النص المفهرس
صفحات 141-160
- ١ ١٤ - عما دار بين موسى وبين بنى إسرائيل من مجادلات تدل على أصالتهم فى الكذب والافساد والفسوق عن أمر الله. والآن فلنستمع إلى السورة الكريمة وهم تحكى لنا قصة موسى مع فرعون ومع بنى إسرائيل فى نحو سبعين آية تبدؤها بقوله - تعالى - : « ثُمَّ بَعَثْنَ مِنْ بَعْدِمٍ مُوسَى بِآياتِاَ إلى فِرْءَونَ ومَائِهِ فَظَلُوا بها فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عاقِبَةُ المَفْسِدِينَ (١٠٣) وقالَ مُوسَى يَا فِرْعون إنّىِ رسولٌ مِنْ رَبِ العَمِينَ (١٠٤) حقيقٌ عَلَى أنْ لاَ أَقولَ عَلَى اللهِ إِلَّ الْحُقَّ قَدْ جِثْتُكُمْ بِبَيِّئَةٍ مِنْ رَبِكَ فَأَرْسِلِ مَعِىَ بَنِي إِسْرَاءِلَ (١٠٥) قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بَآيةٍ ذَأْتِ بها إن كنتَ منَ الصَّادقين (١٠٦) فَأَلْقَى عَصَاءُ فإِذَا هِىَ ثُعْبَذٌ مبينٌ (١٠٧) ونَزَعَ يَدَهُ فإذَا هِىَ بَيْضَاءُ النَّاظر من (١٠٨) قالَ الملأُّمِنْ قَوْمٍ فَرْعَون إنَّ هْذَا لسَاحِرٌ عليمٌ (١٠٩). يرِيدُ أَنْ يُخْرِجِكم مِنْ أَرْضِكُمْ فَاذَا تَأْمُرُونَ (١١٠) قالُوا أَرْجَهْ وأخاهُ وأَرْسِلْ فِى المَدَأْن حَشرِينَ (١١١) يَأْوكَ بِكَلُ سَاحِرٍ عليمِ (١١٢) وجاء السَّحْرَةُ فرعونَ قالوا إنَّ لنا لأجراً إِنْ كُنَّا نحنٌ الغَلِينَ (١١٣) قالَ تَعَمْ وإنكُمْ لَمِنَ المُقَرَّبِينَ (١١٤) قَالُوا يا مُوسَى إِمَّ أَنْ تُلْقِىَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نحنُ الْمُلْقِنَّ (١١٥) قَالَ ألقوا فَلَمَا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَّ النَّاسِ وَاستَّرْهَبُومْ وَجَاءُوا بسحر عظيمٍ (١١٦) وَأَوْحَيْنَاَ. إلَى مُوسَى أنْ أَلْقِ عَصَّاكَ فَإِذَا هِى تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ الحقُّ وبطّلَ ما كانوا يْمَلُونَ (١١٨) فَغَلِبُوا هُنَلكَ وانقلبُوا صَغِرِينَ (١١٩) وأُلْقِىّ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠) قَالُوا آَمْنَا بِرَبُ - ١٤٢ - العَلمينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَرونَ (١٢٢) قَالَ فِرْعَونُ آمنتُم بِه قَبَلَ أَنْ آذَنَ اكم، إنَّ هَذَا لمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فى المدينَةِ لتُخْرِجُوا مِنْهَاَ أَهْلَهَا فَسَوفَ تعلّمُونَ (١٢٣) لأقَطَّمَنَّ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلكم مِنْ خِلَفٍ ثُمَّ لأصلِّبْتَكِ أَثْجَمِينَ (١٢٤) قَلُوا إِذَّ إلى رَبْنَا مُنْقَلِونَ (١٢٥) وما تَنَقِمَ منَّا إِلاَّ أَنْ آمنًّا بِآيَاتٍ رَبْئَ لَمَّا جَتْنَ رَبْنَ أفْرِغْ عَلَيْنَاَ صَبْراً وتوقّنًا مُسْلمينَ (١٢٦))). هذا هو الدرس الأول من قصة موسى مع فرعون وفيه نرى مادار بين موسى وفرعون من محاورات، ومادار بين موسى والسحره من مناقشات ومساجلات أنتهت بإيمان السحرة وهم يضرعون إلى الله بلسان صادق ، وقلب سليم فيقولون - كما حكى القرآن عنهم -: «ربنا أفرغ علينا صبراً وتوفنا مسلمين)). ولنبدأ فى تفسير آيات هذا الدرس من أولها فنقول: قوله - تعالى - , ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه)) معطوف على ما قبله من قصص الأنبياء الذين تحدثت عنهم السورة الكريمة. وموسى - عليه السلام - هو ابن عمران من نسل لاوى بن يعقوب. ويرى بعض المؤرخين أن ولاده موسى كانت فى حوالى القرن الثالث عشر قبل الميلاد، وان بعثته كانت فى عهد منفتاح بن رمسيس الثانى . وفرعون: لقب لملوك مصر القدماء ، كلقب قيصر لملوك الروم ، وكسرى لملوك الفرس ، والمعنى : ثم بعثنا من بعد أولئك الرسل الذين سبق الحديث عنهم - وهم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب - بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا التى تدل على صدقه فيما يبلغه عن ربه إلى فرعون وملئه، وهم أشراف قومه ، ووجهاء دولته . قال بعض العلماء: ((ولم يقل - سبحانه - إلى فرعون وقومه ، لأن الملك ورجال الدولة هم الذين كانوا مستبعدين لبنى إسرائيل، وبيدم امرم، - ١٤٣ - وليس لسائر المصريين من الأمر شىء، ولأنهم كانوا مستعيدين - أيضا ولكن الظلم على بنى إسرائل الغرباء كان أشد (١))). وقوله « بآياتنا، متعلق بمحذوف وقع حالا من مفعول بعثنا، أو صفة لمصدره. أى: بعثناه - عليه السلام - ملتبسا بها. أو بعتناه بعضاً ملتبأ بها. والمراد