النص المفهرس

صفحات 61-80

- ٦١ -
أى: أدخلوا الجنة لاخوف عليكم مما يكون فى المستقبل، ولا أنتم
تحزنون على ما خلفتموه فى الدنيا .
وقيل: إن قوله - تعالى - ((ادخلوا .. من كلام أصحاب الأعراف
- أيضاً، فكأنهم التفتوا إلى أولئك المشار إليهم من أهل الجنة وقالوا لهم:
أمكثوا فى الجنة غير خائفين ولا محزونين على أكمل سرور وأتم كرامة .
٢
ثم تسوق لنا السورة الكريمة بعد ذلك مشهداً ختاميا من مشاهد يوم
القيامة تدور محاوراتة بين أصحاب الجنة وأصحاب النار فتقول :
(( ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أوم)
رزقكم الله، قالوا: إن الله حرمهما على الكافرين اتخذوا دينهم لهوا
ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم كما فسوا لقاء يومهم هذا، وما كانوا
بآياتنا يجحدون».
إفاضة الماء: صبه، ومادة الفيض فيها معنى الكثرة .
والمعنى: أن أهل النار - بعد أن أحاط بهم العذاب المهين - أخذوا
يستجدون أهل الجنة بذلة وانكسار فيقولون لهم : أفيضوا علينا من الماء
أو ما رزقكم الله من طعام، لكن نستعين بهما على مانحن فيه ن سمه.م وحميم.
وهنا يرد عليهم أهل الجنة بما يقطع آمالهم، بسبب أعمالهم فيقولون لهم :
إن الله متع كلا منهما على الكافرين، الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا، أى
الذين اتخذوا دينهم - الذى أمرهم الله باتباع أوامره واجتنات نواهيه - مادة
للسخرية والتلهى، وصرف الوقت فيم لا يفيد، فأصبح الدين - فى زعمهم -
صورا ورسوما لا تزكى نفساً ، ولا تطهر قلباً، ولا تهذب حلقا وهم فوق ذلك
قد غرتهم الحياة الدنيا - أى شغلتهم بمتعها ولذائذها وزينتها عن كل ما يقربهم
إلى الله، ويهديهم إلى طريقه القويم.
وقوله - تعالى - ,فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا، معاه فاليوم
ففعل بهم فعل الناسى بالمنسى من عدم الاعتناء بهم وتركهم فى الشار تر كا كليا

- ٦٢ -
بسبب تركهم الاستعداد لهذا اليوم، وبسبب جحودهم لا ياتنا التى جاءتهم بها
أنبيائهم .
فالنسيان فى حق الله - تعالى - مستعمل فى لازمه ، بمعنى، أن اته لا يجيب
دعاهم، ولا يرحم ضعفهم وذلهم ، بل يتركهم فى النار كما تركوا الإيمان
والعمل الصالح فى الدنيا .
وهكذا تسوق لنا السورة الكريمة مشاهد متنوعة لأهوال يوم القيامة،
فتحكى لنا أحوال الكافرين ، كما تصور لنا ما أعده الله للمؤمنين . كما تسوق
لنا ما يدور بين الفريقين من محاورات ومناقشات فيها العبر والعظات ((لمن كان
له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد،.
ثم بين - سبحانه - منزلة القرآن الكريم فى إثياته للرسالة المحمدية عن طريق
الإخبار بأحوال الأمم السابقة وبيان سوء عاقبة من كذب به ، فقال:
((وَلَقَدْ جِئَمُ بِكِتَابٍ فَصِّلْنَهُ عَلَى عِلْمٍ، هُدَى وَرََّةٌ لِقَوْمِ
يُؤْمِنُونَ (٥٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ يَقُولُ
الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّئَ بِالْحَقِّ فَلْ لَنَ مِنْ شُفَتَاء
فَبَشْفَعُوا لَنَاَ أُوْ ذُرَدُ فَتَعْمَلَ غَيْرَ الّذِى كُنَّا نَعْمَلُ، قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ
وصَلَّ عَنَّهُمْ مَكَانُوا يَفْتَرُونَ (٥٣))).
قوله: (( ولقد جنتاهم بكتاب فصلناه ... ألخ،
التفصيل : عبارة عن جعل الحقائق والمسائل المراد بيانها مفصولا بعضها
عن بعض بحيث لا يبقى فيها اشتباه أولبس .
والمعنى: ولقد جئنا لهؤلاء الناس على لسانك يا محمد بكتاب عظيم الشأن،
كامل التبيان ، فصلنا آياته تفصيلا حكيما «وبينا فيه ماهم فى حاجة إليه من أمور
الدنيا والآخرة بيانا شافيا يؤدى إلى سعادتهم متى اتبعوه واهتدوا بهديه . .

