النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
سورة الأنعام
أى: أنتم لستم على شىء ما من العلم، بل ما فتبعون فى أقوالكم وأعمالكم
وعقائدكم إلا الظن الباطل الذى لا يغنى من الحق شيئا. وما أنتم إلا تخرصون
أى تكذبون على الله فيما أدعينهوه.
وأصل الخرص: القول بالظن. يقال: خرصت النخل خرصا - من باب
قتل - حزرت ثمره وقدرته بالظن والتخمين، واستعمل فى الكذب لما يداخله
من الظنون الكاذبة، فيقال: خرص فى قوله - كنصر - أى كذب .
وبعد أن نفى - سبحانه - عنهم أدنى ما يقال له علم وحصر ماهم عليه من
دين فى أدنى مراقب الظن مع أن أعلاما لا يغنى من الحق شيئاً ، ووصمهم
بالكذب فيما يدعون ، بعد كل ذلك أثبت لذاته - سبحانه - فى مقالة ذلك
الحجة العليا التى لا تعلوها حجة فقال :
قل فلله الحجة البالغة ، فلو شاء لهذا كم أجمعين ..
الحجة : كما قال الراغب فى مفرداته: الدلالة المبينة للحجة . أى: المقصد
المستقيم .
أى: قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء المشركين الذين بنوا قواعد دينهم على
الظن والكذب بعد أن عجزوا عن الإثبات بأدنى دليل على مزاعمهم، قل لهم: فقه
وحده الحجة البالغة .. أى البينة الواضحة التى بلغت أعلى درجات العلم والقوة
والمتانة، والتى وصلت إلى أعلى درجات الكمال فى قطع عذر المجحوج
وإزالة الشكوك عمن تديرها وتأملها .
وقوله. (( فلو شاء لمداكم أجمعين، أى: لوشاء - سبحانه-هدايتكم جيعه
الفعل ؛ لأنه لا يعجزه شيء، ولكنه لم يشأ ذلك، بل شاء هداية البعض لأنهم.
صرفوا اختيارهم إلى سلوك طريق الحق، وشاء ضلالة آخرين، لأهم صرفوا
اختيارم إلى سلوك طريق الباطل .

٢٨٢
الجزء الثامن
ونريد أن نزيد هذه الشبهة القديمة الحديثة تمحيصا وكشفا ودفعا فنقول
لأولئك الذين يبررون ارتكابهم للموبقات بأنها واقعة بمشيئة الله .
نحن معكم فى أنه لا يقع فى ملكه - سبحانه - إلا ما يشاؤه، فالطائع نحت
المشيئة والعاصى تحت المدينة، ولكن المشيئة لم تجبر أحدا على طاعة أو معصية
وقضاء الله وقدره هو علمه بكل ما هو كائن قبل أن يكون، وليس العلم صفة
تأثير وجبر .
ولقد شاء الله - تعالى - أن يجعل فى طبيعة البشر الاستعداد للخير
والشر ، ووهبهم العقل ليهتدوا به وأرسل اليهم الرسل لينمو! فيهم استعدادهم
وسن لهم شريعة لتكون مقياساً ثابتا لما يأخذون وما يدعون، كى لا يتركهم
لعقولهم وحدها .
وإذن فمشيئة الله متحققة حسب سفته التى ارتضاها مختارا - وهو قادر على
اختيار غيرها وعلى تغييرما وتبديلها - متحققة سواء اتخذ العبد طريقه إلى
الهدى أو إلى الضلال ، وهو مؤاخذ إن عضل ومأجور إذا اهتدى. غير أن سنة
اللّه اقتضت أن من يفتح عينه ببصر النور، ومن يغمضها لا يراه، كذلك من
يفتح قلبه لإدراك دلائل الإيمان يهتدى . ومن يحجب قلبه عنها يضل،
سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا .
وإذن فزعم الزاعين بأن الله شاء هذا على معنى أنه أجبرهم عليه فهم
لا يستطيعون عنه فكاكا، إنما هو زعم باطل لا سند له من العلم والتفكير
الصحيح فإن المشيئة الإلهية لها سنة تقيدت بها، وهذه السنة هى أنه لا جبر
على طاعة ولا قسر على معصية .
وتقرير ذلك يؤخذ من قوله - تعالى - ((قل فلله الحجة البالغة فلو شاء
لهداكم أجمعين، أى : فلو شاء أن يكرهكم ويفرض هدايتكم بقدرته
وقدرته لهداكم، ولكنه لم يشأ إجباركم على الضلالة، فهى مشيئة المنح