بها الآيات القسع وهى العصا، واليد البيضاء، والسنون، ونقص الثمرات ، والطوفان ، والجراد ، والقمل، والضفادع والدم. ثم بين - سبحانه - فى الآية الأولى من هذه القصة كيف تلقى فرعون وملؤه دعوة موسى وآياته فقال:( فظلوا بها، أى: فكفروا بهذه الآيات تكبرا وجحوداً ، فكان عليهم وزر ذلك ، وقد عدى الظلم هنا بالباء مع أنه يتعدى بنفسه لتضمنه معنى الكفر، إذهما من واد واحد قال - تعالى - إن الشرك لظلم عظيم،. ويجوز أن تكون الباء للسبية والمفعول محذوف ، أى : ظلموا أنفسهم بسببها بأن عرضوها للعقاب المهين . أو ظلموا الناس بصدهم عن الإيمان بهذه الآيات ، واستمروا على ذلك إلى أن حق عليهم العذاب الأليم، ثم ختمت الآية بالأمر بالتدبر فى أحوال هؤلاء الظالمين وفيما حل بهم من سوء المصير فقال - تعالى - فانظر كيف كان عاقبة المفسدين ، أى : فانظر أيها الرسول الكريم - أو أيها العاقل - كيف كانت عاقبة فرعون وملئه الذين أفسدوا فى الأرض ، لقد أخذهم الله بذنوبهم فأغرقهم فى اليم، وموسى وقومه ينظرون اليهم ، وتلك عاقبة كل من طغنى وآثر الحياة الدنيا . ووضع - سبحانه - المفسدين موضع ضميرهم للإيذان بأن الظلم مستلزم للافساد . و((كيف)) خبر لكان مقدم عليها لاقتضائه الصدارة. وعاقبة، (١) تفسير المنار = ٩ ص ٢٩ ٠ ١٤٤ - إسمها ، وهذه الجملة الاستفهامية فى محل نصب على إسقاط. حرف الجر، إذ التقدير : فانظر بعين عقلك إلى كيفية ما فعلناه بهم. وهكذا نرى السورة الكريمة زينا فى أول آية من هذه القصة الغرض الذى سيقت من أجله وهو التدبر فى عواقب المكذبين ، والتخويف من المصير الذى ساروا اليه، وتنهى الناس فى كل زمان ومكان عن السير على منوالهم . والسورة الكريمة عندما ترينا ذلك فى مطلع هذه القصة تكون متناسقة كل التناسق مع أسلوبها الذى إختارته فى دعوة الناس إلى وحدانية الله وإلى مكارم. الأخلاق ، وهو أسلوب التذكير بالنعم، والتحذير من عواقب الظلم والطغيان - كما سبق أن أشرنا إلى ذلك فى التمهيد بين يدى السورة - ثم بعد هذا التنبيه الاجمالى إلى مآل المفسدين، أخذت السورة تحكى لنا ما دار بين موسى - عليه السلام - وبين فرعون بصورة مفصلة فقالت : (((وقال موسى يافرعون إنى رسول من رب العالمين، أى: قال موسى - عليه السلام - الفرعون فى أدب وإعتزاز إنى رسول من رب العالمين، أرسانى إليك لأدعوك لعبادته والخضوع له . ثم بين له أنه بمقتضى هذه الرسالة لا يقول إلا كلمة الحق فقال: ((حقيق على الا أقول على الله إلا الحق)) أى: جدير بالالقول على الله إلا القول الحق و((حقيق)): صفة ((رسول)) او خبر لمبتدأ محذوف أى: أنا حقيق. أو خبر بعد خبر. و ((على)) بمعنى الباء. وقرأ بى. حقيق بأن لا أقول على الله إلا الحق، وقرأ عبد الله ابن مسعود ( حقيق ألا أقول .... وقرأ نافع (( حقيق على ان لا أقول على الله إلا الحق)) أى: واجب وحق على ان لا اخبر عنه - تعالى - إلا بما هو حق وصدق . ثم قال: ((قد جئتكم ببينة من ربكم، أى: قد جئتكم بحجة قاطعة من الله أعطانيها دليلا على صدقى فيما جئتكم به. وفى قوله ( من ربكم إشعار بأن ما جاء به من حجج وبراهين لم يكن من صنعه. وإنما هو من عندرب العالمين ، الذي بيده ملكوت كل شىء . - ١٤٥ - ((فأرسل معى بنى إسرائيل، أى: قد جئتكم بينة عظيمة الشأن فى الدلالة على صدقى . فأطلق بنى إسرائيل من أسرك واعتقهم مزرفك وقبرك، ودعهم يخرجون أحراراً من تحت سلطانك ليذهبوا معى إلى دار سوى دارك. وإلى هنا يكون موسى - عليه السلام - قد بين لفرعون طبيعة رسالته وطالبه برفع الظلم عن المظلومين فماذا كان رد فرعون . يحكى القرآن رده فيقول: « قال إن كنت جئت بآية، أى: بمعجزة تشهد بصدقك من عند من أرسلك كما تدعى ((فأت بها، أى: فأحضرها عندى ليثبت بها صدقك فى دعواك ((إن كنت من الصادقين)) فى دعواك أنك من الملتزمين لقول الحق . وعبر بأن المفيدة للشك فى تحقيق مضمون الجملة الشرطية ، للابذان بأنه ليس معتقداً فى صدق موسى - عليه السلام. وهذا يحكى لنا القرآن ما أسرع بفعله موسى للرد على فرعون فقال : ((فألقى عصاه فإذا هى ثعبان مبين): أى فألقى موسى عصاه التى كانت بيده أمام فرعون فإذا هى ثعبان مبين ، أى : ظاهر بين لاخفاء فى كونه نعباناً حقيقياً يسعى فى خفة وسرعة كأنه جان . والثعبان الذكر العظيم من الحيات، وقيل: إنه الحية مطلقا: وقد ذكر بعض المفسرين روايات عن ضخامة هذا الثعبان وأحواله ، إلا أننا أضر بناعنها