النص المفهرس

صفحات 1-20

التفسير الوسيط
للقرآن الكريم
تَفَسَيِّيرُسُورَةِ الْأَِّعراف
لفضيلة
الدكتور محمد السيد طنطاوى
الأستاذ بكلية أصول الدين
جامعة الأزهر
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
( بقية الجزء السابع والجزء الثامن)
الطبعة الثانية
١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م

بسم الله الرحمن الرحيم
الموت
الحدقه رب العالمين، والصلاة والسلام على أفضل المرسلين سيدنا محمد
وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين.
وبعد : فهذا تفسير تحليلى لسورة الأعراف، توخينا فيه أن نبرز
ما اشتملت عليه السورة الكريمة من توجيهات سامية، وآداب عالية، وهدايات
شاملة ، وحكم جليلة ...
واقه نسأل أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه، ونافعاً لعباده إنه أكرم
مسئول وأعظم مأمول .
(((ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما
حملته على الذين من قبلنا، ربنا ولا تحملها مالا طاقة لنا به، واعف عنا
واغفر لنا وارحمنا، وأنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين ..
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
القاهرة -- مدينة نصر
١٤٠٥/٢/١٤هـ - ١٩٨٤/١٢/٧ م
المؤلف
د. محمد سيد طنطاوى

«تمهيد بين يدى السورة،
١ - سورة الأعراف هى السورة السابعة فى الترتيب المصحفى ، وهي
أطول سورة مكية فى القرآن الكريم، وعدد آ یاتها مائتان وست آيات.
والرأى الراجح عند العلماء أنها جميعها مكية ، وقيل إن الآيات من ٠١٦٣
١٧٠ مدنية ، وکان تزوها مد سورة ( ص)).
٢ - ومناسبتها لسورة الأنعام التى قبلها أن سورة الأعراف تعتبر
كالتفصيل لها، فإن سورة الأنعام قد تكلمت عن أصول العقائد وكليات
الدين كلاما إجمالياً ، ثم جاءت سورة الأعراف فكانت كالشرح والتفصيل
لذلك الإجمال، خصوصاً فيما يتعلق بقصص الأنبياء مع أقوامهم وبعثة النبي
- صلى الله عليه وسلم - .
٣ - مقاصدها وميزاتها: وقد اشتملت سورة الأعراف على المقاصد
الإجمالية التى اشتملت عليها السور المكية، كإقامة الأدلة على وحدانية الله،
وعلى صدق رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - وعلى أن يوم القيامة حق .. إلخ.
والذى يتأمل هذه السورة الكريمة يراها تهتم بعرض الحقائق فى أسلوبين
بارزين فيها، أحدهما أسلوب التذكير بالنعم ، والآخر أسلوب التخويف من
العذاب والنقم .
ع :
أما أسلوب التذكير بالنعم فتراه واضحافى لغتها لأنظار الناس إلى ما يلسونه
ويحسونه من نعمة تمكينهم فى الأرض ، ونعمة خلقهم وتصويرم فى أحسن
تقويم، ونعمة تمتع الإنسان بما فى هذا الكون من خيرات سخرها اقهه ...
وأما أسلوب التخويف بالعذاب فالسورة الكريمة زاخرة به، تلمس ذلك
فى قصص نوح، وهود، وصالح . ولوط ، وشعيب، وموسى مع أقوامهم .
وقد استغرق هذا القصص أكثر من نصفها، وقد ساقت لنا السورة