- ٦٣ -
والضمير لأولئك الكافرين الذين اتخذوا دينهم لهوا واعبا ، وقيل هو
لهم وللمؤمنين ، والمراد بالكتاب : القرآن الكريم.
وقوله ((على علم، حال من فاعل (( فصلناه،، أى: فصلناه على أكمل
وجه وأحسنه حالة كوننا عالمين بذلك أتم العلم .
فالمراد بهذه الجملة الكريمة بيان أن ما فى هذا القرآن من أحكام وتفصيل
وهداية، لم يحصل عبثا، وإنما حصل مع العلم التام بكل ما اشتمل عليه من
فى تقد متكاثرة، ومنافع متزايدة.
وقرأ ابن محيص (( فضلناه، بالضاد المعجمة. أى: فضلناه على سائر
الكتب عالمين بأنه حقيق بذلك.
وقوله («هدى ورحمة، حال من مفعول (فصلناه)» وقرى. بالجر على البداية
من ((علم) وبالرفع على إضمار المبتدأ، أى. هو هدى عظيم ورحمة واسعة.
وقال: (( لقوم يؤمنون)، لأنهم هم المنتفعون بهديه، والمستجيون
لتوجيهاته ثم بين - سبحانه - عاقبة هؤلاء الذين كذبوا بالقرآن الذى أنزله
اقه هداية ورحمة فقال: ((هل ينظرون إلا تأويله)).
النظر هنا بمعنى الانتظار والتوقع لا بمعنى الرؤية . فالمراد بينظرون
ينتظرون ويتوقعون، وتأويل الشىء: مرجعه ومصيره الذى يؤول إليه ذلك
الشىء والاستفهام بمعنى النفى .
والمعنى: إن هؤلاء المشركين ليس أمامهم شىء ينتظرونه بعد أن أصروا
على شركهم إلا ما يؤول إليه أمر هذا الكتاب وما تتجلى عنه عاقبته ، من تبين
صدقه ، وظهور صحة ما أخبر به من الوعد والوعيد والبعث والحساب ،
وانتصار المؤمنين به واندحار المعرضين عنه .
فإن قيل : كيف ينتظرون ذلك مع كفرهم به ؟
فالجواب: أنهم قبل وقوع ماهو محقق الوقوع، صاروا كالمنتظرين له ،

- ٦٤ -
لأن كل آت قريب ، فهم على شرف ملاقاة ما وعدوا به، وسينزل بهم.
لا محالة .
ثم بين .. سبحانه - حالهم يوم الحساب فقال: يوم يأتى تأويله يقول
الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا
أو ترد فيعملا غير الذى كتا نعمل».
. أى: يوم يأتى يوم القيامة الذى أخبر عنه القرآن، والذى يقف الناس
فيه أمام خالقهم للحساب، يقول هؤلاء الكافرون الذين جحدوا هذا اليوم
عندما تكشف لهم الحقائق ، فدجاءت رسل ربنا بالحق ، وتبين صدقهم
ولكننا نحن الذين كذبناهم وسرنا فى طريق الضلال ، فهل لنا من شفعاء
فيشفعوا لنا فى هذه الساعة العصيبة ودفعوا عنا ما نحن فيه من كرب وبلاء ،
أو ترد إلى الدنيا فتعمل عملا صالحا غير الذى كمنا فعمله من الجحود واللهو
واللعب .
أى: أنه لاطريق لنا إلى الخلاص بما نحن فيه من العذاب الشديد إلا أحد
هذين الأمرين ، وهو أن يشفع لنا شفيع فلأجل ذلك الشفاعة يزول هذا العذاب،
أو يردنا الله إلى الدنيا حتى فعمل غير ما كنا نعمل.
فالجملة الكريمة تصور حسرتهم يوم القيامة تصويرا بهز المشاعر، ويحمل
العقلاء على الإيمان والعمل الصالح .
والاستفهام فى قوله « فهل لنا من شفعاء .. ، للتمنى والتحسر، ومن
مزيدة الاستغراق والتأكيد وشفعاء مبتدأ مؤخر وانا خبر مقدم.
ثم بين - سبحانه - نهايتهم فقال (قد خسروا أنفسهم وضل عنهم
ما كانوا يفترور ، .
أى: قد خسر هؤلاء الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا أنفسهم ، بسبب
إشراكهم بالله، وذهب عنهم ما كانوا يفترونه فى الدنيا من أن أصنامهم
ستشفع لهم يوم الجزاء ((وأيقنوا أنهم كانوا كاذبين فى دعواهم.

ثم ذ کر ۔۔ سبحانه - جانبا من یدیع صنعه، و جلیل قدرته ،لكىبدلل
على أنه هو المعبود الحق فقال - تعالى :
((إنَّ رَبِكُم اللهُ الَّذِى خَلَقَ السَّوَاتِ وَالْأَرْضِرَ فِى سَثَّةِ أَيَّامِ
ثمَّ اسْتوَى عَلَى العَرْشِ، يُغْشِى الَّيْلَ النَّارَ يَطْلُبُهُ حَشِشاً، وَالشَّمْسَ
وَالقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسخرَاتٍ بِأَمْرِهٍ، أَلاَ لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ، تَبَرَكَ
اللّهُ رَبُّ العَالَمِينَ (٥٤) )) .
أى: إن سيدكم ومالككم الذى يجب عليكم أن تفردوه بالعبادة هو الله
الذى أنشأ السموات والأرض على غير مثال سابق فى مقدار ستة أيام .
قال الشهاب : اليوم فى اللغة مطلق الوقت، فان أريد هذا فالمعنى فى ستة
أوقات . وإن أريد المتعارف وهو زمان دلوع الشمس إلى غروبها فامعنى فى
ستة أيام، لأن اليوم إنما كان بعد خلق الشمس والسموات فيقدرفيه مضاف(١).
وقال صاحب فتح البيان: «قيل هذه الأيام من أيام الدنيا، وقير من أيام
الآخرة، قال ابن عباس : يوم مقداره ألف سنة وبه قال الجمهور وقال سعيد
ابن جبير، «كان الله قادرا على أن يخلق السموات والأرض وما بينهما فى لمحة
ولحظة ، خلقهن فى ستة أيام تعليما خلقه لتثبت والتأنى فى الأمور، (٢).
وقوله (( ثم استوى على العرش، قال الشيخ القاسمى:
ورد الاستواء على معان اشترك لفظه فيها، جاء بمعنى الاستقرار ، ومنه
(( استوت على الجودى، وبمعنى القصد ومنه ، ثم استوى إلى السماءو مردخان»
وكل من فرغ من أمر وقصد لغيره فقد استوى له وإليه. قال الفراء : تقول العرب
استوى إلى يخاصمنى أى: قصد لى وأقبل على. ويأنى بمعنى الاستيلاء:
(١) تفسير القاسمى جـ ٧ ص ٢٧٠٠.
(٢) تفسير فتح البيان للشيخ صديق حسن خان جـ ٢ ص ٠٣٤٢
٥٠ - سورة الأعراف )