٢٨٣
سورة الأنعام
والتيسير وليست مشيئة الإلجاء والتسخير قال - تعالى ـ ((فأما من أعطى
واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره للبسرى. وأما من بخل واستغنى وكذب
بالحسنى فسنيسره المصرى» .
ثم أمر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - بأن يطالب
المشركين بإحضار من يشهدهم بأن الله قد حرم عليهم مازعموا تحريمه من
الحرث والأفعام وغيرها فقال :
((قل حلم شهداء كم الذين يشهدون أن الله حرم هذا».
-هلم: لفظ يقصد به الدعوة إلى الشىء، وهى اسم فعل بمعنى أقبل. إذا
كان لازما، وبمعنى أحضر وائت إذا كان متعدياكما هنا ، ويستوى فيه
الواحد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث فى لغة الحجازيين .
أى : أحضروا شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم عليكم هذا الذى
زعمتم تحريمه، وهم كبراؤهم الذين أسسوا ضلالهم.
والمقصود من إحضارهم تفضيحهم وإلزامهم الحجة، وإظهار أنه لا متمسك
لهم كلدين، ولذلك قيد الشهداء بالإضافة ، ووصفوا بما يدل على أنهم
شهداء معروفون بالشهادة لهم وبنصر مذهبهم.
ثم قال - سبحانه - ,فإن شهدوا فلا تشهد معهم، أى: فإن فرض إحضار
هؤلاء الشهود الذين عرفوا بضلالهم فلا تصدقهم ولا تقبل شهادتهم ولا تسلمها
لهم بالسكوت عليها فإن السكوت عن الباطل فى مثل هذا المقام كالشهادة به
وإنما عليك أن تبين لهم بطلان زعمهم بواسطة ماآتاك الله من حجج ويبنات.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف أمره باستحضار شهدائهم الذين
يشهدون أن الله حرم ما زعمره محرما ثم أمره بأن لا يشهد معهم ؟ قلت: أمره
باستحضارهم وهم شهدا بالباطل ليلزمهم الحجة ويلقمهم الحجر، ويظهر المشهود
لهم بانقطاع الشهداء أنهم ليسوا على شىء لتساوى أقدام الشاهدين والمشهود

٢٨٤
الجزء الثامن
لهم فى أنهم لا يرجعون إلى ما يصح التمسك به. وقوله ((فلا تشهد معهم))
يعنى فلا تسلم لهم ماشهدوا به ولا تصدقهم، لأنه إذا سلم لهم فكأنه شهيد
معهم مثل شهادتهم وكان واحدا منهم (١).
ثم قال - سبحانه - ((ولا تقبع أهواء الذين كذبوا بآياتناء أبى: ولا تتبع
أهواءهؤلاء الناس الذين كذبوابآياتنا التى أنزلها الله عليك لتكون هداية و فورا.
لقوم يعقلون، فإن شهادتهم - إن وقعت - فإنما هىصادرة عن هوى وضلال.
ولم يقل - سبحانه- ولا تتبع أهواءهم بل قال: ولا تتبع أهواء الذين كذبوا،
فوضع الظاهر موضع الضمير لبيان أن المكذب بهذه الآيات والحجج الظاهرة إمعانا
فى التمسك بتقاليده الباطلة، إنهو صاحب هوى وظن لاصاحب علم وحجة.
وقوله(( والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون)) عطف على
الموصوف قبله لتعدد صفاتهم القبيحة .
أى: ولا تتبع أهواء الذين يجمعون بين تكذيب آيات الله ، وبين الكفر
بالآخرة ، وبين جعلهم الله عديلا أى شريكا مع أنه - سبحانه - هو الخالق
لكل شىء، لأن هذه الصفات لا تؤهلهم لشهادة حق ، ولا للثقة بهم، وإنما
الاحتقار فى الدنيا، ولسوء العذاب فى الآخرة
وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد حكت فى بضع عشرة آية جانبا من رذائل
المشركين وسخف تقاليدهم وعبث أهوائهم وفسادمعاذيرهم وبطلان شبهاتهم
وردت عليهم بما يخرس ألسنتهم، ويبطل حجتهم، فيما أحلوه وحرموه فى شأن
النذور والذبائح والمطاعم والمشارب وغير ذلك مما حكمته الآيات الكريمة .
ثم تنتقل السورة بعد ذلك إلى أفق أرحب وأوسع، وإلى ميدان أفسح
وأشمل فتناديهم بأسلوب مؤثر بليع ليستمعوا إلى ما حرم الله عليهم فيجتذبوه
وإلى ما كلفهم به فيعملوه، تناديهم ليتدبروا فى الأصول الكلية التى تقوم
عليها العقيدة السليمة ، وبسعد بها المجتمع، ويحيا فى ظلها الأفراد والجماعات.
(١) تفسير الكشاف ج ٢ ص ٧٨

٢٨٥
سورة الأنعام
فى أمان واطمئنان. تناديهم ليسمعوا البيان الصحيح الحق فيما أحل الله
وحرم من الأفعال والأقوال ليسمعوه من له وحده الحق فى أن يقوله ،
وفى أن يتلقى عنه تناديهم فتقول :
قُلْ تَعَالَوْ أَتْلُ مَا حَّمَ رَبِّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا نُشْرِ كُواْبِهِ».
شَيْئاً وَ بِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا وَلَا تَقْتُواْ أَوْلَ كُم مِّنْ إِمَلِّ ◌َحْنُ
نَرْزُقُكُمْ وَ إِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُواْ الْفَوَّحِشَِّ مَاظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَّ وَلَا
تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِى حَّمَ اللهُ إِلَّ بِلْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّنَكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ
تَعْقِلُونَ (ثَ وَلَا تَقْرَبُواْمَالَ الْيَتِيِ إِلَّ ◌َِِّى هِىَ أَحْسَنُ خَّى يَبْلُغَ
أَشُدَّهُ، وَأَوْقُوْلْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَ تُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا
وُسْعَهِّ وَإِذَا ◌ُفَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرَّ ◌َِعَهْدِ اللهِ أَوْفُواْ ذَلِكٌ
وَصَّكُ بِهِ، لَعَلَّكُمْ تَُّونَ (3) وَأَنَّ هَذَا صِرِى مُسْتَفِيمًا
فَتَِّعُوهُ وَلَا تَِّعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُرْ عَنْ سَبِيلِهِ، ذَلِكُمْ وَصَّنكُ
◌ِهِءَ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾
١٥٣
إن المتأمل فى هذه الآيات يراها قد رسمت للإنسان علاقته بربه علاقة
ينال بها السعادة والثواب، ورسمت له علاقته بأسرته بحيث تقوم على المودة
والمحبة وسدت فى وجهه أبواب الشر التى تؤدى إلى انتهاك حرمات الأنفس

