النص المفهرس
صفحات 221-240
- ٢٢١ - أنهم بدلوا أمر الله لهم من الخضوع بالقول والفعل. فقد أمروا أن يدخلوا الباب سجدا فدخلوا يزحفون على أسناههم رافعى رؤسهم. وأمروا أن يقولوا. حطة - أى أحطط عنا ذنوبنا - فاستهزؤًا وقالوا حنطة فى شعيرة . وهذا فى غاية ما يكون من المخالفة والمعاندة ولهذا أنزل الله بهم بأسه وعذابه بفقهم وخروجهم عن طاعته ، (١) وأخرج البخارى عن أبى هريرة عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((قيل لبنى إسرائيل إدخلوا الباب سجدا وقولوا حطة فبدلوا ودخلوا يزحفون على أستاههم وقالوا. حبة فى شعيرة، (٢). والعبرة التى تؤخذ من هذه الجملة الكريمة أن من أمره الله - تعالى بقول أو فعل فتركه وأنى بآخر لم يأذن به الله دخل فى زمرة الظالمين، وعرضٍ نفسه لسوء المصير . وقوله - تعالى - ((فأرسلنا عليهم وجزا من السماء بما كانوا يظلمون)) تصريح بأن ما أصابهم من عذاب كان نتيجة عصيانهم وتمردهم وجحودهم لنعم الله . والرجز : هو العذاب ، سواء أ كان بالأمراض المختلفة أو بغيرها. وفى النص على أن الرجز قد أتاهم من السماء إشعار بأنه عذاب لا يمكن دفعه، وأنه لم يكن له سبب أرضى مز عدوى أو نحوها، يل رمتهم به الملائكة من جهة السماء فأصيب به الذين ظلموأ دون غيرهم . هذا وقد ردت فى سورة البقرة آتيان تشبهان فى ألفاظهما هاتين الآيتين التين معنا هنا فى سورة الأعراف ، أما آيتا سورة البقرة فهما قوله - تعالى -. (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٩٩ (٢) صحيح البخارى باب (( وإذ قلنا أدخلوها هذه القرية : ج ٩ ص ٢٢ - ٢٢٢ - ((وإذ قلنا أدخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وأدخلوا الباب سجدا وقولوا حطة ، نغفر لكم خطاباكم وسنزيد المحسنين. فبدل الذين ظلوا قولا غير الذى قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلوا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون». وقد عقد الإمام الرازى مقارنة بين أسلوب الآيتين فى كل من السورتين فقال ما ملخصه : إن الفاظ الآيتين فى سورة الأعراف تخالف ألفاظ آيتى سورة البقرة من وجوه : الأول : أنه قال - سبحانه - فى سورة البقرة: وإذ قلنا أدخلوا هذه القرية ، وهنا قال : وإذا قيل لهم أسكنوا هذه القرية . الثانى: أنه قال فى سورة البقرة: (( فكلوا، بالفاء، وقال هنا «وكلوا)) بالواو . الثالث: أنه قال فى سورة البقرة: ((رغدا)) وهذه الكلمة غير مذكورة هنا . الرابع : أنه قال فى سورة البقرة: ((وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة)) وقال هنا على التقديم والتأخير . الخامس : أنه قال فى سورة البقرة : نففر لكم خطابا کم، وقال مهنا ((نغفر لكم خطيئاتمكم)). السادس: أنه قال فى سورة البقرة: ((وسنزيد المحسنين) وههنا حذف حرف الواو . السابع: أنه قال فى سورة البقرة: ((فأنزلنا على الذين ظلموا، وقال ههنا, فأرسلنا عليهم)). الثامن: أنه قال فى سورة البقرة: ((بما كانوا يفسقون)) وقال ههنادما كانوا يظلمون . - ٢٢٣ - وأعلم أن هذه الألفاظ متقاربة ولا منافاة بينها ألبتة ، ويمكن ذكر فوائد هذه الألفاظ المختلفة من وجوه . الأول: وهو أنه قال فى سورة البقرة , أدخلوا هذه القرية)، وقال ههنا أسكنوا ، فالفرق أنه لابد من دخول القرية أولا ثم سكناها زانيا . الثانى: أنه هناك قال (( فكلوا، بالفاء وهذا بالواو. والفرق أن الدخول حالة مخصوصة، فإنه إنما يكون داخلا فى أول دخوله، وأما ما بعد ذلك فيكون سكونا لا دخولا إذا ثبت هذا فنقول. الدخول حالة منقضية زائلة وليس لها إستمرار فلا جرم يحسن ذكر فأ التعقيب بعده ، فلهذا قال : أدخلوا هذه القرية، وأما السكون فخاله مستمرة باقية فيكون الأكل حاصلا معه لاعقيبه ، فظهر الفرق . وأما الثالث: وأنه ذكر هناك ((رغدا)) ولم يذكره هنا، فالفرق أن الأكل عقيب دخول القرية يكون ألذ، لأن الحاجة إلى ذلك الأكل كانت أكمل وأثم، ولما كان الأمر كذلك ذكر كلمة « رغدا، وأما الأكل حال سكون القرية فالظاهر أنه لا يكون فى محل الحاجة الشديدة ١٠ لم تكن اللذة فيه متكاملة . فلا جرم ترك قوله ((رغدا، فيه . وأما الرابع: وهو قوله هناك ,وادخلوا الباب سجداوقولواحطة، وهنا على العكس، فالمراد التنبيه على أنه لا منافاة فى ذلك، لأن