٦٦٠ -
قال الشاعر : • قد استوى بشر على العراق. ويأتى بمعنى العلو ومنه
هذه الآية .
قال البخارى فى آخر صحيحه فى كتاب الرد على الجهمية فى باب قوله
- تعالى - ((وكان عرشه على الماء)). قال مجاهد: استوى وعلا على العرش.
وقال ابن راهويه: سمعت غير واحد من المفسرين يقول، ((الرحمن على
العرش استوى، أى: ء. وارتفع(١).
وعرش الله - كما قال الراغب - ما لا يعلمه البشر إلا بالإسم، وليس كما
تذهب إليه أوهام العامة، فإنه لو كان كذلك لكان حاملا له ـ تعالى الله عن
ذلك - لا محمولا .
وقد ذكر العرش فى إحدى وعشرين آية . وذكر الاستواء على العرش
فی سبع آيات .
أما الاستواء على العرش فذهب سلف الأمة إلى أنه صفة الله - تعالى -
بلا كيف ولا انحصار ولا تشبيه ولا تمثيل الاستحاله اتصافه -سبحانه- بصفات
المحدثين، ولو جوب تنزيهه عما لا يليق به ((ليس كمثله شىء وهو السميع البصير))
وأنه يجب الإيمان بها كما وردت وتفويض العلم بحقيقتها إليه - تعالى -.
فعن أم سلمة - رضى الله عنها - فى تفسير قوله - تعالى - «الرحمن على
العرش استوى، أنها قالت: الكيف غير معقول ، والاستواء غير مجهول ،
والاقرار به من الايمان، والجحود به كفر .
وقال الإمام مالك: الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والا يمان به
واحب ، والسؤال عنه بدعة .
وقال محمد بن الحسن: اتفق الفقهاء جميعا على الايمان بالصفات من غير
تفسير ولاشبيه .
(١) تفسير القاسمى جـ ٧ ص ٢٨٠٢

- ٦٧ -
وقال الإمام الرازى: إن هذا المذهب هو الذى تقول به ونختاره
وتعتمد عليه .
وذهب بعض علماء الخلف إلى وجوب صرفه - أى الاستواء عن ظاهره
لاستحالته، وأن المراد منه - كما قال الإمام القفال- أنه استقام ملكه، واطرد
أمره ونفذ حكمه - تعالى - فى مخلوقاته، والله - تعالى - دل على ذاته وصفاته
وكيفية تدبيره العالم على الوجه الذى ألفوه من ملوكهم واستقر فى قلوبهم «قنبيها
على عظمته وكمال قدرته وذلك مشروط بنفى التشبيه، ويشهد بذلك قوله- تعالى-
((( ثم استوى على العرش يدبر الأمر، (١).
هذا والعلماء كلام، كلام طويل حول هذه المسألة التى تتعلق بالمحكم
والمتشابه فليرجع إليها من شاء :
وقوله: (( يغشى الليل النهار، التغشية التغطية والستر، أى: يجعل الليل
خاشيا للنهار مخطيا له فيذهب بنوره، ويصير الكون مظلما بعد أن كان مضيئا
ويجعل النهار غاشيا لليل فيصير الكون مضيئا بعد أن كان مظلما ، وفى ذلك
من منافع الناس مافيه وبه تتم الحياة، وهو دليل القدرة والحكمة والتديير
من الإله العلى العظيم .
ولم يذكر فى هذه الآية يغشى الليل بالنهار اكتفاء بأحد الأمرين عن الآخر
كقوله - تعالى -« سرابمل تقيكم الحر، أو لدلالة الحال عليه، أو لأن اللفظ
يحتملهما : يجعل الليل مفعولا أول والنهار مفعولا ثانيا أو بالعكس.
والآية الكريمة من باب أعطيت زيداً عمراً، لأن كلا من الليل والنهار
يصلح أن يكون غاشياً ومغشيا، فوجب جعل الليل هو الفاعل المعنوى. والنهار
هو المفعول من غير عكس لتلا يلتبس المعنى .
(١) تفسير صفوة البيان ص ٢٦٣ لفضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف :

- ٦٨ -
وقد قال - تعالى - فى آية أخرى , يكور الليل على النهار ويكور
النهار على الليل ،.
وقوله (( يطلبه حثيثاً، أى: يطلب الليل النهار أو كلاهما يطلب الآخر
طلباً سريعاً حتى يلحقه ويدركه، وهو كناية عن أن أحدهما يأتى عقب الآخر
ويخلفه بلا فاصل، فكأنه بطلبه طلباً سريعاً لا يفتر عنه حتى بلحقه .
والحث على الشىء: الحض عليه. يقال: حث الفرس على العدو يحثهحثاً
صاح به أو وكزه برجل أو ضرب. وذهب حثيثاً أى: مسرعاً.
والجملة حال من الليل ، لأنه هو المتحدث عنه أو حال من النهار أى :
مطلوب حديثاً ، أو من كل منهما على الرأى الثانى الذى يفسر «يطلبه حثيثاً،
بأن كليهما يطلب الآخر .
وقوله: (( والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره)، أى: وخلق
الشمس والقمر والنجوم حال كونهن مذللات خاضعات لتصرفه ، منقادات
لمشيئته، كانهن مميزات أمرن فانقدن، فتسمية ذلك أمرا على سبيل القشبيه.
قال الألوسى: ويصح حمل الأمر على الإرادة . أى : هذه الأجرام
العظيمة والمخلوقات البديعة منقادة لإرادته: ومنهم من حمل الأمر على الأمر
الكلامى وقال: إنه - سبحانه - أمر هذه الأجرام بالسير الدائم والحركة
المستمرة على الوجه المخصوص إلى حيث شاء ولا مانع أن يعطيها الله إدرا كا
وفهما لذلك(١) ،،
وقرأ الجمهور بنصب الألفاظ الثلاثة على أنها معطوفة على السموات ، أى:
خلق السموات وخلق الشمس والقمر والنجوم .. وبنصب ((مسخرات)»
أيضا على أنها حال من هذه الثلاثه ...
وقرأ أبو عامر بالرفع فى جميعها على الابتداء والخبر مسخرات ..
(١) تفسير الآلوسي ج ٨ ص ٠١٢٨

- ٦٩ -
وقوله (( ألا له الخلق والأمر، ألا: أداة يفتتح بها القول الذى يهتم بشأنه
لأجل تنبيه انخاطب لمضمونه وحمله على تأمله. والخلق إبجادالشىء من العدم.
والأمر: التدبير والتصرف على حسب الإرادة لما خلقه. فهو - سبحانه -
الخالق والمدير للعالم على حسب إرادته وحكمته لاشريك له فى ذلك .
وهذه الجملة الكريمة كالتذييل للكلام السابق أى: أنه - سبحانه -
هو الذى خاق الأعمياء كلها ويدخل فى ذلك السموات والأرض وغيرهما ،
وهو الذى دبر هذا الكون على حسب إرادته ويدخل فى ذلك ما أشار إليه
بقوله ((مسخرات بأمره)).
وقوله : (( تبارك الله رب العالمين)).
تبارك . فعل ماض لا يتصرف، أى لم يجىء منه مضارع ولا أمر ولا اسم
فاعل . من البركة بمعنى الكثرة من كل خير. وأصلها الماء والزيادة. أى :
كثر خيره وإحسانه وتعاظمت وتزايدات بركات الله رب العالمين .
أو من البركة بمعنى الثبوت . يقال: برك البعير، إذا أناخ فى موضعه
فلزمه وثبت فيه . وكل شىء ثبت ودام فقد برك . أى: ثبت ودام خيره
على خلقه .
أو المعنى : تعالى وتعظم وارتفع وتنزه عن كل نقص الله رب العالمين.
ثم أمر الله - تعالى - عباده أن يكثروا من التضرع إليه بالدعاء
الخالص فقال :
((ادعوا رَبْكُمْ تَضَرَّمَ وخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يَحِبُّ المُعْتَدِينَ (٥٥)
وَلاَ تُفْسِدُوا فِى الْأَرْضِ بَعْدِ إِسْلاَحِهاَ وَادْعُوهُ خَوْقً وَطَعَعاً ، إنَّ
رَثْمَ الُهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)».
التضرع: تفعل من الضراعة وهى الذلة والاستكافة . يقال: ضرع

- ٧٠ -
فلان ضراعة : أى خشع وذل وخضع. ويقال : تضرع، أى أظهر الضراءه
والخضوع . وتضرعا حال من الضمير فى ادعوا .
الخفية : بضم الخاء وكسرها - مصدر خفى کمرض بمعنى اختفى أى: استتر
و تو ارى ولم يجهر بدعائه .
والمعنى: سلوا ربكم - أيها الناس - حوائجكم بتذلل واستكافة وإسرار
وإستتار فإنه - سبحانه - يسمع الدعاء، ويجيب المضطر، ويكشف السوء.
وهو القادر على إيصالها إليكم ((وغيره عن ذلك عاجز.
وإنما أمر الله عباده بالإكثار من الدعاء فى ضراعة وإسرار، لأن الدعاء
ماهو إلا اتجاه إلى الله بقلب سليم، واستعانة به بإخلاص ويقين ، لكى
يدفع المكروه، ويمنح الخير، ويعين على نوائب الدهر، ولاشك أن الإنسان
فى هذه الحالة يكون فى أسمى درجات الصفاء الروحى ، والنقاء النفسى، ويكون
كذلك مؤدياً لأشرف ألوان العبادة والخضوع لله الواحد القهار، معترفا
لنفسه بالعجر والنقص. ولربه بالقدرة والكمال(١).
هذا، وقد أخذالعلماء من هذه الآية أن من آداب الدعاء الخشوع والإسرار
واستدلوا على ذلك بأحاديث وآثار متعددة منها ماجاء فى الصحيحين عن
أبى موسى الأشعرى قال كنامع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكناإذا
أشرفنا على واد مللنا وكبرنا وارتفعت أصواتنا. فقال الغبى - صلى الله عليا
وسلم - ((أيها الناس، أربعوا على أنفسكم - أى أرفقوا بها وأقصروا من
(١) راجع كتابنا (( الدعاء، معناه، فضله، آدابه. شروطه، فوائده .. أ.
من سلسلة مجمع البحوث الإسلامية الكتاب السادس والعشرون .