٢٨٦
الجزء الثامن
والأموال والأعراض، وقد أطلق العلماء على هذه الآيات الكريمة إسم.
((الوصايا العشر)، نظرا لتذييل آياتها الثلاث بقوله - تعالى - ((ذلكم وصاكم به))
روى الترمذى - بسنده - عن ابن مسعود أنه قال : من سره أن
؛ نظر إلى وصية محمد التى عليها خاتمة فليقرأ هذه الآيات (( قل تعالوا أقل ..
إلى قوله : لعلكم تتقون .
وروى الحاكم وصححه ، وابن أبى حاتم عن عبادة بن الصامت قال : قال.
رسول الله (صَّاللّه): أيكم يبايعنى على هؤلاء الآيات الثلاث، ثم تلا قوله
- تعالى -: «قل تعالوا أقل .. حتى فرع منها ثم قال: من وفى بهن فأجره
على الله، ومن افتقص منهن شيئاً فأدركه الله فى الدنيا كانت عقوبته، ومن
أخره إلى الآخرة كان أمره إلى الله، إن شاء الله أخذه، وإن شاءعفا عنه)، (١).
وروى البيهقى عن على بن أبى طالب - رضى الله عنه - قال. لما أمر الله
نفيه (بِّ) أن يعرض نفسه على قبائل العرب، خرج إلى منى وأنا وأبو
مكر معه، فوقف رسول الله (مع) على منازل القوم ومضاربهم. فسلم عليهم.
وردوا السلام، وكان فى القوم مفروق بن عمرو وهانى. بن قبيصة والمثنى
ابن حارثة، والنعمان بن شريك ، وكان مفروق بن عمرو أغلب القوم.
لساناً وأفصحهم بياناً، فالتفت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) وقال له :
إلام تدعو يا أخا قريش؟ فقال النبى (عَ لّ) ادعوكم إلى شهادة أن
أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنی رسول الله، وان تؤ ونی و تنصرونی
وتمنعونى حتى أؤدى حق الله الذى أمرنى به ، فإن قريشاً تظاهرت على أمر الله
وكذبت رسوله واستغنت بالباطل عن الحق ، والله هو الغنى الحميد.
فقال له مفروق: وإلام تدعو أيضاً يا أخا قريش؟ فتلا رسول (أ)
((ذل تعالوا أقل ما حرم ربكم عليكم ... إلى آخر الآيات الثلاث)).
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ١٨٧

٢٨٧
سورة الأنعام
فقال له مفروق: وإلا تدعو أيضاً يا أخا قريش؟ فوالله ماهذا من كلام.
أهل الأرض ولو كان من كلامهم لعرفناه. فتلارسول الله (صلى الله عليه
وسلم ) ((إن الله يأمر بالعدل والإحسان .. الآية)) . .. "
فقال له مفروق: دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق ،
ومحاسن الأعمال، وقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك .
وقال هانىء بن قبيصة: قد سمعت مقالتك ، واستحسنت قولك.
يا أخا قريش، ويعجبغى ما تكلمت به، فبشرهم الرسول - إن آمنوا -
بأرض فارس وأنهار كسرى. فقال له النعمان: اللهم وإن ذلك لك يا أخا
قريش؟ فتلا رسول الله (صلى الله عليه وسلم)(يأيها النى إنا أرسلنان شاهدا
ومبشراً ونذيراً . وداعياً إلى الله بإذنه وسراجا منيرا)، ثم نهض رسول الله
( صلى الله عليه وسلم ).
هذا جانب من فضائل هذه الآيات الثلاث، وذلك هو تأثيرها فى
نفوس العرب، والآن فلنبدأ فى التفسير التحليلى لها فتقول :
لقد بدئت الآيات بقوله - تعالى - ,قل تعالوا أقل ما حرم
ربكم عليكم ، .
أى: قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء الذين حللوا وحرموا حسب
أهوائهم، تعالوا إلى وأقبلوا نحوى لأبين لكم ما حرمه ربكم عليكم ،
ولاتلو على مسامعكم ما أمر كم به ، ومانها كم عنه خالقكم ومربيكم ،
فإنكم إن أقبلتم نحوى وأطعمتمونى سعدقم فى دينكم ودنياكم.
وفى تصدير هذه الوصايا بكلمة « قل، إشعار من أول الأمر بأن هذا
بيان إلهى، ليس الرسول فيه إلا ناقلا مبلغا، وفيه - أيضا - دلالة على أن
المأمور به يحتاج إلى مزيد عناية واهتمام وقد سبق أن بينا أن سورة الأنعام.
زاخرة بهذا الأسلوب التلقيفى الذى يبدأ بكلمة ((قل).

٢٨٨
الجزء الثامن
والأمبل فى كلية «تمال، أن يقولها من كان فى مكان عال لمن هو
أسفل منه، ثم لقسع فيها حتى عمت، وهى تتضمن إرادة تخليص المخاطبين
ورفعتهم من انحطاط م فيه إلى على يراد لهم ويدعون إليه، وقتضمن
كذلك أن المنكام بريد منهم أن يلتفوا من حوله لتتحد وجهتهم، ولا تتفرق
بهم الأهواء والسبل .
وفى قوله ((أقل)) إيماء قرى بأن المتكلم يقدر المخاطبين، ويرتفع بهم إلى
درجة أنهم لا يحتاجون فى الإرشاد إلا لأن يتلو عليهم ما يريدهم أن يعملوه
ثم ثم بعد ذلك سيمتثلون لحسن استعدادهم لقبول الحق .
١٧٠٠٠
- وإنه لأسلوب قد بلغ الغاية فى اللطف وفى التكريم وفى حسن
الموعظة وتوجيه الخطاب .
- وخص التحريم بالذكر مع أن الوصايا قد اشتملت على المحرمات
وعلى غيرها لأن سياق الآيات قبل ذلك كان منصبا على كشف ما اخترعه
المشركون من تحريم فى الحوث والنسل ما أنزل الله به من سلطان، ولأن
بيان أصول المحرمات يستلزم حل ما عداها لأنه الأصل .
وفى نسبة التحريم إلى الرب الذى هو منبع الخير والإحسان. حضرهم
على التدبر والاستجابة . لأن الذى حرم عليهم ذلك هو مربيهم، فليس
معقولا أن يحرم عليهم مافيه منفعة لهم ، وإنما هو بمقتضى ربوبيته قد حرم
عليهم ما فيه ضررم .
- وقوله ((أمل)) جواب الأمر، أى: إن تأنونى أقل. و «ماء فى قوله
((ماحرم، موصولة بمعنى الذى والعائد محذوف أى: أقرأ الذى حرمه ربكم
عليكم، وهى فى محل نصب مفعول به ، ويحتمل أن تكون مصدرية ، أى أقل

٢٨٩
سررة الأنعام
تحريم ربكم، ونفس التحريم لا يعلى وإنما هو مصدر واقع موقع المفعول به،
أى: أقل محرم ربكم الذى حرمه هو. و((عليكم، متعلق بحرم أوبائل.
قال بعض العلماء: وهذه العبارة التى قدمت بها الوصايا - وهى ((قل تعالوا
أقل ما حرم ربكم عليكم - فيها إشعار بأن الحقائق الأولى التى قام عليها الجدال
فى السورة قد أصبحت واضحة. لامفر من قبولها والبناء عليها، فاته-تمالى-
يأمر رسوله بأن يبلغهم، وإذن فهناك إله من شأنه أن يرسل الرسل، وهناك
رسل من شأنهم أن يتلقوا عن الله، وهناك محرمات وردت من المصدر الذى
يحق له التحريم وحده لأنه هو الرب «ما حرم ربكم، ثم هناك لازم عقلى لهذا
التحريم هو أن من تعداه وانتهكه كان مغضباً للرب الذى قرره. مستحقاً
اعقوبته، وإذن فهناك دار للجزاء (١)،. ولننظر بعد ذلك فى الوصايا.
الوصية الأولى: «أن لانشر كوا به شيئاً، أى: أوصيكم ألا تشر كوا
مع الله إِفى عبادتكم آلهة أخرى. بل خصوه وحده بالعبادة والخضوع
والطاعة فإنه هو الخالق لكل شىء.
وصدر - سبحانه - هذه الوصايا بالنهى عن الشرك، لأنه أعظم
المحرمات وأكبرها إفساداً للفطرة، ولأنه هو الجريمة التى لا تقبل المغفرة
من الله، بينما غيره قد يغفره - سبحانه - قال - تعالى -: (إن الله لا يغفر
أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ).
وقد ساق القرآن مئات الآيات التى تدعو إلى الإيمان وتنفر من الشرك
وتقيم الأدلة الساطعة، والبراهين الدامغة على وحدانية الله - عز وجل -.
هذا، وقد ذكر الشيخ الجمل فى إعراب هذه الجملة الكريمة ألا تشركوا
به شيئاً عدة آراء منها :
(١) سورة الأنعام والأهداف الأولى للإسلام ص٩١ لفضيلة الأستاذ
(١٩ - سورة الأنعام )
محمد المدنی- رحمه الله - .

٢٩٠
الجزء الثامن
٤ - أنّ ((أن، تفسيرية، لأنه تقدمها ماهو بمعنى القول لاحروفه،
ولا ناحية ولا تشركوا مجزوم بها.
٢ - أن تكون «أن، ناصية الفعل بعدها، وهى ومافى حيزما فى
على نصب بدلامن ١٠٠ حرم)، ولا زائدة لثلا يفد المعنى كزيادتها فى
فوه:، ألا تسجد، وثلا يعلم)).
٣ - تكون(( أن)، ناصية وما فى حيزها منصوب على الإغراء بعليكم
ويكون الكلام الذ عند قوله (ربكم)) ثم ابتدأ فقال: عليكم ألا تشركوا
أى الزموا نفى التر ك .
٤ - أنها وما فى حبزهافى محل نصب أوجر على حذف لام العلة،.
والتقدير تعالوا أول ١٠ حرم وبكم عليكم لئلا تشركوا به شيئاً.
٥ - أن تكون هى وما بعدها فى محل نصب بإضمار فعل تقديره:
أوصيكم ألا تتركوا .
ونكتفي بهذا القدر من وجوه الإعراب التى توسع فيها النجاة توسعاً"
كيراً، ببب ورود بشر هذه الوصايا بصيغة النهى، وبعضها بصيغة
الأر: مع تقدم قل التحريم على جميعها (١).
أما الوصية الثانية فى قوله - تعالى - ,وبالوالدين إحسانا، أى:
أحسنواعما إحمانا كلا لا إساءة معه.
.. -*
وقد قرن معدنه. هذه الوصية بالوصية الأولى التى هى توحيده وعدم
الإشراك به، فى هذه الآية وفى غيرها، للإشعار بعظم هذه الوصية والتنبيه إلى
و واحد - جمعهامع لأولى وهو أن المنعم يجب أن يتكر: فالوالدان سبب
فى حياة الولد فيجب أن يشكرهما ويحسن إليهما، والله - تعالى - هو الخالق.
المتع فيب أن يشكر ويفرد بالعبادة والطاعة .
1
(١) راجع حاشية الجمل أعلى الجلالين = ٢ / ١٠٧ وتفسير الألونى ج٨ ٥٧٠٠