- ٦ -
الكريمة مادار بين الأنبياء وبين أقوامهم، وماآل إليه أمر أولئك الأقوام
الذين لم يستجيبوا لنصائح المرسلين إليهم.
٤ - عرض إجمالى لها : ونحن عندما نستعرض سورة الأعراف راما
فى الربع الأول منها تطالعنا بالحديث عن عظمة القرآن وتأمرنا بإتباعه ،
وتحذرنا من مخالفته، وتحثنا على المسارعة إلى العمل الصالح الذى تثقل به
موازيتنا يوم القيامة .
قال تعالى: (( كتاب أنزل إليك فلا يكن فى صدرك حرج منه لتنذر به
وذكرى للمؤمنين . اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه
أولياء قليلا ماتذكرون ... )).
. . قم ساقت لنا بأسلوب منطقى بليغ قصة آدم مع إبليس، وكيف أن إبليس
قد خدعه بأن أغراه بالأكل من الشجرة المحرمة، فلما أكل منها هو وزوجته.
(((بدت لهماسوءاتهما وطفقا بخصفان عليهما من ورق الجنة .. )).
قم وجهت إلى بنى آدم نداء فى أواخر هذا الربع نهتهم فيه عن الاستجابة
الوسوسة الشيطان .
قال تعالى: «يا بنى آدم لا يفتفنتكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة
يفوع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما، إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم
إنا جعلنا الشياطين أولياء الذين لا يؤمنون ... ».
وفى الربع الثانى منها نراها تأمرنا بأن نأخذ زينتنا عندكل مسجد ،
وَتخبرنا بأن الله - تعالى - ، قد أباح لنا أن نتمتع بالطيبات التى أحلها لنا،
وتبشرنا بحمن العاقبة متى اتبعنا الرسل الذين أرسلهم الله لهدايتنا، ثم تسوق
لنا فى يضع آيات عاقبة المكذبين لرسل الله، وكيف أن كل أمة من أمم
الكفر عندما تقف بين يدى الله للحساب تلعن أختها .

- ٧ -
قال تعالى (كلما دخلت أمة لعنت أختها، حتى إذا اداركوا فيها جميعاً.
قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذاباً ضعفاً من النار ، قال
لكل ضعف ولكن لا تعلمون . وقالت أولامم لأخراهم فما كان لكم علينا
من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون)،.
ثم ثبين السورة بعد ذلك عاقبة المؤمنين فتقول: ( والذين آمنوا وعملوا
الصالحات لانكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ... ))
وفى أواخر هذا الربع وفى أوائل الربع الثالث منها نراها تسوق لنا تلك
المحاورات التى تدور بين أصحاب الجنة وأصحاب النار ، وتحكى لنا ما يحصل بينهم
من نداءات ومجادلات ، تنتهى بأن يقول أصحاب النار لأصحاب الجنة على سبيل
التذلل والتوسل: (( أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله)).
فيجيبهم أصحاب الجنة: ((إن الله حرمهما على الكافرين. الذين اتخذوادينهم
لهوا ولعباً وغرتهم الحياة الدنيا ... ))
ثم تسوق لنا السورة بعد ذلك جانبا من مظاهر نعم الله على خلقه ،
و تدعونا إلى شكره عليها لکی یزیدنا من فضله .
وفى الربع الرابع منها وكذلك فى أواخر الثالث، تحدثنا السورة الكريمة
عن قصة نوح مع قومه ، ثم عن قصة هود مع قومه , ثم عن قصة صالح مع
قومه ، ثم عن قصه لوط مع قومه، ثم عن قصة شعيب مع قومه ... ولقد
ساقت لنا خلال حديثها عن هؤلاء الأنبياء مع أقوامهم من العبر والعظات
ما يهدى القلوب ، ويشفى الصدور ويحمل العقلاء على الاستجابة لهدى الأنبياء
والمرسلين .
أما فى الرابع الخامس منها فقد بينت لنا سنن الله فى خلقه ، ومن مظاهر
هذه - السنن أنه - سبحانه - لا يعاقب قوما إلا بعد الابتلاء والاختبار،

- ٨ -
وأن الناس لو آمنوا واتفوا لفتح - سبحانه - عليهم بركات من السماء
والأرض وأن الذين يأمنون مكر خالقهم هم القوم الخاسرون .
قال تعالى: «تلك القرى نقص عليك من أفباتها ولقد جاءتهم رسلهم
بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل، كملك يطبع الله على قلوب
الكافرين. وماوجدنا لأكثرهم من عهد، وإن وجدنا أكثرهم الفاسقين)).
ثم عقب على ذلك ببيان أن الله - تعالى - قد ساق قصص السابقين لاحظة
والاعتبار .
ثم أسهبت السورة فى الحديث عن قصة موسى - عليه السلام - فقصت
علينا فى زهاء سبعين آية - استغرقت الربع السادس والسابع والثامن -
ما دار بينه وبين فرعون من محاورات ومناقشات، وما حصل بينه وبين
السحرة من مجادلات ومساجلات انتهت بأن قال السحرة: «آمنا برب العالمين.
رب موسى وهارون ».
تم حکت لنا ما لقيه موسی من قومه بنى إسرائيل من تكذيبوجهالات،
مما يدل على أصالتهم فى التمرد والعصيان ، وعراقتهم فى الكفر والطغيان.
وفى الربع التاسع منها حدثقنا عن العهد الذى أخذه الله على البشر بأن
يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، ثم حضتنا على التفكر والتدبر فى ملكوت
السموات والأرض، وبينت لنا أن موعد قيام الساعة لا يعلمه سوى علام
الغيوب ، وأن الرسل الكرام وظيفتهم تبليغ رسالات الله، ثم هم بعد ذلك
لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً.
أما فى الربع العاشر والأخير فقد اهتمت السورة الكريمة بإقامة الأدلة
على وحدانية اله، ووبت المشركين على شركهم، ودعت الناس إلى مكارم
الأخلاق ومحاسن الشيم (( خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين))
وأمرتهم بأن يكثروا من التضرع والدماء .