-- ٧١ ٠-
الصياح - فإنكم لا تدعون أصم ولاغائباً. إنه ،مكم. إنه سميع قريب .
تبارك اسمه وتعالى جده ،(١).
وقال عبد الله بن المبارك عن مبارك بن فضالة، عن الحسن قال: إن كان
الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل ، لقد فقه الفقه
الكثير وما يشعر به الناس . وإن كان الرجل اليصلى الصلاة الطويلة فى بيته
وعنده الزور - - أى الزوار - وما يشعرون به. ولقد أدر كنا أقواما ما كان
على الأرض عمل يقدرون أن يعملوه فى السر فيكون علانية أبدأ. ولقد كان
المسلمون يجهدون فى الدعا وما يسمع لهم صوت ، إن كان إلا حمساً بينهم
وبين ربهم . وذلك أن الله - تعالى - يقول: «ادعوا ربكم تضرعاً وخفية))
وذلك أن الله ذكر عبدا صالحا. ضى فعله وهو زكريا فقال: ((ذكر رحمة
ربك عبده ز كريا. إذ نادى ربه نداء خفيا، (٢).
وقال ابن المنير : « وحسبك فى تعين الإسرار فى الدعاء اقترانه بالتضرع
فى الآية ، فالاخلال به كالاخلال بالضراعة إلى الله بالدعاء. وإن دعاء
لا تضرع فيه ولاخشوع لقليل الجدوى . فكذلك دعاء لاخفية فيه ولا
وقار يصحبه . وترى كثيراً من أهل زمانك يعمدون على الصراخ والصياح
فى الدعاء خصوصا فى الجوامع حتى يعظم اللفظ ويشتد ، وتستك المسامع
وتستد ، ويهتز الداعى بالناس . ولا يعلم أنه جمع بين بدعتين : رفع الصوت
فى الدعاء وفى المسجد، وربما حصلت للعوام حينئذ رقة لا تحصل مع خفض
الصوت ، ورعاية سمت الوقار، وسلوك السنة الثابتة بالآثار. وماهى إلا
رقة شبيهة بالرقة العارضة للنساء والأطفال ليست خارجة عن صميم الفؤاد ،
لأنها لو كانت من أصل لكانت عند اتباع السنة فى الدعاء . وفى خفض
(١) أخرجه البخارى - واللفظ له - فى كتاب الجهاد . باب ما ينكره من
رفع الصوت: وأخرجه مسلم فى كتاب « الذكر والدعاء)).
(٢) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٠١٧٠

- ٧٢ -
الصوت به أوفر وأوفى وأزكى فما أكثر التياس الباطل بالحق على عقول كثيرة
من الخلق. اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا أتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا
اجتنابه،(١) .
وقوله: (إنه لا يحب المعتدين، الاعتداء تجاوز الحد أى: لا يحب المتجاوزين
حدودهم فى كل شىء ويدخل فية الاعتداء فى الدعاء دخولا أوليا .
ومن مظاهر الاعتداء في الدعاء أن يترك هذين الأمرين وهما التضرع
والاخفاء ، كذلك من مظاهر الاعتداء فى الدعاء أن يتكلف فيه .
روى أبو داود فى سننه أن سعد أبى وقاص سمع ابنا له يدعو ويقول:
اللهم إنى أسالك الجنة ونعيمها وإستبرقها ونحرا من هذا، وأعوذ بك من
النار وسلاسلها وأغلالها . فقال له يابنى: إنى سمعت رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - يقول: إنه سيكون قوم يعتدون فى الدعاء ثم قرأ سعد هذه
الآية (« ادعوا ربكم تضرعا وخفية .. ، وإن بحسبك أن تقول: اللهم إنى
أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل ، وأعوذ بك من النار وما قرب
إليها من قول أو عمل ،(٢).
ثم نهى الله عباده عن كل لون من ألوان المعاصى فقال: «ولا تفسدوا
فى الأرض بعد إصلاحها، أى: لا نفسدوا فى الأرض بعد إصلاح الله إياها،
بأن خلقها على أحسن نظام ، فالجملة الكريمة نهى عن سائر أنواع الافساد
كإفساد النفوس والأموال والأنساب والعقول والأديان .
روى أبو الشيخ عن أبى بكر بن عياش أنه سئل عن قوله - تعالى ..
(( ولا تفسدوا فى الأرض بعد إصلاحها، فقال: أن الله بعث محمداً -- صلى الله
(١) الانتصاف على الكشاف لابن المغير ج٢ ص ١١٠ من تفسير الكشاف:
(٢) أخرجه أبو داود فى كتاب الوتر باب الدعاء حديث رقم ١٤٨٠ طبعة
محمد فؤاد عبد الباقى .