٢٩١
سورة الأنعام
-
- قال بعض العلماء: وقد جاءت هذه الوصية بأسلوب الأمر بالواجب
المطلوب وهو الإحسان إلى الوالدين، ولم تذكر بأسلوب النهى عن المحرم وهو
الإساءة، سموا بالإنسان عن أن تظن به الاساءة إلى الوالدين، وكأن الإساءة
إليهما، ليس من شأنها أن تقع منه حتى يحتاج إلى النهى عنها، ولأن الخير
المنتظر من هذه الوصية وهو تربية الأبناء على الاعتراف بالنعم وشكر
المنعمين عليها إنما يتحقق بفعل الواجب، وهو الإحسان لا بمجردترك المحرم
وهو الإساءة. لهذا وذاك قال - سبحانه - وبالوالدين إحسانا ..
- والإحسان يتعدى بحر فى الباء وإلى، فقال: أحسن به، وأحسن
إليه، وبينهما فرق واضح، فالباء تدل على الإلصاق، وإلى تدل على الغاية
والإلصاق يفيد اتصال الفعل بمدخول « الباء، دون انفصال ولا مسافة
بينهما، أما الغاية فتفيد وصول الفعل إلى مدخول (( إلى، ولو كان منه على
بعد أو كان وبينهما واسطة ، ولا شك أن الإلصاق فى هذا المقام أبلغ فى
تأكيد شأن العناية والإحسان بالوالدين ، ومن هنا لم يعد الإحسان بالباء
فى القرآن إلا حيث أريد ذلك لتأكيد، وقد جاءث جميع الابا القرآنية
التى توحى بالإحسان بالوالدين على هذا الأسلوب: (١).
ثم جاءت الوصية الثالثة وهى قوله - تعالى - ,ولا تقتلوا أولادكم
من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ،.
الإملاق: الفقر، مصدر أملق الرجل إملاذا إذا احتاج وافتقر .
أى: لا تقتلوا أولاد كم الصغار من أجل الفقر فنحن قد تكلفنا برزنكم
ورزقهم .
(( وما من داية فى الأرض إلا على الله رزقها ..
ولاشك أن الحياة حق لهؤلاء الصغار كما أنها حق لكم. فمن الظلم البين
(١) تفسير القرآن الكريم -٤٣٤ لفضيلة الأستاذ الشيخ محمود شلتوت

٢٩٢
الجزء الثامن
الاعتداء على حقوقهم، والتخلص منهم خوفا من المقر، مع أن الله - تعالى-
هو الرازق لكم ولهم .
والمجتمع الذى يبيح قتل الأولاد خوفا من الفقر أو خوفاً من العار .
لا يمكن أن يصلح شأنه، لأنه مجتمع نفعى تسوده الأثرة والأنانية، ويكون
فى الوقت نفسه مجتمعا أفراده يسودهم التشاؤم، وتنغشام الأوهام، لأنهم
يظنون أن الله يخلق خلفاً لا يدبر لهم حقهم من الرزق، ويعتدون على روح
بريئة طاهرة تخوفا من جريمة متوهمة ، وذلك هو الضلال المبين.
- وقد روى النهى عن قتل الأولاد هنا بهذه الصيغة ، ووردفى سورة
الإسراء بصيغة أخرى هى قوله - تعالى - ,ولا تقتلوا أولادكم خشية
إملاق نحن رزقهم وإياكم، وليس إحداهما تكراراً للأخرى, وإنما
كل واحدة منهما تعالج حالة معينة .
- فهنا يقول - سبحانه -ـ((من إملاق)، أى: لا تقتلوهم بسبب الفقر
الموجود فيكم أيها الآباء لذا قال: ((نحن نرزقكم وإياهم، بجعل الرزق
للآباء ابتداء، لأن الفقر الذى يقتلون من أجله أولادهم حاصل لهم فعلا.
- وفى سورة الإسراء يقول: ((خشية إملاق)) أى: خوفا من ففر ليس
حاصلا، ولكنه متوقع بسبب الأولاد ولذا قال: «نحن نرزقهم وإيا كم، فقدم
رزق الأولاد لأنهم سبب توقع الفقر ، ليكف الآباء عن هذا التوقع ،
وليضمن للأولاد رزقهم ابتداء مستقلا عن رزق الآباء .
ففى كلتا الحالتين القرآن ينهى عن قتل الأولاد ، ويغرس فى نفوس
الآباء الثقة بالله، والاعتماد عليه.
وجملة ((نحن نرزقكم وإياهم، تعليلية لإبطال ما اتخذوه سبباً لمباشرة
جريمتهم، وضمان منه - سبحانه - الأرزاقهم أى: نحن نرزق الفريقين لا أنتم
وحدكم ، فلا تقدموا على تلك الجريمة النكراء وهى قتل الأولادلأن الأولاد