المقصود هو تعظيم أمر الله وإظهار الخضوع والخشوع له، فلم يتفاوت الحال بحسب التقديم والتأخير . وأما الخامس: وهو أنه قال هناك ((خطايا كم، وقال هنا ، خطيئاتكم، فهو إشارة إلى أن هذه الذنوب سواء كانت قليلة أو كثيرة فهى مغفورة عند الإقيان بهذا التضرع والدعاء. وأما السادس: وهو قوله هناك ((وستزيد المحسنين)) بالواو، وقال هنا ((سنزبد) بحذفها، فالفائدة فى حذف الواو أنه تعالى وعد بشيئين: بالغفران - ٢٢٤ - وبالزيادة المحسنين من الثواب وإسقاط الواو لايخل بذلك لأنه إستئناف. مرتب على تقدير قول القائل ماذا بعد الغفران فقيل : إنه سيزيد المحسنين . وأما السابع: وهو الفرق بين أنزلنا وبين أرسلنا ، فلأن الإنزال لا يشعر بالكثرة والإرسال يشعر بها. فكأنه - سبحانه - بدأ بإنزال العذاب القليل. ثم جعله كثيراً . وأما الثامن: فهو الفرق بين قوله هناك ((يفسقون)) وقوله هنا(يظلمون)» فذلك لأنهم موصوفون بكونهم ظالمين لأجل أنهم ظلموا أنفسهم، وبكونهم فاسقين لأجل أنهم خرجوا عن طاعة الله . فالفائدة فی ذ کر هذين الوصفين التنبيه على حصول هذين الأمرين منهم . ثم قال : فهذا ما خطر بالبال فى ذكر فوائد هذه الألفاظ المختلفة، وتمام العلم بها عند الله - تعالى -، (١) . وبذلك تكون الآيات الكريمة قد بينت أن بنى إسرائيل مكنوا من النعمة فنفروا منها، وفتحت لهم أبواب الخير فأبوا دخولها، فكانت عاقبتهم أن محقت النعم من بين أيديهم ، وسلط الله عليهم عذاباشديدا من عنده إسبب ظلمهم وفسوقهم عن أمره . وفى ذلك إثارة لحسرة اليهود المعاصرين للعهد النبوى على ما ضاع من. أسلافهم بسبب إنتها كهم لحرمات الله: وتحذير لهم من سلوك طريق آبائهم حتى لا يصيبهم ما أصابهم من عذاب أليم . ثم تحدث القرآن بعد ذلك عن رذيلة أخرى من رذائل بنى إسرائيل الكثيرة، وهى تحايلهم على إستحلال محارم الله بسبب جهلهم وجشعهم وضعف إرادتهم . وذلك أن انته - تعالى - أخذ عليهم عهدا بأن يتفرغوا لعبادته فى يوم (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٤ من ص ٣٠٧ -٢٢٥ - السبت ((وحرم عليهم الاصطياد فيه دون سائر الأيام، واختباراً منه -سبحانه- لإيمانهم ووفائهم بعمودهم أرسل إليهم الحيتان فى يوم السبت دون غيره، فكانت تتراءى لهم على الساحل فى ذلك اليوم ، قريبة المأخذ، سهلة الاصطياد. وهنا سال لعاب شهواتهم ومطامعهم وفكروا فى حيلة لاصطياد هذه الحيتان فى يوم السبت فقالوا: لامانع من أن تحفر إلى جانب ذلك البحر الذى يزخر بالأسماك فى يوم السبت أحواضا تنساب إليها المياه ومعها الأسماك ، ثم نترك هذه الأسماك محبوسة فى الأحواض فى يوم السبت - لأنها لا تستطيع الرجوع إلى البحر لضآلة الماء الذى فى الأحواض. ثم نصطادها بعد ذلك فى غير يوم السبت ، وبذلك تجمع بين احترام ما عهد إلينا فى يوم السبت وبين ما تشتهيه أنفسنا من الحصول على تلك الأسماك . ولقد نصحهم الناصحون بأن عملهم هذا هو احتيال على محارم الله ، وأن حبس الحيتان فى الأحواض هو صيدها فى المعنى، وهو فسوق عن أمر الله ونقض لعهوده . ولكنهم لجهلهم واستيلاء المطامع على نفوسهم لم يعبأوا بنصح الناصحين بل نفذوا حيلتهم الشيطانية، فغضب الله عليهم ومسخهم قردة، وجعلهم عبرة لمن عاصرهم ولمن أتى بعدهم وموعطة للمتقين . واستمع إلى سورة الأعراف وهى تحكى لنا هذه القصة بأسلوبها البليغ فتقول : ((واسأَلْهُمْ عَنِ القَرْيَةِ التى كانَتْ حَاضِرَةَ البَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فى السَّبْتِ، إذ تَأْتِيهِم حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يسبتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ، كَذَلِكَ تَبْلُومُ بِاَ كَانُوا يَفْقُونَ (١٦٣) وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهم لِمَ تَسُطُونَ قَوْمَا اللهُ مُهْلِكُمْ أَو مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيداً، (١٥ - سورة الأعراف : - ٢٢٦ - قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبُّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمَّا نَسُوا مَاذُ كُرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوء وأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَموا بَعَذَابٍ بشِسٍ بماَ كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَا عَتَوْا عَمَانُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةٌ خَسِئِينَ (١٦٦))) . قوله - تعالى - ((واسألهم عن القرية ... الخ)، معطوف على اذكر المقدر فى قوله - تعالى -: وإذا قيل لهم اسكنوا. والخطاب للنبى - صلى الله عليه وسلم وضمير الغيبة المعاصرين له من اليهود . أى: سل يا محمد هؤلاء اليهود المعاصرين لك كيف كان حال أسلافهم الذين تحايلوا على استحلال محارم الله فإنهم يجدون أخبارهم فى كتبهم ولا يستطيعون كتمانها . والمقصود من سؤالهم تقريعهم على عصيانهم، لعلهم أن يتوبوا ويرجعوا إلى الحق، ولا يعرضوا أنفسهم لعقوبات كالتى نزلت بسابقيهم، وتعريفهم بأن هذه القصة من علومهم المعروفة لهم والتى لا يستطيعون إنكارها، والتى لا تعلم إلا بكتاب أو وحى، فإذا أخبرهم بها النبى الأمى الذى لم يقرأ كتابهم کان ذلك معجزة له . ودليلا على أنه قبی صادق موحی إلیه بها . قال الإمام ابن كثير عند تفسيره الآية الكريمة: ( أى واسأل ــ با محمد - هؤلاء اليهود الذين بحضر تكم عن قصة أصحابهم الذين خالفوا أمر الله ففاجأتهم نقمته على اعتدائهم واحتيالهم فى المخالفة ، وحذر هؤلاء من كتمان صفتك التى يجدونها فى كتبهم («لئلا يحمل بهم ما حل بإخوانهم وسلفهم وهذه القرية هى « أبلة)) وهى على. شاطئ بحر القلزم، أى - البحر الأحمر -)(١). (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٠٢٥٦ - ٢٢٧ - وقال الإمام القرطبى : وهذا سؤال تقرير وتوبيخ ، وكان ذلك علامة لصدق النبى صلى الله عليه وسلم إذ أطلعه الله على تلك الأمور من غير تعلم وكانوا يقولون: نحن أبناء اله وأحباؤه، لأنا من سبط إسرائيل. ومن سبط موسى كليم الله، ومن سبط ولده عزير فنحن أولادهم، فقال الله - عز وجل - لنبيه سلهم - يا محمد - عن القرية. أما عذبتهم بذنوبهم، وذلك بتغيير فروع الشريعة (١) . وجمهور المفسرين على أن المراد بهذه القرية. قرية (أيلة) التى تقع بين مدين والطور ، وقيل هى قرية طبرية ، وقيل هى مدين . ومعنى كونها ( حاضرة البحر ): قريبة منه، مشرفة على شاطئه، تقول کنت بحضرة الدار أی قريبا منها . وقوله (( إذ يعدون في السبت)) أى يظلمون ويتجاوزون حدود الله - تعالى - بالصيد فى يوم السبت ويعدون بمعنى إمتدون ، يقال: غدا فلان الأمر وإعتدى إذا تجاوز حده. وقوله تعالى ( إذ تأنيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ، ويوم لا يسبتون لا تأتيهم ) بيان لموضع الاختيار والامتحان. و((إِذ تأتيهم حيتانهم)) ظرف ليعدون. وحيتان جمع حوت وهو السمك الكبير . وشرعاً: أى : شارعة ظاهرة على وجه الماء. جمع شارع، من شرع عليه إذا دنا وأشرف وكل شىء دنا من شىء فهو شارع، وقوله : شرعا حال من الحيتان . والمعنى : إذ تأتيهم حيتافهم فى وقت تعظيمهم ليوم السبت ظاهرة على وجه الماء دائية من القرية بحيث يمكنهم صيدها بسهولة، فإذا مريوم السبت وإنتهى لا تأتيهم كما كانت تأتيهم فيه، إبتلاء من الله - تعالى - لهم. قال ابن عباس: (اليهود أمروا باليوم الذى أمرتم به، وهو يوم الجمعة، فتركوه واختاروا السبت فابتلاهم الله - تعالى - به، وحرم عليهم الصيد (١) تفسير القر طبى ج ٧ ٥ ٣٠٤ طبعة دار الكتب المصرية سنة ١٩٣٨ -٢٢٨- فيه، وأمرهم بتعظيمه، فإذا كان يوم السبت شرعت لهم الحيتان ينظرون اليها فى البحر ، فأذا إنقضى السبت ذهبت وماتعود إلا فى السبت المقبل ، وذلك بلاء ابتلاهم الله به ، فذلك معنى قوله تعالى (ويوم لا يسبتون لا تأتيهم(١)). وقال الإمام القرطبى : (وروبى فى قصص هذه الآية أنها كانت فى زمن داود - عليه السلام -- وأن إبليس أوحى اليهم فقال إنما نهيتم عن أخذها يوم السبت ، فاتخذوا الحیاض ، فكانوا يسوقون الحيتان اليها يوم السبت فتبقى فيها ، فلا يمكنها الخروج منها لقلة الماء . فيأخذونها يوم الأحد (٢)). وقوله تعالى (كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون ) معناه: بمثل هذا الابتلاء، وهو ظهور السمك لهم فى يوم السبت ، وإختفائه فى غيره نبتليهم وفعاملهم معاملة من يختبرهم، ليتالوا ما يستحقونه من عقوبة بسبب فقهم وتعديهم حدودربهم، وتحايلهم القبيح على شريعتهم، فقد جرت سنة الله بأن من أطاعه سهل له أمور دنياه، وأجزل له ثواب أخر أه، ومن عصاه أخذه أخذ عزيز مقتدر . ثم بين - سبحانه - طوائف هذه القرية وحال كل طائفة فقال تعالى: (وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديدا، قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون). والذى يفهم من الآية الكريمة، - وعليه جمهور المفسرين - أن أصل القرية كانوا ثلاث فرق . ١ - فرقة المعتدين فى السبت ، المتجاوزين حدود الله عن تعمد وإصرار ٢ - فرقة الناصحين لهم بالانتهاء عن تعذيبهم وفسوقهم. (١) تفسير الفخر الرازىج ٤ ٢١٦٠٠ طبعة الأميرية الأزهرية سنة ١٣٠٨ هـ .