النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ سورة الأنعام وإنما قال الأقباع من الإفس هذا القول مع أن الخطاب موجه إلى المتبوعين من شياطين الحن ، للإبذان بأن شياطين الجن قد أفحموا. ولم يستطيعوا أن ينطقوا أو يجيبوا. ثم أتبعوا تحسرهم هذا بتحسر آخر وهو .قولهم: ((وبلغنا أجلنا الذى أجلت لنا)). أى: ها نحن يا ربنا قد استمتع بعضنا ببعض فى الدنيا عن طريق الشهوات المحرمة. واللذات العافية القبيحة، وها نحن قد وصلنا بعد استمتاع . بعضنا ببعض إلى الأجل الذى حددته لنا، وهو يوم القيامة والجزاء. ونحن فى أقبح صورة وأسوأ عيش. وهنا بأنيهم الرد الحاسم . والحكم النافذ من الله العلى الكبير. حيث يقول - سبحانه - , قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله)). مثواكم: التواء مع الإقامة مع الاستقرار . يقال : قوى يثوى قواء أى: استقر، والثوية مأوى الغنم . والمعنى: قال الله - تعالى - لهؤلاء الظالمين المعترفين على أنفسهم بارتكاب الموبقات: النار منزلكم وعل إقامتهم الدائمة. فأتم خالدون فيها فى كل وقت إلا فى وقت مشيئة الله بخلاف ذلك، لأن الأمور كلها متروكة إليه ، وخاضعة لمشيئته. والأرجح أن المراد بهذا الاستثناء وبنظائره فى آيات أخر ، المبالغة فى الخلود . أى: أنه لا يفتفى فى وقت ما إلا وقت مشيئته - تعالى - وهو سبحانه لا يشاء ذلك . فقد أخبر فى آبات متعددة من كتابه أن هؤلاء الكفار · الايخرجون من النار أبدا . وفى إيراد هذا المعنى بتلك الصورة، بلاغ للناس بأن مرد الأمور كلها - فإلى مشيئة الله، وأن خلود المشركين فى نار جهنم إنما هو بمحض منيته» (١٦ - سورة الأنعام) ٠٢٤٢ الجزء الثامن ولو شاء غير ذلك ما خلدوا ، وفيه إلى جانب ذلك تنكيل آخر بهؤلاء الأشقياء لأنهم قد صاروا فى حيرة دائمة من أمرهم . تجعلهم مشتتين بين. الطمع فى الخروج مما هم فيه ، واليأس منه. وهذا التفسير للجملة الكريمة هو الذى نختاره ونرجحه ، وهناك وجوه. أخرى فى تفسيرها منها ما ذهب إليه الزمخشرى حيث قال : وقوله: « خالدين فيها إلا ماشاء الله، أى: يخلدون فى عذاب النار الأبد كله إلا الأوقات التى ينقلون فيها من عذاب النار إلى عذاب الزمهرير فقد روى أنهم يدخلون وادياً فيه من الزمهرير ما يميز بعض أو صالهم من بعض، فيتعاوون ويطلبون الرد إلى الجحيم ، أو أن يكون من قــ ول. الموتور - أى المظلوم - الذى ظفر بواتره، ولم يزل يحرق عليه أنيابه ، وقد طلب أن ينفس عن خناقه. أهلكنى الله إن نفست عنك إلا إذا شئتُ،. على أنه لا يشاء إلا التشفى منه بأقصى ما يقدر عليه من التعنت والتشديد .. فيكون قوله إلا إذا شئت من أشد الوعيد مع تهكم بالموعد لخروجه فى. دورة الاستثناء الذى فيه إطماع (١). ومنها: ما نقل عن ابن عباس أنه - تعالى - استثنى قرما قد سبق فى علمه. أنهم يدخلون فى الإسلام، وهو مبنى على أن الاستثناء. ليس من المحكى .. وأن («ما، بمعنى ((من)). ومنها: أنهم تفتح لهم أبواب الجنة ويخرجون من النار فإذا توجهوا الدخول أغلقت فى وجوههم أستهزاء بهم . فهم فيها إلا الوقت الذى يخرجون منها متجهين إلى الجنة حيث تقفل فى وجوههم ليكون ذلك أعظمى. فىحسرتهم . (١) تفسير الكشاف = ٢ ص ٦٥ 1 ٢٤٣ سورة الأنعام ومنها : أن هذا الاستثناء إشارة إلى فناء النار. أى: إلا وقت مشيئة الله فناءها وزوال عذابها. وهى مسألة خلافية بين العلماء. وهناك أقوال أخرى لا مجال لذكرها . والقول الذى رجحه ونعتمده هو الذى سقناه أولا كما أشرنا إلى ذلك من قبل لأنه قول المحققين من العلماء ((ولأنه يتناسب مع ما يليق بذات الله من كمال قدرته. ونفاذ إرادته. وجملة (( إن ربك حكيم عليم، تسلية لبيان ما تقتضيه حكمته وإرادته. أى: إن ربك حكيم فى التعذيب والإمابة وفى كل أفعاله . عليم بأحوال الثقلين وأعمالهم وبما يليق بها من جزاء. ثم يعقب القرآن على هذا الاستمتاع المتبادل بين الضالين والمضلين من الجن والإنس فيقول: «وكذلك أولى بعض الظالمين بعضا بماكانوا يكسبون)). فولى: من الولاية بمعنى القرابة، والنصرة، والمخالفة وما إلى ذلك من أنواع الاتصال. أى: ومثل ما سبق من تمكين الجن من إغواء الإنس وإضلالهم لابينهم من التناسب والمشاكلة ، فولى بعض الظالمين من الإنس بعضا آخر منهم بان تجعلهم