٠٠ ٧٣ -
عليه وسلم - إلى أهل الأرض وهم فى فسادفاً صلحهم الله به، فمن دعا إلى خلاف
-ماجاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - فهو من المفسدين فى الأرض)).
قال صاحب المنار: وقال - سبحانه ـ((ولا تفدرا فى الأرض بعد
إصلاحها، لأن الإفساد بعد الإصلاح أشدقيحاً من الإفاد على الافساد، فإن
وجود الاصلاح أكبر حجة على المفسد إذا هو لم يحفظه ويجرى على سننه .
فكيف إذا هو أفسده وأخرجه عن وضعه؟ ولذاخص بالذكر وإلا فالافساد
مذموم ومنهى عنه فى كل حال ... ،(١)
وقوله : (( وأدعوه خوفا وطمعاً).
أصل الخوف : انزعاج فى الباطن يحصل من توقع أمر مكروه يقع
فى المستقبل .
والطمع: توقع أمر محبوب يحصل فى المستقبل .
والمعنى: وادعوه خائفين من عقابه إياكم على مخالفتكم لأوامره، طامعين
فى رحمته وإحسانه وفى إجابته لدعائكم تفضلا منه وكرما .
قال الجمل : فإن قلت: قال فى أول الآية : أدعو ربكم تضرعاً وخفية
وقال هنا: « وادعوه خوقا وطمعاً، وهذا عطف للشىء على نفسه فما فائدة
ذلك؟ قلت: الفائدة أن المراد بقوله - تعالى - ,ادعوا ربكم تضرعا وخفية،
بيان شردين من شروط الدعاء، وبقوله (( وادعوه خوفا وطمعا، بيان
شرطين آخرين ، والمعنى: كونو جامعين فى أنفسكم بين الخوف والرجاء
فى أعمالكم ولا تطمعوا أنكم وفييتم حق الله فى العبادة والدعاء وإن إجتهدثم
ثم فيهما ، (٢).
وقوله «إن رحمة الله قريب من المحسنين، أى إن رحمته - تعالى -
(١) تفسير المنار جـ ٨ ض ٤٦١.
(٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٠١٥١

=٠ ٧٤ -
وإنعامه على عباده قريب من المتقنين لأعمالهم، المخلصين فيها، لأن الجزاء
من جنس العمل ، فمن أحسن عبادته قال عليها الثواب الجزيل ، ومن أحسن
فى أمور دنياه كان أهلا للنجاح فى مسعاه، ومن أحسن فى دعائه كان جديراً
بالقبول والاجابة .
قال الشيخ القاسمى: وفى الآية الكريمة ترجيح الطمع على الخوف، لأن
المؤمن بين الرجاء والخوف، ولكنه إذا رأى سعة رحمته - سبحانه - وسبقها،
غلب الرجاء عليه. وفيها تنبيه على ما يتوسل به إلى الاجابة وهو الاحسان
فى القول والعمل .
قال مطر الوراق: استنجزوا موعود الله طاعته، فإنه قضى أن رحمته
قريب من المحسنين،(١).
هذا ، وكلمة («قريب ، وقعت خبراً للرحمة، ومن قواعد النحو أن يكون
الخبر مطابقا للمبتدأ فى التذكير والتأنيث، فكان مقتضى هذه لقواعد أن
يقال إن رحمة الله قريبة . وقد ذكر العلماء فى تعليل ذلك بضعة عشر وجها،
منها أن تذكير («قريب)) صفة لمحذوف أى أمر قريب، أو لأن كلمة الرحمة
مؤنثة تأنيثا مجازيا ، جاز فى خبرها التذكير والتأنيث أو لأن الرحمة هنا بمعنى
الثواب وهو مذكر فيكون تذ كير قريب باعتبار ذلك وقيل غير ذلك
مما لا مجال لذكره هنا .
وبعد أن بين - سبحانه - أنه هو الخالق السموات والأرض، وأنه هو
المتصرف الحاكم المدير المسخر ، وأن رحمته قريبه من المحسنين الذين يكثرون
من التضرع إليه بخشوع وإخلاص .
بعد كل ذلك تحدث - سبحانه - عن بعض مظاهر رحمته التى تتجلى فى
إرسال الرياح، وإنزال المطر، وعن بعض مظاهر قدرته التى تتجلى فى بعث
(١) تفسير القاسمى ج ٧ ص ٢٧٥٦.

- ٧٥ -
الموتى الحساب , وفى هداية من يريد هدايته وإضلال من يريد ضلالته فقال
-مالى:
(( وهُوَ الْذِى يُرْسِلُ الرّيَحُ بُشْراً بَيْنَ يَدَىْ رَحْتِهٍ، حَتَّى إِذَا
أَقَلَتْ سَحَابًاً تِقَلاً سُقَْهُ لِبَلَدٍ مَيْتٍ فَأَنْزَلْنَ بِهِ الماءِ فَأَخْرَجْنَا بِهِ
مِنْ كلِّ الثَّعَرَاتِ، كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْلَىِ لَمَلَّكُمْ تَذَ كَّرُونَ (٥٧)
والبَلَدُ الطَّيْبُ يَخْرُجِ فَبِآَتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِى خَبْتَ لاَ يَخْرُج
إِلاَّ نَكِداً، كَذَلِكَ نُصَرْفُ الآيَتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨))).
وقوله - تعالى - ((وهو الذى يرسل الرياح بشرا بين يدى رحمته))
معطوف على ماسبق من قوله - تعالى -- ((إن ربكم الله الذى خلق السموات
والأرض ... ، لبيان مظاهر قدرته ورحمته. وقرأ حمزة والكسائى ((الريح»
بالافراد :
و((بشرا)) - بضم فكون الشين - مخفف و((بشرا)) - بضمتين - جمع
بشير كنذر ونذير ، أى : مبشرات بنزول الغيث المستتبع لمنفعة الحلق.
وقرأ أهل المدينة والبصرة ((نشرا)) - بضم لفون وتشين - جمع أشور
- كصبور وصبر - بمعنى ناشر من النشر عند الطى، وفعول بمعنى فاعل
بطرد جمعه .
وهناك قراءات أخرى غير ذلك .
والمعنى وهو - سبحانه - الذى يرسل الرياح مبشرات عباده بقرب نرول
الغيث الذى به حياة الناس .
وقوله ((بين يدى رحمته)) أى بين يدى المطر الذى هو من أبرز مظاهر
رحمة الله بعباده .
قال تعالى: (( وهو الذى ينزل الغيث من بعد ماقنطوا وينشر رحمته وهو
الولی الحميد .

