النص المفهرس
صفحات 161-180
- ١٦١ - وإضافة الآل إليه وهو لا يضاف إلا إلى الأشراف، لما فيه من الشرف الدنيوى الظاهر، وإن كان فى نفس الأمر خيا . ثم بين - سبحانه - أن آل فرعون لم يعتبروا بهذا الأخذ والامتحان، وإنما ازدادوا تمردا وكفرا فقال: (( فإذا جاءتهم الحسنة قالوا: لنا هذه)). أى: فإذا جاءهم ما يستحسنونه من الخصب والسعة والرخاء، قالوا بغرور وصلف: ما جاء هذا الخير إلا من أجلنا لأننا أهل له ، ونحن مستجقوه بكدنا واجتهادنا وامتيازنا على غيرها ناسين فضل اته عليهم، ولطفه بهم، غافلين عن شكره على نعمائه . ، وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه، أى: وإن اتفق أن أصابتهم سيئة أى : حالة تسوءهم كجدب أو قحط أو مصيبة فى الأبدان أو الأرزاق، تشاءموا بموسى ومن معه من أتباعه، وقالوا : ما أصابنا ما أصابنا إلا بشؤمهم وتحسهم، ولو لم يكونوا معنا لما أصبنا . وأصل « يطيروا، يتطيروا فأدغمت التاء فى الطاء لمقاربتها لها. والتطير التشاؤم والأصل فى إصلاق التطير على التشاؤم: أن العرب كانت تزجر الطير فتتشاءم بالبارح وهو ما طار إلى الجهة اليسرى، وقتيا من بالسامح وهو ماطار إلى الجهة اليمنى. ومنه سموا الشؤم طيرا وطائراً، والتشاؤم تطيرا. وقد يطلق الطائر على الحظ والنصيب خيراً كان أو شراً، ولكنه غالب فى الشر . وإنما عرف الحسنة وذكرها مع أداة التحقيق - وهى إذا - أسكثرة وقوعها وتعلق الإرادة بإحداثها بالذات ، لأن العناية الإلهية اقتضت سبق الرحمة وعموم النعمة قبل حصول الأعمال. وذكر السيئة وذكرها بأداة الشك - وهى إن - لندورها وعدم تعلق الإرادة بإحداثها إلا بالنبع ، فإن النقمة بمقتضى تلك العناية إنما تستحق بسبب الأعمال السيئة. وقوله - تعالى - ((ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون)) استئناف مسوق للرد على خرافاتهم وأباضيلهم. وصدر بلفظ. ألا ، الذى يفيد التنبيه لإبراز كمال العناية بمضمون هذا الخبر ، ١١١ - سورة الأعراف) - ١٦٢ - أى: إنما سبب شؤمهم هو أعمالهم السيئة المكتوبة لهم عند الله، فهى التى ساقت إليهم ما يسوءهم وليس لموسى ولا لمن معه أى تدخل فى ذلك. ولكن أكثرهم يجهلون هذه الحقيقة ، فيقولون ما يقولون ما تمليه عليهم أهواؤم وجهالا تهم . وفى إسناد عدم العلم إلى أكثرهم ، إشعار بأن قلة منهم تعلم ذلك، ولكنها لا تعمل بمقتضى عليها. هذا ، وقد أفادت الآية الكريمة أن القوم لم يتأثروا لا بالرخاء ولا بالشدائد . الرخاء العظيم، والخصب الواسع زادهم غروراً وبطرا، والشدائد والمحن جعلتهم ينسبون أسبابها إلى غيرهم دون أن يتوبوا إلى الله من ذنوبهم. مع أن الشدائد - كما يقول صاحب الكفاف -- تجعل الناس (( أضرع خدوداً وألين أعطافا، وأرق أفئدة)). ثم تحكى السورة الكريمة أن آل فرعون قد لجوا فى طغيانهم يعمهون فقالت: (( وقالوا مهما تأقنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين)). أى: قال الملأ من بنى إسرائيل لموسى بعد أن رأوا من حججه الدالة على صدقه: إنك ياموسى إن تجئنا بكل نوع من أنواع الآيات التى تستدل بها على حقية دعوتك لأجل أن تسحرفا بها ، أى تصرفنا بها عما نحن فيه ، فما نحن لك بمصدقين ، ولا لرسالتك بمتبعين . ومنظقهم هذا يدل على منتهى العناد والجحود، فهم قد صاروافى حالة نفسية لا يجدى معها دليل ولا ينفع فيها إقناع ، لانهم قد أعلنوا الإصرار على التكذيب حتى ولو أتاهم نبيهم بألف دليل ودليل ، وهكذا شأن الجبارين الذين قست قلوبهم ، ومسخت نفوسهم وأظلمت مشاعرهم ، حين يدمغهم الحق ، ويطاردهم الدليل الساطع بنوره الواضح، إنهم تأخذهم العزة بالإثم فيأبون أى لون من ألوان التفكير والتدبير . قال الجمل: و((مهما) اسم شرط جازم ــ يدل على العموم -، و«من - ١٦٣ - آية، بيان له، والضميران فى ((به، و((بها)) راجعان لمهما الأول مراعاة للفظها لإبهامه ، والثانى مراعاة لمعناها(١))). وسموا ماجاء به موسى - عليه السلام - آية من باب المجاراة له والاستهزاء بها حيث زعموا أنها نوع من السحر كما ينى. عنه قولهم (( لتسحرنا بها)). ثم حكت السورة الكريمة ماحل بهؤلاء الفجرة من عقوبات جزاء عتوم وعنادهم فقالت: ((فأرسلنا عليهم الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع والدم ، آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين . أى: فأرسلنا على هؤلاء الجاحدين عقوبة لهم الطوفان . قال الألوسى: أى: ما