يزينون لهم السيثات ، ويؤثرون فيهم بالإغواء. بسبب ما كانوا مستمرين على اكتسابه من الكفر والمعاصى . قال الإمام الرازى: «لأن الجنسية علة الضم، فالأرواح الخبيئة تنضم إلى ما يشا كلها فى الخبث . وكذا القول فى الأرواح الطاهرة، فكل أحديهتم بشأن من يشاكله فى النصرة والمعونة والتقوية .. ثم قال: والآية تدل على أن الرعية متى كانوا ظالمين فالله - تعالى - يسلط عليهم ظالما مثلهم. فإن أرادوا أن يتخلصوا من ذلك الأمير الظالم فليتركوا الظلم)، (١). (١) تفسير الفخر الرازى ج ٤ ص ٠١٥١ ٢٤٤ الجزء الثامن وقال ابن كثير: معنى الآية الكريمة: كما ولينا هؤلاء الخاسرين من الإنس تلك الطائفة التى أغونهم من الجن ، كدلك نفعل بالظالمين. نساط بعضهم على بعض، ونهلك بعضهم ببعض، وفقتقم من بعضهم ببعض جزاء على ظلمهم وبغيهم )، (١). وقال الفضيل بن عياض: إذا رأيت ظالما ينتقم من ظالم . فقف وانظر فيه متعجبا . فالآية الكريمة تصور لنا مشهدا واقعا فى حياة الأمم، وهو أن الظالمين من الناس يوالى بعضهم بعضا ، وبناصر بعضهم بعضا ، بسبب ما بينهم من صلات فى المشارب والأهداف والطباع وأن الأمة التى لا تتمسك بمبدأ العدالة بل تسودها روح الظلم والاعتداء يكون حكامها عادة على شاكلتها لأن الحاكم الظالم لا يستطيع البقاء عادة فى مجتمع أفراده تسودم العدالة والشجاعة فى الحق . والآية فى الوقت ذاته تهددالظالمين، وتتوعدهم بسوء المصير إذا لم يقلعوا عن ظلمهم، ويثوبوا إلى رشدهم، ويقيدوا أنفسهم بمبدأ العدالة ورعاية الحق ثم بعد هذا التعقيب بتلك الآية التى بينت طبيعة الأشرار يعود القرآن إلى سؤال الإنس والجن فيقول: ((يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتى وينذرونكم لقاء يومكم هذا، ؟ قال الإمام ابن جرير: وهذا خبر من الله - جل ثناؤه - عما هو قائل يوم القيامة، لهؤلاء العادلين به من مشركى الإنس والجن، بخبر أنه - تعالى - يقول لهم يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتى يقول: يخبرونكم بما أوحى إليهم من تنبيهى إياكم على مواضع حججى، وتعريفى لكم أدلتى على توحيدى وتصديقى أنبيائى والعمل بأمرى والانتهاء (١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٠١٧٧ ٢٤٠ سورة الأنعام إلى حدودى، وينذرونكم لقاء يومكم هذا، يقول: يحذرونكم لقاء عذابى فى يومكم هذا وعقاب على معصيتكم إباى فتنتهوا عن معاصى، وهذا من الله - تعالى - تقريع لهم وتوبيخ على ما سلف منهم فى الدنيا من الفسوق والمعاصى ومعناه، قد أتاكم رسل منكم ينبهوفكم على خطأ ما كنتم عليه مقيمين بالحجج البالغة، ويتذرونكم وعيد الله، فلم تقبلوا ولم تتذكروا، (١). وقوله (( رسل منكم، استدل به من قال إن الله قد أرسل رسلامن الجن إلى أبناء جنسهم إلا أن جمهور العلماء يخالفون ذلك ويرون أن الرسل جميعا من الإنس، وإنما قبل رسل منكم لأقه لما جمع الثقلان فى الخطار صح ذلك وإن كان من أحدهما، كقوله: ((يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان، وإنما يخرجان من أحدهما وهو الماء الملح دون العذب . قال أبو السعود: والمعنى: ألم بأنكم رسل من جملتكم: لكن لا على أنهم من جفس الفريقين معاً بل من الإنس خاصة، وإنما جعلوا منهما إما لتأكيد وجوب أقباعهم، والايذان بتقاربهما ذاتا، واتحادهما تكليفا وخطابا. كأنهما من جنس واحد، ولذلك تمكن أحدهما من إضلال الآخر، وإما لأن المراد بالرسل ما يعم وسل الرسل، وقد ثبت أن الجن استمعوا إلى النى - عَ﴾ - وأنذروا بما سمعوه، أقوامهم، إذ حكى القرآن عنهم أنهم ((ولوا إلى قومهم منذرين، وانهم قالوا لهم: « إنا سمعنا قرآنا عجبا (٢). وقال صاحب المنار ، وجملة القول فى الخلاف أنه ليس فى المسألة نص قطعى ، والظواهر التى استدل بها الجمهور يحتمل أن تكون خاصة برسل الإنس ، لأن الكلام معهم، وليست أقوى من ظاهر ما استدل به من قال إن (١) تفسير ابن جرير جـ ٨ ص ٠٢٧ (٢) تفسير أبى السعود ٣ ٢ ص ١٣٧. ٢٤٦ الجزء الثامن الرسل من الفريقين. والجن عالم غيى لا نعرف عنه إلا ما ورد به النص. وقد دل القرآن وكذا السنة على رسالة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - إليهم، فنحن نؤمن بما ورد ونفوض الأمر فيما عدا ذلك إلى الله - تعالى - (١)». ثم يحكى القرآن أنهم قد شهدوا على أنفسهم بالكفو فقال : قالوا شهدنا على أنفسنا، أن الرسل قد بشرونا وأنذرونا ، ولم يقصروا فى تبليغنا وإرشادنا . وقوله - سبحانه - ((وغرتهم الحياة الدنيا، أى غرم متاع الحياة الدنيامن الشهوات والمال والجاه وحب الرياسة، فاستحبوا العمى على الهدى، وباعوا آخرتهم بدنياهم. «وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين، أى: شهدوا على أنفسهم عندما وقفوا بين يدى الله للحساب فى الآخرة أنهم كانوا كافرين فى الدنيا بما جاءتهم به الرسل. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما لهم مقرين فى هذه الآية - على أنفسهم بالكفر ـ جاحدين فى قوله ((والله ربنا ماكنا مشركين))؟ قلت. يوم القيامة يوم طويل، والأحوال فيه مختلفة فتارة يقرون واخرى يجحدون، وذلك يدل على شدة خوفهم واضطراب أحوالهم، فإن من عظم خوفه كثر الاضطراب فى كلامه . أو أريد شهادة أيديهم وأرجلهم وجلودهم حين يختم على أفواههم. فإن قلت: لم كرر ذكر شهادتهم على أنفسهم؟قلت: الأولى حكاية لقولهم كيف يقولون ويعترفون ، والثانية: ذم لهم وتخطئةٍ لرأيهم ووصف لقلة نظرهم لأنفسهم وأنهم قوم غرتهم الحياة الدنيا واللذات الحاضرة وكانت عاقبة أمرهم أن اضطروا إلى الشهادة على أنفسهم بالكفر ، (١) تفسير المنار جـ ٨ ص ٠١٠٧ ـورة الأنعام والاستسلام لربهم، واستيعابء ابه، وإنما قال ذلك تحذيراً للسامعين من مثل حالهم (١)،. هذا ، وإنك لتقرأ هذه الآية الكريمة وغيرها من الآيات التى تصور مشهداً من مشاهد يوم القيامة فيخيل إليك أنك أمام مشهد حاضر أمام عينيك ترى فيه الظالمين وحسراتهم ، والضالين والمضلين وهم يتبادلون التهم وذلك من إعجاز القرآن الكريم وأنه من عند الله ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيرا . ثم بحدثنا القرآن بعد ذلك عن عدالة الله فى أحكامه، وعن سعة غناء ورحمته، وعن حسن عاقبة المؤمنين، وسوء مصير الكافرين فيقول : ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظٍْ وَأَهْلُهَا غَفِلُونَ (١٦) وَلِكُلٍ دَرَجَتُ قِمّا عَلُواْ وَمَا رَبَّكَ بِغَفِلٍ عَمَّ يَعْمَلُونَ () وَرَبَّكَ الْغَنِىُّ ذُو الَّحْمَةَ إِن يَشَأْيُذْ هِبْكُمْ وَ يَسْتَخْلِفْ مِنَّ بَعْدِ كُمَّا يَشَآءُ كَمَا أَنشَأْ كُ مِّنْ ذُرِيَّةٍ قَوْمِ ءَاخَرِينَ ﴿ إِنَّ مَا تُوعَدُونَ كَانٍّ وَمَا أَنتُم ◌ُعْجِزِ ينَ (3) قُلْ يَنْقَوْمِ أَعْمَلُواْ عَى مَكَانَتِكُمْ إِلَى عَمِلَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مِّنْ تَكُونُ لَهُ, عَقِبَةُ الدَّارِّ إِنّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّلُونَ (﴾ (١) تفسير الكشاف ج ٢ ص ٠٦٦ ٢٤٨ الجزء الثامن قال الألوسى: «ذلك، إشارة إلى إقيان الرسل، أو السؤال المفهوم من. (( ألم يأتكم،، أو ماقص من أمرهم أغنى شهادتهم على أنفسهم بالكفر وهو إما من فرع على أنه خمر مبتدأ مقدر أى: الأمر ذلك ، أو مبتدأ خبره مقدر، أوخره قوله - سبحانه - ((إن لم يكن ربك مهلك القرى، بخلاف. اللام على أن ( أن)) مصدرية، أو مخففة من أن وضمير الشأن إسمها. وإما منصوب على أنه مفعول به لفعل مقدر كخذ ذلك ، أوفعلنا ذلك .. وفى قوله « بظلم) متعلق بمهلك أى: بسيب ظلم. أوبمحذوف وقع حالا من القرى أى: ملتبسة بظلم ... (١). والمعنى: ذلك الذى ذكرناه لك يا محمد من إقيان الرسل يقصون على .. الأمم آيات الله ، سببه أن ربك لم يكن من شأنه ولا من سفنه فى تربية خلقه أن يهلك القرى من أجل أى ظلم فعلوه قبل أن ينبهوا على بطلانه ، وينهوا عنه بواسطة الأنبياء والمرسلين، فربك لا يظلم، ولا يعذب أحداً وهو غافل لم ينذر قال - تعالى - , وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا » وقال - تعالى - ((وإن من أمة إلا خلا فيها نذير .. فالآ ية الكريمة صريحة فى أن - سبحانه - قد أعذر إلى الثقلين بإرساله. الرسل، وإنزال الكتب، وتبيين الآبات، وإلزام الحجة (« رسلا مبشرين. ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل)). ثم بين - سبحانه - أن الدرجات إنما هى على حسب الأعمال فقال. - تعالى - ((ولكل درجات ما عملوا، أى: ولكل من المكلفين جناً كانوا: أو إنساً درجات أى منازل ومراقب ((ما عملوا، أى: من أعمالهم صالحة. كانت أوسيئة أو من أجل أعمالهم إذ الجزاء من جنس العمل والعمل متروك. الناس يتسابقون فيه، والجزاء ينتظرم عادلا لا ظم فيه. (١) تفسير الآلوسى = ٨ ص ٠٨٨ ٢٤٩ سورة الأنعام ((( وما ربك بغافل عما يعملون)، بل هو عالم بأعمالهم ومحصيها عليهم، لا يعزب عنه مثقال ذرة فى الأرض ولا في السماء . ثم صرح - سبحانه - بغناه عنكل عمل وعنكل عامل، وبأنه هو صاحب الرحمة الواسعة، والقدرة النافذة فقال: ((وربك الغنى ذو الرحمة،. أى: وربك بامحمد هو الغنى عن جميع خلقه من كل الوجوه ؛ وهم الفقراء إليه فى جميع أحوالهم، وهو وحده صاحب الرحمة الواسعة العامة التى شملت جميع خلقه . والجملة الكريمة تفيد الحصر، وقوله: وربك مبتدأ، والغنى خبره. وقوله (( ذو الرحمة)) خبر بعد خبر. وجوز أن يكون هو الخبر و«الغنى». صفة لربك . وفى هذه الجملة تنبيه إلى أن ما سبق ذكره من إرسال الرسل وغيره ، ليس لنفعه - سبحانه - ، بل لترحمه على العباد، وتمهيد لقوله بعد ذلك. ((إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء، أى: أنه - سبحانه - إن يشأ إذهابكم أيها الناس بالإهلاك لفعل ذلك فهو قدير على كل شىء .. وعلى أن ينشىء بعد إذهابكم ما يشاء من الخلق الذين يعملون بطاعته ، ولا يكونون أمثالسكم . والكاف فى قوله : ((كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين، فى موضع نصب والمعنى: إن الله - تعالى - قادر على أن يستخلف من بعدكم ما يداء استخلافاً مثل ما أنشأكم من ذرية قوم آخرين. ونظيره قوله - تعالى - ,إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويات بآخرين وكان اقه على ذلك قديراً، وقوله ( يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغنى الحميد. إن يشأ يذهبكم. ويأت بخلق جديد. وما ذلك على اله بعزيز)). ثم بين - سبحانه - أن أمر البعث والحساب كائن لا ريب فيه فقال: ((إن ما توعدون لآت وما أتم بمعجزين)). ٢٠٠ الجزء الثامن أى: ((إن ما نوعدون من أمر القيامة والحساب، والعقاب والثواب لواقع لاشك فيه، وما أنتم بمعجزين، أى: بجاعليه عاجزا عنكم ، غير قادر على إدراككم . من أعجزه بمعنى جمله عاجزاً. أو: بغائتين العذاب، من أعجزه الأمر. إذ فانه. أى لا مهرب لكم من عذابنا بل هو مدرككم لا محالة. ثم أُمر اقه ۔ تعالی ۔ نبيه(صلی الله عليه وسلم)أُن ینفض يدهمن هؤلاء المشركين، وأن يتركهم لأنفسهم. وأن ينذرهم بسوء العاقبة إذا مااستمروا فى كفرهم فقال - تعالى -,قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إنى عامل فسوف تعلمون. من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون)). أى: قل يا محمد لهؤلاء المصرين على كفرهم اعملوا على غاية تمكنكم من أمر كم، وأقصى استطاعتكم . مصدر مكن - ككرم - مكانة ، إذا تمكن أبلغ التمكن وأقواه، أو المعنى اعملوا على جهتكم وأثبتوا على كفركم وحالتكم التى أتم عليها من قولهم . مكان ومكانة كمقام ومقامة. قال الزمخشرى: يقال للرجل إذا أمر أن يثبت على حالة مكانتك يافلان أى: أثبت على ما أنت عليه لا تنحرف عنه . والأمر للتهديد والوعيد، وإظهار ما هو عليه ( صلى الله عليه وسلم) فى غاية التصلب فى الدين، ونهاية الوثوق بأمره، وعدم المبالاة بأعدائه أصلا. وقوله (( إنى عامل فسوف تعلمون)) أى: إنى عامل على مكانتى، ثابت على الإسلام لا أنزحزح عن الدعوة إليه ، فسوف تعلمون بعد حین من تكون له العاقبة الحسنى فى هذه الدنيا . وقوله: «فسوف تعلمون، بجانب إفادته للإنذار، فيه إنصاف فى المقال، وحسن أدب فى الخطاب، حيث لم يقل - مثلا - العاقبة لنا، وإنما فوض الأمر إلى الله، فهو كقوله - تعالى - ,وإنما أو إيا كم لعل هدى أو فى ضلال مبين ، وفيه تنبيه على وثوق المنذر بأنه على الحق . ٢٥١ سورة الأنعام ال الجمل - وسوف لتأكيد مضمون الجملة، وهذه الجملة . تعليل لما قبلها والعلم عرقان، ومن استفهامية معلقة لفعل العلم محلياً الرفع على الابتداء وخبرها جملة تكون، وهى مع خبرها فى محل نصب لسدها مد مفعول تعلمون. أى: فسوف نعدون أبنا تكون له العاقبة الحسنى التى خلق الله هذه الدار لها ، ويجوز أن تكون موصولة فيكون محلها النصب على أنها مفعول لتعلمون. أى: فسوف تعلمون الذى له عاقبة الدار، (١). ثم ختمت الآية بقوله - تعالى - ((إنه لا يفلح الظالمون)، أى: أن يظفروا بمطلوبهم بسبب ظلمهم ، وقيل المراد بالظلم هنا الكفر ، ووضع الظلم موضع الكفر ، إيذاناً بأن امتناع الفلاح بترقب على أى فرد كان من أفراد الظلم، فما ظنك بالكفر الذى هو أعظم أفراد .. قال ابن كثير، وقد أنجز الله موعوده لرسوله - صلى الله عليه وسلم - فمكن له فى البلاد، وحكمه فى نواصى مخالفه من العباد، وفتح له مكة، وأظهره على من كذبه من قومه ، واستقر أمره على سائر جزيرة العرب.