- ٧٦ -
وقال تعالى: ((ومل آياته أن يرسل الرياح مبشرات)).
قال الامام الرازى: وقوله ( بين يدى رحمته)) من حسن أنواع المجاز،
والسبب فى ذلك أن اليدين يستعملهما العرب فى معنى التقدمة على سبيل المجاز.
يقال: إن الفتن تحصل بين يدى الساعة بريدون قبيلها، كذلك ما حسن هذا
المجاز أن يدى الانسان متقدمة ، فكل ما كان يتقدم شيئا يطلق عليه لفظ
اليدين على سبيل المجاز لأجل هذه المشابهة، فذا كانت الرباح تتقدم المطر،
لاجرم عبر عنه بهذا اللفظ،(١).
وقوله: « حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت، حتى: غاية لقوله
((يرسل)). وأقلت: أى حملت. وحقيقة أقله وجده قليلا ثم استعمل بمعنى
حمله . لأن الحامل لشىء يستقل ما يحمله بزعم أن ما يحمله قليل .
و((سحاباً، أى: غما، سمى بذلك لانسحابه فى الهواء، وهو اسم جنس
جمعی بفرق بينه وبين واحده بالتاء كتمر وتمرة، وهو يذكر ويؤنثويفرد
وصفه ويجمع .
و«ثقالا، جمع ثقيلة من الثقل - كعنب - ضد الخفة. يقال: ثقل الشىء
- ككرم - ثقلا وثقالة فهو ثقيل وهى ثقيلة.
والمعنى: أن الله - تعالى - هو الذى يرسل الرياح مبشرات بنزول الغيث،
حتى إذا حملت الرياح سحابا ثقالا من كثرة مافيها من الماء ، سقناه - أى
السحاب إلى ((بلد ميت)، أى إلى أرض لانبات فيها ولا مرعى، فاهتزت
وربت وأخرجت النبات والمرعى . فأطلق - سبحانه - الموت على الأرض
(١) تفسير لفخر الرازى جـ ٤ ص ٢٤٢ طبعة المطبعة الشرقية سنة
٠٠١٣٢٤

- ٧٧ -
التى لانبات فيها، وأطلق الحياة على الأرض الزاخرة بالنبات والمرعى لأن
حياتها بذلك .
قال - تعالى - ,والله الذى يومل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلدميت.
فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك المشورة.
وقوله: « فأنزلنا به الماء، أى: فأنزلنا فى هذا البلد الميت الماء الذى تحمله
السحاب . فالباء فى (( به ، الظرفية .
وقيل إن الضمير فى (( به ، السحاب ، أى : وأنزلنا بالسحاب الماء وعليه.
فتكون الياء للسببية .
وقوله: ((فأخرجنا به من كل الثمرات)) أى: فأخرجنا بهذا الماء من كل
أنواع الثمرات المعتادة فى كل بلد ، تخرج به على الوجه الذى أجرى الله
العادة بها ودبرها .
فليس المراد أن كل بلد ميت تخرج منه جميع أنواع الثمار التى خلقها
أله، متى نزل به الماء، وإنما المراد أن كل بلد تخرج منه الثمار التى تناسب
تربته على حسب مشيئة الله وفضله وإحسانه، إذ من المشاهد أن البلاد تختلف
أرضها فيما تخرجه، وهذا أدل على قدرة الله ، وواسع رحمته.
وقوله: «كذلك تخرح الموتى لعلكم تذكرون، إشارة إلى إخراج
الثمرات ، أو إلى إحياء البلد الميت .
أى: مثل ما أحيينا الأرض بعد موتها وجعلناها زاخرة بأنواع الشمرات
بسبب نزول الماء عليها , تخرج الموتى من الأرض ونبعثهم أحياء فى اليوم
الآخر لفحاسبهم على أعمالهم ، فالتشبيه فى مطلق الإخراج من العدم . وهذا
رد على منكرى البعث بدليل ملزم، لأن من قدر على إخراج النبات من
الأرض بعد نزول الماء عليها , قادر - أيضا - على إخراج الموفى من قبورهم.
وقوله: (( لعلكم تذكرون)) تذيبل قصد به الحث على التدبر والتفكر،
أى: لعلكم تذكرون وتعتبرون بماوصفة الكم فيزول إنكاركم للبعت والحساب.