- ٩ -
,(واذكر ربك فى نفسك تضرعاً وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو
والآصال ولا تكن من الغافلين . إن الذين عند ربك لايستكبرون عن
عبادته ويسبحونه وله يسجدون )) .
وبعد : فهذا عرض سريع لما اشتملت عليه سورة الأعراف من توجيهات
حكيمة، وآداب عاليه، وعظات سامية ، ولعلنا بذلك نكون قد أعطينا
القارئ الكريم فكرة محملة عنها قال أن تفسرها تفسيراً تحليلياً مفصلا. واقه
فسأل أن يلهمنا جميعاً الرشد والسداد فيما نقول وفعمل.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .؟

التفسير
((أَصَ (١) كتَبٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ فِى صَدْرِكْ حَرَجٌ
مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنَ (٢) الثَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَّيْكُم مِنْ
ربْكُم ولاً تَتْبِعُوا مِنْ دُوِهِ أَولياً، قَلِيلاً ما تَذَ كَّرُونَ (٣) وَكَمٍ
مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَكْنَهَا فَجَاءها بَأْسُنَا بَنًا أو ◌ُ قَائلونَ (٤) فما كانَ
دَعْوَاهُ إِذْ جَاءُ بَأْسُنَ إلَّ أَنْ قالوا إنّا كُنَّا ظَلِينَ (٥) فَلَتْأَلَنَّ
الّذِينَ أُرْسِلَ إليْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الُرْسِنَ (٦) فَلْنَقْصِنَّ عَلَيْهِمْ بِلِْ
ومَا كُنَّا غَئِنَ (٧) والوزْنُ يَوْمَئِذِ الْقُّ فَمَنْ تَقُلَتْ مَوَازِينُهُ
فَأُولَئِكَ مُ الْمُفْلِحُونَ (٨) ومَنْ خَقَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ
خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بما كانُوا بَآَ يَتِنَاَ يْظِونَ (٩))).
سورة الأعراف من السور التى ابتدأت ببعض حروف التهجى ((ألمصر)،
ولم يسبقها فى النزول من هذا النوع من السور سوى ثلاثة وهى سور : ( ن،
ق، صر) ويبلغ عدد السور القرآنية التى ابتدقت بالحروف المقطعة تسعاً
وعشرين سورة .
هذا ، وقد وقع خلاف بين العلماء فى المعنى المقصود من حرف التهجى
التى افتتحت بها بعض السور القرآنية، ويمكن إجمال اختلافهم فى رأيين:
الرأى الأول : أن المعنى المقصود منها غير معروف، فهى من المقشابه
الذى استأثر الله بعلمه وإلى هذا الرأى ذهب ابن عباس - فى إحدى الروايات.