، وكل ذلك فى حياته، ثم فتحت الأقاليم والأمصار بعد وفاته . قال - تعالى- ((إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا فى الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد" (٢) ثم تبدأ السورة بعد ذلك حديثاً مستفيضاً عن أوهام المشركين وجهالاتهم التى تتعلق بمآ كلهم، ومشاربهم، وندورهم، وذبائحهم، وعاداتهم البالية ، وتقاليدهم الموروثة، فتنا قصهم فى كل ذلك مناقصة منطقية حكيمة، وترد عليهم فيما أحلوه وحرموه بدون علم ولا هدى ولا كتاب منير، وترشدهم إلى الطريق السليم الذى من الواجب عليهم أن يسلكوه .. استمع إلى سورة الأنعام وهى تحكى كل ذلك فى بضع عشرة آية بأسلوبها البليغ المؤثر فنقول: (١) حاشية الجمل على الجلالين = ٢ ص ٩٣ .(٢) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ١٧٩ ٢٥٢ 1 الجزء الثامن وَجَعَلُوا لِلّهِ ثَّا ذَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَمِ تَصِيبًا فَقَالُواْ هَذَا لَّه بِزَعِهِمْ وَهَاذَا ◌ِشُرَّكَِّا فَمَا كَانَ لِتُرِّكَا ◌ِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إلَى اللهِ وَمَا كَانَ لِلِّ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَّكَاِهِمْ سَآءَ مَا يَحْكُونَ ﴿ وَكَّلِكَ زَبَّنَ لِكَثِيِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَئِهِمْ شُرَكَا ؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلُْوْ عَلَيْهِمْ دِيَهُمْ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَّرُهُمْ وَمَا يَقْتَرُونَ () وَقَالُواْ هَذِهٍِ أَنْعَمْ وَحَرْثٌّ ◌ِرُلَّا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَن ◌َّشَآءُ زَعِهِمْ وَأَنْعَهُم ◌ُرِّمَتْ ٤ ◌ُهُورُهَا وَأَنْعَمْ لَّا يَذْكُونَ أَسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا أَفْتِرَآءَ عَلَيْهِ سَيَجْزِيبِهِم بِمَ كَانُوا يَفْتُونَ ﴾ وَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ آلْأَنْغَيِ خَلِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَّمُ عَ أَزْوَِنَّا وَ إِن يَكُن مَّيْئَةً فَهُمْ فِهِ ثُرَّكاً سَيَجْزِهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَدَهُمْ سَقَهَا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَّمُواْ مَزَقَهُمُ اللهُأَفْتِرَاءٌ عَلَى اللّهِ قَدْ ضَلُواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ لَّ لقد حكت هذه الآيات الكريمة بعض الرذائل التى كانت متفشية فى المجتمع الجاهلى ، أما الرذيلة الأولى فلخصها أنهم كانوا يجعلون من زروعهم وأنعامهم وسائر أموالهم نصيبته ونصيباً لأوثانهم، فيشر كونها فى أموالهم، ٢٥٣ سورة الأنعام هما كان لله صرفوه إلى الضيفان والمساكين، وما كان للأوثان أنفقوه عليها وعلى سدقتها فإذا رأوا ماجعلوه لله أزكى بدلوه بما للأوثان، وإذا رأوا ما جعلوه للأوثان أزكى تركوه لها . استمع إلى القرآن وهو يقص ذلك بأسلوبه الحكيم فيقول: ((وجعلوا الله ما ذرا من الحرث والأنعام نصيباً». ((ذرأ)) بمعنى خلق يقال: ذرأ الله الخلق ذرؤهم ذراً أى: خلفهم وأو جدهم وقيل . الفرأ الخلق على وجه الاختراع . أى: وجعل هؤلاء المشركون مما خلقه الله - تعالى - من الزروع والأنعام نصيباًته يعطونه للمساكين والضيوف وغيرهم، وجعلوا لأصنامهم نصيباً آخر يقدمونه لسدنتها، وإنما لم يذكر النصب الذى جعلوه لأصنامهم اكتفاء بدلالة ما بعده وهو قوله: ((فقالوا هذا الله بزعمهم وهذا لشركائنا)). أى: فقالوا فى القسم الأول: هذا لله فتقرب به إليه، وقالوا فى الثانى: . وهذا لشركائنا نتوسل به إليها . وقوله - تعالى - فى القسم الأول, هذا