(٢) تفسير القرطبى = ٧ ٣٠٦ - ٢٢٩ -- ٣ - فرقة اللآثمين للناسحين ليأسهم من صلاح العادين فى السبت. وهذه الفرقة الثالثة هى التى عبر القرآن الكريم عنها بقوله: ( وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً) أى: قالت فرقة من أهل القرية، لإخوانهم الذين لم يألوا جهدا فى نصيحة العادين فى السبت ، لم تعظون قوما لافائدة من وعظهم ولا جدوى من تحذيرهم، لأن الله تعالى قد قضى بإستتصالهم وتطهير الأرض منهم ، أو بتعذيبهم عذاباً شديداً، ! جزاءٍ تماديهم فى الشر، وصمعهم عن سماع الموعظة فكان رد الناصحين عليهم (معذرة إلى ربكم ولعلهم ينتهون ). فهم قد عللوا نصيحتهم للعادين بعلتين : الأولى : الاعتذار إلى الله - تعالى - من مغبة التقصير فى واجب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر . والثانية: الأمل فى صلاحهم وإنتفاعهم بالموعظة حتى ينجو من العقوبة ، وبسيروا فى طريق المهتدين . وقيل : أن أهل القرية كانوافرقتين ، فرقه أقدمت على الذنب فاعتدت فى السبت ، وفرقة أحجمت عن الاقدام، ونصحت المعتدين بعدم التجاوز لحدود الله - تعالى - فلما داومت الفرقة الواعظة على نصيحتها للفرقة العادية، قالت لها الفرقة العادية على سبيل التهكم والاستهزاء: لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديدا فى زعمكم؟ فأحابتهم الناصحة بقولها. معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون . والذى ترجحه إن أهل القرية كانوا ثلاث فرق كما قال جمهور المفسرين - لأن هذا هو الظاهر من الضمائر فى الآية الكريمة، إذ لو كانو افرقتين لقالت الناهية للعاصية ( ولعلكم تتقون) بكاف الخطاب، بدل قوطم(واملهم يتقون) الذى يدل على أن المحاورة قد دارت بين الفرقة اللائمه، والفرقة الناصجة . - ٢٣٠- قال الإمام القرطبى عند تفسيره الآية الكريمة: إن بنى إسرائيل افترقت ثلاث فرق « فرقت عصت وصدت، وكانوا، نحوا من سبعين ألفاً، فرقة نهت وإعتزلت، وكانوا نحوا من إثنى عشر ألفاً، وفرقة اعتزلت ولم تنه ولم تعص، وأن هذه الطائفة هى التى قالت الناهية ، لم تعظون قوما - عصاة - الله مهلكهم، أو معذبهم على غلبه الظن . وما عهد حينئذ من فعل الله تعالى بالأمم العاصية؟)(١) وقوله ((معذرة)) بالنصب على أنها مفعول لأجله أى: وعظناهم لأجل المعذرة ، أو منصوبة على أنها مصدر لفعل مقدر من لفظها أى : نعتذر معذرة وقرئت ((معذرة)) بالرفع على أنها خبر لمبتدأ محذوف أى: موعظتنا معذرة وقد اختار سدوبه هذا الوجه وقال فى تعليله: لأنهم لم يريدوا أن يعتذروا إعتذارا مستأنفاً ولكنهم قبل لهم لم تعظون ؟ فقالوا موعظتنا معذرة. ثم بين - سبحانه - عاقبة كل من الفرقة الناهية والعاصية فقال تعالى (فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا بفسقون) أى: فلما لج الظالمون فى طغيانهم ، وعموا وصموا عن النصيحة أنجينا الناصحين ، وأخذنا المادين بعذاب شديد لارحمة فیه بسبب خرو جهم على أوامر اله . والآية الكريمة صريحة فى بيان أن الذين أخذوا بالعذاب البئيس هم الظالمون المعتدون وأن الذين نجواهم الناهون عن السوء. أما الفرقة الثالثة التى لامت الناهين عن السوء على وعظهم للمعتدين ، فقد سكتت عنها: ويرى بعض المفسرين: أنها لم تنج، لأنها لم تنه عن المنكر. فضلا عن أنها لامت الناصحين لغيرهم. ويرى جمهور المفسرين: أنها نحت، لأنها كانت كارهة لما فعله العادون (١) تفسير القر طبى - ٧ ص ٢٠٧ - ١ ٢٢ - فى السبت ولم ترتكب شيئاً مما ارتكبوه، وإذا كانت قد سكتت عن النصيحة ، فلأنها كانت يائسة من صلاح المعتدين، ومقتنعة بأن القوم قد أصبحوا محل سخط الله وعذابه، فلا جدوى وراء وعظهم، وإلى هذا الرأى ذهب صاحب الكشاف وغيره . قال صاحب الكشاف: (فإن قلت: الأمة الذين قالوا لم تعظون قوما أقه مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً - من أى الفربين هم؟ أمن فريق الناجين أم من فريق المعذبين . قلت من فريق الناجين، لأنهم من فريق الناهين ، وما قالوا ما قالوا إلا سائلين عن علة الوعظ والغرض فيه ، حيث لم يروا فيه غرضاً صحيحاً لعلهم بحال القوم . وإذا علم الناهى حال المنهى، وأن النهى لا يؤتر فيه، سقط عنه النهى، وربما وجب الترك لدخوله فى باب العبث، ألاترى أنك لو ذهبت إلى المكاسين القاعدين على المأصر والجلادين المرتبين للتعذيب، لتعظهم وتكفهم عما هم فيه، كان ذلك عبئاً منك، ولم يكن إلا سبباً للتلهى بك، أما الآخرون فإنهم لم يعرضوا عنهم، إما لأن بأسهم لم يستحكم كما استحكم يأس الأولين ، ولم يخبروهم كما خبروهم. أو لفرط حرصهم وحدهم فى أمرهم، كما وصف الله تعالى رسوله عليه الصلاة والسلام فى قوله ( فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذ الحديث أسفاً)(١). وقال الإمام أين كثير : ( ويروى عن ابن عباس - رضى الله عنهما - أنه قال عندما سئل عن مصير الفرقة اللائمة، ما أدرى مافعل بهم، ثم صار إلى نجاتهم لما قال له غلامه عكرمة: ألا ترى أنهم قد كرهوا ماهم عليه وخالفوهم فقالوا ( لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً ) قال عكرمة: فلم أزل به حتى عرفته أنهم نجوا فكسانى حلة)(٢). (١) تفسير الكشاف = ١ ص ٥!٠٥ (٢) تفسير ابن كثير <ـ ٢ ص ٢٦٧ - ٣.٢ ٢ - والذى نرجحه أن مصير هذه الفرقة مفوض إلى الله ، لأنه لم يرد نص صحيح فى شأنها، فإن الآية الكريمة قد ذكرت صراحة عاقبة كل من الناصحين والعادين ولم تذكر مصير الفرقة اللائمه للناصحة ولعل ذلك مرجعه إلى أنها وقفت من المادين فى السبت موقفاً سلبياً إستحقت معه الإهمال، إن لم تكن بسببه أهلا المؤاخذة . ثم فصل - سبحانه - ماءوقبوا به من العذاب البئيس الذى أصابهم فقال تعالى: فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاستين} أى فلما تمكبروا عن ترك ما نهاهم عنه الواعظون . قلنا لهم كونوا قردة صاغرين فكانوا كذلك . قال الآلوسي: ( والأمر فى قوله تعالى (قلنا) تكوينى لا تكليفى، لأنه ليس فى وسعهم حتى يكلفوا به، وهذا كقوله تعالى (إنما أمرنا لشىء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ) فى أنه يحتمل أن يكون هناك قول وأن يكون الغرض محرد التمثيل )(١) . وقيل فى تفسير الآية: إن الله تعالى - عاقب القوم أولا بالعذاب البئيس الذى يتناول البؤس والشقاء والفقر فى المعيشة، فلما لم يرقدعوا ويثوبوا إلى رشدهم، مسخهم مسخا خلفيا وجسميا، فكانوا قردة على الحقيقة، وهو الظاهر من الآية ، وعليه الجمهور : وقيل: مسخهم مسخاً خلقياً ونفسياً ، فصاروا كالقردة فى شرورها وإفسادها لما تصل اليه أيديها، وهذا مروى عن مجاهد . وتلك العقوبة كانت جزاء إمعانهم فى المعاصى ، وتأبيههم عن قبول النصيحة ، وضعف إرادتهم أمام مقاومه أطماعهم ، وإنتكاسهم إلى عالم (١) تفسير الآلوسى جـ ٩ ص ٠٩٣ = - ٢٢٣ - الحيوان لتخليهم عن خصائص الإنسان . فكانوا حيث أرادوا لأنفسهم من الصغار والهوان . هذا وقد استدل العلماء بهذه الآيات الكريمة على تحريم الحيل القبيحة التى يتخذها بعض الناس ذريعة للتوصل إلى مقاصدهم الذميمة. وغاياتهم الدفيئة ومطامعهم الخسيسة . وقد أفاض الإمام ابن القيم فى كتابه (إغاثة اللهفان) فى إيراد الأدلة الدالة على هذا التحريم ، فقال ماملخصه: (ومن مكايد الشيطان التى كادبها الإسلام وأهله ، الخيل والمكر والخداع الذى يتضمن تحليل ما حرم الله وإسقاط مافرضنه، ومضادته فى أمره ونهيه، وهى من الباطل الذى اتفق السلف على ذمه ، فإن الرأى رأيان : رأى يوافق النصوص وتشهد له بالصحة والاعتبار ، وهو الذى اعتبره السلف وعملوا به . ورأى يخالف النصوص وتشهد له بالإبطال والإهدار ، وهو الذى ذموه وأهدروه . وكذلك الحيل نوعان: فوع يتوصل به إلى فعل ما أمر الله - تعالى - به وترك مانهى عنه ، ولتخلص من الحرام وتخليص المحق من الظالم المانع له ، وتخليص المظلوم من يد الظالم الباغى ، فهذا النوع محمود يثاب فاعله ومعلمه. ونوع بتضمن إسقاط الواجبات، وتحليل