- ١١ -
عنه - كما ذهب إليه الشعبى، وسفيان الثورى، وغيرهما من العلماء ؛ فقد.
أخرج ابن المنذر وغيره عن الشعبى أنه سئل عن فواقح السور فقال: (( إن
لكل كتاب إمرا، وإن سر هذا القرآن فواتح السور، وروى عن ابن عباس
أنه قال؛ , عجزت العلماء عن إدراكها ، وعن على - رضى الله عنه - أنه قال:
((إن لكل كتاب صفوة، وصفوة هذا الكتاب حروف التهجى)، وفىرواية
أخرى للشعبى أنه قال : (( مر أقه فلا تطلبوه))،
ون الاعتراضات التى وجهت إلى هذا الرأى أنه إذا كان الخطاب بهذه
الفوائح غير مفهوم للناس لأنه من المتشابه فإنه يترقب على ذلك أنه كالخطاب
بالمهمل ، أو مثل ذلك كمثل التمكام بلغة أعجمية مع أناس عرب لا يفهمونها .
وقد أجيب عن ذلك بأن هذه الألفاظ لم ينتف الإفهام عنها عند كل الناس
فالرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يفهم المراد منها، وكذلك بعض أصحابه
المقربين ، ولكن الذى نتفيه أن يكون الناس جميعا فاهمين لمعنى هذه الحروف
المقطعة فى أوائل بعض السور. وهناك مناقشات العلماء حول هذا الرأى
لا مجال لذكرها هنا . .
أما الرأى الثانى: فيرى أصحابه أن المعنى المقصودمنها معلوم، وأنها ليست
من المتشابه الذى استأثر الله بعلمه، وأصحاب هذا الرأى قد اختلفوا فيما بينهم
فى تعيين هذا المعنى المقصود على أقوال كثيرة من أهمها ما يأتى :
١ - أن هذه الحروف أسماء السور، بدليل قول النى - صلى الله عليه
وسلم -: ((من قرأ حم السجدة، حفظ إلى أن يصبح،، وبدليل اشتهار بعض
السور بالقسمية بها، كسورة، ص)، وسورة (يس)) إلخ.
ولا يخلو هذا القول من الضعف، لأن كثيرا مر السور قد افتححت بلفظ.
واحد من هذه الفواقع ، فلو كانت أسماء السور لم تتكرر لمعان مختلفة؛ لأن
الغرض من التسمية رفع الاشتباه. وأيضا فالتسمية بها أمر عارض لا يتنافى
مع المراد منها فى ذاتها .

- ١٢ -
٢ - وقيل إن هذه الحروف قد جاءت هكذا فاصلة للدلالة على انقضاء
سورة وابتداء أخرى .
٣ - وقيل أنها حروف مقطعة بعضها من أسماء الله تعالى، وبعضها من
صفاته، فمثلا: « ألم)) أصلها أنا الله أعلم.
٨ - وقيل إنها اسم الله الأعظم، إلى غير ذلك من الأقوال التى لا تخلو
من مقال، والتى أوصلها الإمام السيوطى فى كتابه « الإتقان))، إلى أكثر من
عشرين قولا ،
٥ -- ولعل أقرب الأقوال إلى الصواب أن هذه الحروف المقطعة قد
وردت فى بعض سور القرآن على سبيل الإيقاظ والتنبيه للذين تحداهم القرآن،
فكان القه - تعالى - يقول لأولئك المعارضين فى أن القرآن من عند الله:
هاكم القرآن ترونه مؤلفا من كلام هو جنس ماتؤ لفون منه كلامكم .ومنظرما
من حروف هى من جنس الحروف الهجائية التى تنظمون منها حروفكم ،
فإن كنتم فى شك من كونه منزلا من عندالله فهانوا مثله، أو ادعوا من شنتم من
الخلق لكى يعاونكم فى ذلك .
وما يشهد بصحة هذا الر أى أن الآيات التى تلى هذه الأحرف المقطعة
تتحدث عن الكتاب المنزل وكونه معجزة الرسول - صلى الله عليه وسلم -
وكثيراً ما تبدأ هذه الآيات باسم الإشارة صراحة، مثل قوله تعالى: (ألم.
ذلك الكتاب لا ريب فيه ، أو ضمنا مثل قوله - تعالى - فى أول سورة
الأعراف (ألمص. كتاب أنزل إليك فلا يكن فى صدرك حرج منه لتنذربه،
وأيضا فإن هذه السور تجعل هدفها الأول منذ بدتها إلى نهايتها اثبات الرسالة
ص طريق هذا الكتاب المنزل .
هذه خلاصة موجزة لآراء العلماء فى الحروف المقطعة التى افتتحت بها بعض
1