الله بزعمهم)، أى: بتقولهم ووضعهم الذى لا علم لهم به ولا هدى . قال الجمل: ومن المعلوم أن الزعم هو الكذب، وإنما نسوا الكذب فى هذه المقالة مع أن كل شىء لله، لأن هذا الجعل لم يأمرهم به الله وإنما هو مجرد اختراع منهم (١) . وقال أبو السعود: وإنما قيد الأول بالزعم للتنبيه على أنه فى الحقيقة جعل الله - تعالى - غير مستتبع لشىء من الثواب كالتطوعات التى يبتغى بها وجه الله - لا لما قيل من أنه التنبيه على أن ذلك مما اخترعوه، فإن ذلك مستفاد من الجعل ولذلك لم يقيد به الثانى ، ويجوز أن يكون ذلك تمهيداً لما بعده على ممنى أن قولهم هذا لله مجرد زعم منهم لا يعملون بمقتضاه (١) حاشية الجمل على الجلالين ج ١ ص ٩٣ ٢٥٤٠ الجزء الثامن الذى هو اختصاصه - تعالى - به (١). ۔۔ ثم فصل - سبحانه - ما كانوا يعملونه بالنسبة للقسمة فقال: ((فما كان للشرك هم فلا يصل الله، وما كان الله فهو يصل إلى شركاتهم». أى: فما كان من هذه الزروع والأنعام من القسم الذى يتقرب به إلى شركائهم ، فإنهم يحرمون الضيفان والمساكين منه ولا يصل إلى الله منه شىء ، وما كان منها من القسم الذى يتقرب به إلى الله عن طريق إكرام الضيف والصدقة، فإنهم يجورون عليه ويأخذون منه ما يعطونه السدنة الأصنام وخدامها. فهم يجعلون قسم الأصنام لسدنتها وأتباعها وحدهم ، بينما القسم الذى جعلوه الله بزعمهم ينتقصونه ويضعون الكثير منه فى غير موضعه، ويقولون: إن الله غنى وإن آلهتنا محتاجة . وقد عقب القرآن على هذه القسمة الجائزة بقوله: ((ساء ما يحكمون، أى: ساء وفبح حكمهم وقسمتهم حيث آثروا مخلوقا عاجزا عن كل شىء، على. خالق قادر على كل شىء ، فهم يجانب عملهم الفاسد من أساسه لم يعد أوافى القسمة. هذه هى الرذيلة الأولى من رذائلهم، أما الرذيلة الثانية فهى أن كثير منهم .. كانوا يقتلون أولادهم، ويتدون بناتهم لأسباب لا تمت إلى العقل السليم بصلة وقد حكى القرآن ذلك فى قوله . وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم. وليلبسوا عليهم دينهم». أى: ومثل ذلك التزيين فى قسمة الزروع والأنعام بين الله والأوثان، زين للمشر كين شركاؤهم من الشياطين أو السدنة قتل بناتهم خشية العار أو الفقر فأطاعوهم فيما أمروهم به من المعاصى والآثام . والتزبين: التحسين، فمعنى تزيينهم لهم أنهم حسنوا لهم هذه الأفعال القبيحة ، وحضوهم على فعلها . (١) تفسير أبى السعود ج ٢ ص ١٩٣ ٢٥٥ سورة الأنعام سموا شركاء لأنهم أطاعوهم فيما أمروهم به من قتل الأولاد، فأشركوهم مع الله فى وجوب طاعتهم، أو سموا شركاء لأنهم كانوا يشاركون الكفار فى أموالهم التى منها الحرث والأنعام . و«شركاؤهم)) فاعل «زين، وأخر عن الظرف والمفعول اعتناء بالمقدم واهتماما به ، لأنه موضع التعجب. وقوله: ((ليردوهم) أى ليهلكوهم؛ من الردى وهو الهلاك. يقال ردى - كرضى - أى : ملك. وقوله: ((وليلبسوا عليهم دينهم، معطوف على ليردوهم، أى: ليخلطوا عليهم ما كانوا عليه من دين اسماعيل- عليه السلام - حتى زالوا عنه إلى الشرك. ويلبسوا مأخوذمن اللبس بمعنى الخلط بين الأشياء التى يشبه بعضها بعضاً وأصله الستر بالثوب، ومنه اللباس، ويستعمل فى المعانى فيقال: لبس الحق بالباطل يلبسه ستره به. وليست عليه الأمر. خلطته عليه وجملته مشتبها حتى لا يعرف جهته، فأنت ترى أنشركاءهم قد حسنوا لهم القبيح من أجل أمرين: إهلاكهم وإدخال الشبهة عليهم فى دينهم عن طريق التخليط والتلبيس. ثم صلى الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم - وهدد أعداءه فقال: (( ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون)). أى، ولو شاء الله ألا يفعل الشركاء ذلك البين أو المشركون ذلك القتل لما فعلوه، لأنه - سبحانه - لا يعجزه شيء، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات بسبب ما يفعلونه ، بل دعهم وما يفترونه من الكذب ، فإنهم لسوء استعدادهم آ ثروا الضلالة على الهداية . والفاء فى قوله (( فذرهم، فصيحة. أى: إذا كان ما قصصناه عليك بمشيئة الله، فدعهم وافتراءهم ولا قبال بهم، فإن فيما يشاؤه الله حكما بالغة. ثم حكى القرآن رذيلة ثالثة من رذائلهم المتعددة ، وهى أن أوهام الجاهلية. وضلالاتها ساقتهم إلى عزل قسم من أموالهم لتكون حكرا على آلهتهم