المحرمات ، وقلب المظلوم ظالما ، والظالم مظلوما، والحق باطلا ، والباطل حقا . فهذا الذى اتفق السلف على ذمه، وصاحوا بأهله من أقطار الأرض .. ثم قال : إن الله تعالى أخبر عن أهل السبت من اليهود بمسخهم قردة، لماتحايلوا على إباحة ماحرمه الله - تعالى - عليهم من الصيد، بأن نصبوا الشباك يوم الجمعة ، فلما وقع فيها الصيد ، أخذوه يوم الأحد . قال بعض الأئمة: ففى هذا زجر عظيم لمن يتعاطى الحيل على المناهى الشرعية، ممن يتلبس بعلم الفقه وهو غير فقيه، إذ الفقيه من يخشى الله - تعالى - بحفظ - ٢٢٤ - حدوده، وتعظيم حرماته، والوقوف عندها، وليس المتحيل على إباحة محارمه، وإسقاط فرائضه، ومعلوم أنهم لم يستحلوا ذلك تكذبياً لموسى - عليه السلام- وكفراً بالتوراة، وإنما هو استحلال ةأوبل واحتيال، ظاهره ظاهر الإيفاء، وباطنه باطن الاعتداء، ولهذا مسخوا قردة ، لأن صورة القردة فيها شبه من صورة الإنسان، فلما مسخ أولئك المعتدون دين الله تعالى بحيث لم يتمسكوا إلا بما يشبه الدين فى بعض مظاهره دون حقيقته، مسخهم سبحانه قردة يشبه ونهم فى بعض ظواهرهم دون الحقيقة جزاء وفاقا ، وفى الحديث الشريف (لاترتكبوا ما ارتكبت اليهود، وتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل)(١). وفى الصحي حين عن أبى هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (قائل الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فباعرها وأكلوا ثمنها)(٢). وعن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال: ((بلغ عمر - رضى الله عنه - أن سمرة باع خمراً فقال: قاتل الله سمره . ألم يعلم أن رسول الله - صلى الله علية وسلم - قال: لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم جملوها- أى أذبواها - فباءوها(٣)). وبهذا تكون الآيات الكريمة قد دمغت العادين فى السبت من اليهود ، برذيلة الجهالة وضعف الإرادة ، وتحايلهم القبيح على استحلال محارم الله ، مما جعلهم أهلا للعذاب الشديد والمسخ الشنيع، جزاء إمعانهم فى المعصية وصممهم عن سماع الموعظة ، وما ربك بظلام للعبيد . (١) إغاثة اللهفان ج ١ ص ٣٥٨. (٢) صحيح البخارى: باب (لا يذاب شحم الميتة) <٣ ص ١٠٢، وأخرجه مسلم فى ((كتاب المساقاة)) = ٢ ص ١٢٠٦ طبعة الحلبى. (٣) صحيح البخارى: باب (لا يذاب شحم الميتة) «٣ ١٠٢، وأخرجه مسلم فى كتاب المساقاة ، جـ ٢ ص ٠١٢٠٧ - ٢٣٥ - ثم بين - سبحانه - مانوعد به أولئك اليهود من عقوبات بسبب كفرهم وفسوقهم وإفسادهم فى الأرض فقال - تعالى -: ((وإذْ تَأَذِّنَ رَبُّكَ لِيَبْثَنَّ عَلَيْهم إِلَى يَوْمِ القِلَمَةِ مَنْ يَسُومُهُم سُوء العَذَابِ، إنَّ ربِكَ لسَرِيعُ العقابٍ وإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٧) وَقَطَّعْنَهُ فى الأرْضِ أُعماً منهم الصَّالِحُونَ ومِنْهُمْ دُونَ ذلكَ ، ويلوْ نَمُ بالْحُسنَتِ والسيئاتِ اللَّهُم يَرْجِعُونَ (١٦٨))). قوله « وإذ تأذن ربك، منصوب على المفعولية بمقدر معطوف على ((واسألهم، أى: واذكر يا محمد لليهوذ وقت أن تأذن ربك. وتأذن بمعنى آذن، أى: أعلم. يقال: آذن الأمر وبالأمر أى: أعله. وأذن تأذنياً : أكثر الإعلام . وأجرى مجرى فعل القسم كعلم الله وشهد الله، ولذلك جىء بلام القسم ونون التوكيد فى جوابه وهو قوله - تعالى -, ليبعثن عليهم ... ألخ)). وقوله (( إلى يوم القيامة)) متعلق بقوله (( ليبعثن)). والمعنى: وأذكر يامحمد وقت أن أعلم الله - تعالى- هؤلاء اليهود وأسلافهم بأنهم إن غيروا وبدلوا ولم يؤمنوا بأنبيائهم ، ليسلطن عليهم إلى يوم "قيامة من يذيقهم سوء العذاب كالإذلال وضرب الجزية وغير ذلك من صفوف العذاب إن ربك لسريع العقاب لمن أقام على الكفر، وجانب طريق الحق، وإنه الغفور رحيم لمن تاب وآمن وعمل صالحاً . وهذا من باب قرن الترغيب بالترهيب حتى لا ييأس العاصى من رحمة ألله بسبب ذنوبه السابقة إذا هو أقبل على الله بالتوبة والعمل الصالح كما قال - تعالى - ((وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى)). ولقد يبدو للبعض أن هذا الوعيد اليهود قد توقف بسبب مانرى لهم الآن من دولة وصولة ولكن الذى نعتقده أن هذا الوعيد ماتوقف مع مالهم من - ٢٢٦ - دولة. فإنهم مازالوا محل احتقار الناس وبغضهم «وحتى