النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ سورة الأنعام وَهُوَ الَّذِىّ أَنشَأْجَتَّتِ مَّعْرُوشَنْتِ وَغَيْرَ مَعْرُوشَتِ وَالَّغْلَ وَالَّرْعَ مُخْلًِّ ◌ُوَلَّيُونَ وَالْمَانَ مُتَِّهًا وَغَيْرٌ مُتَشَبَّةٍ. كُواْ مِن تَحْرِهِةَ إِذَا أَثْمَرَ وَءَانُواْ حَقَّهُ, يَوْمَ حَصَادِهِ، وَلَا تُسْرِفُواْ ◌ِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ () وَمِنَ الْأَنْعَمِ حُوْلَةً وَفَرْشًّا كُوِْمًا رَزَقَكُمُ اللهُ وَلَا تَِّعُواْ خُطُوْتِ الشَّيْطَيِّ إنّهُ لَكُمْ عَدُوْ مِينَ(٤) ٤٥١٠٠١١٥٤ ١ تَنِيَةَ أَزْوَبِّ مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعِْ أَثْنَيْنِ قُلْءَ الذََّرَيْنِ حرّمَ أَمِ آلْأُنْذَبَيْنِ أَّا أَشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَمُ آلْأُمَسَيْنِّ نَبِعُونِى بِعِلْمٍ إِنْ كُمْصَادِقِينَ (٢) وَمِنَ الْإِ أثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَرِ اثْنَيْنِ قُلْءَالذَّكَّنِ حَّمَ أَمِ الَْبَيْنِ أَمَّ أَشْتَعَلَتْ عَيْهِأَرْحَمُ آلْأُنَيْنِ أَمْ كُنُمْ شُهَدَآءَ ج إِذْ وَصِّنْكُرُ اللهُ بِهَذَا ◌َنْ أَظْلَمُ بِمَنْ أَفْتَ عَلَى الَِّ كَذِبًا لِيُضِلَّ ((النَّسَ بِغَيْرِ عِلْمَّ إِنَّ اللهَلَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّلِينَ () قوله - تعالى - ((وهو الذى أنشأ جنات معروشات وغير معرشات)). أنشأ : أى أوجد وخلق . والجنات: البساتين والكروم الملتفة الأشجار. ومعروشات : أصل العرش فى اللغة شىء مسقف يجعل عليه المكرم وجمعه عروش، يقال عرشت الكرم أعرشه عرشاً من بانى - ضرب ونصر -، وعرشته تعريشاً إذا جعلته كهيئة السقف . فالمادة تدل على الرفع ومنها عرش الملك . قال ابن عباس: المعروشات. ما لفبط على الأرض وانبسط من ٢٦٢ الجزء الثامن الزروع ما يحتاج إلى أن يتخذله عربت يحمل عليه، كالكرم والبطيخ والقرع ونحو ذلك . وغير المعروشات ماقام على ساق واستغنى باستوائه وقوة ساقه عن التعريش كالنخل والشجر . وقيل المعروشات وغير المعروشات كلاهما فى الكرم خاصة ، لأن منه ما يعرش ومنه مالا يعرش بل يبقى على وجه الأرض منبسطا . وقيل المعروشات ماغر سه الناس فى البساتين واهتموا به فعرشوه من كرم أو غيره، وغير المعروشات، هو ما أنبته الله فى البرارى والجبال من كرم وشجر. أى: وهو - سبحانه -الذى أوجدلكم هذه البساتين المختلفة التى منها المرفوعات عن الأرض، ومنها غير المرفوعات عنها، فخصوه وحده بالعبادة والخضوع. وقوله: ((والنخل والزرع مختلفا أكله، عطف على جنات، أى: أنشأ جنات، وأنشأ النخل والزرع، والمراد بالزرع جميع الحبوب التى يقتات بها. وإنما أفردهما مع أنهما داخلان فى الجنات لما فيهما من الفضيلة على سائر ما ينبت فى الجنات . و((مختلفا أكله)، أى، ثمره وحبه فى اللون والطعم والحجم والرائحة. والضمير فى أكله راجع إلى كل واحد منهما، أى: النخل والزرع والمراد بالأكل المأكول أى، مختلف المأكول فى كل منهما فى الهيئة والطعم . قال الجمل: وجملة. ((مختلفا أكله، حال مقدرة، لأن النخل والزرع وقت خروجه لا أكل منه حتى يكون مختلفا أو متفقا ، فهو مثل قولهم : مررت برجل معه صقر صائداً له غدا . . وقوله: «والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه، أى: وأنشأ الزيتون والرمان متشابها فى المنظر وغير متشابه فى الطعم أو متشابها بعض أفرادهما فى اللون أو الطعم أو الهيئة ((وغير متشابه فى بعضها. قال القرطى : وفيه أدلة ثلاثة، أحدها : ما تقدم من قيام الدليل على أن ٢٦٣ : سورة الأنعام المتغيرات لابد لها من مغير، الثانى: على المنة منه - سبحانه - علينا، فلوشاء إذ خلقنا ألا يخلق لنا غذاء، وإذا خلقه ألا يكون جميل المنظر طيب الطعم، وإذ خلقه كذلك ألا يكون سهل الجنى، فلم يكن عليه أن يفعل ذلك ابتداء ، لأنه لا يجب عليه شىء . الثالث : على القدرة فى أن يكون الماء الذى من شأنه الرسوب يصعد بقدرة الله الواحد علام الغيوب من أسافل الشجرة إلى أعاليها، حتى إذا انتهى إلى آخرها نشأت فيها أوراق ليست من جنسها، وثمر خارج من صفته: الجرم الوافر ، واللون الزاهر ، والجنى الجديد، والطعم اللذيذ، فأين