٢٩٣
سورة الأنعام
قطعة من أبيهم ، والشأن حتى فى الحيوان الأعجم أنه يضحى من أجل
أولاده، ويحميهم ويتحمل الصعاب فى سبيلهم.
أما الوصية الرابعة فتقول: ((ولا تقربوا الفواحش ماظهر منها وما يطن))
الفراحش. جمع فاحشة وهى كما قال الراغب فى مفرداته - ماعظم قبحه
من الأقوال والأفعال يقال: فحش فلان، أى صار فاحشاً مرتكباً للقبائح،
والمعفحش هو الذى يأتى بالفحش من القول أو الفعل، كالسرقة والزنا
والنميمة وشهادة الزور .
: وأنها كم عن أن تقتربوا من الأقوال والأفعال القبيحة ما كان
منها ظاهراً وما كان منها خافياً .
وقد قعلق التحريم والنهى بهذا الوصف الذى يشعر بالعلة - كما يقول
علماء الأصول - فكأنه قال. إن كل قول أو فعل تستقبحه العقول فيو فاحشة
يجب البعد عنها .
والمجتمع الذى يؤمن بأن هناك«فواحش، يجب أن تجنب، و((محاسن))
يجب أن تلتمس هو المجتمع الفاضل الطهور.
أما المجتمع الذى يسوى بين القبيح والحسن، ويقوم على الإباحية
التى لا تفرق بين ما يجب أن يفعل وما يجب أن يترك ، فلا بد أن يكون
مصيره إلى التدهور والتعاسة والمهانة .
وجملة ((ما ظهر منها وما بطن)) بدل اشتمال من الفواحش.
وتعليق النهى بقربانها للمبالغة فى الزجر عنها لأن قربانها قد يؤدى إلى
مباشرتها ، فمن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، وهذا لون حكيم من
ألوان الإصلاح، لأنه إذا حصل النهى عن القرب من الشىء، فلأن ينهى
عن فعله من باب أولى .

٢٩٤
الجزء الثامن
ثم جاءت الآية فى ختامها بالوصية الخامسة فقالت: ولا تقتلوا النفس
التى حرم الله بالحق . .
أى: لا تقتلوا النفس التي حرم الله قتلها بأن عصمها بالإسلام إلا
بالحق الذى يبيح قتلها شرعاً كردة أو قصاص أو زنا يوجب الرجم .
قال ابن كثير: وهذا مما نص - تبارك وتعالى - على النهى عنه تأكيدا،
وإلا فهو داخل فى النهى عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن. فقد جاء فى
الصحيحين عن ابن مسعود قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم )لا يحل
دم امرى. مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله إلا بإحدى ثلاث:
الثيب الزانى، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق الجماعة)) (١).
وقوله (( إلا بالحق، فى محل نصب على الحال من فاعل ((تقتلوا، أى:
لاتقتلوها ملتبسين بالحق ، ويجوز أن يكون وصفاً لمصدر محذوف أى :
قتلا ملتبساً بالحق، وهو استثناء مفرغ من أعم الأحوال، أى: لا تقتلوها
فى حال من الاحوال إلا حال ملابستكم بالحق .
وذلك لأن الإسلام بنظر إلى وجود الإنسان على أنه بناء الله فلا يحق
لأحد أن يهدمه إلا بالحق، وبذلك يقرر عصمة الدم الإنسانى، ويعتبر
من يعتدى على نفس واحدة فكأنما قد اعتدى على الناس جميعاً: (, أنه من
قتل نفساً بغير نفس أو فساد فى الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن
أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً ،.
ثم ختمت الآية بقوله - تعالى ـ ((ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون).
أى : ذلكم الذى ذكرناه لكم من وصايا جليلة، وتكاليف حكيمة،
وماكم الله به، وطلبه منكم. لعلكم تستعملون عقولكم التى تعقل
قفوسكم وتحبها عن مباشرة القبائح .
(١) تفسير ابن كثير ج ٢ ص ١٩٠

٢٩٥
سورة الانعام
ظم الإشارة (( ذلكم)) مشار به إلى الوصايا الخمس السابقة، وهو مبتداً
. وجملة وصاكم به خبر .
ولفظ وصاكم من اللطف والرأفة وجعلهم أو صياء له - تعالى - مايحمل
النفوس على الطاعة والاستجابة .
هذه هى الوصايا الخمس التى تضمنتها الآية الأولى من هذه الآيات الثلاث
وكلها-تشترك فى معنى واحد هو أنها حقائق أو حقوق ثابتة فى نفسها، ولم
يكن ثبوتها إلا تجاربا مع الفطرة، فالله واحد سواء آمن الناس بهذه الحقيقة
عقيديا وعمليا أم لم يؤمنوا، وشكر النعمة يقتضى الإحسان إلى الوالدين طبعاً
ووضعا، وللنسل حق الحياة والحفظ، والفواحش فحش وفكر فى ذاتها
فيجب أن تجتنب، والنفوس معصومة فليس لأحد أن يهدمها الا بحق،
ولاتفاقها كلها فى هذا المعنى جاءت فى آية واحدة، وختمت بعبارة تفيد أن
هذا مرجعه إلى حكم العقول (( لعلكم تعقلون)).
والوصية السادسة تأتى فى مطلع الآية الثانية فتقول: ((ولا تقربوا مال
اليتيم إلا بالتى هى أحسن حتى يبلغ أشده)).
أى: لا تقربوا مال اليتيم الذى فقد الأب الحانى، ولا قتعرضوا لماهو من
حقه بوجه من الوجوه إلا بالوجه الذى ينفعه فى الحال أو المآل، كفريته
وتعليمه ، وحفظ ماله واستثماره .
وإذن ، فكل تصرف مع اليتيم أو فى ماله لا يقع فى تلك الدائرة - دائر.
الأنفع والأحسن - محظور ، ومنهى عنه .
قال بعض العلماء: وكثيرا ما يتعلق النهى فى القرآن بالقربان من الشىء،
وضابطه بالاستقراء: أن كل منهى عنه كان من شأنه أن تميل إليه النفوس
وقدفع إليه الأهواء النهى فيه عن «القربان، ويكون القصد التحذير من أن
يأخذ ذلك الميل فى النفس مكانه تصل بها إلى اقتراف المحرم، وكان من ذلك فى

