النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
سورة الأنعام
وأصل الخرص: القول بالظن. يقال: خرصت النحل خرصاً - من باب
قتل - حزرت ثمره وقدرته بالظن والتخمين. واستعمل فى الكذب لما بداخله
من الظنون الكاذبة ، فيقال : خرص فى قوله - كنصر - أى : كذب .
قال صاحب المنار: ( وهذا الحكم القطعى بضلال أكثر أهل الأرض
ظاهر بما بينه به من اتباع الظن والخرص ولاسيما فى ذلك العصر - تؤيده
تواريخ الأمم كلها ، فقد اتفقت على أن أهل الكتاب كانوا قد تركوا هداية
أنبيائهم وضلواضلالا بعيداً ، وكذلك أمم الوقفية التى كانت أبعد عهداً عن هداية
رسلهم وهذا من أعلام نبوته - صلى الله عليه وسلم - وهو أمى لم يكن يعلم من
أحوال الأمم إلا شيئاً يسيراً من شئون المجاورين لبلاد العرب خاصة (١)).
وقوله - سبحانه - ( إن ربك هو أعلم من يعضل عن سبيله وهو أعلم
بالمهتدين) تقرير الآية السابقة، وتأكيد لما يفيده مضمونها، أى: إن ربك
الذى لا تخفى عليه خافية هو أعلم منك ومن سائر خلقه بمن يعضل عن طريق
الحق وهو أعلم منك ومن سار الخلق - أيضاً - بالمهتدين السالكين صراطه
المستقيم ((فعليك - أيها العاقل - أن تكون من فريق المهتدين لتسعد كلسدوا
واحذر أن تركن إلى فريق الضالين ، فتشقى كما شقوا.
وبذلك تكون هذه الآيات الكريمة قد قررت أن الله وحده هو الحكم
العدل، وأن كتابه هو المهيمن على الكتب السابقة، وأن أهل الكتاب
يعرفون ذلك كما يعرفون أبناءهم، وأنه - سبحانه - قد تكفل بحفظ
كتابه من التغيير والتبديل ، وأن الطبيعة الغالبة فى البشر هى اتباع الظنون
والأهواء، لأن طلب الحق متعب، والكثيرون لا يصبرون على مشقة البحث
والتمحيص ، والقليلون هم الذين يتبعون الیقین فی أحكامهم ، والله وحده هو
الذى يعلم العضالين والمهتدين من عباده !.
(١) تفسير المنار = ٧ ص ١٦.

٢٢٢
الجزء الثامن
وبعد أن أقام - سبحانه - الأدلة على وحدانيته وكمال قدرته. وسعة علمه.
ورد على الشبهات التى أثارها المشركون حول الدعوة الإسلامية بما يخرس
ألتهم. وأثبت - سبحانه - أنه هو الحكم الحق، وأن كتابه هو الكتاب
الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأن أكثر أهل الأرض
يقبعون الظن فى أحكامهم .. بعد كل ذلك انتقل القرآن إلى الكلام فى مسألة
كثر فيها الجدل بين المسلين والمشركين ، وهى مسألة الذبائح ما ذكر عليه
إسم الله منها ومالم يذكر فقال - تعالى -:
فَكُلُواْ مِمَّا
ذُكِرَ أُْ اللهِ عَيْهِ إِن كُمْ بِعَايَتِهِ، مُؤْمِنِينَ (٨)) وَمَا لَكُمْ أَلََّتَأْ كُواْ
مِمَذُ كَ أَسُْ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْمَّا حَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا أَضْطُرِرْتُمْ:
إِلَيْهٌ وَإِنَّ كَثِيرًا ◌َيُضِلُونَ بِأَهْوَّ ◌ِهِم بِغَيْرٍ عِلْمَّ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ
بِلْمُعْتَدِينَ ( ◌َ وَذَرُواْ ظَهِرَ آلْإِنْ وَبَاِنَهُنَإِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ
سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَفْتَرِفُونَ (١٨) وَلَا تَأْكُوْبِّ لَمْ يُذْكَرٍ أَسْمُ
الَّهِ عَلَيْهِ وَ إِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآَ بِهِمْ
بُيُجَدِلُوكُزَّ وَ إِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (٣) أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتًا
فَأَحَْيْنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ، فِى النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِ
الظّلُمَتِ لَيْسَ بِخَارِيچِمِنْهَ كَّلِكَ زْنَ لِلْكَِّفِ ينَ مَا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ ﴾.