بحيث ٢٥٦ الجزء الثامن لا ينتفع بها أحد سوى سدنتها، ثم عمدوا إلى قسم من الأنعام فحرموا ركوبها وعمدوا إلى قسم آخر فحرموا أن يذكر اسم الله عليها عند ذبحها أو ركوبها إلى آخر تلك الأوهام المفتراة. استمع إلى القرآن وهو يقص ذلك فيقول: «وقالوا هذه أنعام وحرث «جر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم -،. حجر : بمعنى المحجور أى : الممنوع من التصرف فيه، ومنه قيل العقل حجر لكون الإنسان فى منع منه مما تدعوه إليه نفسه من أثام. أى : ومن بين أوهام المشركين وضلالالتهم أنهم يقتطعون بعض أنعامهم وأقواتهم من الحبوب وغيرها ويقولون: هذه الأنعام وتلك الزروع محجورة علينا أى: محرمة ممنوعة، لا يأكل منها إلا من نشاء يعنون: خدم الأوثان والرجال دون النساء أى: لا يأكل منها إلا خدم الأوثان والرجال فقط . وقوله: (( بزعمهم، متعلق بمحذوف وقع حالا من فاعل قالوا . أى: قالوا ذلك متلبسين بزعمهم الباطل من غير حجة . وقوله: « وقالوا هذه الإشارة إلى ما جعلوه لآلهتهم، والتأنيث باعتبار الخير وهو قوله: أنعام وحرث وقوله : حجر، صفة لأنعام وحرث ، وقوله , لا يطعمها، صفة ثانية لأنعام وحرث . هذا هو النوع الأول الذى ذكرته الآية من أنواع ضلالاتهم، أما النوع الثانى فهو قوله - تعالى - ,وأنعام حرمت ظهورها، أى: وقالوا مشيرين إلى طائفة أخرى من أنعامهم: هذه أنعام حرمت ظهورها فلافر كب ولا يحمل عليها، يعنون بها البحائر والسواقب والوصائل والحوامى (١) التى كانوا (١) البحيرة : الناقة التى تلد خمسة أبطن آخرها ذكر كانوا يشقون أذنها ويتركونها لآلهتهم والسائبة: اسم الناقة التى يتركها صاحبها فلا تنحر لأنها نجحت فى الحرب أو نذرها للأصنام. والوصيلة: اسم النافة التى قلد أول ما قدد أنثى ثم تثنى بأنشى كانوايتركونها للأصنام والحام: اسم الفحل إذا اقح ولدولده قالواحمى ظهره فلا يركب ويترك حتى تموت ٢٥٧ سورة الأنعام يزعمون أنها تعتق وتقضى لأجل الآلهة. فقوله ((وأنعام) خبر لمبتدأ محذوف، والجملة معطوفة على قوله (هذه أفعام) وأما النوع الثالث من أنواع اختراعاتهم الذى ذكرنه الآية فهو قوله: (: أنعام لا بذ كرون اسم الله عليها) . أى: وقالوا أيضاً هذه أنعام لايذكراسم الله عليها عند الذبح، وإنما يذكر عليها أسماء الأصنام لأنها ذبحت من أجلها . وقد عقب - سبحانه - على تلك الأقسام الثلاثة الباطلة بقوله: (افتراء عليه) أى فعلوا ما فعلوا من هذه الأباطيل وقالوا ما قالوا من تلك المزاعم من أجل الافتراء على الله وعلى دينه، فإنه - سبحانه - لم يأذن لهم فى ذلك ولا رضيه منهم. ثم ختمت الآية بهذا التهديد الشديد حيث قال : - سبحانه - (سيجزيهم بما كانوايفترون) أى: سيجزيهم الجزاء الشديد الأليم بسبب هذا الافتراء القبيح ثم يحكى القرآن الرذيلة الرابعة من رذائلهم وملخصها: أنهم زعموا أن الأجنة التى فى بطون هذه الأنعام المحرمة، ما ولد منها حياً فور حلال الرجال ومحرم على النساء، وما ولد ميتاً اشترك فى أكله الرجال والنساء. استمع إلى القرآن وهو يفضح زعمهم هذا فيقول: (وقالوامافى بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ، ومحرم على أزواجنا، وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء) ومرادهم بما فى بطون هذه الأنعام أجنة البحاثر والسوائب. أى : ومن فنون كفرهم أنهم قالوا ما فى بطون هذه الأنعام المحرمة إذا نزل منها حباً فأكله حلال للرجال دون والنساء، وإذا نزل ميتاً فاكه حلال للرجال والنساء على السواء . وفى رواية العوفى عن ابن عباس أن المراد بما فى بطونها اللبن، فقد : كانوا يحرمونه على إناثهم ويشربه ذكرانهم وكانت الشاة إذا ولدت ذكراً ذبحوه، وكان الرجال دون النساء، وإن كانت أنثى تركت فلم قذبح ، (١٧ - سورة الأنعام) وإن كانت ميتة فهم فيه شركاء . ٢٥٨ الجزء الثامن قال بعضهم: ((ومن مباحث اللفظ فى الآية أن قوله «خالصة، فيه وجوه: أحدها أن التاء قيد للمبالغة فى الوصف كراوية وداهيةفلا يقال إنه غير مطابق للمبتدأ عنى القول بأنه خبر . وثانيا: أن المبتدأ وهو مافى بطون هذه. الأنعام ، مذكر اللفظ مؤنث المعنى، لأن المراد به الأجنة فيجوز تذكير خبره باعتبار اللفظ وتأنيثه باعتبار المعنى . وثالثها : أنه مصدر فتكون. العبارة مثل