٢٩٦
الجزء الثامن
الوصايا السابقة النهى عن الفواحش، ومن هذا الباب ,ولا تقربا هذه
الشجرة )، ((ولا تقربوا الزنا)) ولا تقربوهن حتى يطهون)) إلخ،
أما المحرمات التى لم يؤلف ميل النفوس إليها ولا اقتضاء الشهوات لها،
فإن الغالب فيها أن يتعلق النهى عنها بنفس الفعل لا بالقربان منه. ومن ذلك
فى الوصايا السابقة الشرك بالله، وقتل الأولاد، وقتل النفس التي حرم الله
قتلها، فإنها وإن كان الفعل المنهى عنه فيها أشد قبحا وأعظم جرما عند الله
من أكل مال اليتيم وفعل الفواحش، إلا أنها ليست ذات دوافع نفسية يميل
إليها الإنسان بشهوته، وإنما هى فى نظر العقل على المقابل من ذلك، يجد
الإنسان فى نفسه مرارة من ارتكابها، ولا يقدم عليها إلا وهو كاره لها
أو فى حكم الکاره ((١) .
وقوله: (( حتى يبلغ أشده، ليس غاية للنهى، إذ ليس المعنى فإذا بلغ
أعده فاقربوه لأن هذا يقتضى إباحة أكل الولى له بعد بلوغ الصبى ، بل هو
غاية لما يفهم من النهى كأنه قيل : أحفظوه حتى يصير بالغارشيداً لحينئذ
سلموا إليه ماله .
والخطاب للأولياء والأوصياء. أى: احفظوا ماله حتى يبلغ الحلم فإذا
بلغه فادفعوه إليه .
والأشد : قوة الإنسان واشتعال حرارته ؛ من الشدة بمعنى القوة.
والارتفاع. يقال: شد النهار إذا ارتفع. وهو مفرد جاء بصيغة الجمع .
ولا واحد له .
الوصية السابعة: «وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسه:
إلا وسعها ..
(١) تفسير القرآن الكريم ص ٤٤١ لفضيلة المرحوم الشيخ محمودشلتوت.

٢٩٧
سورة الأنعام
أى: أنموا الكيل إذا كلتم الناس أو اكتلتم عليهم لأنفسكم، وأوفوا
الميزان إذا وزنتم لأنفسكم فيما تبتاعون أو لغيركم فيما تبيعون .
فالجملة الكريمة أمر من الله - تعالى - لعباده بإقامة العدل فى التعامل:
بحيث يعطى صاصب الحق حقه من غير نقصان ولا بخس ، ويأخذ صاحب
الحق حقه من غير طلب الزيادة .
والكيل والوزن: مصدران أريد بهما ما يكان وما يوزن، كالعيش بمعنى
ما يعاش به . وبالقسط حال من فاعل أوفوا أى: أوفوهما مقسطين أى:
متلبسين بالقسط. ويجوز أن يكون حالا من المفعول أى: أوفوا الكيل
والميران بالقسط أى : تامين .
وهذه الوصية هى مبدأ العدل والتعادل، وكل مجتمع محتاج إليها، فالناس
لابدلهم من التعامل ، ولا بدلهم من التبادل ، والكيل والوزن هما وسيلة ذلك،
فلابد من أن يكونا منضبطين بالقسط .
والمجتمعات الأمينة التى لا تجد فيها أحدا يغين عن جهل أو غفلة ،
وهى أيضاً المجتمعات الأمينة التى لا تجد فيها من يحال أن يأخذ أكثر من
حقه . أو يعطى أقل مما يجب عليه .
وقوله (( لا نكلف نفسا إلا وسعها)، أى: لا نكلف نفسا إلا ما يسعها
ولا يعسر عليها. والجملة مستأنفة جىء بها عقيب الأمر بإيفاء الكيل والميزان
بالعدل ، للترخيص فيما خرج عن الطاقة ، ولبيان قاعدة من قواعد الإسلام
الرافعة للحرج وذلك لأن التبادل التجارى لا يمكن أن يتحقق على وجه كامل
من المساواة أو التعادل ، فلابد من تقبل اليسير من الغبن فى هذا الجانب أو ذاك.
والوصية الثامنة تقول: (( وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى)).
أى: وإذا قلتم قولا فاعدلوا فيه ولو كان المقول له أو عليه صاحبه
قرابة منكم .