صفحا لضيفها . ثم حكى القرآن معجزة أخرى لموسى تشهد بصدقة فقال: «ونزع يده فإذا هى بيضاء للناظرين ، النزع: إخراج الشىء من مكانه. أى: وأخرج موسى يده من درعه بعد أن أدخلها فيه أو من طوق فيصه ، أو من إبطه فإذا هى بيضاء بياضاً عجيباً خارق للعادة من غير أن يكون بها عله ((ن مرض أو غيره . قيل: إنه كان لها شعاع يغلب ضوء الشمس: (١٠ - سورة الأعراف) - ١٤٦ - قال الألوسى: قوله (( فإذا هى بيضاء للناظرين)) أى: بيضاء بياضنا نورانيا خارجا عن العادة يجتمع عليه النظار .. وقيل المعنى: بيضاء لأجل النظار لا أنها بيضاء فى أصل خلقتها، لأنه - عليه السلام - كان آدم - أى أسمر - شديد الأدمة فقد أخرج البخارى عن عبد الله بن عمر قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ((وأما موسى فآدم جثيم سط كأنه من رجال الزط، وعنى - صلى الله عليه وسلم - بالزط جنسا من السودان والهنود(١))). وبذلك يكون موسى قد أتى بالبيئة التى تدعو فرعون وملأه إلى الإيمان به فهل آمنوا؟ كلا إنهم ما آمنوا بل استمروا فى ضلالهم، وحكى لنا القرآن أن حاشية فرعون السيئة ، وأصحاب الجاه والغنى فى دولته غاظهم ما جاءبه موسى.، يدل على ذلك قوله - تعالى - ,قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم ). أى: قال الأشراف من قوم فرعون إن هذا الساحر عليم، أى: رأسح فى علم السحر ، ماهر فيه. ولم يكتفوا بهذا القول الباطل ، (ل أخذوا يثيرون الناس على موسى، ويهولون لهم الأمر ليقفوا فى وجهه فقالوا , يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره)). أى: يريد هذا الساحر أن يسلب منكم ملككم، وأن يصبح هو ملكاعلى مصر، فماذا تأمرون ، لانقاء هذا الخطر الداهم ؟ وبماذا تشيرون فى أمره ؟ فهو من الأمر بمعنى المشاورة. يقال: آمرته فآمربى. أى: شاورته فأشار على. قال صاحب الكشاف : فإن قلت قد عزى هذا الكلام إلى فرعون فى سورة الشعراء حيث قال: (( قال للملا حوله - أى قال فرعون للملأ حوله . إن هذا لساحر عليم . يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون؟ وهنا عزى إلى الملأ فكيف الجمع، قلت : قد قاله هو وقالوه هم فحكى قوله هناك (١) تفسير الآلوسي ج ٨ ص ٢١ - ١٤٧ - وقولهم ههنا. أو قاله ابتداء فتلقته منه الملأ فقالوه لأعقابهم. أو قالوه عنه الناس عن طريق التبليغ كما يفعل الملوك، يرى الواحد منهم الرأى فيكلم به من يليه من الخاصة ، ثم تبلغه الخاصة العامة .. وقولهم: ((فماذا تأمرون، من أمرته فأمرنى بكذا إذا شاورته فأشار عليك براى: وقيل: ((فماذا تأمرون)) من كلام فرعون، قاله للملألما قالوا له: إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم، كأنه قيل: فماذا تأمرون؟ فأجابوه: ارجه واخاه .. ))(١). ثم حكى القرآن ما أشار به الملأ من قوم فرعون فقال : قالوا ارجه وأخاه وارسل فى المدائن حاشرين . يأتوك بكل ساحر عليم). ارجه: اصله أرجئه - وقد قرىء به - حذفت الهمزة وسكنت الهاء ، شبيها للضمير المنفصل بالضمير المتصل. والإرجاء التأخير. يقال: ارجيت هذا الأمر وارجأته، إذا اخرته . ومنه (( ترجى من تشاء منهن)). والمدائن: اى: البلاد جمع مدینة ، وهی من مدن بالمكان - کنصر - إذا أقام به، و((حاشرين)) أى: جامعين، يقال. حشر الناس - من باب قصر وضرب - يحشرم حشرا إذا جمعهم، ومنه: يوم الحشر والحشر. والمعنى: قال الملأ من قوم فرعون حين استشارهم فى أمر موسى: أخر أمره وأمر أخيه ولا تتعجل بالقضاء فى شأنهما , وأرسل فى مدائن ملكك رجالا أو جماعات من الشرطة يجمعون إليك لسحرة المهرة، لكى يقفوا فى وجه هذا الساحر العليم، ويكشفوا عن سحره ويبطلوه بسحر مثله أو أشد، وكان السحر فى عهد فرعون من الأعمال الغالية التى يحسنها كثير من أهل ملكته. وقال بعضهم: الأمر بالتأجير دل على أنه تقدم منه أمر آخر ، وهو الهم جقته ، فقالوا له: أخره ليتبين حاله للناس . ١٠١تفسير الكفاف ج ٢ ص ١٣٩ - ١٤٨ - وقال الجشمى : تدل الآية على معجزة عظيمة لموسى ، وتدل على جهل فرعون وقومه، حيث لم يعلموا أن قلب العصاحية تسعى لا يقدر عليه إلا الله وتدل على أن من عادة البشر أن من رأى أمراً عظما أن يعارضه، فلذلك دعا فرعون بالسجرة ... وتدل على أنهم أنكروا أمره محافظة على الملك والمال، لذلك قالوا « يريد أن يخرجكم من أرضكم، فيدل على أن من أقوى الدواعى إلى ترك الدين ، المحافظة على الرياسة والمال والجاه كما هى عادة الناس فى هذا