الطبائع وأجناسها وأين الفلاسفة وأسسها ، هل هى فى قدرة الطبيعة أن تتقن هذا الإتقان أو ترقب هذا الترتيب العجيب . كلا ، لا يتم ذلك فى العقول إلا لحى قادر عالم مريد ، فسبحان من له فى كل شىء آية ونها ية . ووجه اتصال هذا بما قبلة أن الكفار لما افتروا على الله الكذب. وأشركوا معه وحلالوا وحرموا دهم على وحدانيته بأنه خالق الأشياء، وأنه جعل هذه الأشياء أرزاقا لهم)، (١). ثم ذكر - سبحانه - المقصود من خلق هذه الأشياء فقال «كاوامن ثمره إذا أثمر، أى: كلوا من ثمر تلك الزروع والأشجار التى انشأناها لكم، شاكرين الله على ذلك. والأمر للإباحة. وفائدة التقييد بقوله ((إذا أثمر) إباحة الأكل قبل النضوج والإدراك . وقيل فائدته: الترخيص المالك فى الأكل من قبل أداء حق الله - تعالى- لأنه لما أوجب الحق فيه ربما يتبادر إلى الأذهان أنه يحرم على المالك تناول شىء منه لمكان شركة المساكين له فيه، فأباح الله له هذا الأكل . ثم أمرهم - سبحانه - بأداء حقوق الفقراء والمحتاجين بمارزقهم فقال: (١) تفسير القرطبي - ٧ ص ٠٩٩ ٢٦٤ الجزء الثامن • وآقو حقه يوم حصاده، أى، كلوا من ثمر ما أنشأنا لكم، وأدواحق أقله فيه للفقراء والمحتاجين يوم حصاد .. ويرى بعض العلماء أن المراد بهذا الحق الصدقة بوجه عام على المستحقين. لها ، بأن يوزع صاحب الزرع منه عند حصاده على المساكين والبائسين ما يسد حاجتهم بدون إسراف أو تقتير. وأصحاب هذا الرأى فروا هذا الحق بالصدقة الواجهة من غير تحديد المقدار وليس بالزكاة المفروضة لأن الآية مكية والزكاة إنما فرضت بالمدينة. وهم يرون أن هذا الحق لم ينسخ بالزكاة المفروضة، بل على صاحب الزرع أن يطعم منه المحتاجين عند حصاد. ويرى بعض آخر من العلماء أن المراد بهذا الحق ما فصلته السنة النبوية من الزكاة المفروضة وهذه الآية مدنية وإن كانت السورة مكية . ويبدو لنا أن الرأى الأول أرجح، لأنه لا دليل على أن هذه الآيةمدئية ولأن فرضية الزكاة لا تمنع إعطاء الصدقات، وفى الأمر بإيتا. هذا الحق يوم الحصاد، مبالغة فى العزم على المبادرة إليه . والمعنى: اعزموا على إيتاء هذا الحق وأقصدوه، واهتموا به يوم الحصاد. حتى لا نؤخروه عن أول وقت يمكن فيه الإيتاء . وقيل . إنما ذكر وقت الحصاد تخفيفاً على أصحاب الزروع حتى لا يحسب. عليهم ما أكل قبله . ثم ختمت الآية بالنهى عن الإسراف فقالت، (ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين)). أى لا تسرفوا فى أكلمكم قبل الحصاد ولا فى صدقاتكم ولا فى أى. شأن من شؤونكم، لأنه - سبحانه - لا يحب المسرفين. وقال ابن جريج، نزلت فى ثابت بن قيس، قطع نخلا له فقال . لا يأتينى اليوم أحد إلا أطعمته، فأطعم حتى أمسى وليست له ثمرة، فنوات هذه الآية. وقال عطاء، نهوا عن السرف فى كل شىء. ٢٦٥ سورة الأنعام وقال إياس بن معاوية ، ماجاوزت به أمر الله فهو صرف. ثم بين - سبحانه - حال الأنعام، وأبطل ما تقولوء عليه فى شأها بالتحريم والتحليل فقال .. ومن الأنعام حمولة وفرشا)). الحمولة، هى الأنعام الكبار الصالحة للحمل . والفرش هى صغارها الدانية من الأرض ، مثل الفرش المفروش عليها . وقيل الحمولة كل ما حمل عليه من إبل وبقر وبخل وحمار. والفرشما اتخذ من موفه ووبره وشعره ما يفرش . أى: وأنشأ لكم - سبحانه - من الأنعام حمولة وهى ما تحملون عليه أثقائكم، كما أنشأ لكم منها فرشا وهى صغارها التى تفرش للذبائح من الضأن والمعز والإبل والبقر . والجملة معطوفة على جنات، والجهة الجامعة بينهما إباحة الانتفاع هما . وقوله «كاوامما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين ) . أى: كلوا مما رزقكم الله من هذه الثمار والزروع والأنعام وغيرها ، وانتفعوا منها بسائر أنواع الانتفاع المشروعة، ولا تتبعوا وساوس الشيطان وطرقه فى التحريم والتحليل كما اتبعها أهل الجاهلية، إذ حرموا مارزقهم الله افتراء عليه، إن الشيطان عداوته، ظاهرة واضحة لكم، فهو يمنعكممايحفظ روحكم، ويطهر قلوبكم، فالجملة الكريمة (« إنه لكم ... ، تعليل للنهى عن أتباع خطوات الشيطان . ثم بين القرآن بعد ذلك بعض ما كان عليه الجاهليون من جهالات ، وناقشهم فيما أحلوه وحرموه مناقشة منطقية حكيمة فقال : « ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ... ٢٦٦ الجزء الثامن وقوله - سبحانه - ((ثمانية أزواج، بدل من (حمولة وفرشا ، بناء على كونهما قسمين لجميع الأنعام على الراجح ، وقيل أن لفظ ثمانية منصوب بفعل مضمر أى: وأنشأ الكم ثمانية أزواج، أو هو مفعول به لفعل «كلوا)) وقوله ((ولا تتبعوا .. الخ) معترض بينهما. والزوج يطلق على المفرد إذا كان معه آخر من جنسه بزاوجه ويحصل منهما النسل ، وكذا يطلق على الإثنين فهو مشترك والمرادهنا الاطلاق الأول والمعنى : ثمانية أصناف خلقها الله لكم ، لتنتفعوا بها أكلا ور كوبا وحملا وحلباً وغير ذلك . ثم فصل الله - تعالى - هذه الأزواج الثمانية فقال: ((من الضأن اثنين)) "أى. من الضأن زوجين اثنين هما الكبش والنعجة، ((ومن المعزاثنين)) أى. ومن المعز زوجين اثنين هما التبس والعنز . ثم أمر الله - تعالى - نبيه (صلى الله عليه وسلم) أن يبكتهم على جهلهم فقال ((قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين،. أى: قل لهم يا محمد على سبيل التوبيخ وإلزامهم الحجة. أحرم الله الذكر ين وحدهما من الضأن والمعز أم الأنثيين وحدهما، أم الأجنة التى اشتملت عليها أرحام إناث الزوجين كليهما سواء أكانت تلك الأجنة ذكوراً أم إناثا ؟ وقوله: ((نبتونى بعلم إن كنتم صادقين) أى: أخبرونى بأمر معلوم من جهته - تعالى - جاءت به الأنبياء، يدل على أنه - سبحانه - قد حرم شيئاً ما حرمتموه إن كنتم صادقين فى دعوى التحريم . والأمر هنا التعجيز لأنهم لا دليل عندهم من العقل أو النقل على صحة تحريمهم لبعض الأنعام دون بعض . وقوله - تعالى - ,ومن الإبل اثنين، عطف على قوله ((من الضأن اثنين، أى: وأنشأ لكم من الإبل اثنين هما الجمل والناقة ,ومن البقر اثنين، ٠) الثور وأنشاء البقرة . ٢٦٧ سورة الأنعام (قل، إفحاما فى أمر هذين النوعين أيضاً , آلذكرين حرم، الله - تعالى- منهما، (أم الانثيين أما اشتملت عليه أرحام الانثيين، من ذينك النوعين؟ قال الألوسى: والمعنى - كما قال كثير من أجلة العلماء: إنكار أن الله - تعالى - حرم عليهم شيئا من هذه الأنواع الأربعة، وإظهار كذبهم فى ذلك وتفصيل ما ذكر من الذكور والإناث وما فى بطونها للمبالغة فى الرد عليهم بإيراد الإنكار على كل مادة من مواد افترائهم ، فإنهم كانوا يحرمون ذكور الأنعام تارة، وإناتها تارة . وأولادها كيفما كانت تارة أخرى، مسندين ذلك كله إلى الله - سبحانه - . ثم قال: وإنما لم يل المذكر - وهو التحريم - الهمزة، والجارى فى الاستعمال أن ما فكر وليها لآن ما فى النظم الكريم أبلغ . وبيانه - على ماقاله السكانى - أن إثبات التحريم يستلزم إثبات محله لامحالة، فإذا افتفى محله وهو الموارد الثلاثة لزم انتفاء التحريم على وجه برهانى . كانه وضع الكلام موضع من سلم أن ذلك قد تم طالبه بيان محله كى يتبين كذبه، ويفتضح عند الحاجة . وإنما لم يورد - سبحانه - الأمر عقيب تفصيل الأنواع الأربعة، بأن يقال: قل الذكور حرم أم الإناث أما اشتمات عليه أرحام الإناث، لما فى التكرير من المبالغة أيضا فى الإلزام والتبكيت)، (١). وقوله - تعالى - ( أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا) تكرير للإفحام والتبكيت . أى: أكنتم حاضرين حين وصاكم الله وأمركم بهذا التحريم؟ لا، ماكنتم حاضرين فمن أين لكم هذه الأحكام الفاسدة؟ فالجملة الكريمة تبكتهم غاية التبكيت على جوالاتهم وافترائهم الكذب على الله، والاستفهام فى قوله - تعالى - (فمن أظلم ممن افترى على الله كذ با (١) تفسير الآلوسى ج ٨ ص ٤١ ٢٦٨ الجزء الثامن - ليضل الناس بغير علم ) للنفى والإفكار . أى: لا أحد أشد ظلماً من هؤلاء المشركين الذين يفترون على الله الكذب بنسبتهم إليه - سبحانه - تحريم ما لم يحرمه لكى يضلوا الناس عن الطريق القويم بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير . وقوله، ( بغير علم ) متعلق بمحذوف حال من فاعل افترى ، أى : افترى عليه - تعالى - جاهلا صدور التحريم. وإنما وصف بعدم العلم مع أن المفترى عالم بعدم الصدور ، إيذاناً بخروجه فى الظلم عن الحدود والنهايات، لأنه إذا كان المفدى بغير علم بعد ظالماً فكيف بمن يفترى الكذب وهو عالم بذلك . ثم ختمت الآية بقوله - تعالى -(إن الله لا يهدي القوم