٢٢٣
سورة الأنعام
روى أبو داود بسنده عن ابن عباس قال: أتى ناس إلى النبى - صلى اللّه
عليه وسلم - فقالوا يارسول اللّه إنا نأكل ما نقتل ولا نأكل ما يقتل الله -
فأنزل الله - فكاوام) ذكر اسم الله عليه ... إلى قوله (( وإن أطعتموهم
إنكم لمشركون» (١).
وذكر الواحدى أن المشركين قالوا: يا محمد أخبرنا عن الشاة إذا ماتت
من قتلها فقال - بَّق - اللّه قتلها. قالوا. فتزعم أن ما قتلت أنت
وأصحابك حلال وما قتل الصقر أو الكلاب حلال وما قتله الله حرام فأنزل
الله - تعالى - قوله: ((فكاوا ما ذكر اسم الله عليه) الآية (٢).
والخطاب فى الآية الكريمة للمؤمنين الذين ضايقهم جدال المشركين لهم
فى شأن الدبائح .
والمعنى كاوا أيها المؤمنون مما ذكر اسم الله عليه عند ذبحه واز كوا
ما ذكر عليه اسم غيره كالأوثان أو ما ذبح على النصب، أو ماذكر اسم مع
اسمه - تعالى - أو ما مات حتف أنفه، ن لا تضرنكم مخالفتكم المشركين فى
ذلك فإنهم ما يتبعون فى عقائدهم ومآ كلهم وأعمالهم إلا تقاليد الجاهلية
وأوهامها التى لا ترتكز على شىء من الحق .
والفاء فى قوله: ((فكلوا .. ، يرى الزمخشرى أنها جواب الشرط مقدر
والتقدير: إن كنتم محقين فى الإيمان فكلوا، ويرى غيره أنها معطوفة على
محذوف والتقدير. كونوا على الهدى فكارا)).
وقوله: «إن كتم بآياته مؤمنين، أى. إن كنتم بآياته التى من جملتها.
الآيات الواردة فى هذا الشأن مؤمنين ، فإن الإيمان بها يقتضى استباحة
ما أحله سبحانه واجتناب ما حرمه ،
(١) أخرجه أبو داود فى كتاب الأضاحى - باب ذبائح أهل الكتاب .
حديث رقم ٢٨١ طبعة فؤاد عبد الباقى .
(٢) تفسير الألوسى = ٨ م ٠١٢

٢٢٤
الجزء الثامن
ثم أنكر - سبحانه - عليهم ترددهم فى أكل ما أحله الله من طعام
لأنهم لم يتعودوه قبل ذلك فقال: ((وما لكم أن لا تأكلوا ما ذكر اسم
الله عليه » .
أى: أى مانع يمنعكم من أن تأكلوا ما ذكر اسم الله عليه، وأى فائدة
تعود عليكم من ذلك! فالاستفهام لإنكار أن يكون هناك شىء بدءوهم
إلى اجتناب الأكل من الذبائح التى ذكر اسم الله عليها سواء أ كانت تلك
الذبائح من البحاثر أو السوائب أو غيرها ما حرمه المشركون على أنفسهم
بدون علم .
وقوله ((وقد فصل لكم ما حرم عليكم، جملة حالية مؤكدة للإفكار السابق
أى والحال أن الله - تعالى - قد فصل لكم على لسان رسولكم - ؟ -
ما حرمه عليكم من المطعومات ، وبين لكم ذلك فى كتابه كما فى قوله
- تعالى - «قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما على طاعم بطعمه إلا أن يكون
ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به،
فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم ».
إذاً فمن الواجب عليكم أيها المسلمون أنتأكلوا وأنتم مطمئنون من جميع
المطاعم التى أحلها الله لكم وذكر اسمه عليها ولو خالفتم فى ذلك المشركين
وأن تتجنبوا أكل ما حرمه الله عليكم ولو كان ذلك مما يستبيحه المشر كون.
وقوله (( إلا ما اضطرر تم إليه، استثناء مما حرم الله عليهم أكله.
أى: إلا أن تدعوكم الضرورة إلى أكل شىء من هذه المحرمات بسبب
شدة الجوع ففى هذه الحالة يباح لكم أن تأكاوا من هذه المحرمات ما يحفظ
عليكم حياتكم. هذا هو حكم الله الذى يريد بكم اليسر ولا يريد بكم العسر
فعليكم أن تتبعوه ، والا تلقوا بالا إلى أوهام المتخرسين وأصحاب
الظنون الباطلة .