- ١٣ -
السور القرآنية ، ومن أراد مزيدا لذلك فليرجع - مثلا - إلى كتاب.
((البرجان، الزركشى، وإلى كتاب (( الإتقان، السيوطى(!).
ثم مدح - سبحانه - الكتاب الذى أنزله على نبيه - صلى الله عليه.
وسلم - فقال: (( كتاب أنزلناه إليك فلا يكن فى صدرك حرج منه».
المراد بالكتاب جملة القرآن الكريم، وقيل: المرادبه هنا السورة وحرج.
الصدر ضيقه وغمه، مأخوذ من الحرجة التى هى مجتمع الشجر المشتبك الملتف.
الذى لا يجد السالك. فيه طريقا يخرج منه.
والمعنى، هذا كتاب كريم أنزلناه إليك يا محمد فيه هداية الثقلين، فبلغ
تعاليمه للناس ، ولا تحزن أو تضجر إذا وجدت من بعضهم صدوداً عنه،فأنت
عليك البلاغ ونحن علينا الحساب .
ولقد حكى لنا القرآن أن المشركين وصفوا النبى - صلى الله عليه وسلم
- بأنه ساحر. أو مجنون، كما وصفوا القرآن بأنه ليس من عند الله، فكانو
- صلى الله عليه وسلم - يضيق صدره لذلك.
قال تعالى: (( ولقد تعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون)).
فالمقصود بقوله - تعالى -, كتاب أنزل إليك فلا يكن فى صدرك حرج
منه)) تقوية قلب النبى - صلى الله عليه وسلم -، وتثبيت فؤاده، وتسليتهعبا.
يتقوله المشر كون من أكاذيب وأباطيل ، وإفهام الداعى إلى أنه فى كل زمان
ومكان أن من الواجب عليه أن يكون قوى القلب فى تحمل مهمته ، مطمئن
البال على حسن عاقبته، لا يتأثر بالمخالفة ، ولا يضيق صدره بالإنكار ...
وقد فسر صاحب الكتاب الحرج بالشك فقال: (( فلا يكن فى صدرك
خرج منه)، أى شك منه كقوله: (( فإن كنت فى شك ما أنزلنا إليك)
(١) راجع الإتقان فى علوم القرآن ج ٣ ص ١ للإمام السيوطى . طبعة
مكتبة المشهد الحسينى .

- ١٤ -
وسمى الشك حرجالأن الشاك ضيق الصدر حرجه، كما أن المتيقن منشرح الصدر"
منفسحة. أى: لا تشك فى أنه منزل من الله، ولا تتحرج من تبليغه، لأنه
كان يخاف قومه وتكديهم له وإعراضهم عنه وأذاهم . فمكان يضيق صدره
من الأداء ولا ينبسط له فأمنه الله ونهاه عن المبالاة بهم ، (1).
وعلى أية حال فإن من فسر الحرج بالضيق رأعى مدلول الكلمة الأصلى
ومن فسره بالشك راعى الاستعمال المجازى ولذا قال الآلوسي :
قوله - تعالى -: ((فلا يكن فى صدرك حرج منه، أى: شك. وأصله
الضيق، واستعماله فى الشك بجاز علاقته اللزوم، فإن الشاك يعتريه ضيق
الصدر، كما أن المتقين يعتريه انشراحه وانفسا حه،(٢).
ولفظ (( كتاب، يكون مبتدأ إذا جعلنا ((ألمص)) اسما للسورة، وإلا كان
خبراً لمبتدأ محذوف والتقدير: هذا كتاب . وتفكيره للتفخيم والتعظيم وجملة
(( أنزل إليك، صفة له دالة على كال تعظيم قدره وقدر من أنزل عليه.
وإنما قيل ((أنزل)، ولم يقل أنزله الله وأنزلناه، للإبذان بأن المنزل مستغن
عن التعريف لشرفه وغاية ظهوره .
ثم بين - سبحانه - العلة فى إنزال الكتاب فقال: ((لتنذر به وذكرى
المؤمنین ، .
الإنذار: هو الإعلام المقترن بالتخويف من سوء عاقبة المخالفة .
أی : أنزلنا إليك الکتاب لتنذر به قومك وسائر الناس ، وتذ کربهأهل
الإيمان والطاعة ذكرى نافعة مؤثرة ، لأنهم هم المستعدون لذلك ، وهم المنتفعون
بارشادك .
قال تعالى: ( وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين)).
١
(١) تفسير الكثاف ج ٢ ص ٨٦، طبعة دار العربى ببيروت.
(٢) تفسير الآلومى ج ٨ ص ٧٤ منبر الدمشقي.