الظالمين) أى لا يهديهم إلى طريق الحق بسبب ظلهم ، وإيثارهم طريق الغى على طريق الرشد . هذا، والمتأمل فى هاتين الآيتين الكريمتين يراهماقد ردنا على المشركين بأسلوب له - مع سهولته وتأثيره - الطابع المنطقى الذى يزيد المؤمنين إيماناً بصحة هذا الدين، وصدق هذا القرآن، ويقطع على المعارضين والملحدين كل حجة وطريق . وتقرير ذلك - كما قال بعض العلماء - أن تطبق قاعدة (السبر والتقسيم) فيقال، إن الله - تعالى - خلق من كل صنف من المذكورات نوعين : ذكراً وأنثى، وأنتم أيها المشر كون حرمتم بعض هذه الأنعام، فلا يخلو الأمر فى هذا التحريم من : ١ - أن يكون تحريماً معللا بعلة. ٢ - أو أن يكون تحريماً تعبدياً ملقى من الله - تعالى -. ولا جائز أن يكون تحريماً معالا ، لأن العلمة إن كافت هى (الذكورة) فأنتم أبحتم بعض الذكور وحرمتم بعضا، فلم تجعلوا الأمر فى الذكورة مطرداً وإن كانت العلة هى (الأنوثة) فكذلك الأمر: حيث حرمتم بعض الإبات أو -الام بعضا، فلم قطرد العلة، ومثل هذا يقال إذا جعات العلة هى اشتمال. ٢٦٩ سورة الأنعام الرحم من الأنثى على النوعين، لأنها حينئذ تقتضى أن يكون الكل حراما خلاذا أحلوا بعضه . وهذا كله يؤخذ من قوله - تعالى - ((قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين). فيطل إذن أن يكون التحريم معللا . ولا جاز أن يكون التحريم تعبديا لا يدرى له علة، أى: مأخوذ عن اله ، لأن الآخذ عن الله إما بشهادة توصيته بذلك وسماع حكمه به ، وقد أفكر هذا عليهم بقوله:« أم كنتم شهداء إذ وصا كم الله هذا، وإما أن يكون برسول أبلغهم ذلك، وهم لم يأهم رسول بذلك ، وفى هذا يقول - جل شأنه متحديا لهم (( تبئونى بعلم إن كنتم صادقين، ((فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم» . وإذن قا قالوه من التحريم إنما هو افتراء وضلال: (١). ثم أمر الله - تعالى - رسوله - سن جل - بعد إلزام المشركين . وتبكيتهم، وبيان أن ما يقولونه فى أمر التحريم افتراء محض - بعد كل ذلك أمره بأن يبين لهم ما حرمه الله عليهم فقال: (١) سورة الأنعام والأهداف الأولى للاسلام ص ٨٣ الفضيلة .الأستاذ محمد المدنى. ٢٧٠ الجزء الثامن قُلِّلَا أَجِدُ. فِى مَا أُوِحِىَ إِلَّمُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًّاً مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ الَّهِءُ فَمنَ أَضْطُرَّ غَيْرَ بَاِخْ وَلَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٤٦) وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ ◌َّمْنَا كُلَّ ذِى ◌ٍُّ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ ◌َّمْنَا عَلَيْهِمْ تُومَهُمَا إِلَّ مَا خَلَتْ تُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا أَخَلَطَ بِعَظْمٍّ ذَلِكَ جَزَيْنَهُمْ يَغْيِّ وَإِنَّالَصَدِقُونَ (١) فَإِن ◌َُّكَ فَعُل ◌َبُّكُمْ دُورَةٍ وَسِعَةٍ وَلَا يُدُّبَأْسُهُ, عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾ أى: ((قل يا محمد لهؤلاء المفترين على الله الكذب فى أمر التحليل والتحريم وغيرهما (( لا أحد فيما أوحى إلى محرما على طاعم بطعمه)). أى: لا أحد فيما أوحاه الله إلى من القرآن طعاما محرما على آ كل يريد أن يأكله من ذكر أو أنثى رداً على قولهم («محرم على أزواجنا)). والجملة الكريمة تفيد أن طريق التحريم والتحليل إنما هو الوحى وليس مجرد الهوى والتشهى، وأن الأصل فى الأشياء الحل إلا أن يرد نص بالتحريم. و («محرما، صفة لموصوف محذوف، أى: شيئاً محرماً، أو طعاما. محرماً، وهو المفعول الأول لأجد، أما المفعول الثانى فهو «فيما أوحى إلى، قدم للاهتمام به . وقوله (« يطعمه ، فى موضعالصفةلطاعم جیء به قطعا للمجاز كما فى قوله (((ولا طائر يطير بجناحيه)). ٢٧١ سورة الأنعام ثم بين - سبحانه - ما حرمه فقال:(( إلا أن يكون ميتة، أو دماءسفوح) أو لحم خنزير فإنه رجس أو فقا، أهل لغير الله به . أى: لا أجد فيما أو حاه الله إلى الآن شيئاً محرما من المطاعم إلا أن يكون هذا الشىء أو ذلك الطعام, ميتة، أى: بهيمة ماتت حتف أنفها. ((أو دما مسفوحا)، أى: دمامصبو باسائلا الدم الذي يخرج من المذبوح عند ذبحه، لا الدم الجامد كالكبد والطحال، والسفح ، الصب والسيلان . ((أو لحم خنزير فإنه، أى اللحم لأنه المحدث عنه، أو الخنزير لأنه الأقرب أو جميع ماذكر من الميتة والدم ولحم الخنزير . ((رجس، أى: قذر خبيث تعافه الطباع السليمة وضار بالأبدان « أو فسقا أهل لغير الله به ، أى: خروجا عن الدين ، لكونه عند ذعه قد ذكر عليه غير اسمه - تعالى - من صنم أو وثن أو طاغوت أو نحو ذلك. والإهلال : رفع الصوت عند رؤية الهلال ، ثم استعمل لرفع الصوت مطلقا، ومنه إهلال الصبى، والإهلال بالحج، وكانوا فى الجاهلية إذا أرادوا ذبح ماقربوه إلى آلهتهم -موا عليها أسماءها - كاللات والعزى - ورفعوايها أصواتهم ، وسمی ذلك إهلالا . وإنماسمى ((ما أهل به "غير الله، فسقا، لتو غله فى باب الفسق، والخروج عن الشريعة الصحيحة، ومنه قوله - تعالى - ((ولاتأكلوا ما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق)). ثم بين - سبحانه - حكم المضطر فقال: ((فمن أضطر)): أى: فمن أصابته الضرورة الداعية إلى تناول شىء ما ذكر، بأن الجى. بإكراه أو جوع مهلك - مع فقد الحلال - إلى أكل شى. من هذه المحرمات. التى كانوا فى الجاهلية يستحلونها، فلا إثم عليه فى أكلها . - ٢٧٢ الجزء الثامن وأضطر : مأخوذ من الاضطرار وهو الاحتياج إلى الشىء ، يقال : اضطره إليه، أى أحوجه والجأه فاضطر. ثم قيد - سبحانه - حالة الاضطرار بقوله : غير باغ ولاعاد»: أى: فمن أصابته ضرورة قاهرة ألجأه إلى الأكل من هذه الأشياء المحرمة حالة کو نه غير باغ فى ا کله ، أی غیر طالب للحرم وهو يجد غيره.أو غير طالب له للذته، أو على جهة الاستئثار به على مضطر آخر بأن ينفرد بتناوله فيها عن الآخر . أو حالة كونه - أيضاً - غير عاد فيما يأكل، أى: غير متجاوز سد الجوعة فلا إثم عليه فى هذه الأحوال . وباغ: مأخوذ من البغاء وهو الطلب تقول : بغيته بناء وبغى بغية وبغية أى : طلبتة . وعاد: اسم فاعل بمعنى متعد، تقول: فلان عدا طوره إذا تجاوز حده وقعداء إلى غيره فهو عاد، ومنه قوله - تعالى - ((بل أنتم قوم عادون)). وقوله ((فإن ربك غفور رحيم ، أى: فإن ربك واسع المغفرة والرحمة لا يؤاخذ المضطرين، ولا يكلف الناس بما فوق طاقنهم، وإنما هو ر.وف رحيم بهم يريد بهم اليسر ولا يريد بهم العسر. والجمة الكريمة جواب الشرط باعتبار لازم المعنى وهو عدم المؤاخذة. وقيل جواب الشرط محذوف: أى فمن اضطر، فلا مؤاخذة عليه وهذه الجملة تعليل له . هذا، والآية الكريمة ليس المقصود منها حصر المحرمات فى هذه الأربعة وإنما المقصود منها الرد على مزاعم المشركين فيما حرموه بغير علم من البحار والسوائب وغيرها . قال ابن كثير : الغرض من سيلق هذه الآية الرد على المشركين الذين ابتدعوا ما ابتدعوه من تحريم المحرمات على أنفسهم بآرائهم الفاسدة من ٢٧٣ سورة الأنعام البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ونحو ذلك. فأمر - تعالى - رسوله أنه لا يحمد فيه أو جاه الله إليه أن ذلك محرم، وان الذى حرمه هو الميتة وماذكر معها وماعدا ذلك فلم يحرم، وإنما هو عفو مسكوت عنه. فكيف تز عمون أنه حرام! ومن أين حرمتموه ولم يحرمه الله - تعالى -! وعلى هذا فلا ينفى تحريم أشياء أخر فيما بعد هذا. كما جاء النهى عن الخمر الأهلية ولحوم السباع وكل ذى مخلب من الطير، (١). وقال القرطى: والايتمكية ، ولم يكن فى الشريعة فى ذلك الوقت محرم غير هذه الأشياء ، ثم نزلت سورة المائدة بالمدينة وزيد فى المحرمات كالمنخنقة والموقوذة والمتردبة والنطيحة وغير ذلك ، وحرم رسول القه ( صلى الله عليه وسلم) بالمدينة أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذى مخلب من الطير، وقد اختلف العلماء فى حكم هذه الآية وتأويلها على أقوال: الأول، ما أشرنا إليه من أن هذه الآية مكية وكل محرم حرمه رسول الله أو جاء فى الكتاب مضموم إليها، فهر زيادة حكم من الله على لسان نبيه. على هذا أكثر أهل العلم من أهل النظر والفقه والأثر، (٢). والخلاصة: أن الآية الكريمة ليس المقصود منها حصر المحرمات فى هذه الأربعة وإنما المقصود منها الرد على مزاعم المشركين، وذلك أن الكفار . كما قال الإمام الشافعى - لما حرموا ما أحل الله واحلوا ماحرمه الله وكانوا على المضادة والمحادة جاءت الآية مناقضة لغرضهم، فكأنه