٢٢٠
سورة الأنعام
ثم نعى على المشركين جهالانهم فقال : «وإن كثيرا لبدلون بأهواتهم
جغير علم ، .
قرأ الجمهور ((أيضلون)) بضم الياء، والمعنى عليه: وإن كثيراً من
الكفار ليدون غيرهم بتحريم الحلال وتحليل الحرام بسبب أهوائهم
الزائفة وشهواتهم الباطلة ، دون أن يكون عندهم أى علم مقتبس من
يوحى الله أو مستنبط من عقل سليم.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب ((ليضلون، بفتح الياء، والمعنى
حليه: وإن كثيرا من الكفار لينحرفون عن الحق ويقعون فى الضلال بسبب
اتباعهم لأهوائهم بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير .
وقراءة الجمهور أبلغ فى الذم لأنها تقضمن قبح فعلهم حيث علوا فى
أنفسهم وأضلوا غيرهم .
وقوله: « بغير علم ، متعلق بمحذوف وقع حالا أى : يضلون
مصاحبين الجهل .
وقوله ((إن ربك هو أعلم بالمعتدين، أى: أعلم منك يا محمد ومن كل
مخلوق بالمتجاوزين لحدود الحق إلى الباطل والحلال والحرام .
ففى الجملة الكريمة التفات عن خطاب المؤمنين إلى خطاب الرسول
- صلى ان عليه وسلم - .
قال الإمام الرازى : وقد دلت هذا الآبة على أن القول فى الدين بمجرد
التقليد حرام ، لأن القول بالتقليد قول بمحض الهوى والشهوة، والآبة
. دلت على أن ذلك حرام (١).
(١) تفسير الفخر الرازى = ٤ ص ١٢٧
(١٥ - سورة الأنعام )

٢٢٦٠
الجزء الثامن
ثم أمر الله عباده أن يتركوا ما ظهر من الآثام وما استتر فقال:
((وذروا ظاهر الإثم وباطنه، أى اتركوا جميع المعاصى ما كان منه
سرا وما كان منها علانية ، أو ما كان منها بالجوارح وما كان منها بالقلوب
لأن الله - تعالى - لا يخفى عليه شىء .
1
ثم بين - سبحانه - عاقبة المرتكبين للآثام فقال: ((إن الذين يكسبون
الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون)، أى: إن الذين يعملون المعاصى وير تكبون
القبائح الظاهرة والباطنة لن ينجو من المحاسبة والمؤاخذة بل سيجزون بما
يستحقونه من عقوبات بسبب اجتراحهم للسيئات .
وبعد أن أمر الله المؤمنين بالأكل ما ذكر اسم الله عليه، نهاهم صراحة
عن الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه اشدة العناية بهذا الأمر فقال - تعالى -:
((ولا تأكلوا ما لم يذكر اسم الله عليه، أى: لا تأكلوا أيها المسلمون
من أى حيوان لم يذكر عليه اسم الله عند ذبحه ، بأن ذكر عليه اسم غيره،
أو ذكر اسم مع اسمه - تعالى - ، أو غير ذلك مما سبق بيانه من
المحرمات .
وقوله ((وإنه لفسق)) جملة حالية والضمير يعود على الأكل الذى لم
يذكر اسم عليه، أى: وإن الأكل من ذلك الحيوان المذبوح الذى لم يذكر
اسم الله عليه الخروج عن طاعة الله - تعالى - وابتعاد عن الفعل الحسن ..
إلى الفعل القبيح ، وفى ذلك ما فيه من تنفيرهم من أكل ما لم يذكر
قسم الله عليه .
ثم كشف المسلمين عن المصدر الذى يمد المشر کین مادة الجدل حول
هذه المسألة فقال: (( وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم)).
بى: وإن إبليس وجنوده ليوسوسون إلى أوليائهم الذين اتبعوهم من.