- ١٥ -
وقال تعالى: ((تبصرة وذكرى لكل عبد منيب)).
وقال تعالى: (( إنما يتذكر أولوا الألباب ..
قال صاحب الكشاف : فإن قلت: فما محل ذكرى؟ قلت يحتمل الحركات
الثلاث . النصب بإضمار فعلها. كأنه قيل: لتعذر به وتذكر تذكيرا، لأن
الذكرى أسم بمعنى التذكير، والرفع عطفا على كتاب، أو لأنه خبر مبتدأ
محذوف . والجر للعطف على محل لتنذر، أى: الإنذار والذكر،(١) .
ثم أمر القرآن الناس باتباع تعاليم الإسلام التى جاء بها محمد - صلى الله
عليه وسلم - فقال: أقيموا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء،
قليلا ماتذكرون)).
أى: انبعوا أيها الناس ملة الإسلام وأحلوا حلاله، وحرموا حرامه،
وامتثلوا أوامره، واجتفبوا نواهيه، لأن الذى أنزل عليكم هذه الشريعة
هو ربكم الذى هو خالقكم ومربيكم ومدير أموركم والعليم بما فيه مصلحتكم
وحذار من أن تتركوا شريعة الإسلام التى تدعوكم إلى إفراد الله بالعبودية ،
وتتخذرا معه شركاء يزينون لمكم الأباطيل، ويصرفونكم عن دينه القويم.
فالآية الكريمة كلام مستأنف خوطب به كافة المكلفين لحضهم على أفراداقه
بالعبودية ، ونهبهم عن إتباع أحد من الخلق فيما يتعلق بالأمور الدينية التى
وضحتها الشريعة الإسلامية .
وقوله : - تعالى - ((قليلا ماتذكرون، معناه: تذكراً قليلا تتذكرون،
أو زمناً قليلا تتذكرون فهو منصوب على أنه نعت لمصدر محذوف أولظرف
زمان محذوف. وما مزيدة لتأكيد القلة .
ثم ساق لهم بعد ذلك على سبيل الإنذار والتخويف جانبا من العذاب
الذى نزل بمن سبقوهم بسبب ظلمهم وعنادهم فقال - تعالى -:
(١) تفسير الكفاف ج ٢ ص ٨٦ ٠

- ١٦ -
وكم من قرية أهلكناها جاءها بأسنا بياتا أوم قائلون . فما كان دعواهم.
إذا جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين».
كم هنا خبرية بمعنى كثير . وهى فى محل رفع على الابتداء والجملة بعدها.
خبرها ، (ومن قرية ) تمييز .
والقربة تطلق على مكان اجتماع الناس . وبأمنا: أى عذابنا وعقابنا.
وبيانا : أى ليلا ومنه البيت لأنه يبات فيه . يقال: بات ببيت بيتا وبياتا.
وقائلون من القائلة وهى القيلولة وهى قوم نصف النهار. وقيل: هى الاستراحة
نصف النهار إذا اشتد الحر وإن لم يكن معها قوم. ودعواهم ، أى : دعاؤهم
واستغاثتهم بربهم أو قولهم .
والمعنى : وكثيراً من القرى الظالمة أردنا إهلاكها ، فنزل على بعضها عذابنا
فى وقت قوم أهلها بالليل كما حصل أقوم لوظ ، ونزل على بعضها فى وقت
استراحة أهلها بالنهار كما حصل لقوم شعيب ، فما كان منهم عندما باغتهم
العذاب فى وقت اطمئنانهم وراحتهم إلا أن اعترفوا بذنوبهم وقالوا على سبيل
التحسر والندم وطمعا فى الخلاص: إنا كنا ظالمين.
فهاتان الآيتان الكريمتان توضحان باجلى بيان أن هلاك الأممسببهبغيها
وفسادها وانحرافها عن الطريق المستقيم، وتلك سنة الله التى لا تتخلف فى أى
زمان أو مكان . وأن الظالمين عندما يفاجأون بالعقوبة يتحسرون ولا يستطيعون.
إنکار ما ارتکبوہ من جرائم ومنکرات ولکنذلك لن ينفعهملأن ندمهم
وتحسرهم قد فات وقته، وكان الأجدريهم أن يتوبوا من ذنوبهم عندما جاءتهم
النذر ، وقبل حلول العذاب .
ولذا قال ابن كثير: قال ابن جريره فى هذه الآية الدلالة الواضحة