قولهم: عطاؤك عافية، والمطررحمة والرخصة نعمة. ورابعها: أنه مصدر مؤكد أو حال من المستكن فى الظرف وخبر المبتدأ «لذ كورنا، (١). وقوله: ((سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم، تهديد لهم أى: سيجزيهم مام أهله من العذاب المهين جزاء وصفهم أو بسبب وصفهم الكذب على الله. فى أمر التحليل والتحريم على سبيل التحكيم والتهجم بالباطل على شرعه. إنه - سبحانه - حكم فى أقواله وأفعاله وشرعه، عليم بأعمال عباده من خير أو شر وسيجازيهم عليها . قال الآلوسي: ونصب (وصفهم، - على ما ذهب إليه الزجاج - لوقوعه موقع مصدر « يجزيهم)) فالكلام على تقدير مضاف. أى: جزاء وصفهم. وقيل . التقدير. سيجزيهم العقاب بوصفهم أى: بسببه فلما سقطت الباء قصب وصفهم . ثم قال. وهذا كما قال بعض المحققين من بليغ الكلام وبديعه ، فإنهم يقولون ، كلامه يصف الكذب إذا كذب ، وعينه تصف السحر ، أى ساحرة، وقد، يصف الرشاقة، بمعنى رشيق . مبالغة، حتى كأن من سمعه أو رآه وصف له ذلك بما يشرحه له)، (٢) . وإلى هنا تكون الآيات الأربعة التى بدأت بقوله - تعالى ((وجعلوا ته مما ذراً من الحرث والأنعام نصيباً .. الخ)، قد قصت علينا أربع رذائل من أفعال المشركين وأقوالهم . (١) تفسير المنار ج ٨ ص ١٢٩ (٢) تفسير الآلوسى = ٨ ص ٢٦ ٢٥٩ سورة الأنعام وإن العاقل ليعجب وهو يستعرض هذه الضلالات - التى حكتها الآيات . يعجب لما تحملوه فى سبيل ضلالاتهم من أعباء مادية وخائر وتضحيات ، يعجب للعقيدة الفاسدة وكيف تكلف أصمابها الكثير ومع ذلك فهم مصرون على اعتناقها، وعلى التقيد بأغلالها، وأوهامها، وتبعاتها لكأن القرآن وهو يحكى تلك الرذائل وما تحمله أصمابها فى سبيلها يقول لأتباعه - من بين ما يقول - إذا كان أصحاب العقائد الفاسدة قد ضحوا حتى بفلذات أكبادهم إرضاء لشركاتهم .. فأولى بكم ثم أولى أن تضحوا فى سبيل عقيدتكم الصحيحة، وملتكم الحنيفة السمحاء بالأنفس والأموال. هذا وقد عقب القرآن الكريم بعد إيراده لتلك الرذائل بقوله. «قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفنهاً خير علم، وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله)). قال الإمام ابن كثير : قد خسر الذين فعلوا هذه الأفاعيل فى الدنيا والآخرة، أما فى الدنيا فخروا أولادهم بقتلهم، وضيقوا على أنفسهم فى أموالهم ، فحرموا أشياء ابتدعوها من تلقاء أنفسهم. وأما فى الآخرة فيصيرون إلى أسوأ المنازل بكذبهم على الله وافتراتهم، (١). والتعبير بخسر بدون ذكر مفعول معين يقع عليه الفعل الإشارة إلى أن خسارتهم خسارة مطلقة من أى تحديد ، فهى خسارة دينية وخسارة دنيوية - كما قال ابن كثير . وقرأ ابن عامر (( قتلوا، بالتشديد. أى: فعلوا ذلك كثيراً، إذالتضعيف يفيد التكثير . و «سفها، منصوب على أنه علة لقتلوا أى: لحفة عقولهم وجهلهم قتلوا أولادهم. أو منصوب على أنه حال من الفاعل فى قتلوا وهو ضمير الجماعة. (١) تفسير ابن كثير ج ٢ ص ١٨١ ٢٦٠ الجزء الثامن والسفه : خفة فى النفس لنقصان العقل فى أمور الدنيا أو الدين. وقوله، وحرموا ما رزقهم الله، أى من البحار والسوائب ونحوهما، وهو معطوف على «قتلوا)). ثم بين - سبحانه - نتيجة ذلك القتل والتحريم فقال: «قد ضلوا وما كانوا مهتدين، أى: قد ضلوا عن الصراط المستقيم بأقوالهم وأفعالهم القبيحة وما كانوا مهتدين إلى الحق والصواب . قال الشهاب، وفى قوله (وما كمافوا مهتدين» بعد قوله (قد ضلوا مبالغة فى نفى الهداية عنهم ، لأن صيغة الفعل تقتضى حدوث الضلال بعد أن لم يكن. فلذا أردف بهذه الحال لبيان عراقتهم فى الضلال ، وإنما ضلالهم الحادث ظلمات بعضها فوق بعض)) (١). روى البخارى عن ابن عباس قال : إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين والممائة من سورة الأنعام (قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهاً بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين) (٢). ثم بين - سبحانه - أنه هو الخالق لكل شىء من الزروع والثمار والأنعام التى تصرف فيها المشر كون بآرائهم الفاسدة، وأن من الواجب عليهم أن يستعملوا نعم الله فيما خلقت له فقال - تعالى -: (١) تفسير القاسمى = ٦ ص ٢٥٢٤ (٢) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ١٨١