طاف بهم ، وغشى أماكنهم وحروثهم من مطر وسيل ، فهو اسم جنس من الطواف .. وقداشتهر فى طوفان الماء، وجاء تغيره هنا بذلك فى عدة روايات عن ابن عباس . وجاء عن عطاء ومجاهد تفسيره بالموت، وفسره بعضهم بالطاعون وكانوا أول من عذبوا به ,(٢). وأرسلنا عليهم ((الجراد، فأكل زروعهم وثمارهم وأعشابهم، حتى زك أرضهم سوداء قاحلة . وأرسلنا عليهم ((القمل)) وهو ضرب معروف من الحشرات المؤذية، وقيل هو السوس الذى أكل حبوبهم وما اشتملت عليه بيوتهم . وأرسلنا عليهم ((الضفادع)) فصعدت من الأنهار والخلجان والمنابع فقطت الأرض وضايقتهم فى معاشهم ومنامهم . وأرسلنا عليهم (الدم، فصارت مياه الأنهار مختلطة به، فمات السمك فيها ، وقيل المراد بالدم الرعاف الذى كان بسيل من أنوفهم . تلك هى النقم التى أنزلها الله - تعالى - على هؤلاء المجرمين، بسباب فسوقهم عن أمر ربهم، وتكذيبهم لنيبهم - عليه السلام -. وقوله: ((آيات، حال من العقوبات الخمس المتقدمة. (١) حاشية الجمل على الجلالين ج٢ ص١٨١ (٢) تفسير الألوسىج٩ص٢٣ - ١٦٤ - وقوله: ((مفضلات)) أى: مبينات واضحات لايشك عاقل فى كونها) ! آيات إلهية لا مدخل فيها للسحر كما يزعمون. وقيل ((مفصلات)، أى: مميزا بعضها عن بعض، منفصلة بالزمان لامتحان أحوالهم. وكان بين كل اثنين منها شهر ، وكان امتداد كل واحدة منها شهرا، كما أخرج ذلك ابن المنذر عن ابن عباس (١): ثم وضحت الآية فى نها يتها موقفهم من هذا الابتلاء وتلك العقوبات فقالت: ((فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين « أى فاستكبروا عن الايمان بموسى -- عليه السلام -- وعما جاء به من معجزات، وكانوا قوما طبيعتهم الاجرام وديدنهم الكفر والفسوق . ثم بين - سبحانه -- حالهم عند نزول العقاب بهم فقال: ((ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك، وانر سان معك بنى إسرائيل)». أى وحين وقع على فرعون ومثله العذاب المذكور فى الآية السابقة ، والمتمثل فى الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ، حين وقع عليهم. ذلك أخذوا يقولون لموسى بتذلل واستعطاف عقب كل عقوبة من تلك العقوبات : ياموسى أدع لنا ربك واسأله بحق ما عهد عندك من أمر إرسالك. إلينا لانقاذنا من الهلاك أن يكشف عنا هذا العذاب، ونحن نقسم لك بأنك إن كشفته عنا لنؤمنن لك ولتر سان معك بنى إسرائيل. : قال صاحب الكشاف : بما عهد عندك، ما مصدرية، والمعنى بهده عندك وهو النبوة . والباء إما أن تتعلق بقولة: (ادع لنا ربك) على وجهين: أحدهما. أسعفنا إلى ما نطلب إليك من الدعاء لنا بحق ما عندك من عهد الله وكرامته بالنبوة. أو ادع الله لنا متوسلا إليه بعهده عندك. وإما أن يكون قمامجابه بلنؤمنن، أى. أقسمنا بعهداته عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك))(٢). ١ (١) تفسير الآلوسي ج ٩ص٣٥ (٢) تفسير الكشاف ج ٢ص ١٤٨ - ١٦٥ - ثم بين - سبحانه - موقفهم الجحودى فقال: فلما كشفنا عنهم الزجز "إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون)) أى: فلما كشفنا عنهم العذاب مرة بعد مرة إلى الوقت الذى أجل لهم وهو وقت إغراقهم فى اليم، إذاهم ينكثون أى: ينقضون عهدهم الذى التزموه ، ويحتئون فى قسمهم فى كل مرة . وينكثون: من السكث . وأصله فك طاقات الصوف المغزول ليغزل ثانيا، ثم استعير لنقض العهد بعد إبرامه . قال الآلوسى. وجواب ((لما، فعل مندر يؤذن به إذا الفجائية 'لا الجملة المقترنة بها، أى: فذما كشفنا عنهم ذلك فاجأوا بالنكت من غير توقف،(١). هذا، وقد ساق بعض المفسرين آ ثارا متعددة فى كيفية تزول هذا العذاب بهم . ومن هذه الآثار ما رواه أبو جعفر بن جرير - بسنده - عن سعيد بن جبير قال : لما أبى موسى - عليه السلام - فرعون قال له: أرسل معى بنى إسرائيل، فأرسل الله عليهم الطوفان وهو المطر فصب عليهم منه شيئا خافوا أن يكون عذابا . فقالوا لموسى: أدع لنا ربك أن يكشف عنا هذا المطر فنؤمن لك وبرسل معك بنى إسرائيل. فدعا ربه، فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بنى إسرائيل. فأثبت لهم فى تلك السنة شيئًا لم ينبته قبل ذلك من الزروع والتمار والمكلاً، فقالوا: هذا ما كنا نتمنى، فأرسل الله عليهم الجراد فسلطه على المكلاً، فلما رأوا ثره فى الكلا عرفوا أنه لا يبقى الزرع فقالوا: يا موسى أدغ لنا ربك أن كشف عنا الجراد فنؤمن لك ونرسل معك بنى إسرائيل، فدعاربه فكشف عنهم لجراد فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بنى إسرائيل، فداسوا وأحرزوا فى البيوت قالوا: قد أخرزنا. فأرسل الله عليهم القمل وهو السوس الذى يخرج منه، كان الرجل مخرج عشرة أجرة إلى الرحى فلم يرد منها إلا ثلاثة أقفزة (١) تفسير الآلوسي = ٩ ص ٢٦, - ١٦٦ - - والجريب والقفيز مكيالان الحبوب، والجريب أربعة "أقفزة - فقالوا يا موسى أدع لنا ربك أن يكشف عنا القمل فنؤمن لك ونرسل بنى إسرائيل قدما ربه فكشف عنهم فأيوا أن يرسلوا معه بنى إسرائيل. فبينماهو جالس عنا فرعون إذ سمع نقيق ضفدع فقال لفرعون : ما تلقى أنت وقومك من هذا فقال: وما عسى أن يكون كيد هذا، فما أمسوا حتى كان الرجز يحاس إلى ذقد فى الضفادع، ويهم أن يتكلم فيتب الضفدع فى فيه فقالوا لموسى أدع لناربك أن يكثف عنا هذه الضفاذع فنؤمن لك وترسل معك بنى إسرائيل فدعار! فكشف عنهم فلم يؤمنوا، وأرسل الله عليهم الدم فكانو أما استغوامن الأنهار والآبار ، وما كان فى أوعيتهم وجدوه دما عبيطا، فشكوا إلى فرعون، فقالو إنا قد ابتلينا بالدم من ليس لنا شراب، فقال: إنه قد سحركم، فقالوا: من أيز سحرنا ونحن لا نجد فى أوعيتنا شيئاً من الماء إلا وجدناه دما عبيطا؟ فأتو وقالوا : یا موسی أدع لنا ربك یکشف عنا هذا الدم فنؤمن لك و ترسل معا بنى إسرائيل، فدعا ربه فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بنى إسرائيل،(١). قال ابن كثير : وقد روي نحو هذا عن ابن عباس والسدى وقتادة وغير واحد من علماء السلف أنه أخبر بهذا . ريـ . ثم حكت السورة الكريمة نها يتهم الأليمة، بسبب نقضهم لعهودهم ومرائيقه فى كل مرة، وبسبب تكذيبهم لآيات الله. وعصيانهم لنبيهم موسى - عليه السلام - فقالت : فانتقمنا منهم فأغرقناهمفى اليم، بأنهم كذبوا بآياتناو كافو منها غافلين ، أى: فانتقمنا منهم عند بلوع الأجل المضروب لإهلاكهم . بأن أغرقناهم فى اليم - أى البحر - ، وذلك بسبب تكذيبهم لآياتنا الواضحة وحججنا الساطعة ، وكانوا عنها غافلين بحيث لا يتدبرونها ، ولا يتفكرو فيما تحمله من عظات وعبر . . (١) تفسير ابن كثير - ٢ ص ٠٢٤١ - ١٦٧ - والقرآن هنا يسوق حادث إغراق فرعون وملئه بصورة محملة، فلا یفصل خطواته كما فصلها فى مواطن أخرى، وذلك لأن المقام هنا هو مقام لأاخذ الحاسم بعد الإمهال الطويل، فلا داعى إذن إلى طول العرض والتفصيل. إن الحسم السريع هنا أوقع فى النفس ، وأرهب للحس ، وأزجر للقلب ، وأدعى إلى العظة والاعتبار، ولأن سورة الأعراف - كما سبق أن بينا - يغلب عليها هذا الأسلوب الذى يزلزل قلوب الطغاة، ويغرس فى النفوس الرهبه والخوف وهى تقص على الناس ما أصاب الظالمين من عذاب دنيوى مضى وصار تاريخا يعلمونه ويتحدثون عنه ,وهو ما حل بالأمم السابقة التى كذبت رسلها وعتت عن أمر ربها. قم وهى تحكى لهم ما أعد المستكبرين من عذاب أخروى بسبب عصيانهم وانتها كهم لحرمات الله . ثم بين - سبحانه - مظاهر فضله وكرمه على بنى إسرائيل بعد أن بين نهاية فرعون وآله فقال: ((وأورثنا القوم الذين كانوايستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التى باركنا فيها )، . أى: وأعطينا القوم الذين كانوا يستضعفون فى مصر من فرعون وملئه بالاستعباد وقتل الأبناء ، وسوء العذاب ، أعطيناهم من طريق الاستخلاف - قبل أن يزيغوا ويضلوا - مشارق أرض الشام ومغاربها التى باركنا فيها بالخصوبة وسمة الأرزاق، وبكونها مساكن الأنبياء والصالحين ليكون ذلك امتحانا لهم ، واختبارا لنفوسهم . وجمع - سبحانه - بين صيغتى الماضى والمستقبل للدلالة على استمرار الاستضعاف وتجدده، والمراد بهم بنو إسرائيل، وذكروا بعنوان القوم ، إظهارا لكال اللطف بهم، وعظيم الإحسان إليهم، حيث رفعوا من حضيض المذلة إلى أوج العزة . - ١٦٨ - وقوله: ((وتمت كلمة ربك الحسنى على بنى إسرائيل بما صبروا، أى: ونفذت كلمة الله الحسنى ومضت عليهم قامة كاملة ، حيث رزقهم - سبحانه - النصر على أعدائهم. والتمكين فى الأرض بسبب صبرهم على ظلم فرعون وملته . قال الزمخشرى: وحسبك به حانا على الصبر. ودالا على أن من قابل البلاء بالجزع وكله الله إليه. ومن قابله بالصبر، وانتظار النصر، ضمن الله له الفرج , وعن الحسن: عجبت ممن خف كيف خف وقد سمع قوله - تعالى- ثم تلا هذه الآية ((وأورثنا القوم الذين كانوا .... ، ومعنى ((خف، طاش جزءا وقلة صبر ، ولم يرزق رزانة أولى الصبر(١))) . ثم ختمت الآية بقوله - تعالى - ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه من بناء القصور الشاهقة والمنازل القوية، وما كانوا يرفعونه من البساتين ، والصروح المشيدة، كصرح هامان وغيره . و((يعرشون)) بكسر الراء وضعها - أى يرفعون من العرش وهو الشيء المسقف المرفوع. :" .. قال الجمل: وقوله (( ودمرنا ما كان يصفع فرعون وقومه)) فى إعرابة أوجه ، أحدها: أن يكون فرعون اسم كان ويصنع خبر مقدم ، والجملة التكونية صلة والعائد محذوف. والتقدير: ودمرنا الذى كان فرعون يصنعه. الثانى: أن اسم كان ضمير عائد على ما الموصولة، ويصنع مسند لفرعون. والجملة خبر عن كان، والعائد محذوف ، والتقدير : ودمرنا الذى كان هو يصنعه فرعون. الثالث : أن تكون كان زائدة وما مصدرية والتقدير ودمرنا ما يصنع فرعون أى: صنعه ... (٢)). . (١) تفسير الكشاف = ٢ ص ٠١٤٩ (٢) حاشية الجمل على الجلالين حـ ٢ ص ٠١٨٥ - ١٦٩ - وهكذا تهى السورة الكريمة هذا الدرس بذكر ما أصاب الظالمين والغادرين من دمار وخراب، وما أصاب المستضعفين الصابرين من خير واستخلاف فى الأرض. ثم بدأت السورة بعد ذلك مباشرة حديثاً طويلا عن هؤلاء المستضفعين من بنى إسرائيل بينت فيه ألوانا من جحودهم لنعم الله، ونسيانهم لما كانوا فيه من ذل واستعباد ، وتفضيلهم عبادة الأصنام على عبادة الخلق - عز وجل وغير ذلك من أنواع كفرهم ومعاصيهم، واستمع إلى القرآن وهو يحكى لونا من رذائلهم فيقول : ((وَجَوَزْنا بِنِى إِسْرَائيلَ البَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَسْكُفُونَ عَلَى أَصنام ◌ِلَهُمْ، قَالوا يا مُوسَى اجملْ لَّا إلهاَ كَمَا لَهُمْ آلهةٌ قَلَ إِنكُمْ قومٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هؤُلاَءِ مُتَبَّرٌ مَاهُ فِيهِ وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩) قالَ أَغَيْرَ اللهِ أَبِفِيَكُم إلهاً وهوَ فَضْلَكُمْ عَلَى العَالَمِينَ (١٤٠) وَإِذْ أَ نَجَيْنَ كُ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُوءُونَكُمْ سُوءَ العَذَابٍ، يَقْتَّلونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكَم، وفى ذَلِكُم بِلاَءَ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (١٤١))). إن هذه الآيات تحكى قصة عجيبة لبنى إسرائيل ملخصها: أنهم بعد أن خرجوا من مصر بقيادة موسى - عليه السلام - تبعهم فرعون وجنوده فيعيدوهم إليها، إلا أن الله - تعالى - انتقم لهم من فرعون وجنده فأغرقهم أمام أعينهم وسار بنو إسرائيل نحو المشرق متجهين إلى الأرض المقدسة بعد أن عبروا البحر، ولكنهم ما إن جاوزوا البحر الذى غرق فيه عدوهم والذمى . مازالت وماله الرطبة عالقة بتعالهم، حتى وقعت أبصارهم على قوم يعبدون الأصنام، فماذا كان من بنى إسرائيل؟ - ١٧٠ - كان منهم أن عاودتهم طبيعتهم الوثنية ، فطلبوا من نبيهم موسى - عليه. السلام - الذى جاء لهدايتهم وإنقاذهم مما هم فيه من ظلم أن يصنع لهم آلهة من جنس الآلهة التى يعبدها أولئك القوم . وهنا غضب عليهم موسى غضباً شديداً. ووصفهم بأنهم قوم يجهلون الحق، وبين لهم فساد ما عليه المشركون، وذكرهم بما حباهم الله - تعالى - به من نعم جزيلة، يوجب عليهم إفراده بالخضوع والعبادة والطاعة والشكر . وقوله - تعالى - ((وجاوزنا ببنى إسرائيل البحر)) بيان للمنة العظيمة التى منحهم الله إياها، وهى عبورهم البحر بعد أن ضربه موسى بعصاه، فأصبح طريقا يابسا يسيرون فيه بأمان واطمئنان حتى عبروه إلى الناحية الأخرى ، يصحبهم لطف الله ، وتحدوم عنابته ورعايته . وجاوز بمعنى أصل الفعل الذى هو جاز، أى: قطعنا بهم البحر . يقال: جاز الوادى وجاوزه إذا قطعه وخلفه وراء ظهره . والمراد بالبحر: بحر القلزم وهو المسمى الآن بالبحر الأحمر . وقوله تعالى ( فأتوا على القوم يعكفون على أصنام لهم) بيان لما شاهدوه من أحوال بعض المشركين عقب عبورهم البحر ونجاتهم من عدوهم، فماذا كانت نتيجة هذه المشاهدة؟ لقد كان المتوقع منهم أن يحتقروا ماشاهدوه، وأن ينفروا مما أبصروه ، لأن العهد لم يطل بهم منذ أن كانوا يسامون سوء العذاب فی غال عبادة الأصنام عند فرعون وقومه، ولأن نجاتهم مما كانوا فيه من ذل وهو أن ، قد تمت على بد نبيهم الذى دعاهم إلى توحيد الله - تعالى - لکی یزیدھم من فضله . ولكن طبيعة بنى إسرائيل المعوجة لم تفارقهم ، فهاهم أولاء ما إن وقعت - ١٧١ - أبصارهم على قوم يعكفون ويداومون على عبادة أصنام لهم(١)، حتى انجذبوا. إليها وطلبوا من نبيهم الذى جاء لهدايتهم، أن يجعل لهم وثناً كغيرهم لكى يعبدوه من جديد. لقد حكى القرآن عنهم أنهم عندما شاهدوا هذا المنظر، ما لبثوا أن قالوا لنبيهم ( ياموسى اجعل لنا إلها كمالهم آلهة). قالوا ذلك لأن الإيمان لم يستقر فى قلوبهم ، ولأن ما ألفوه من عبادة الأصنام أيام استعباد فرعون لهم، مازال متمكناً من نفوسهم، ومسيطراً على عقولهم ، وهكذا عدوى الأمراض تصيب النفوس كماتصيب الأبدان، وهكذاطبيعة بنى إسرائيل ماتكاد تهتدى حتى تضل ، وماتكاد ترتفع حتى تنحط ؛ وما تكاد تسير فى طريق الاستقامة حتى ترتكس وتنتكس . وفى قولهم لنبيهم ( اجعل لنا إلهاكمالهم آلهة) بصيغة الأمر : أكبر دليل على غباء عقولهم ، وسوء أدبهم؛ لأنهم لواستئذنوه - مثلا - فى اتخاذ صنم يعبدونه كغيرهم لسكان شأنهم أقل غرابة ؛ ولكن الذى حصل منهم أنهم طلبوامته - وهو نبيهم الداعى لهم إلى توحيد الله تعالى ؛ والمنقذ لهم من عدوهم الوثنى الجبار - أن يقوم هوبنفسه بصناعة صنم لكى يعبدوه کفیرم !! ، قال القرطبى : ونظيره قول جمال الأعراب وقد رأوا شجرة خضراء للكفار تسمی ذات أنواط۔۔ لأنهم کانوا ینوطون بها سلاحهم أی يعلقونه۔ وكان الكفار يعظمون هذه الشجرة فى كل ستة يوماً، قال الأعراب: يارسول الله اجعل لنا ذات أنواط كمالهم ذات أنواط. فقال رسول الله - صلى الله (١) اختلف المفسرون فى شأن القوم الذين كانوا يعكفون على أصنام لهم. عند مرور بنى إسرائيل بهم، فقيلهم من عرب لخم . وقيلهم من لخم وجذام. وقيل كانوا من الكنعانيين الذين أمر موسى - قومه بقتالهم ، وقيل إنهم من العرب الذين كانوا يقيمون بقرب حدود مصر . - ١٧٢ - عليه وسلم - ((اته أكبر. قلتم والذى نفسى بيده كما قال قوم موسى ((اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، لتر كبن سنن من قبلكم حذو القذة بالقذة(١) حتى إنهم لو دخلوا حجر ضب لد خلتموه، وكان هذا فى مخرجه إلى حنين))(٢). ولقد غضب موسى - عليه السلام - من طلبهم هذا وهو الغضوب بطبيعته لربه ودينه - فرد عليهم رداً قوياً فيه توبيخ لهم وتعجب من قولهم بعد أن رأوا من المعجزات ما رأوا فقال: (إفكمقوم تجهلون) أى: إن كم يابنى إسرائيل بطلبكم هذا برهنتم على أفكم قوم قد ملأ الجهل قلوبكم، وغطى على عقولكم، قصرتم لا تفرقون بين ما عليه هؤلاءمن ضلال مبين، وبين مانستحقه الألوهية ما تستحقه الألوهية من صفات وتعظيم ولم يقيد ما يجهلونه ليفيد أنه جهل كامل شامل يتناول فقد العلم، وسفه النفس، وفساد العقل . وسوء التقدير. وبعد أن كشف لهم سوء حالهم، وفرط جهالاتهم، بين لهم فساد ما طلبوه فى ذاته، وقبح عاقبة من أرادواتقليدهم، فقال لهم بأسلوب الاستنشاق المفيد للتعليل ( إن هؤلاء متبر ماهم فيه وباطل ما كانوا يعملون). متبر : من التقبير بمعنى الإهلاك أو التكسير والتحطيم يقال: تبره بتبره وقبره أى أهلكه ودمره . أى: إن هؤلاء الذين تبغون تقليدهم فى عبادة الأوثان، محكوم على ماهم فيه بالدمار ، ومقضى على ما يعملونه من عبادة الأصنام بالاضمحلال والزوال لأن دين التوحيد سيظهر فى هذه الديار، وستصير العبادة لله الواحد القهار. وبهذا الرد يكون موسى - عليه السلام - قد كشف لقومه عن سوء ما يطليون، وصرح لهم بأن مصير ما يبغونه إلى الهلاك والتدمير. (١) القذة: ريش السهم. قال ابن الأثير: يضرب مثلا للشيئين يستوبان ولايتفاوتان . (٢) تفسير القرطبى -٧ ص ٣ - ١٧٣ - قال الإمام الرازى: ( والمراد من يطلان عملهم أنه لا يعود عليهم من عبادة ذلك العجل نفع ولا دفع ضرر، وتحقيق القول فى هذا الباب أن المقصود من العبادة أن قصير المواظبة على تلك الأعمال سببا لاستحكام ذكر الله تعالى فى القلب حتى تصير الروح سعيدة بحصول تلك المعرفة فيها، فإذا إشتغل الإنسان بعبادة غير الله تعلق قلبه بغيره ، ويصير ذلك التعلق سببا الأعراض القلب عن ذكره تعالى. وإذا ثبت هذا التحقيق ظهر أن الاشتغال بعبادة غير الله متبر وباطل وضائع. وسعى فى تحصيل ضد هذا الشيء ونقيضه. لأنا بينا أن المقصود من العبادة، رسوخ معرفة الله - تعالى - فى القلب والاشتغال بعبادة غير الله يزيل معرفته عن القلب، فكان هذا ضد للغرض ونقيضا المطلوب - والله أعلم - )(١). ثم مضى موسى - عليه السلام - يستنكر عليهم هذا الطلب، ويبين لهم أن الله وحده هو المستحق للعبادة فقال: ( أغير اللّه أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين ). أى قال موسى - عليه السلام مذ كرا قومه بنعم الله عليهم الموجبة لإفراده بالعبادة والخضوع أغير الله أطلب لمكم معبوداً أحملكم على العبودية له ، وهو فضلكم على عالمى زمانكم ، وقد كان الواجب عليكم أى تخصوه بالعبادة، كما إختصكم هو بشتى النعم الجليله . فالاستفهام فى الآية الكريمة للافكار المشرب معنى التعجب لابتغاتهم معبودا سوى الله - تعالى - الذى غمرهم بنعمه، وأحاطهم بألوان إحسانه . و((غيره، كما قال الجمل - منصوب على أنه مفعول به لأ بغيكم على حذف اللام والتقدير: أأبغى لكم إلها ، فذا حذف الحرف وصل الفعل بنفسه وهو غير منقاس. و ((إلها)) تمييز لغير. ثم ذكرهم - سبحانه - بنعمة إنجائهم من العذاب والتنكيل، ليبتليهم (١) تفسير الرازى جـ ٤ ص ٢٩١ - ١٧٤ - أيشكرون أم يكفرون، فقال تعالى: (وإذ أنحيناكم من آل فرعون یسومونکم سوء العذاب ، يقتلون أبناءكم ویستحیون نساءکم وفی ذلکم بلاء من ربكم عظيم). ((إذ)) بمعنى وقت، وهى مفعول به لفعل ملاحظ فى الكلام وهو أذكروا أى: أذكروا وقت أن أنجينا كم من آل فرعون . والمراد من التذكير بالوقت تد كيرهم بما وقع فيه من أحداث . وآل الرجل: أهله وخاصته وأتباعه. ويطلق غالباً على أولى الشأن والخطر من الناس ، فلا يقال آل الحجام أو الاسكاف. و ((يسومونكم سوء العذاب)) يبغون لمكم أشد العذاب وأفظعه من السوم وهو مطلق الذهاب، أو الذهاب فى إبتغاء الشىء. يقال: ساعت الابل فهى سائمة ، أى ذهبت إلى المرعى . وسام السلعة، إذا طلبها وابتغاها . والسوء - بالضم - كل ما يحزن الانسان ويغمه من الأمور الدنيوية أو الأخروية . ويستحيون: أى يسقبقون. يقال: إستحياه أى: إستبقاه، وأصله: طلب لة الحياة والبقاء. والبلاء: الامتحان والاختبار ويكون بالخير والشر . والمعنى: واذكروا يا بنى إسرائيل لتعنبروا وتتعطوا وتشكروا الله على نعمه وقت أن أنجيناكم من آل فرعون الذين كانوا يعذبونكم أشق العذاب وأصعبه، حيث كانوا يزهقون أرواح ذكوركم، ويستبقون نفوس نسائكم ليستخدموهن ويستذلوهن. وفى ذلكم العذاب وفى النجاة منه إمتحان لكم لتشكروا الله على نعمه، ولتقطعوا عن السيئات التى تؤدى بكم إلى الاخلال فى الدنيا ، والعذاب فى الآخرى . وجعلت النجاة هنا من آل فرعون ولم تجعل منه، مع أنه هو الآمر بتعذيب بنى إسرائيل، للتنبيه على أن حاشيته وبطانته كانت عونا له على إذاقتهم سوء العذاب ، وفى إنزال ألوان الاذلال بهم. وجملت الآية الكريمة إستحياء النساء عقوبة لبنى إسرائيل - مع أنه - ١٧٥ - فى ظاهره نعمة لهم - لأن هذا الابقاء على النساء كان المقصود منه الاعتداء على أعراضهن، واستعمالهن فى شتى أنواع الخدمة، وإذلالهن بالاسترقاق، فبقاؤهن كذلك بقاء ذليل ؛ وعذاب أليم ، تأباه النفوس الكريمة، والطباع الحرة الأبية . قال الامام الرازى ما ملخصه : فى قتل الذكور دون الاناث مضرة من وجوه : أحدها: أن ذبح الأبناء يقتضى فناء الرجال ، وذلك يقضى إنقطاع النسل، لأن النساء إذا إنفردن فلا تأثير لهن البته فى ذلك، وهذا يقضى فى نهاية الأمر إلى هلاك الرجال والنساء جميعا. ثانيها : أن هلاك الرجال يقتضى فساد مصالح النساء فى أمر المعيشة . فإن المرأة لتتمنى الموت إذا انقطع عنها الرجال. لما قد تقع فيه من فكد العيش بالانفراد. ثالثها : ان قتل الولد عقب الحمل الطويل، وتحمل الكد، والرجاء القوى فى الانتفاع به من أعظم العذاب . فنعمة الله فى تخليصهم من هذه المحنة كبيرة. رابعاً: ان بقاء النساءبدون الذكر ان من أقاربهن، يؤدى الىصير ورتهن مستفرشات للأعداء. وذلك نهاية الذل والهوان (١) وقد رجح كثير من المفسرين ان المراد بالأبناء هنا الأطفال البالغين ، لأن اللفظ من حيث وضعه يفيد ذلك ، ولأن قتل الرجال لايفيدم حيث انهم كانوا يستعملونهم فى الأعمال الشاقة والحقيرة ، ولأنه كان المقصود بالذبح الرجال لما قامت ام موسى بإلقاته فى اليم وهو طفل صغير لتنجيه من الذبح . ويرى بعض المفسرين أن المراد بالأبناء الرجال الأطفال، لأن لفظ الأبناء هنا جعل فى مقابلة النساء ، والنساء هن البالغات . (١) تفسير الفخر الرازى ج ١ ص ٣٨٥ - ١٧٦ - والذى نرجحه هو القول الأول لما ذكرنا، ولأنه أتم فى إظهار نعمة الانجاء، حيث كان آل فرعون يقتلون الصغار قطعاً للنسل ، ويسترقون الأمهات إستعباداً لهن ، ويبقون الرجال للخدمة حتى ينقرضوا على سبيل التدرج ، وبقاء الرجال على هذه الحالة أشد عليهم من الموت. وبهذا تكون