٢٢٧
سورة الأنعام
المشركين ليجادلوكم فى تحليل الميتة وفى غير ذلك من الشبهات الباطلة ((وإن
أطعتموهم، فى استحلال ما حرمه الله عليكم ((إنكم لمشركون)).
قال ابن كثير : أى: حيث عداتم عن أمر الله لكم وشرعه إلى قول غيره
فقدمتم عليه غيره فهذا هو الشرك، كقوله - تعالى - ((اتخذوا أحبارهم
ورهباتهم أربابا من دون الله، الآية، وقد روى الترمذى فى تفسيرها عن
عدى بن حاتم أنه قال: يارسول الله ما عبدوهم فقال: «بلى إنهم أحلوالهم
الحرام وحرموا عليهم الحلال فانبعوهم فذلك عبادتهم إياهم)، (١).
هذا، وقد استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب إلى أن الذبيحة لا تحل
إذا لم يذكر اسم الله عليها وإن كان الذابح مسلما، وقد اختلف الفقهاء فى
هذه المسألة على ثلاثة أقوال .
فمنهم من قال لا تحل الذبيحة التى يترك ذكر اسم الله عليها سواء كان
الترك عمدا أو سهوا، وإلى هذا الرأى ذهب ابن عمر وفافع وعامر الشعبي ومحمد
ابن سيرين، وداود الظاهرى وفى رواية عن الإمامين مالك وأحمد بن حنبل.
واحتجوا لمذهبهم هذا بهذه الآية التى وصفت ماذبح ولم يذكر اسم الله
عليه بأنه فسق، كما احتجوا بقوله - تعالى - ((فكارا٠) أمكن عليكم
واذكروا اسم الله عليه، وبالأحاديث التى وردت فى الأمر بالتسمية عند
الذبيحة والصيد كحديث عدى بن حاتم وفيه ((إذا أرسلت كلبك المعلم
وذكرت اسم الله عليه فكل»(٢).
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٠١٧١
(٢) أخرجه البخارى فى كتاب «الذبائح والصيد، حديث رقم ١٤١ طبعة
محمد فؤاد عبد الباقى .

٢٢٨
الجزء الثامن
وحديث رافع بن خديج وفيه «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه
فكاره (١))).
أما الرأى الثانى فيرى أصحابه أن التسمية ليست شرطا بل هى مستحبة،
وتركها عن عمد أو نسيان لا يضر ، وقد حكى هذا المذهب عن ابن عباس
وأبى هريرة وعطاء وهو مذهب الشافعى وأصحابه وفى رواية عن الإمامين
ومالك وأحمد بن حقيل .
وحجتهم أن هذه الآية ((ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ... »
واردة فيما ذبح لغير الله بأن بذكر على الذبيحة اسم الصنم كما كان يفعل
المشركون عند ذبائحهم .
واحتجوا أيضاً بما رواه الدار قطنى عن ابن عباس أنه قال:(( إذا ذبح
المسلم ولم يذكر اسم الله فليأكل فإن المسلم فيه اسم من أسماء الله(٢))).
أما الرأى الثالث فيرى أصحابه أن ترك التسمية نسيانا لا يضر أما عمدا
فلا تحل الذبيحة ، وإلى هذا المذهب ذهب على وابن عباس وسعيد بن المسيب
والحسن البصرى وهو المشهور من مذهب أحمد بن حنبل وعليه أبو حنيفة
وأصحابه .
واحتجوا لمذهبهم بأحاديث منها ما رواه عبد الله بن عمرو عن النبى
- صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((إن الله وضع عن أمتى الخطأ والنسيان
وما استكرهوا عليه(٣)،.
ولعل هذا المذهب أقرب الذاهب إلى الصواب، لأن المتعمد هو الذى
يؤاخذ على عمله أما الناسى فليس مؤاخذا.
(١) أخرجه البخارى فى كتاب « الذبائح والصيد.
(٢) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٠١٦٩
(٣) تفسير ابن كثير = ٢ ص ١٧٠.