٢٩٨
الجزء الثامن
إذ العدل هو أساس الحكم السليم: العدل فى القول، والعدل فى الحكم،
والعدل فى كل فعل .
وإنما خصصت الآية العدل فى القول مع أن العدل مطلوب فى الأقوال والأفعال
وفى كل شىء، لأن أكثر ما يكون فيه العدل أقوال كالشهادة ، والحكم،
ثم الأفوال هى التى تراود النفوس فى كل حال . فالإنسان حين تصادفه قضية
من القضايا القولية أو العملية يحدث نفسه فى شأنها، ويراوده معنى العدل
وكأنه يطالبه أن ينطق به ويؤيده، فيقول فى نفسه سأفعل كذا لأنه العدل،
فإذا لم يكن صادقا فى هذا القول فقد جانى العدل وقال زوراً وكذبا.
أما قوله (( ولو كان ذا قربى)) فهو أخذ بالإنسان عما جرت به عادته من
التأثر بصلات القربى فى المحاباة للأقرباء والظلم لغيرهم .
فالقرآن يرتفع بالضمير البشرى إلى مستوى سامق رفيع، على هدى من
العقيدة فى الله، بأن يكلفه بتحرى العدل فى كل أحواله ولو إزاء أقرب
المقربين إليه .
أما الوصية التاسعة والأخيرة فى هذه الآية فهى قوله - تعالى - ((وبعهد
اللّه أوفوا، أى: كونوا أوفيا. مع الله فى كل ما عهد إليكم به من العبادات
والمعاملات وغيرها .
١.
إذ الوفاء أصل من الأصول التى يتحقق بها الخير والصلاح، وتستقر
عليها أمور الناس .
وقوله : ((وبعهد الله أوفوا، يفيد الحصر لتقديم المعمول، وفى هذا إشعار
بأن هناك عهوداً غير جديرة بأن تنسب إلى أنته، وهى العهودالقائمة على الظلم
أو الباطل، أو الفساد، فمثل هذه العهود غير جديرة بالاحترام، ويجب العمل
على الهخلص منها .
ثم ختمتالآبة بقوله - تعالی ۔۔۔الکم وصا کم ہہ لملکم تذ کرون»

٢٩٩
سورة الأنعام
أى: ذلكم المتلو عليكم فى هذه الآية من الأوامر والنواهى وصا كم اله به فى
كتابه رجاء أن تتذكروا وتعتبروا وتعملوا بما أمر تم به وتحتفيوا مانهيتم عنه
أو رجاء أن يذكر بعضكم بعضا فإن التناصح واجب بين المسلمين.
أما الوصية العاشرة فى قوله - تعالى - فى الآية الثالثة من هذه الآيات: ((وأن
هذا صراطى مستقيما فإنبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله)).
قرأ الجمهور بفتح همزة ((أن)، وتشديد النون. ومحلها مع ما فى حيزها
الجر بحذف لام العلة. أى: ولأن هذا الذى وصيتكم به من الأوامر والنواهى
طريقى ودينى الذى لا اعوجاج فيه ، فمن الواجب عليكم أن تتبعوه
و تعملوا به .
ويحتمل أن يكون محلها مع ما فى حيزها النصب على ((ما حرم، أى:
وأقلوا عليكم أن هذا صراطي مستفيما.
وقرأ حمزة والكسائى ((إن) بكسر الهمزة على الاستئناف.
وقوله (( ولا تتبعوا السبل)، يعنى الأديان الباطلة، والبدع والضلالات
الفاسدة , فتفرق بكم عن سبيله، أى. فتفرقكم عن صراط الله المستقيم
وهو دين الإسلام الذى ارتضاء لكم .
روى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود - رضى الله عنه - قال: خط
لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطأ ثم قال: هذا سبيل الله، ثم
خط خطوطا عن يمينه وعن شماله ثم قال: هذه سبل على كل سبيل منها شيطان
بدعوا إليه ثم قرأ (, وأن هذا صراطى مستقيما، ..
وقد أفرد - سبحانه - الصراط المستقيم وهو سبيل الله، وجمع السبل
المخالفة له لأن الحق واحد والباطل ما خالفه وهو كثير فيشمل الأدبان الباطلة،
والبدع الفاسدة ، والشبهات الزائفة ، والفرق الضالة وغيرها .
ثم خدمت الآية بقوله - تعالى - ((ذلكم وصاكم به املكم تتقون، أى:

٣٠٠
الجزء الثامن
ذلكم المذكور من أتباع سبيله - تعالى - وترك اتباع السبل وصاكم الله به
لعلكم قتقون أتباع سبل الكفر والضلالة، وتعملون بماجاءكم به هذا الدين.
قال أبو حيان : ولما كانت الخمسة المذكورة فى الآية الأولى من الأمور
الظاهرة الجلية مما يجب تعلقها وتفهمها ختمت الآية بقوله (( لعلكم تعقلون))،
ولما كانت الأربعة المذكورة فى الآية الثانية عافية غامضة ولا بد فيها من
الاجتهاد والتفكر حتى يقف الإنسان فيها على موضع الاعتدال ختمت بقوله:
((لعلكم تذكرون، ولما كان الصراط المستقيم هو الجامع للتكاليف، وأمر
- سبحانه - باقباعه ونهى عن أتباع السبل المختلفة ختم ذلك بالتقوى التى هى
اتقاء النار، إذ من اقبع صراطه نجا النجاة الأبدية وحصل على السعادة
السرمدية ، (١).
وبعد: فهذه هى الوصايا العشر التى جاءت بها هذه الآيات الكريمة ،
والمتأمل فيها يراها قد وضعت أساس العقيدة السليمة فىتوحيد الله - تعالى-
وبنت الأسرة الفاضلة على أساس الإحسان بالوالدين والرحمة بالأبناء ،
وحفظت المجتمع من التصدع عن طريق تحريمها لانتهاك الأنفس والأموال
والأعراض، ثم ربطت كل ذلك بتقوى الله التى هى منبع كل خير وسبيل
كل فلاح.
فأين المسلمون اليوم من هذه الوصايا؟ إنهم لو عملوا بها لعزوا فى دنياهم
ولسعدوا فى أخرامم ، فهل تراهم فاعلون ؟
اللهم خذ بيدنا إلى ما يرضيك وجنبنا مالا يرضيك،
ولما كان هذا الصراط قديماً، والديانات قبله كانت فى اتجاهه ، أشار
- سبحانه - إلى موسى وكتابه، وبين منزلة هذا القرآن، وأمر الناس.
باتباعه فقال :
(١) البحر المحيط لأبي حيان ج ٤ ص ٥٤