الآيات الكريمة قد ردت على بنى إسرائيل فيما طلبوا أبلغ رد وأحكمه ، ووصفتهم بما هم أهله من سوء تدبير، وسفاهة تفكير . فقد بدأت بإثبات جهلهم بربهم وبأنفسهم، حيث طلبوا من نبيهم أن يجعل هم الها كما لغيرهم آلهة ، ثم ثنت بإظهار فساد ما طلبوه فى ذاته، لأن مصيره الى الزوال والهلاك ، وما كان كذلك لا يصلح أن يكون الهائم بينت بعد ذلك بأن العبادة لغير الله لا تجوز بأى حال ، لأنه هو وحده صاحب الخلق والأمر ، ثم ذكرتهم فى ختامها بوجوه النعم التى أسبغها الله عليهم، لتشعرهم بأن ماطلبوه من نبيهم ، هو من قبيل مقابلة الاحسان بالجحود والنكران، ولتحملهم على أن يتدبروا أمرهم ، ويراجعوا انفسهم، ويقوبوا لى خالقهم توبة صادقة نصوحا. ان كانوا من ينتفع بالعظات ويعتبر بالمثلات. ثم حكت لنا السورة الكريمة بعد ذلك مشهد تطلع موسى - عليه السلام- للقاهرة ، ووصيته لأخيه هارون قبل ذهابه لهذا اللقاء العظيم فقالت : (وَوَاعَدْنَ مُوسَى ثَلاَئِنَ لَيْلَةٌ وَأَنْتَمْنَهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَتُ رَبَّهِ. أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، وَقَالَ مُوسَى لْأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلا تَتْبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ (١٤٢) وَلَّمَّا جَاءَ مُوسَى لِيقَاتِناً وَكَلَّهُ رَبِّه قالَ رَبُّ أَرٍْ أَنْظُرْ إلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِى وَلَكِنْ انْظُرْ إِلَى الْجَبَل فإِنِ اسْتَقَرَّ مكَنَهُ فَسَوْفَ تَرَابِى، فلمَّا تَعَلَّى رَبُّهُ الجَبَلِ جَعَهُ - ١٧٧ - وَكَاً وَخَرَّ مُوسَى صَعقَاً، فَلَمَّا أَفَقَ قالَ سُبْحَانَكَ تُبْتَ إليكَ وَأَنَا أَوَّلُ المُؤمِنِينَ (١٤٣) قَالَ مُوسَى إِنِّى اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النّاسِ بِرِسَالاًٍ، وَبِكَلاَمِ فَخُذْ مَا آتبتُكَ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَكَتَبْنَلَهُ فى الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكَلِّ شَىْءٍ فَخَذْهَا بِقُوَّةٍ وَأُمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَهاَ سَأُورِيِكُمْ دَارَ الفَاسِقِينَ (١٤٥))). قال صاحب الكشاف : ((روى أن موسى - عليه السلام - وعد بنى إسرائيل وهو بمصر، إن أهلك الله عدوهم أتاهم بكتاب من عند الله، فيه بيان ما يأتون وما يذرون، فلما هلك فرعون سأل موسى ربه الكتاب «أمره بصوم ثلاثين يوما وهو شهر ذى القعدة، فلما اتم الثلاثين أفكر خلوف فمه فتسوك . فقالت له الملائكة : كنا نشم من فمك رائحة المك فأفسدته بالسواك فأمره الله - تعالى - أن يزيد عليها عشرة أيام من ذى الحجة لذلك. وقيل امره الله أن يصوم ثلاثين يوما وان يعمل فيها بما يقربه من الله ثم أنزل الله عليه فی العشر التوراة و كلمه فيها(١) » . والمواعدة مفاعلة من الجانبين، وهى هنا على غير بابها، لأن المراد بها هنا أن الله - تعالى - أمر موسى أن ينقطع لمناجاته أربعين ليلة تمهيداً لإعطائه التوراة ، ويؤيد ذلك قراءة ابى عمرو ويعقوب ((وعدنا)). وقيل المفاعلة على بابها على معنى ان الله- تعالى - وعدنبيه موسى ان يعطيه التوراة وامره بالحضور للمناجاة فوعد موسى ربه بالطاعة والامتثال ، وقوله (( ثلاثين)) مفعول ثان لواعدنا بحذف المضاف، أى: إنمام ثلاثين ليلة او إتيانها . (١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٠١٥١ ١٢٠ - سورة الأعراف) -١٧٨ - والضمير فى قوله «وأثمعناها بعشر، يعود على المواعدة المفهومة من قوله (( وأعدنا، أى: وأتممنا مواعدته بعشر، أو أنه يعود على ثلاثين: وحذف تمييز عشر لدلالة الكلام عليه، أى: وأتمعناها بعشر ليال . و« أربعين، منصوب على الحالية أى. قتم ميقات ربه بالغاً أربعين ليلة. تم حكى - سبحانه - ماوصى به موسى أخاه هارون فقال: ، وقال هوسی لأخيه هارون أخلفنی فی قومى ، أى : قال موسی لأخيه هارون حين استودعه ليذهب لمناجاة ربه: کن خلیفتی فی قومى ، وراقبهم فيما يأتوزويذرون فإنهم فى حاجة إلى ذلك لضعف إيمانهم ، واستيلاء الشهوات والأهواء عليهم « وأصلح ولا تتبع طريق المفسدين الذين إن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا ، وإن يروا سبيل الغى يتخذوه سبيلا . وإننا لنلمح من هذه الوصية أن موسى - عليه السلام - كان متوقعاً شراً من قومه ، ولقد صح ما توقعه، فإنهم