قال - سبحانه - لا حلال إلا ماحر متموه ولا حرام إلا ما أحللنموه، فازلا منزلة من يقول: لا تأكل اليوم حلاوة . فتقول : لاآ كل اليوم إلا الحلاوة، والغرض . المضادة لا التفي والإثبات على الحقيقة . فهو - تعالى - لم يقصد حل ما وراء الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل . أخير الله به، إذ القصد إثبات التحريم لا إثبات الحل. (١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ١٨٤ (٢) تفسير القرطى = ٧ ص ١١٦ (١٨ - سورة الأنبام ) ٢٧٤ الجزء الثامن قال إمام الحرمين: وهذا فىغاية الحسن، ولولا سبق الشافعى إلى ذلك. لما كنا نستجيز مخالفة مالك - رضى الله عنه - فى حصر المحرمات فيا ذكرته الآية» (١). وفى حكم هذه الآية وتأويلها أقوال أخرى بسطها العلماء فارجع إليها إذاشئت (٢). ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما حرمه الله على اليهود بسبب ظلمهم. ويغيهم فقال - تعالى - ,وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذى ظفر. فقوله - تعالى -((وعلى الذين هادوا حرمنا)) بيان لما حرمه الله - تعالى - على بنى إسرائيل جزاء ظلمهم، وفى هذا البيان رد على اليهود، وتكذيب لهم، إذ زعموا أن الله لم يحرم عليهم شيئاً، وإنما هم حرموا على أنفسهم. ماحرمه إسرائيل على نفسه، فجاءت هذه الآية الكريمة لتبين بعض ماحرمه. الله عليهم من الطيبات - التى كانت حلالا لهم - بسبب فسفهم وطغيانهم. والمراد بقوله تعالى ((كل ذى ظفر، ما ليس بمنفرج الأصابع من البهائم. والطير ، کالإ بل والنعام والأوز والبط ، کا روی عن ابن عباس وسعيد. ابن جبير وقتادة . قال الإمام الرازى: قوله - تعالى - : وعلى الذين هادوا حرمناكل ذى ظفر ، يفيد تخصيص هذه الحرمة بهم من وجهين : الأول : أن قوله - تعالى - وعلى الذين هادواحرمنا كذا وكذا يفيد الحصر فى اللغة . لتقدم المعمول على عامله . الثانى: أنه لو كانت هذه الحرمة ثابتة فى حق الكل لم يبق لقوله (,وعلى الذين هادوا حرمنا فائدة .. )، (٣) . (١) الإتقان فى علوم القرآن جـ ١ ص ٨٤ السيوطى (٢) راجع تفسير القرطبى =٧ ص ١١٥ وما بعدها وتفسير المنار. ج ٨ ص ٢٤٩ وما بعدها (٣) تفسير الفخر الرازى = ٥ ص ١٦ ٢٧٥ سورة الأنعام ثم بين - سبحانه - ما حرم عليهم من ذوى الظفر فقال - تعالى - : (ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومها إلا ماحملت ظهورهما، أو الحوايا، أو ما اختلط بعظم ) . والشحم : هو المادة الدهنية التى تكون فى الحيوان وبها يكون لحمه سميناً والعرب تسمى سنام البعير ، وبياض البطن شحماً، وغلب إطلاق الشحم على ما يكون فوق أمعاء الحيوان . والحوايا : - كما قال ابن جرير - جمع حاوياء وحاوية، وحوية وهى ما تحوى من البطن فاجتمع واستدار، وفسرت بالمباعر، والمرابض التى هى مجتمع الأمعاء فى البطن (١) . والمعنى: كما حرمنا على اليهود كل ذى ظفر، فقد حرمنا عليهم كذلك من البقر والغنم شحومهما الزائدة التى تنتزع بسهولة ، إلا ما استثفيناء من هذه الشحوم وهو ما حملت ظهورهما أوما حملت حواياهما، أو اختلط من هذه الشحوم بعظمهمها . فقد أحلمناه لهم. ثم بين - سبحانه - أن هذا التحريم كان نتيجة لطغيانهم فقال تعالى : ( ذلك جزيناهم بيغيهم وإنا لصادقون ) أى. هذا الذى حرمناء على الذين هادوا من الأنعام والطير ومن البقر والغنم، وهذا التضييق الذى حكمنا به عليهم، إنما ألزمناهم به، بسبب بغتهم وظلمهم، وتعديهم حدودالله تعالى قال قتادة: إنما حرم الله عليهم ما ليس بخبيث عقوبة لهم وتشديداً عليهم ) . ولما كان هذا النبأ عن شريعة اليهود، من الأنباء التى لم يكن النبى (صلى الله عليه وسلم) وقومه بعلمون عنها شيئاً لأميتهم، وكان تكذيب اليهودله بأن الله (١) تفسير ابن جرير = ٨ ص ٢٥ ٢٧٦ الجزء الثامن لم يحرم ذلك عليهم عقوبة لهم ، لما كان الأمر كذلك، أكد اللّه هذا النبأ بقوله: ((وإنا لصادقون). أى: وإنا الصادقون - يا محمد - فيما أخبر ناك به، ومن بينه ما أعلمناك عنه مما حر مناه على اليهود من الطيبات وم الكاذبون فى زعمهم أن ذلك إنما حرمه إسرائيل على نفسه، وأنهم إنما حرموه لتحريم إسرائيل إياه على نفسه . ومع أن الشحوم جميعها باستثناء ما أحله لهم منها محرمة عليهم ، فإنهم تحايلوا