الدول التى تناصرهم إنما تناصرهم لأن السياسة تقتضى ذلك بينما شعوب هذه الدول تكره أولئك اليهود و تزدريهم و تنفر منهم. وما قامت لليهود تلك الدوله إلا لأن المسلمين قد فرطوا فى حق خالقهم، وفى حق أنفسهم، ولم يأخذوا بالأسباب التى شرعها الله لهم لحرب أعداءهم فكانت النتيجة أن أقام اليهود دولة لهم فى قلب البلاد الاسلامية وعندما يعود المسلمون إلى الأخذ التام الكامل بتعاليم دينهم وإلى مباشرة الأسباب التى شرعها الله مباشرة سليمة، عندما يفعلون ذلك تعود إليهم عزتهم المسلوبة وكرامتهم المغصوبة . وصدق اته إذ يقول: « ذلك بأن الله لم يك ، غيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ... . هذا وقوله - تعالى - ((وقطعناهم فى الأرض أمماً، إخبار عن عقوبة أخرى من عقوباتهم المتنوعة بسبب كفرم وجحودهم ، وتتمثل هذه العقوبة فى تفريقهم فى الأرض، وتمزيقهم شر مزق حتى لا تكون لهم شوكه . و((أماً، حال من مفعول ((قطعناهم، أو مفعول ثان لقطعناهم على أنه بمعنى صير ناهم . أى: أن هؤلاء اليهود قد مزقناهم فى الأرض شر ممزق بسبب عصيانهم وفسوقهم، وميرناهم فرقا متقطعة الأوصال، مشتتة الأهواء. وقوله (( منهم الصالحون ومنهم دون ذلك ، بيان لحالهم . أى : من هؤلاء اليهود قلة آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فصلح حالها ، وحسنت عاقبتها ، ومنهم كثرة منحطة عن رقبة أولئك المؤمنين الصالحين ، بسبب فسوقهم عن أمر الله، وانتها كهم لحرماته . والجملة من المبتدأ والخبر، فى موضع نصب على أنها صفة لـ (( أمماً). - ٢٢٧ - وقوله (( ومنهم دون ذلك، الجار والمجرور خبر مقدم و(دون ذلك م نعت لمنعوت محذوف هو المبتدأ والتقدير: ومنهم ناس أو جماعة دون ذلك. وهذه الجملة الكريمة تدل على أن القرآن الكريم يستعمل الإنصاف والعدالة وتقرير الحقائق مع أعدائه وأتباعه على السواء، فهو يمد ح من يستحق المديح ، ويذم من هو أهل الذم ، وما أحوج الناس فى كل زمان ومكان إلى التخلق بهذه الأخلاق. وقوله - تعالى - ,وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون، أى علملناهم معاملة المبتلى الممتحن قارة بالنعم الكثيرة كالصحة والخصب وسعة الأرزاق، وقارة بالنقم المتنوعة كالجدب والأمراض والشدائد ، لعلهم يرجعون إلى طاعة ربهم، ويتركون ما نهوا عنه من المعاصى والسيئات. يقال: بلاء يبلوه بلوا، وابتلاه ابتلاء، إذا جربه واختبره. ولقد كانت نتيجة هذا الابتلاء والاختبار أن تكشفت الحقائق عن أن الكثرة من بنى إسرائيل سلكت طريق الضلالة والغواية، والنملة هى التى آمنت وأصلحت ولذا عاقب الله تلك الكثرة بالعقوبة التى تناسبها جزاءاً ووفاقا . هذا، وما أخبر به القرآن من أن الله - تعالى - قد توعد بنى إسرائيل وأخبرهم بأنه سيسلط عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب بسبب كفرهم وفسوقهم قد شهد بصدقة التاريخ ، وأيدته الحوادث، وهذه نماذج قليلة من تلك العقوبات التى نزلت بهم فى الأزمنة المختلفة (١). أولا: بعد وفاة سليمان - عليه السلام - حوالى سنة ٩٧٥ ق م انقسمت مملكته إلى قسمين: ملكة الشمال، واسمها (إسرائيل) ومقرها (السامرة (٢)). وتتكون من الأسباط العشرة. (١) ذكر ناهنا نماذج قليلة من تلك العقوبات ومن أراد معرفة المزيد فليرجع إلى كتابنا (بنو إسرائيل فى القرآن والسنة)، «٢ ص ٣٢٦ وما بعدها. (٢) السامرة وهى نابلس الآن . - ٢٣٨ - ومملكة الجنوب واسمها (يهوذا) ومقرها (أورشليم (١)) وتتكون من سبطى يهوذا وبنيامين . وقد استمرت المنازعات بين المملكتين مدة طويلة، انتهت بانقضاض ( سرجون) ملك آشور على مملكة الشمال ( إسرائيل ) سنة ٧٢١ ق. م فقتل الآلاف من رجالها ، وأسر البقية منهم فر حلهم إلى ما وراء نهر الفرات، وقضى على هذه المملكة قضاء لم تقم لها بعده قائمة . وأما مملكة الجنوب ( أورشاء ) فقد حاولت أن تتشبث بالبقاء، ولكن معاول الهدم غزتها من الشرق ومن الجنوب وكانت نهايتها على يد بختنصر البابلى سنة ٥٨٦ ق م. ويصور أحد الكتاب الغربيين قصة النكبات التى أدت إلى زوال مملكة (يهوذا وإسرائيل) فيقول: ( هى قصة نكبات وقصة تحررات لا تعود عليهم إلا بإرجاء النكبة القاضية، هى قصة ملوك همح يحكمون شعبا من الهمج ، حتى إذا وافت سنة ٧٢١ ق م ((يحت يد الأسر الأشورى مملكة إسرائيل من الوجود ، وزال شعبها من التاريخ زوالا تاما ، وظلت مملكة يهوذا تكافح حتى أسقطها البابليون سنة ٥٨٦ ق م . ثانيا: استرد اليهود بعض أنفاسهم بعد وقوعهم تحت حكم الفرس من حوالى سنة ٥٣٦ إلى سنة ٣٣٣ ق م فقد عادوا فى هذه الفترة إلى فلسطين، ووقعوا تحت سيطرة الإسكندر المقدونى سنة ٣٣٠ ق .