-- ١٧ -
فى صحة ما جاءت به الرواية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ص قوله:
((ماهلك قوم حتى يعذروا عن أنفسهم (١)» .
و((أو، فى قوله (( فجاءها بأسنا بياتاً أو هم قائلون)) للتنويع ، أى أن
بعضهم جاءهم عذابنا ليلا وبعضهم جاءهٍ نهاراً عند استراحتهم. وإنما خص
هذا الوقتان بنزول العذاب، لأنهما وقتا غفلة ودعه واستراحة ، فيكون
نزول العذاب فيهما أشد وأوجع .
ومن العبر التى نأخذها من هاتين الآيتين أن العاقل هو الذى يحافظ على
أداء الأوامر واجتناب النواهى ، ولا يلعن صفو الليالى ، ورخاء الأيام،
بل يعيش حياته وصلته بربه مبنية على الخوف والرجاء فإنه « لا يأمن مكر
أقه إلا القوم الخاسرون » .
وبعد أن بين القرآن ما أصاب الظالمين من عذاب دنيوى . عقبه ببيان
ما سيحل بهم من عذاب أخروى، فقال:
٠٠ ١
(( فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين: فلنقصن عليهم بعلم
وما كنا غائبين ».
والمراد بالذين أرسل إليهم جميع الأمم التى بلغتها دعوة الرسل، يسأل كل
فرد منها عن رسوله إليه وعن تبليغه لدعوة الله، ويسأل المرسلون عن التبليغ
منهم وعن إجابة أقوامهم لهم ، وقد ورد ذلك فى كثير من آيات القرآن .
قال - تعالى -: (( يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم؟ قالوا لا علم لنا
إنك أنت علام الغيوب».
وقال تعالى: (( ويوم يناديهم فيقول ماذا اجبتم المرسلين»؟
والمعنى : فلنسأان المرسل إليهم عما أجابوا به رسلهم الذين جاءوا
لهدايتهم، ولنسألن المرسلين عما أجيبوا به من أقوامهم وعن تبليغهم الرسالات
(١) تفسير ابن كثير « ٢ ص ٢٠١
: ٢ - سورة الأعراف :..

- ١٨ -
القه، ولنقصن على الرسل والمرسل إليهم كل ما وقع منهم عن على دقيق وإحسا.
شامل ، لأننا لا يغيب عنا شىء من أحوالهم .
وعطفت جملة ((فلنالن ... ، على ما قبلها بالفاء، لأن هذا السؤال
سيكون فى الآخرة، وما ذكر قبل ذلك من عقوبات هو آخر أمرم فى الدنيا.
فالآية الكريمة بيان لعذابهم الأخروى إثر بيان عذابهم الدنيوى .
وأكد الخبر لام القسم وفون التوكيد، لأن المخاطبين كانوا يسكرون
البعث والجزاء .
فإن قيل : قد أخبر الله عنهم قبل ذلك أنهم قالوا عند نزول المذاب بهم
((إنا كنا ظالمين، فلماذا يسألون يوم القيامة مع أنهم اعترفوا بظلمهم فى
الدنيا؟
فالجواب: أنهم لما اعترفوا سئلوا بعدذلك عن سبب هذا العلم، والمقصود
من هذا السؤال تقربعهم وتوبيخهم لكفرهم وعنادهم .
فإن قيل : فما فائدة سؤال الرسل مع العلم بأنهم قد بلغوا الأمانة ونصحوا
للأمة ؟
فالجواب من فوائده الرد على من أفكر من المشركين أن الرسل قد
بلغوهم، فقد حكى القرآن أن بعضهم قال: ((ما جاءنا من بشير ولا فذير))
ومن فوائده - أيضا - مضاعفة الثواب لهؤلاء الرسل الكرام حيث إنهم
قد بذلوا قصارى جهدهم فى التبشير والإنذار ، ولم يصدر عنهم تقصير قط .
فسؤال المرسل إليهم إنما هو سؤال توبيخ وإفضاح، وسؤال المرسلين إنما
هو سؤال استشهاد بهم وإفصاح .
فإن قيل : هناك بعض الآيات تثبت أن المجرمين لن يسألوا يوم القيامة كما
فى قوله تعالى: (( ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون، وكما فى قوله تعالى ((فيومئذ
لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان، فكيف نجمع بين هذه الآيات التى تنفى
السؤال والآيات التى تثبته كما فى قوله (( فلنسألن الذين أرسل إليهم ... )؟