٢٢٩
سورة الأنعام
وقد قوات بعض كتب التفسير بط الأقوال فى هذه المسألة فليرجع
إليها من شاء (١).
ثم ضرب الله مثلا لحال المؤمن والكافر فقال :
« أومن كان ميناً فأحينا ....
الهمزة للاستفهام الإنكارى ، وهى داخلة على جملة محذوفة العلم بها من
الكلام السابق.
والتقدير: أأنتم أيها المؤمنون مثل أولئك المشركين الذين يجادلونكم بغير
علم وهل يعقل أن من كان ميتاً فأعطيناه الحياة وجعلنا له نوراً عظيما بمشى:ه
فيما بين الناس آمنا كمن مثله فى الظلمات ليس بخارج منها .
فالآية الكريمة تمثيل بليغ المؤمن والكافر لتغير المسلمين عن طاعة
المشركين بعد أن نهاهم صراحة عن طاعتهم قبل ذلك فى قوله «وإن أطعتموهم
إنكم لمشركون ».
فمثل المؤمن المهتدى إلى الحق كمن كانمينا مالكاما حياه الله وأعطاء
:وراً يستضى به فى مصالحه، ويهندى به إلى طرقه. ومثل الكافر اضال كمن
هو منغمس فى الظلمات لا خلاص له منها فهو على الدوام متحير لا يهتدى
فكيف يستويان؟.
والمراد بالنور: القرآن أو الإسلام، والمراد بالظلمات الكفر والجهالة
وعمى البصيرة. فهو كقوله - تعالى -: ((وما يستوى الأعمى والبصير. ولا الظالمات
ولا النور. ولا الظل ولا الحرور. وما يستوى الأحياء ولا الأموات)).
وقوله: (كذلك زين للكافرين ما كانوايعملون، أى: مثل ذلك التزيين
الذى تضمنته الآية - وهو تزيين نور الهدى للمؤمنين وظلمات الشرك لاضالين
قد زين للكافرين ماكانوا يعملونه من الآثام كعداوة النبى - -
وذبح القرابين لغير الله - تعالى - وتحليل الحرام، وتحريم الحلال وغير
ذلك من المنكرات .
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ١٦٨ وما بعدها وتفسير الآلرس
ج ٨ ص ١٤ وما بعدها .

٢٣٠
الجزء الثامن
وجمهور المفسرين يرون أن المثل فى الآية عام لكل مؤمن وكل كافر وقيل
إن المراد بمن أحياء الله وهداه عمر بن الخطاب، والمراد بمن بقى فى الظلمات
ليس بخارج منها عمرو بن هشام ، فقد أخرج ابن أبى الشيخ أن الآية نزلت
فيهما ، وقيل نزلت فى عمار بن باسر وأبي جهل ، وقيل فىحمزة وأنی جهل .
والذى نراه أن الآية عامة فى كل من هداه الله إلى الإيمان بعد أن كان
كافراً، وفى كل من بقى على ضلاله مؤثراً الكفر على الإيمان ويدخل فى
ذلك هؤلاء المذكورون دخولا أوليا.
ثم سلى الله - تعالى - نبيه - ٤ -ببيان أن المتر فين فى كل زمان ومكان هم
أعداء الإصلاح، وأن مالقيه - صّ الله - من أكابر مكة ليس بدعا بل هو شىء
رآه الأنبياء قبله على على أبدى أمثال هؤلاء المترفين فقال - تعالى -:
،وَكَِّكَ جَعَلْنَا فِ كُلّ قَرْيَةٍ أَكَِّرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ
◌ُبِّ وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ () وَإِذَا جَآءَتْهُمْ
ءَايَةٌ قَالُواْ لَن تُؤْمِنَ خَّ نُؤْثَى مِثْلَ مَ أُوْقِىَ رُسُلُ اللَّهِاللهُ أَعْلَمُ:
حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَبْرَمُواْ صَغَارٌ عِنْدَ اللّهِ
وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْسُونَ (9) ◌َمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُأَ
يَشْرَحْ صَدْرَهُم ◌ِلْإِسَِْ وَمَن يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَبِقًا.
حَرَجًا كَأَتَّمَا يَصَّعَّدُ فِ السَّمَاءِّ كَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى
الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (ٌ﴾ وَهَذَا صِرَّطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا
الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَّرُونَ ◌َ