م. وفى سنة ٢٢٠ ق م . سار إليهم (بطليموس) خليفة الإسكندر ، فهدم القدس، ودك أسوارها، وأرسل منهم مائة ألف أسير إلى مصر، لأنهم زاروا عليه . (١) أور شليم هى بيت المقدس الآن . - ٢٣٩ - ثالثاً: فى سنة ٠ ٢ ق م تقريبا ، وقع اليهود تحت سيطرة السلوقيين السوريين بعد انتصارهم على البطالسة، ورأى بعض الحكام السلوقيين من اليهود تمردا وعصيانا، فأنزلوا بهم أشد العقوبات فى عدة مواقع، وكان من * أبرز المغكلين باليهود ( أنطوخيوس ) مابين سنة ١٧٠ . وسنة ١٦٨ ق م فقد هاجم ( أورشليم ) وهدم أسوارها وهيكلها . ونهب مافيها من أموال وقتل من أهلها أربعين ألفا فى ثلاثة أيام , وباع مثل ذلك العددعبيدا منهم ولم يفلت من يده إلا اليهود الذين هربوا إلى الجبال ، وقد أقام (انطوخيوس) قمة على أحد الجمال ليشاهد منها كل من يقترب من اليهود إلى أورشليم ليقتله ، وقد وصل به الحال أنه أكره عدداً كبيراً منهم على ترك الديانة اليهودية وجعل هيكلهم فى أو شليم معبدالإلهه . رابعاً : وفى سنة ٦٣ ق م أغار الرومان بقيادة ( بامبيوس) على أورشليم فاحتلوها ، واستمر احتلالهم حتى سنة ٦١٤ م. وخلال احتلال الرومان لفلسطين قام اليهود بعدة ثورات باءت كلها بالفشل ، ولقوا بسبب تمردهم وعصيانهم من الرومان ألوانا من القتل والسبى والتشريد. كان من أشهرها ما أنزله بهم «قيطس. الرومانى سنة ٧٠ م فقد اقتحم فى هذه السنة أورشليم فدمرها قدميرا، وقتل الآلاف من اليهود وأخرق هيكلهم . خامساً : بعد هذه النماذج التى سقناها لما أنزله الرومان من عقوبات على اليهود، فتابع سيرنا فى سرد بعض العقوبات التى أنزلها المسلمون باليهود بسبب بغيهم وخياناتهم فنقول : بعد هجرة النبى صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، عامل اليهود القاطنين والمجاورين لها معاملة طيبة، وعقد بيتهم معاهدة ضمنت لهم حقوقهم ولكنهم تفضوا عهودهم، ولم يتركوا وسيلة من وسائل الكيد للإسلام والمسلمين إلا فعلوها، وحاول الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعنيهم عن جحودهم وبغيهم ولكنهم لم يستجيبوا له . فعاقب صلى الله عليه وسلم كل طائفة منهم بالعقوبة - ٢٤٠ - التى تناسب جرمهم وخيانتهم وتكفل للمسلمين أن يعبدوا فى مأمن من شرورهم ، ومن بين العقوبات التى أنزلها النبي صلى الله عليه وسلم بهم إجلاؤه لبنى قينقاع ولبنى النضير عن المدينة ، وقتله لبنى قريظة وإهداره قدم بعض کېرائهم ککعب بن الأشرف وسلام بن أبى الحقيق ، ومحاربته ليهود خيبر ومصالحته لهم بعد متمتل عدد كبير منهم ، ورفعهم رابة الأمان ، والاستسلام، وقبولهم الشروط التى اشترطها عليهم النبى صلى الله عليه وسلم . ولقد كان من آخر الكلمات التى نطق بها الرسول صلى الله عليه وسلم قبل وفاته قوله موصيا أصحابه ( أخرجوا اليهود من جزيرة العرب لا يبقى فى جزيرة العرب دينان)(١) . وفى عهد عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - ثم إخراج جميع اليهود من جزيرة العرب، إستجابة لوصية الرسول صلى الله عليه وسلم. سادساً : وفى ختام عرضنا لبعض العقوبات التى نزلت باليهود فى الأزمنة المختلفة جزاء إجرامهم وإثارتهم للفتن نسوق بعض الأمثلة لما حل بهم على أيدى بعض الدول الأوربية . (١) ففى بريطانيا: اقى اليهود فى بعض العهود ألواناً من التعذيب، وصنونا من القتل والتشريد . ١ - من ذلك أن الملك الإنجليزى ( يوحنا) أصدر أمرابحبسهم فى جميع أنحاء مملكته . وفى سنة ١٩٢٨ م جأر الشعب البريطانى بالشكوى من اليهود ، فأصدر الملك ادوارد الأول أمرا بطرد اليهود من جميع البلاد البريطانية فى غضون ثلاثة أشهر، إلا أن الشعب البريطانى لم يصبر على اليهود حتى تنقضى تلك المدة، بل أخذ يقتل منهم العشرات والمئات وفى قلعة ( بورك) التى احتمى بها عدد كبير من اليهود أحرق الإنجليز أكثر من خمسمائة بهودى وقد اضطر الملك (١) صحيح البخارى باب إخراج اليهود = ٤ ص ١٢٠