- ١٩ -
فالجواب، أن فى يوم القيامة مواقف متعددة ، فقد يسالون فى موقف
الحساب ولا يسألون فى موقف العقاب. أو أن المراد بالسؤال فى قوله «فلنالن
الذين٠٠٠ التوبيخ والتقريع. والمنفى فى قوله «فيؤ مئذ لا يسأل عن ذفبه ... »
سؤال الاستعلام، أى أن المذنب لا يسأل يوم القيامة هل أذفيت أولا، لأن
ألقه لا تخفى عليه خافية، وإنما يسأل: لم فعلت كذا؟ بعد أن يعرفه - سبحانه-
بما فعله، ويؤيد هذا القول قوله - تعالى- ((فلنقصن عليهم بعلم وما كنا
غائبين)) أى : فلنخبر فهم بما فعلوا إخبارا ناشئا عن علم منا .
قال بعض العلماء: ((والذى همنا هنا، أن نقرر أن هذا السؤال لم يكن
سؤال استفهامٍ ولا استخبار، وإنما هو سؤال تبكيت وتنديد ، فليس
فى السائل مظنة أن يجول، ولا فى المسئول مظنة أن ينكر:، وهو تصوير مما
، يكون من شعور المكذبين بتكذيبهم ، وشعور المرسلين بتبليغهم ، وهو
نوع من تسجيل الحجة على من أنكرها وأعرض عنها فى الوقت الذى كان
يحديه الإقبال عليها والإيمان بها، وهو نوع من زيادة الحسرة، وقطع الآمال
فى النجاة بوضع بد المجرم على جسم جريمته، وهو فى الوقت نفسه نوع من
زيادة الأمن والطمأنينة للرسل فى القيام بدعوتهم وتبليغهم ما أمروا بتبليغه ،
ولعل كل ذلك يرشد إليه قوله - تعالى - «فلفقصن عليهم بعلم وما كنا
غائبين .(١) .
ثم بين - سبحانه - مظاهر عدله مع عباده يوم القيامة فقال :
((والوزن يومئذ الحق، فمن ثقلت موازينه فأولئك م المفلحون ومن
خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون)).
الوزن: عمل يعرف به قر الشىء، يقال: وزنته وزنا وزنة . وهو
(١) تفسير القرآن الكريم ص ٢٠٤ لفضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ
محمود شلتوت - رحمه الله - .

- ٢٠ -
مبتدأ، ويومئذ متعلق بمحذوف خبره . والحق صفته. أى: والوزن الحق
يوم القيامة .
ومعنى الآيتين الكريمتين: والوزن الحق ثابت فى ذلك اليوم الذى يسأل
ألقه فيه الرسل والمرسل إليهم . ويخيرهم جميعا بما كان منهم فى الدنيا، فمن
رجحت موازين أعماله بالإيمان والعمل الصالح ، فأولئك هم الفائزون بالثواب
والنعيم , ومن خفت موازين أعماله بالكفر والمعاصى فأولئك الذين خبروا
أنفسهم بسبب ما اقترفوا من سيئات أدت بهم إلى سوء العقاب.
قال تعالى: « ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا،
وإن كان مثقال حبة من خردل أقينا بها وكفى بنا حاسبين)).
وقد اختلف العلماء في كيفية الوزن فقال بعضهم : إن التى توزن هى
صحائف الأعمال التى كتبت فيها الحسنات والسيئات تأكيداً للحجة وإظهاراً
للنصفة ، وقطعاً للمعذرة . قال ابن عمر: قوزن صحائف أعمال العباد يوم
القيامة ، .
٠
وقيل : إن الوزن هنا كناية عن القضاء السوى ، والعدل التام فى تقدير
ما يمكن به الجزاء من الأعمال، وذكر الوزن إنما هو ضرب مثل كماتقول:
هذا الكلام فى وزن هذا وفى وزانه . أى يعادله ويساويه وإن لم يكن هناك
وزن .
والذى نراه أن من الواجب علينا أنيؤمن بان فى الآخرة وزنا للأعمال،
وأنه على مقدار ما یظهر یکون الجزاء، وأنه وزن أو میزانیلیق بمایجری فی
ذلك اليوم الهائل الشديد، أما كيفية هذا الوزن فرده إلى الله، لأنه شىء استاثر
الله بعلمه، وعلينا أن نعفى أنفسنا من محاولة الكشف عن أمر غيبى لم يرد
فى حقيقته خیر قاطع فی کتاب الله أو سنة رسوله ..
قال الجمل فى حاشيته على الجلالين : ... فإن قلت: أليس الله - تعالى -
يعلم مقادير أعمال العباد، فما الحكمة فى وزنها ؟ قلت فيه حكم: منها، إظهار