الزمن » (1) . وقوله (( فى المدائن، متعلق بأرسل, ومحاشرين) نعت لمحذوف أى: رجالا حاشرين . ومفعوله محذوف. أى: حاشرين السحرة بدليل ما بعده. ولا يذكر السياق القرآ نى بعد ذلك أنهم أرسلوا إلى السحرة ، ولا أنهم جمعوهم ، وإنما يترك ذلك للعقل يفهمه حيث لا داعى لذكر هذه التفاصيل. ويتجه القرآن إلى الحديث عما دار بين السحرة وبین فرعون بعد أن جمعوا من مدائن الصعيد بمصر حيث كان مقرهم هناك فيقول : ((وجاء السحرة فرعون قالوا: إن لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين . قال: نعم وإنسكم لمن المقربين،. أى: وأقبل السحرة سريعا على فرعون بعد أن أرسل إليهم فقالوا له بلغة المحترف الذى مقصده الأول مما بعمله الأجر والعطاء: إن لنا لأجرأ عظما إن كانت لنا الغلبة على هذا الساحر العليم ؟ فهم يستوثقون أولا من جزالة الأجر وضخامته . وهنا يجيبهم فرعون بقوله: نعم لكم أجر مادى جزيل إذا انتصر ثم عليه، وفضلا عن ذلك فأنتم تكونون بهذا الانتصار من الظافرين بقربى وجواري . فهو يغريهم بالأجر المادى ويعدهم بالقرب المعنوى من قلبه تشجيعا لهم على الإجادة، وهو وهم لا يعلمون أن الموقف ليس موقف الاحتراف (١) تفسير القاسمى = ٤ ص ٢٨٣٣ - ١٤٩ - والمهارة والتضليل، وإنما هو موقف المعجزة والرسالة والاتصال بالقوة الغالبة التى لا يستطيع الوقوف فى وجهها الساحرون ولا المتجبرون وغيرهم. هذا، وقد إختلف المفسرون فى عدد هؤلاء السحرة فقبل، كانوا إثنين وسبعين ساحراً ، وقيل كانوا أكثر من ذلك بكثير . وبعد أن إطمأن السحرة على الأجر ، وتطلعت نفوسهم اليه ، يحكى لنا القرآن أنهم توجهوا إلى موسى يقولون له بلغة الواثق من قوته ، المتحيدى لخصمه: (( ياموسى إما أن تلقى وإما أن نكون نحن الملقين)). أى: أنت ياموسى مخير بين أن تلقى عصاك أولا؛ وبين أن نلقى نحن أولا وأنت تفعل ما تشاء عدنا، وكأنهم يقولون له: وفى كلتا الحالتين فنحن على ثقة من الفوز والنصر فارح نفسك وإستسلم انا مقدما. ويرى الزمحشرى أن تخييرهم إياه أدب حسن راءوه معه، كما يفعل أهل الصناعات إذا التقوا كالمتناظرين قبل أن يتخاوضوا فى الجدال، والمتصارعين قبل أن يتآخذوا فى الصراع (١) ولقد حكى لنا القرآن فى سورة طه أن موسى نصحهم بعدم الدخول معه فى معركة هم الخاسرون فيها قطعا فقال: (( قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على اله كذبا فيستحكم بعذاب وقد خاب من إفترى ، (٢) أما هذا فيحكى لنا انقرآن أن موسى - عليه السلام - قد طلب منهم أن بلقوا أولا مستهينا بتحديهم له، غير مبال بهم ولا بمن جمعهم، لأنه قد اعتمد على خالقه , قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم ». (١) تفسير الكثاف حـ ٢ ص ٠١٤٠ (٢) الآ ية ٦١ من سورة طه . - ١٥٠ - أى: قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون أولا ، فلما ألقواما كان معهم من الحبال والعصى ((سحروا أعين الناس، أى: خيلو إلى الأبصار أن ما فعلوه له حقيقة فى الخارج مع أنه لم يكن إلا مجرد صفعة وخيال، ولذا لم يقل - سبحانه - سحروا الناس . وقوله (( واسترهبوهم، أى: خوفوهم وأفزعوهم بما فعلوا من السحر. « وجاءوا بسحر عظيم، أى: فى باب السحر، أو فى عين من رآه، فإنه ألقى كل واحد منهم عصاه. فصارت كأنها ثعابين . والتعبير بقوله - سبحانه - ((واسترهجوم، تعبير مصور بليغ، فهو يوحى بأنهم أستجاشوا وجدان الناس قسرا، وساقوهم سوقابوسائل مصطنعة مفتعلة لا تستند إلى واقع سليم . روى أنهم ألقوا حبالا غلاظا وخشبا طوالا ، فإذا حیات کأمثال الجبال قد ملات الوادى يركب بعضها بعضاً . وروى أنهم لونوا حبالهم وخشبهم وجعلوا فيها ما يوهم الحركة . قيل . جعلوا فيها الزئبق . وقال بعض العلماء : قيل إنها كانت عصيا مجوفة قد ملئت زئبقا، وقد حفروا قبل ذلك تحت المواضع أسراباً ملؤها نارا، فلماطرحت عليها العصى المجوفة المملوءة بالزئبق حركها ، لأن شأن الزئبق إذا أصابته النار أن يطير، فأخبر الله أن ذلك كان موها على غير حقيقته ... فعلى هذا يكون سحرم لأعين الناس عبارة عن هذه الحيلة الصناعية)، (١) ويمضى القرآن فيبين لنا أن هذا السحر العظيم الذى أسترهب الناس وسحر أعينهم، قد تهاوى فى لحظة، وأنطوى فى ومضة، وزالت آثاره بعد أن قذفه موسى بسلاح الحق الذى سلحه به ربه، أستمع إلى القرآن وهو يحكى ذلك (١) تفسير المنار حـ ٩ ص ٦٦ -١٥١- فيقول: (( وأوحينا إلى موسى أن ألقى عصاك فإذا