بعد أن فارقهم موسى استغلواجانب اللين فى هارون فعبدول عجلا جسداً له خوار صنعه لهم السامرى .. ثم حكى القرآن ما كان مو موسى عندما وصل إلى طور سيناء لمناجاة ربه فقال: ((ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمهربه، أى: وحين حضر موسى لموقتنا الذى وقتناه له وحددناه ، وكلمه ربه، أى: خاطيه من غير واسطة ملك ((قال رب أرنى أنظر إليك، أى : قال موسى حين كلمه ربه وسمع منه: رب أرنى ذاتك الجليلة. والمراد : مكنى من رؤيتك. أو تجل لى أنظر إليك وأراك. و((أرني)) فعل أمر مبنى على حذف الياء وياء المتكلم مفعول، والمفعول الثانى محذوف أى: ذاتك او نفسك ولم يصرح به لأنه معلوم ، وزيادة فى التأدب مع الخالق - عز وجل -. وجملة ((قال لن ترانى)، مستأنفة إستثنافاً بيانيا، كأنه قيل: فإذا قال - ١٧٩ - الله - تعالى - حين قال موسى ذلك، فكان الجواب ((قال لن ترانى، أى: لن تطيق رؤيتى ، وأنت فى هذه النشأة وعلى الحالة التى أنت عليها فى هذه الدنيا فنفى الرؤية منصب على الحالة الدنيوية ، أما فى الآخرة فقد ثبت فى الأحاديث الصحيحة أن المؤمنين يرون ربهم فى روضات الجنات . ثم قال - تعالى - ((ولكن أنظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف زانى ، أى: لن تطيق رؤيتى ياموسى وأنت فى هذه الحياة الدنيا، ولكن أنظر إلى الجبل الذى هو أقوى منك، فإن استقر مكانه أى ثبت مكانه حين اتجلى له ولم يتفتت من هذا التجلى، فسوف ترانى أى تثبت لرؤينى إذا تجليت لك وإلا فلا طاقة لك برؤيتى . وفى هذا الاستدراك ,ولكن أنظر ... الخ)، قلية لموسى - عليه السلام - وتلطف معه فى الخطاب، وتكريم له ، وتعظيم لأمر الرؤية، وأنه لا يقوى عليها إلا من قواه الله بمعونته . ثم بين - سبحانه - ما حدث للجيل عند التجلى فقال: ((فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا، أى: فين ظهر فوره - سبحانه - للجبل على الوجه اللائق بجلاله , جعله دكا، أى مدقوقا مفتتا، فنبه - سبحانه - بذلك على أن الجبل مع شدته وصلابة مادام لم يستقر عند هذا التجلى، فالآدمى مع ضعف بنيته أولى بأن لا يستقر. والدك والدق بمعنى، وهو تفتيت الشىء وسحقه وفعله من باب رد . قال الآلوسى: وهذا كما لا يخفى من المقشابهات التى يسلك فيها طريق التسليم وهو أسلم وأحكم، أو التأويل بما يليق بجلال ذاته - تعالى -. وقوله (( وخر موسى صعقا، أى: سقط من هول مارأى من النور الذى حصل به التجلى مغشيا عليه ، كمن أخذته الصاعقه . جقال: صعقتهم السماء تصمقهم صعقا فهو صعق أى: غشى عليه : - ١٨٠ - وقوله: (( فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين)) أى: فلما أفاق موسى من غشيته، وعاد إلى حالته الأولى التى كان عليها قبل أن يخرمغشيا عليه، قال تعظيما لأمر الله (( سبحانك، أى تنزيها لك من مشابهة خلقك فى شىء (تبت إليك)) من الإقدام على السؤال بغير إذن ,وأما أول المؤمنين، بعظمتك وجلالك أو وأنا أول المؤمنين بأنه لايراك أحد . قال أبو العالية : قد كان قبله مؤمنون: ولكن يقول أنا أول المؤمنين أنه لا يراك أحد من خلقك إلى يوم القيامة . قال ابن كثير : وهو قول حسن. هذا، وقد توسع بعض المفسرين عند تفسيره لهذه الآية فى الحديث عن رؤية الله - تعالى - وعلى رأس هذا البعض الإمام الآلوسى، فقد قال - رحمه الله -: ((واستدل أهل السنة المجوزون لرؤيته - سبحانه - بهذه الآية على جوازها فى الجملة ، واستدل بها المعتزلة النفاة على خلاف ذلك ، وقامت. الحرب بينهما على ساق، وخلاصة الكلام فى ذلك أن أهل السنة قالوا : إن الآية تدل على إمكان الرؤية من وجهين: الأول: أن موسى - عليه السلام- سألها بقوله «رب أرنى أنظر إليك، ولو كانت مستحيلة فإن كان موسى عالما. بالإستحالة فالعالم فضلا عن النبى مطلقا، فضلا عمن هو من أولى العزم لا يسأل. لمحال ولا يطلبه . وإن لم يكن عالما بذلك ، لزم أن يكون آحاد المعتزلة أعلى باقه وما يجوز عليه ومالا يجوز من النبى الصفى، والقول بذلك غاية الجهل والرعونة و حيث بطل القول بالإستحالة تعين القول بالجواز. والثاني: أن فيها تعليق الرؤية على استقرار الجيل وهو ممكن فى ذاته . ما علق على الممكن ممكن)). ؛ ثم قال ما ملخصه: واعترض الخصوم على الوجه الأول بوجوه منها أنا لا أعلم أن موسى سأل الرؤية وإنما سأل العلم الضرورى به - تعالى - إلا أنه بر عنه بالرؤية مجازاً ... أو أنه سأل رؤية علم من أعلام الساعة بطريق