- ٧٨ .
قال الشيخ القاسمى: ((من أحكام الآية كما قال الجشعى: أنها تدل على
عظم نعمة الله علينا بالمطر، وتدل على الحجاج فى إحياء الموتى بإحياء الأرض
بالنبات ، وتدل على أنه أراد من الجميع التذكر ، وقدل على أنه أجرى العادة
بإخراج النبات بالماء . وإلا فهو قادر على إخراجه من غير ماء فأجرى المادة
على وجوه دبرها عليها على مانشاهده، لضرب من المصلحة دينا ودنيا ... (١)
ثم ضرب - سبحانه - مثلا لاختلاف استعداد البشر للخير والشر
فقال :
((والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذى خبث لا يخرج إلا فكدا)).
أصل النكد : العسر القليل الذى لا يخرج إلا بعناء ومشقة. يقال: النكد
عيشه ينكد، اشتد وعسر. ونكدت البر: قل ماؤها، ومنه : رجل نكد،
وفكد وأفكد : شؤم عسر. وهم أنكاد رمنا كيد.
وقال فى اللسان : والفكد: قلة العطاء، قال الشاعر :
أعطيت ، أعطيت قافها نكدا
لا تتجز الوعد إن وعدت وإن
أى : عطاء قليلا لاجدوى منه .
والمعنى: أن الأرض الكريمة التربة يخرج نباتها وافيا حسنا غزير النفع
بمشيئة الله وتيسيره، والذى خبث من الأرض كالسبخة منها لا يخرج نباته
إلا قليلا عديم الفائدة .
فالأول مثل ضربه الله المؤمن يقول: هو طيب وعمله طيب. والثانى
مثل للكافر، يقول: هو خبيث وعمله خبيث ، وفبهما بيان أن القرآن يثمر
فى القلوب التى تشبه الأرض الطيبة التربة، ولا يثمر فى القلوب التى تشبه الأرض
الرديئة السبخة .
(١) تفسير القاسمى جـ ٧ ص ٠٢٧٥٨

.. ٧٩ ٠
وذكدا منصوب على أنه حال أو على أنه نعت لمصدر محذوف والتقدير:
والذى خبث لا يخرج إلا خروجا فكدا .
قال صاحب الكشاف: ( وهذا مثل لمن ينجع فيه الوعظ والتذكير من
المكلفين ، ولمن لا يؤثر فيه شىء من ذلك. وعن مجاهد: آدم وذريته منهم
خبيث وطيب . وعن قتادة: المؤمن سمع كتاب الله فوعاه بعقله وانتفع به،
كالأرض الطيبة أصابها الغيث فأنبقت. والكافر بخلاف ذلك. وهذا تتمثيل
واقع على أثر ذكر المطر .. وإنزاله بالبلد الميت ، وإخراج الثمرات به على
طريق الاستطراد ، ١١).
وقريب من معنى الآية الكريمة مارواه الشيخان عن أبى موسى قال : قال
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثل ما بعثنى الله به من الهدى والعلم كمثل
الغيث الكثير أصاب أرضنا، فكانت منها نقية قبلت الماء (أنبقت الكلا والعشب
الكثير ، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربواوسقوا
وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هى قيعان لا تمسك ما. ولا تنبت
كلاً ، فذلك مثل من فقه فى دين الله ونفعه ما بعثنى الله به فعلم وعلم. ومثل من
لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذى أرسلت به، (٢).
وقوله: ( كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون، أصل التصريف: تبديل
حال بحال ومنه تصريف الرياح. والآيات: الدلائل الدالة على قدرة الله.
أى : مثل ذلك التصريف البديع والتنويع الحكيم نصرف الآيات الدالة
على علمنا وحكمتنا ورحمتنا بالإتيان بها على أنواع جلية واضحه لقوم يشكرون
نعمنا ، باستعمالها فيما خلقت له، فيستحقون مزيدنا منها وإثابتنا عليها.
وعبر هنا بالشكر لأن هذه الآية موضوعها الاهتداء بالعلم والعمل والإرشاد،
(١) تفسير الكشاف جـ ٢ ض ٠١٢٢
(٢) أخرجه البخارى فى كتاب العلم ، وأخرجه مسلم فى كتاب الفضائل.

- ٨٠ -
بينما عبر فى الآية السابقة عليها بالتذكر لأن موضوعها يتعلق بالاعتبار
والاستدلال على قدرة الله - تعالى - فى إحياء الموتى.
وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد حدثتنا- من بين ما حدثتنا - عن
عظمة القرآن الكريم وعن وجوب أتباعه ، وعن قصة آدم وما فيها من عبر
وعظات ، وعما أحله الله وحرمه ، وعما يدور بين أهل النار من مجادلات
واتهامات، وعن العاقبة الطيبة التى أعدها اللّه للصالحين من عباده ، وعن
المحاورات التى تدور بينهم وبين أهل النار ، ثم عن مظاهر قدرة الله ، وأدلة
وحدانيته ...
وبعد كل ذلك تبدأ السورة جولة جديدة مع الأمم الخالية ، والقرى
المهلكة التى جاء ذكرها فى مطلعها .
(( وكم من قربة أهلكناها جاءها بأسنا بيانا أو هم قائلون)).
فتحدثنا السورة الكريمة عن مصارع قوم نوح، وقوم هود ، وقوم
صالح ، وقوم لوط ، وقوم شعيب ، ثم حديثا مستفيضا عن قصة موسى مع
فرعون ومع بنى إسرائيل .
وقد تكلم الإمام الرازى عن فو اندمجى. قصص هؤلاء الأنبياء مع أقوامهم.
فى هذه السورة بعد أن تحدثت عن أدلة توحيده وربوبيته - سبحانه - فقال :
أعلم أنه - تعالى - لما ذكر فى تقرير المبدأ والمعادد لائل ظاهرة، وبينات قاهرة،
وبراهين باهرة اتبعها بذكر قصص الأنبياء وفيه فوائد :
أحدها : الغنبيه على أن إعراض الناس عن قبول هذه الدلائل والبينات.
ليس من خواص قوم النبي - صلى الله عليه وسلم - بل هذه العادة المذمومة
كانت حاصلة فى جميع الأمم السالفة، والمصيبة إذا عمت خفت، فكان ذ کر
قصصهم، وحكاية إصرارهم وعنادهم، يفيد تسلية للنبى - صلى الله عليه وسلم-
وختفيف ذلك على قلبه .