على شرع الله، وأخذا يذيبونها ويستعملونها فى شئونهم المختلفة أو يبيعونها ويا كاون ثمنها، ولقد لعنهم النبي (صلى الله عليه وسلم) بسبب هذا التحايل فى أحاديث متعددة . من ذلك ماروى عن ابن عباس - رضى الله عنهما - أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان قاعداً خلف المقام، فرفع بصره إلى السماء وقال:«أمن الله اليهود - ثلاثا - إن الله حرم عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها ، وإن الله لم يحرم على قوم أكل شىء إلا حرم عليهم ثمنه» (١). وعن جابر بن عبدالله قال سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول عام الفتح (إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام فقيل يارسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنها يدهن بها الجلود، وتطلى بها السفن ويستصبح بها الناس، فقال: (لا. هو حرام) ثم قال رسول الله (بِ اللّ) عند ذلك (قائل الله اليهود)، إن الله لما حرم عليهم شحومها جملوها. أى: أذابوها ثم باعوها وأكلوا ثمنها (٢). ثم حذرهم الله من الكفر والطغيان، فقال - تعالى -: «فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ، ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين، أى: فإن كذبك -يا محمد - هؤلاء اليهود وأمثالهم من المشركين ، فيما أخبر ناك عنه من أنا (١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ١٨٥ (٢) تفسير ابن كثير = ٢ ص ١٨٥ ٢٧٧ سورة الأنعام حرمنا على هؤلاء اليهود بعض الطيبات عقوبة لهم، فقل لهم . إن الله - تعالى - ذو رحمة واسعة حقاً ورحمته وسعت كل شىء ، ومن مظاهر رحمته أنه لا يعاجل من كفر به بالعقوبة، ولا من عصاه بالنقمة ، ولكن ذلك لا يقتضى أن يرد بأمه، أويمنع عقابه عن القوم المصرين على إجراءهم المستمرين على اقتراف المنكرات ، وارتكاب السيئات . فالآية الكريمة قد جاءت لتزجرهم عن البغى والكفران ، حتى يعودوا إلى طريق الحق . إن كانوا ممن ينتفع بالذكرى، ويعتبر بالموعظة . ثم حكى القرآن بعد ذلك شبهة من الشبهات الباطلة التى تمسك بها المشركون فى شركهم وجهالاتهم ورد عليها بما يبطلها ويخرس ألسنة قائليها أو المتذرعين بها فقال: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوْ لَوْ شَآءَ اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَابَا ؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَىْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ خَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَ كُمْ مِّنْ عِ فَتُخْرِجُهُ لَنَّ إِن ◌َّعُونَ إِلّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْإِلَّ تَخْرُصُونَ (2) قُلْ فَِّ الْحُجَّةُ الْبَالِقَةُ فَلَوْ شَآءَ لَمَدَ نَكُمْ أَحْمَعِينَ (8) قُلْ هَلٌمّ تُهَدَآءَ كُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّاللّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِن شَهِدُواْ فَلَا تَنْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَّبِعَ أَهْوَآءَ الَّذِينَ كَّبُواْ بِعَايَئِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِهِمْ يَعْدِلُونَ ١٥٠ إن هذه الآيات الكريمةتعرض لشبهة قديمة جديدة: قديمة لأن كثيرا من نجادلى الرسل موهوا بها، وحديثة لأنها دائما تراود كثيرا من ٢٧٨ الثامن الجزء المتمسكين بالأوهام فى سبيل إرضاءنزواتهم من المتع الباطلة والشهوات المحرمة إنهم يقولون عند ما يرتكبون القبائح والمنكرات: هذا أمر الله، وهذا قضاؤه، وتلك مشيئته وإرادته ، ولو شاء اللّه عدم فعلنا لهذه الأشياء لما فعلناها وإذا كان الله قد قضى علينا بها فا ذقبنا؟ ولماذا يعاقبنا عليها، إلى غير ذلك من اللغو الباطل ، والكلام العابث الذى يربدون من ورائه التحلل من أوامر الله ونواهيه . ولنتدبر سوياً أيها القارىء الكريم - هذه الآيات، وهى تحكى تلك الشبهات الباطلة، ثم تقذفها بالحق الواضح، والبرهان القاطع، فإذاهى زاهقة يقول - سبحانه - (( سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شىء)). أى: سيقول هؤلاء المشركون لو شاءاته - تعالى - ألا نشرك به وألا يشرك به آباؤنا من قبلنا، لنفدت مشيته، ولما أشركنا نحن ولا آباؤنا. ولو شاء كذلك ألا تحرم شيئاً ما حرمناه من الحرث والأنعام وغيرها لتمت مشيئته ولما حرمنا شيئاً مما حرمنا. ولكنه - سبحانه - لم يعما ذلك، بل شاء لنا أن نشرك معه فى العبادة هذه الأصنام، وأن نحرم ما نحرم من الحرث والأنعام وقد رضى لنا ذلك فلماذا تطالبنا يامحمد بتغيير مشيئة الله، وتدعونا إلى الدخول فى دينك الذى لم يشأ الله دخولنا فيه ؟ قال الألوسى ما ملخصه: ((وهم لم يريدوا بهذا الكلام الاعتذار عن ارتكاب القبيح، لأنهم لم يعتقدوا قبح أفعالهم وهى أفعى لهم ... وإنما مرادهم من هذا القول الاحتجاج على أن ماارتكبوهمن الشرك والتحريم - حق ومشروع ومرضى عند الله، بناء على أن المدينة والإرادة تساوق الأمر وتستلزم الرضا، فيكون حاصل كلامهم . إن ما تر تكبه من الشرك والتحريم وغيرهما تعلقت به مشيئة الله وإرادته، ٢٧٩ سورة الأنعام وكل ما تعلقت به مشيئة الله وإرادته فهو مشروع ومرضى عنده. فينتج أن ما نرتكبه من الشرك والتحريم مشروع ومرضى عند الله، (١). وقد حكى القرآن فى كثير من آياته ما يشبه قولهم هذا، ومن ذلك قوله - تعالى - ,وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شىء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شىء ، كذلك فعل الذين من قبلهم .. ،(٢). وقوله - تعالى -(«وقالوا لوشاء الرحمن ما عبد قام مالهم بذلك من علم أنهم إلا يحرصون)) (٣). وقد رد القرآن على قولهم بما يبطله فقال: «كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأحنا ،. أى : مثل هذا التكذيب من مشركى مكة للرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من إبطال الشرك، قد كذب الذين من قبلهم الرسلهم، واستمروا فى تكذيهم لهم حتى أنزلنا على هؤلاء المكذبين عذاينا وثقمتنا. ومن مظاهر تكذيب هؤلاء المشركين لرسلهم، أنهم عندما قال لهم الرسل عليهم السلام - اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا. كذبوهم واحتجوا عليهم بأن ما هم عليه من شرك واقع بمشيئة الله، وزعموا أنه ما دام كذلك فهو مرضى عنده - سبحانه - فكان الرد عليهم بأنه لو كان هذا الشرك وغيره من قبائحهم مرضيا عنده - سبحانه -: لما أذاق أسلافهم المكذين الذين قالوا لرسلهم مثل قولهم: عذابه ونقمته . ولما أخذم أخذ عزيز مقتدر . قال الألوسى ما ملخصه: وحاصل هذا الرد أن كلام المشركين يتضمن (١) تفسير الآلوسي ج ٨ ص ٥٠ (٢) سورة النحل الآية ٢٥. (٣) - ورة الزخرف الآية ١٩. ٢٨.٠ الجزء الثامن تكذيب الرسل وقد دلت المعجزة على صدقهم، ولا يخفى أن المقدمة الأولى وهى أن كل شئ بمشيئة الله: لا تكذيب فيها، بل هى متضمنة لتصديق ماتطابق فيه العقل والشرع من كون كل شىء بمشيئة الله، وامتناع أن يجرى فى ملكة خلاف ما يشاء. فمنشأ التكذيب هو المقدمة الثانية، وهى أن كل ما تعلقت به مشيئة الله وإرادته فهو مشروع ومرضى عنه ، لأن الرسل عليهم السلام : يدعونهم إلى التوحيد ويقولون لهم: إن الله لا يرضى لعباده الكفر دينا ولا يأمر بالفحشاء، فيكون قولهم: إن ما ترتكبه مشروع ومرضى عنده سبحانه: تكذيب لقول الرسل. وحيث كان فساد هذه الحجة باعتبار المقدمة الثانية تعين أنها ليست بصادقة، وحينئذ يصدق نقيضها وهى أنهليس كل ما تعلقت به. المشيئة والإرادة بمشروع ومرضى عنده: سبحانه: بناء على أن الإرادة. لا تساوق الأمر(١). ثم بعد هذا الرد المفحم للمشركين أمر الله: تعالى: رسوله أن يطالبهم بدليل على مزاعمهم فقال: (( قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا)). أى: قل لهم يا محمد على سبيل التوبيخ والتعجيز: هل عندكم من علم ثابت تعتمدون عليه فى قولكم (« لو شاء الله ما أشركنا ... ، ! إن كان عندكم هذا العلم فاخر جوة لنا لنتباحث معكم فيه، ونعرضه على ماجئتكمبه مزآً بات بينة ودلائل ساطعة. فإن العافل هو الذى لا يتكلم بدون علم، ولا يحيل على مشيئة الله التى لا ندرى عنها شيئاً. و((من)) فى قوله ((من علم، زائدة، وعلم مبتدأ، وعندكم خبر مقدم. وقوله : . فتخرجوه)) منصوب بأن المضمرة بعد فاء السببية الواقعة بعد الاستفهام الإنكارى . ثم بين حقيقة حالهم فقال: ((إن تقبعون إلا الغان وإن أنتم إلا تخرسون». (١) تفسير الآلومى = ٨ ص ٠٥٠