هى تلقف ما يأفكون فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون. فغلبو هنالك وانقلبوا صاغرين)). اللقف: التناول بسرعة. يقال: لقف الشىء يلقفه لقفا ولقفانا، أخذه بسرعة والإفك : الكذب . يقال أفك يأفك، وأفك يأفك إفكا وأفكا - كضرب وعلم - إذا كذب، واصله من الأفك - بفتح أوله - وهو بمعنى صرف الشىء عن وجهه الذى يجب أن يكون عليه. وأطلق على الكذب إفك - بكسر الهمزة - لكونه مصروفا عن وجه الحق، ثم صار حقيقة فيه . والمعنى: وأوحينا الى موسى - بعد أن أوجس خيفة مما رآه من أمر السحرة - أن القى عصاك ولا تخف إنك أنت الأعلى، فألقاها فإذا هى تبتلع وتلتقم بسرعة ما يمكنبون ويموهون به أولئك السحرة ((فوقع الحق)) أى : ظهر وتبين وثبت الحق الذى عليه موسى - وفسد وبطل ما كانوا يعملون من الحيل والتخيل وذهب تأثيره . وترتب على ذلك ان أصابت الهزيمة المنكرة فرعون وملاء وسجرته فى ذلك المجمع العظيم ، الذى حشر الناس له فى يوم عيدهم وزينتهم ، وانقلب الجميع إلى بيوتهم صاغرين أذلاء ، بعد ان أنزل بهم موسى الخذلان والخيبة . وان قوله (( أن ألق)) يجوز ان تكون مفسرة لتقدم ما فيه معنى القول دون حروفه وهو الايجاء، ويجوز أن تكون مصدرية فتكون هى وما بعدها مفعول الا يحاء . والفاء فى قوله (( فإذا هى تلقف ، فصيحة اى: فألقاها فصارت حية فإذا هى تلقف ما يأفكون . وإنما حذف هذا المقدر الايدان بمسارعة موسى إلى الالقاء ، وبغاية سرعة الانقلاب، كأن إبتلاعها لما يأفكون قد حصل متصلا بالأمر بالإلقاء. و«ما، فى قوله «ما يأفكون، موصولة والعائد محذوف أى: الذى يأفكونه، أو مصدرية وهى مع الفعل بمعنى المفعول أى: فإذاهى تلقف المأفوك. - ١٥٢ - وفى التعبير بقوله - سبحانه - ((فوقع الحق) تجسيم لهذا الحق الذى كان عليه موسى، وتثبيت واستقرار له، حتى لكانه شىء ذو ثقل نزل على شى. آخر خفيف الوزن وأزاله ومحاه من الوجود . وهذه الآيات الكريمه تصور لنا كيف أن الباطل قد يسحر عيون الناس ببريقه لفترة من الوقت، وقد يسترهب قلوبهم لساعة من الزمان ، حتى ليخيل إلى الكثيرين الغافلين أنه غالب وجارف ... ولكن ما أن يواجهه الحق الهادىء الثابت المستقر بقوته التى لا تغالب حتى يزهق ويزول . وينطفى. كشعلة الهيشيم ، وإذا بأتباع هذا الباطل يصيبهم الذل والصغار، وهم يرون صروحهم تتهاوى، وآمالهم تتداعى ، أمام نور الحق المبين ، وإذا بتحديهم الصريح، وتطاولهم الأحمق يتحول إلى استسلام مهين ، وذل مشين . ثم يحكى لنا القرآن بعد ذلك موقف السحرة بعد أن رأوا باعينهم أن ما فعله موسى - عليه السلام - ليس من قبيل السحر: ((وألقى السحرة ساجدين)» أى: خروا سجدا. كأنما - كما قال الزمخترى - قد القاهم ملق لشدة خرورهم أو لم يتمالكوا أنفسهم مما ر أو فكانهم ألقوا والمراد أن ظهور بطلان سحرهم، وإدراكهم بأن موسى على الحق ، قد حملهم على السجود ته - تعالی ۔ وأن نور الحق قد بهرهم وجعلهم يسارعون إلى الإيمان حتى لكأن أحدا قد دفعهم اليه دفعا، وألقاهم البه إلقاء. وقوله (( قالوا آمنا برب العالمين. رب موسى وهارون)، أى: قال السحرة بعد أن تبين لهم الحق وخروا ساجدين فه، آمنا بمالك أمر العالمين ومدير شئونهم، والمتصرف فيهم، وجملة ( رب موسى وهارون)) بدل من الجملة التى قبلها، أو صفة لرب العالمين، أو عطف بيان . وفائدة ذلك نفى قوهم من يتوهم أن رب العالمين قد يطلق على غير الله - تعالى - كقول فرعون « أنا ربكم الأعلى)). ، وهكذا نرى أثر الحق عندما تخالط بشاشته القلوب الواعية ، لقد آمن - ١٥٢ - السحرة وصرحوا بذلك أمام فرعون وشيعته، لأنهم أدر كوا عن يقين قطعى أن ماجاء به موسى - عليه السلام - ليس من قبيل السحر، والعالم فى فنه هو أكثر الناس إستعداداً للقسليم بالحقيقة حين تتكشف له، ومن هنا فقد تحول السحرة من التحدى السافر إلى التسليم المطلق أمام صولة الحق الذى لا يجحده إلا مكابر حقود. ولكن فرعون وملأه لم يرقهم ما شاهدوا من إيمان السحرة، ولميدر كوا لا نطماس بصيرتهم فعل الإيمان فى القلوب، فأخذ يتوعدهم بالموت الأليم ويحكى القرآن ذلك فيقول: ((قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم، أى: قال فرعون منكراً على السحرة إيمانهم، آمنتم برب موسى وهارون قبل أن آمركم أنا بذلك؟ فهو لغروره وجهله ظن أن الإيمان بالحق بعد أن تبين يحتاج إلى استثدان. ثم اضاف إلى ذلك إتهامهم بأن إيمانهم لم يكن عن إحلاص ليصرف الناس عنهم فقال: (( إن هذا لمكر مكر تموه فى المدينة لتخرجوا منها أهلها. أى: إن ماصنعتموه من الإيمان برب موسى وهارون ليس عن إقتناع منهكم بذلك ، بل هو حيلة احتلتموها انتم وموسى قبل أن يلقى كل منكم بسحره ، لكى تخرجوا من مصر أهلها الشرعيين، وتخلص لكم ولبنى إسرائيل. وغرضه من هذا القول إفهام قبط مصر أن إيمان السحرة كان عن تواطى. من موسى ، وأنهم يهدفون من وراء ذلك إلى أخراجهم من أوطانهم ، فعليهم أى القبط - أن يستمسكوابدينهم وأن يعلنوا عداونهم لموسى والسحرة لبنى إسرائيل . ولاشك أن هذا لون من الكذب الخبيث أراد من ورائه فرعون صد الناس عن الإيمان بموسى - عليه السلام -. ثم أتبع هذا الإتهام الباطل بالوعيد الشديد فقال: ((فسوف تعلمون)) أى: فسوف تعلمون عاقبة مافعلتم. ثم فصل هذا الوعيد بقوله: «لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين)). - ١٤٤ - أى: أقسم لأقطعن من كل شق منكم عضواً مغايراً الآخر ، كاليد من الجانب الأيمن، والرجل من الجانب الأيسر، ثم الأصلبنكم أجمعين تفضيحاً لكم، وتنكيلا لأمثالكم. ومع أن فرعون قد توعد هؤلاء المؤمنين بالعذاب والتشويه والتنكيل والموت القاسى البطىء المرهوب ، فإننا راهم يقابلون كل ذلك بالصبر الجميل ، والإيمان العميق، والاستهانة ببطش فرعون وجبروته فيقولون له بكل ثيات واطمئنان: « إنا إلى ربنا منقلبون)) قال صاحب الكشاف: فيه أوجه: أن يريدوا - إنا لاقبالى بالموت لانقلابنا إلى لقاء ربنا ورحمته وخلاصنا منك ومن لقائك . أو ننقلب إلى الله يوم الجزاء فيثيبنا على شدائد القطع والصلب . أو إنا جميعاً يعنون أنفسهم وفرعون نتقلب إلى الله فيحكم بيننا. أو إما لا محالة ميتون منقلبون إلى الله فما تقدر أن تفعل بنا إلا ما لابد لنا منه (١)». ثم قالوا له على سبيل الاستهزاء والتوبيخ ((وما قنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا، أى: وما تسكره منا وتعيب إلا الايمان بالله، مع أن ما تكرهه منا وتعمبه علينا هو أعظم محاسننا، لأنه خير الأعمال، وأعظم المناقب ، فلا نعدل عنه طلباً لمرضاتك . يقال: نقم عليه أمره، ونقمت منه نقما - من باب ضرب - عبته وكرهته أشد الكراهة . قال الجمل: وقوله , إلا أن آمنا، يجوز أن يكون فى محل نصب مفعولا به، أى : ما تعيب علينا إلا إيماننا. ويجوز أن يكون مفعولا من أجله. أى: ما: ما تناز منا وتعذبة الشىء من الأشياء إلا لإيماننا. وعلى كل من القولين فهو إستثناء مفرغ(٢)). (١) تفسير الكشاف = ٢ ص ٠١٤١ (٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٣ ص ١٧٩. - ١٥٥ - ثم ختموا مناقشتهم لفرعون بالانصراف عنه والالتجاء إلى الله - تعالى - فقالوا: ((ربنا أفرغ علينا صبراً وتوفنا مسلمين)) أى: ياربنا افض علينا صبراً واسعاً المثبت على دينك، وتوفنا إليك حالة كوننا مسلمين لك مذعنين لأمرك وفهيك ، مستسلمين لقضائك . وبذلك يكون السحرة قد ضربوا للناس فى كل زمان ومكان اروع الأمثال فى التضحية من أجل العقيدة، وفى الوقوف أمام الطغيان بثبات وعزة، وفى الصبر على المكاره والآلام، وفى المسارعة إلى الدخول فى الطريق الحق بعد أن تبين لهم، وفى التعالى عن كل مغريات الحياة . قال قتادة: ((كانوا فى أول النهار كفاراً سحرة. وفى آخره شهداء بررة)) فرضى الله عنهم وحشر نا فى زهر تهم . وبعد هذا الحديث الذى ساقته السورة عما دار بين موسى وفرعون ، وبين موسى والسحرة ، والذى انتهى بإيمان السحرة برب العالمين بعد ذلك بدات السورة تحكى لنا ماقاله الملا من قوم فرعون بعد هزيمتهم المنكرة ، وما قاله موسى - عليه السلام - لقومه بعد أن بلغهم وعيد فرعون وتهديده لهم ، وما رد به قومه عليه مما يدل على سفاهتهم فقالت : ((وقالَ الملأُ مِنْ قومٍ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمُهُ لِيَفْسِدُوا فى الأرْضِ وَيَذَرَكَ وَالْمَتَّكَ؟ قَالَ ستَقْتَلَ أَبْنَ،مُ ونَسْتَحْبِى نِسَاءُهُمْ وَإِنَّا قَوْقَهُمْ قَهِرُونَ (١٢٧) قالَ مُوسَى لَقَومِهِ استَعِينُوا بِاللهِ واصْبِرُوا إِنْ الْأرْضَ لُهِ يُورِثُهاَ مَنْ يَشَاءِ مِنْ عِبَدِهِ والعَقَبَةُ لِمُتَّقِينَ (١٢٨) قَلُوا أُوذِينَآَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِثْنَا، قَلَ مَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ مَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فى الْأَرْضِ فَنْظُرَّ كَيْفَْ. تَعْمَلُونَ (١٢٩)». - ١٥٦ - قوله - تعالى - ((وقال الملأمن قوم فرعون: أتذر موسى وقومه ليغدوا فى الأرض ويذرك وآلهتك ». أى: قال الزعماء والوجهاء من قوم فرعون له، بعد أن أصابتهم الهزيمة والخذلان فى معركة الطغيان والإيمان ، قالوا له على سبيل التهيج والإثارة : أنترك موسى وقومه أحراراً آمنين فى أرضك ، ليفسدوا فيها بإدخال الناس فى دينهم ، أو جعلهم تحت سلطانهم ورياستهم . روى أنهم قالوا له ذلك بعد أن رأوا عدداً كبيراً من الناس، قد دخل فى الايمان متبعاً السحرة الذين قالوا ((آمنا برب العالمين)). وقوله، ويذرك وآلهتك ، معناه: أنتركهم أنت يعبدون رب موسى وهارون ، ويتر كون عبادتك وعبادة آلهتك، فيظهر للناس عجزك وعجزها، فتكون الطامة الكبرى التى بها يفسد ملكك. قال السدى: إن فرعون كان قد صنع لقومه أصناماً صغاراً وأمرهم بعبادتها ، وسمى نفسه الرب الأعلى . وقال الحسن إنه كان يعبد الكواكب ويعتقد أنها المربية العالم السفلى كله ، وهو رب النوع الانسانى . وقد قرى. «ويذرك، بالنصب والرفع أما النصب فعلى أنه معطوف على (( ليفسدوإ)، وأما الرفع فعلى أنه عطف على ((أتذر، أو على الاستئناف، أو على أنه حال بحذف المبتدأ أى : وهو يذرك. والمتأمل فى هذا الكلام الذى حكاه القرآن عن الملأ من قوم فرعون ، براه يطفح بأشد ألوان التآمر والتحريص. فهم يخوفونه فقدان الهيئة والسلطان تحطيم الأوهام التى يستخدمها السلطان، لذا نراه يرد عليهم بمنطق الطغاة المستكبرين فيقول: ((سنقتل أبناءهم، ونستحي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون)). أى: لا تخافوا ولاترقاءوا أيها الملأ فإن قوم موسى أهون من ذلك، - ١٥٧ - وستنزل بهم ما كنا نفعله معهم من قبل وهو تقتيل الأبناء ، وترك النساء أحياء، وإنا فوقهم غالبون كما كنا ما تغير شىء من حالنا، فهم الضعفاء ونحن الأقوياء، وهم الأدلة ونحن الأعزة. فأنت ترى أن ماقاله الملأ من قوم فرعون هو منطق حاشية السوء فى كل عهود الطغيان فهم يرون أن الدعوة إلى وحدانية الله إفساد فى الأرض، لأنها ستأنى على بنيانهم من القواعد. ولأنها هى الدعوة إلى وحدانية الله التى ستحرر الناس من ظلمهم وجبروتهم ، وتفتح العيون على النور الذى يخشاه أولئك الفاسقون. وترى أن ما قاله فرعون هو منطق الطفاء المستكبرين دائماً. فهم يلجأون إلى قوقهم المادية ليحموا بها آثامهم ، وشهواتهم، وسلطانهم القائم على الظلم، والبطش ، والمنافع الشخصية . ويبلغ موسى وقومه هذا التهديد والوعيد من فرعون وملئه فماذا قال موسى - عليه السلام - ؟ لقد حكى القرآن عنه أنه لم يحفل بهذا التهديد بل أوصى قومه بالصبر، ولو ح لهم بالنصر. إستمع إلى القرآن وهو يحكى قول موسى - عليه السلام - فيقول : (( قال موسى لقومه إستعينوا بالله واصبروا، إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين). أى: قال موسى لقومه على سبيل التشجيع والتسلية حين ضجروا وارقمبوا من تهديدات فرعون وملئه: ياقوم إستعينوا بالله فى كل أموركم. واصبروا على البلاء، فهذه الأرض ليست ملكا لفرعون وملئه، وإنما هى ملك تتهرب للعالمين ، وهو - سبحانه - يورثها لمن يشاء من عباده، وقد جرت سنته. - سبحانه - أن يجعل العاقية الطيبة لمن يخشاه ولا يخشى أحداً سواه. :هذا الأسلوب المؤثر البليغ، وبهذه الوصايا الحكيمة، وصى ،و سى قومه بنى إسرائيل فاذا كان ردهم عليه؟ لقد كان ردهم يدل على سفاهته ، فقد قالوا - ١٥٨ - له:(( أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ماجئتنا، أى: قال بنو إسرائيل لموسى رداً على نصيحته لهم: لقد أصابنا الأذى من فرعون قبل أن تأتينا يامرسى بارسالة، فقد قتل منا ذلك الجبار الكثير من أبنائنا وأنزل بنا ألواناً من الظلم والاضطهاد وأصابها الأذى بعد أن جئتنا بالرسالة كما ترى من سوء أحوالنا . واشتغالتا بالأشغال الحقيرة المهينة، فنحن لم نستند من رسالتك شيئاً ، فإلى متى نسمع منك ذلك النصائح التى لا جدوى من ورائها ؟ ومع هذا الرد السفيه من قوم موسى عليه، نراه يرد عليهم بما يليق به فيقول: (( عسى ربكم أن يهلك عدوكم، فرعون الذى فعل بكم ما فعل من أنواع الظلم ، وتوعدكم بما قوعد من صنوف الاضطهاد . ((ويستخلفكم فى الأرض، أى يجعلكم خلفاء فيها من بعد هلاكه هو وشيعته . (فينظر كيف تعملون)، أى: فيرى - سبحانه - الكائن منكم من العمل ، حسنه وقبيحه، ليجازيكم على حسب أعمالكم، فإن استخلافكم فى الأرض من بعد هلاك أعدائكم لي محاباة لكم، وإنما هو استخلاف للاختبار والامتحان . فإن أحسنتم زادك الله من فضله، وإن أسأتم كان مصيركم كمصير أعدائكم . وفى التعبير (« بعسى، الذى يدل على الرجاء، أدب عظيم من موسى مع ربه - عز وجل -: وتعليم الناس من بعده أن يلتزموا هذا الأدب السامى مع خالقهم، وفيه كذلك منع لهم من الاتكال وترك العمل ، لأنه لوجزم لهم فى الوعد فقد يتر كون السعى والجهاد إعتماداً على ذلك. وقيل : إن موسى ساق لهم ماوعدهم به فى صيغة الرجاء لثلا يكذبوه ، لضعف نفوسهم بسبب ماطال عليهم من الذل والاستخذاء لفرعون وقومه ، واستعظامهم لملكه وقوته، فكأنهم يرون أن ماقاله لهم موسى مستبعد الحصول ، لذا ساقه لهم فى صورة الرجاء . ثم تمضى السورة الكريمة بعد ذلك فتحدثنا فى بضع آيات عن العذاب - ١٥٩ - الذى أخذ الله به آل فرعون بسبب ظلمهم وطغيانهم، وكيف أن الله - تعالى .. قد حقق لموسى رجاء،، وكيف أن أولئك الظالمين لميمنعهم العذاب الذى نزل بهم من ارت كاب المذكرات والآثام .. ((وَلَقَدْ آخَذْنَا آل فِرْعونَ بالسَّنَِ، ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَمَلَّهُمْ ◌َذَّ كُرُونَ (١٣٠) فَإِذَا جَاءَتْهُمْ الْسَنَّهُ قَلُوا لَهْذِهِ ، وإنْ تَصِبْهُمْ سيِّئَةُ يَطَّيَّرُوا بُوسَى ومَنْ مَعَهُ، أَلاَ إِنْماَ طَائِرُمُ عِنْدَ اللهِ ولكِنْ أَكْثَرهُمْ لا يَعْدَونَ (١٣١) وَقَالُوا مَهْهاَ تَأْتِنَ به مِنْ آيةٍ لِذَسْحَرِناَ بِهَاَ فا نحنُ لكَ بَوْمِنِينَ (١٣٢) وَأَرِسْنَاَ عَلَيْهِمْ الطوَفَنَّ وَالْجِرَادَ والقُعْلَ وَالضَّفَادِعَ والدَّمَ، آيَاتٍ مُفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً يُجْرِمِينَ (١٣٣) وَلَمْا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرَّخْزُ قَالوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَاَ رَبَّكَ بما عَبِدَ عِنْدَكَ، لَثْنْ كَثَفْتَ هذا الرِّجْزَ لْنُؤْمِنَنَّ لكَ وَانُرْسِلاَنَّ مَعَكَ بنى إِسْرَائيلَ (١٣٤) فلمَّا كَشَفْنَاَ عَنْهُمْ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ ثُمُ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ (١٣٥) فانْتَقَمْاَ مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَمُ فى اليّمِ بأَنَّهُمْ كَذْبُوا بِآيَاتِناً وكانُوا عَنْهاَ غَفِينَ (١٣٦) وَأَوْرَتْنَ القومَ الذين كانوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَرِقَ الأرضِ ومغَرِيّهاَ التى بَارَ كْنَافِيهاَ، وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْمُسْنَى عَلَى بِى إِسْرَائِيلَ بما صَبَرُوا، وَدَمَّرْنَاَ ما كانَ يصنَعُ فَرْعَونُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧))). تقدير معنا أيها القارئ الكريم تلك الآيات الكريمة التى تحكى كل ذلك وغيره بأسلوبها البليغ المؤثر . قال القرطى: قوله - تعالى -: ((ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين)) ٢٠ -١٦٠ - يعنى الجدب ، وهذا معروف فى اللغة، يقال: أصابتهم سنة، أى : جدب. وتقديره : جدب سنة، وفى الحديث ((اللهم إجعلها عليهم سنين كسنى يوسف)). والسنة هنا بمعنى الجدب لا معنى الحول. ومنة أسنت القوم، أى أجدبوا. وقحطوا (١) وقال الآلوسي: هذا شروع فى تفصيل مبادىء الهلاك الموعودبه، وإيذان بأنهم لم يمهلوا حتى تحولوا من حال إلى حال إلى أن حل بهم عذاب. الإستئصال (٢) والمعنى: ولقد احذناآل فرعون أى: إختبر ناهم وامتحناهم بالجدب والقحط ، وضيق المعيشة، وإنتقاض الثمرات لعلهم يثوبون إلى رشدهم؛ ويتذكرون ضعفهم أمام قوة خالقهم ، ويرجعون عماهم فيه من الكفر والعصيان ، فإن الشدائد من شأنها أن ترقق القلوب، وتصفى النفوس، وترغب فى الضراعة الى الله، وتدعوا إلى اليقظه والتفكير ومحاسبة النفس على الخطايا. إتقاء البلايا. وصدرت الآية الكريمة بالقسم ، لاظهار الاعتناء بم ضمونها. والمرد بآل فرعون قومه واتباعه، فهم مؤاخذون بظلمه وطغيانه، لأن قوته المالية والحندية منهم، وقد خلقهم الله احراراً؛ وأكرمهم بالعقل والفطرة التى تكره الظلم والطغيان بالغريزة فكان حقا عليهم الا يقبلوا إستعباده لهم وجعلهم آلة لطغيانه ، لا سيما بعد بعثة موسى - عليه السلام- ووصول دعو ته البهم ، ورؤيتهم لما ايده الله به من الآيات (٣) . (١) تفسير القر طبى حـ ٢ ص ٢٩٣ (٢) تفسير الآلوسي - ٨ ض ١٣٨ (٣) تفسير المنار = ٩ ص ٨٦