتلك الحقائق أساليب الترغيب والترهيب، والتذكير بالنعم والتحذير من النقم ، وإقامة الحجج ودفع الشبه . ثم بدأت السورة بعد أن انتهت من حديثها عن بنى إسرائيل وحتى نها يتها تحدثنا عن قضية التوحيد من زواية جديدة عميقة، زاوية الفطرة التي فطر الله عليها البشر، ولمتصاحب سويا - أيها القارئ الكريم - متأملين في) سافته لنا السورة الكريمة فى الربعين الأخيرين منها من آيات تزخر بالأدلة العقلية والمنطقية التى تثبت وحدانية الله وتبطل الشرك والشركاء ، مستعينة فى ذلك بما تهدى إليه الفطرة البشرية والطبيعة الانسانية . قدیر معی قوله - تعالى - : ((وَإِذْ أَخَذَ رَبِّكَ مِنْ بَنِى آدَمَ مِنْ تُهُورِهِمْ ذُرَِّهُمْ وَأَشْهَدَمَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ برِبْكُم قَالُوا عَلَى شَهِدْنَ أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إِذَّا كُنَّا عَنْ هُذَا غَفِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّ أَشْرَكَ آبَاؤُنَ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَةٌ مِنْ بَعْدِمِ أَفَتَهِكُنَا بما فَعَلَ الْمُبْطِلِونَ (١٣) وَكَذَلِكَ نصرِّفُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤))) . قال صاحب المنار : هذه الآيات بدء سياق جديد فى شئون البشر العامة المتعلقة بهداية الله لهم بما أودع فى فطرتهم وركب فى عقولهم من الاستعداد للايمان به وتمجيده وشكره، فى إثر بيان هدايته لهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب فى قصة بنى إسرائيل . فالمناسبة بين هذا وما قبله ظاهرة ، ولذلك عطف عليه عطف جملة على جملة أو سياق على سياق (١). (١) تفسير المنار جـ ٩ ص ٣٨٦ ٠ ٢٥٩ - قوله (( وإذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذريتهم ، الظهور: جمع ظهر وهو العمود الفقرى لهيكل الإنسان الذى هو قوام بنيته . والذرية : سلالة الإنسان من الذكور والإناث . وقوله : من ظهورهم)) بدل بعض من قوله . من بنى آدم، و(ذريتهم، مفعول أخذ . والمعنى: واذكر أيها الرسول وذكر كل عاقل وقت أن استخرج الله - تعالى - من أصلاب بنى آدم ذريتهم، وذلك الإحراج أنهم كانوا نطفة فأخرجها - سبحانه - فى أرحام الأمهات، وجعلها علقة ثم مضغة، ثم جعلها بشراً سويا، وخلقا كاملا مكلفاً. قال الآلوسي: وإيثار الأخذ على الإخراج للإبذان شان المأخوذإذ ذاك لما فيه من الإنباء عن الإجتباء والاصطفاء وهو السبب فى إسناده إلى اسم الرب بطريق الالتفات مع مافيه من التمهيد للاستفهام الآتى. وقيل إن إيثار الأخذ على الإخراج لمناسبة ما تضمنته الآية من الميثاق ، فإن الذى يناسبه هو الأخذ دون الإخراج. والتعبير بالرب لما أن ذلك الأخذ باعتبار ما يتبعه من آثار الربوبية. وقوله: ((وأشهدهم على أنفسهم، أى: أشهدهم على أنفسهم بما ركب فيهم من دلائل وحدانيته ، وعجائب خلقه ، وغرائب صنعته ، وبما أودع فى قلوبهم من غريزة الإيمان ، وفى عقولهم من مدارك تهديهم إلى معرفة ربهم و خالقهم . وقوله: ((ألست بربكم، متمول لقول محذوف: أى: قائلا لهم - بعد أن أشهدهم على أنفسهم بما ركب فيهم من دلائل الوحدانيته - ألست ربكم، ومالك أمركم، ومر يكم على الإطلاق، من غير أن يكون لأحد مدخل فى شأن من شفر فكم « قالوا بلى شهدنا، أى: قالوا بلى شهدنا على أنفسنا عن - ٢٦٠ - عن عقيدة وإقناع بأنك أنت ربنا وخالقنا ولا رب لنا سواك، فإن آثار رحمتك وعجائب خلقك، ومظاهر قدرتك تجعلنا لا تتردد فى هذه الشهادة. و ((بلى، حرف جواب، وتختص بالنفى فلا تقع إلا جوابه فتفيد إبطاله سواء أ كان مجردا أم مقرونا بالاستفهام ولذلك قال ابن عباس وغيره ، أو قالوا نعم لكفروا . لأن نعم حرف تصديق للمخبر بنفى أو إيجاب . قال صاحب الكشاف: وقوله: (( ألست بربكم قالوا بلى , من باب التمثيل ومعنى ذلك أنه نصب لهم الأدله على ربوبيته ووحدانيته، وشهدت بها عقولهم وبصائرهم التى ركبها فيهم وجعلها مميزة بين الضلالة والهدى، فكانه أشهدهم على أنفسهم وقررهم وقال لهم : ألست بربكم ؟ وکأنهم قالوا : بلى أنت ربنا شهدنا على أنفسنا وأقررنا بوحدانيتك، وباب التمثيل واسع فى كلام الله - تعالى - وفى كلام رسوله - صلى الله عليه وسلم - وفى كلام العرب. ونظيره قوله - تعالى - ((إنما قولنا لشىء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون، وقوله ((فقال لها وللأ رض ائنيا طوعا أو كرها، قالنا أتبنا طائعين)) .. ومعلوم أنه لاقول ثم وإنما تمثيل وتصوير للعنى )، (١). والمقصود من الآية الكريمة الاحتجاج على المشركين بمعرفتهم ربوبيته - تعالى - معرفة فطرية لازمة لهم لزوم الاقرار منهم والشهادة. قال .. تعالى -: ((فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله)). والفطرة هى معرفة ربوبيته - سبحانه - : وقد وردت أحاديث كثيرة تشهد بأن الناس قد فطر هم الله - تعالى - على معرفته، ومن ذلك ما جاء فى الصحيحين عن أبى هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ما من مولود الا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه (١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ١٧٧ ٠