٢٣١
سورة الأنعام
أكابر: جمع أكبر، وهم الرؤساء والعظماء فى الأمم. والمجرمون:
جمع مجرم ، من أجرم إذا اكتسب أمرا قبيحا، ومنه الجرم والجريمة
الذنب والإثم .
والمعنى: وكما جعلنا فى قريتك مكة رؤساء دعاة إلى الكفر وإلى عداوتك
جعلنا فى كل قرية من قرى الرسل من قبلك رؤساء من المجرمين مثلهم
المكروا فيها، ويتجبروا على الناس، ثم كانت العاقبة الرسل، فلا تبتئس
يا محمد ما يصيبك من زعماء مكة فتلك طبيعة الحياة فى كل عصر، أن
يكون زعماء الأمم وكبراؤها أشد الناس عداوة الرسل والمصلحين .
قال الجمل: وقوله: ((أكابر) مفعول أول لجعل، وأكابر مضاف
ومجرميها مضاف إليه، و«فى كل قرية، المفعول الثانى لجعل، ووجب
تقديمه ليصح عود الضير عليه ، فهو على حد قوله :
كذا إذا عاد حليه مضمر ما به عنه مبينا يخبر
هذا أحسن الأعاريب (١) وهناك أوجه أخرى للأعراب لا تخلو
من مقال .
وخص الأكابر بالمكر، لأنهم هم الحاملون لغيرهم على الضلال،
وهم الذين يتبعهم الضعفاء فى كفرهم وجورهم.
قال ابن كثير : والمراد بالمكرهنا دعاؤهم غيرهم إلى الضلالة بزخرف
من المقال والفعال كقوله - تعالى - إخباراً عن قوم نوح ,ومكروا
مکرا کباراً)،، وكقوله: ((ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عندربهم يرجع
بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفواللذين استكبروا لولا أنتم
لكنا مؤمنين. قال الذين استكبرو للذين استضعفوا أنحن صددنا كم عن الهدى ..
:بعد إذا جاءكم بل كنتم مجرمين . وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل
(١) حاشية الجمل = ٢ ص ٨٦

١٣٢
الجزء الثامن
مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن تكفر بالله ونجعل له أندادا .. الآية)، (١).
وقوله - سبحانه - ((وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون)).
أى وما يمكر أولئك الأكابر المجرمون الذين يعادون الرسل والمصلحين.
فى كل وقت إلا بأنفسهم، حيث يعودضرره عليهم وحدهم فى الدنياوالآخرة
ولكنهم لاقطماس بصيرتهم ، لا يشعرون بأن مكرهم سيعود عليهم ضرره،
بل يتوهمون أنهم سينجون فى مكرهم بغيرهم من الأنبياء والمصلحين .
فالجملة الكريمة بيان لسنة من سنن الله فى خلقه، وهى أن المكر الى.
لا يحيق إلا بأهله، وفى ذلك تسلية للنبى (صلى الله عليه وسلم) عما يصيبه منهم.
وبشاره له، ولأ صحابه بالنصر عليهم، ووعيد لأولئك الماكرين بسوء المصير
وجملة (( وما يشعرون)) حال من ضمير يمكرون، وهى تسجل عليهم.
بلاهتهم وجهالتهم حيث فقدوا الشعور بما من شأنه أن يعترف به كل عاقل .
ثم حكى القرآن لوناً من ألوان مكرهم فقال: ((وإذا جاءتهم آية قالوا:
((لن نؤمن حتى تؤتى مثل ما أوتى رسل الله)).
أى: وإذا جاءت أولئك المشركين الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم والتن
جاءتهم آيه ليؤمنن بها، حجة قاطعة تشهد بصدقك يامحمد فيما تبلغه عن ربك،
قالوا حسدالك، أن نؤمن لك يا محمد حتى نعطى من الوحى والرسالة مثلا
أعطى رسل الله، وأضافوا الإيتاء إلى رسل الله، لأنهم لا يعترفون بما أوتيه.
(صلى الله عليه وسلم) من الوحى والرسالة .
روى أن الوليد بن المغيرة قال للفى (صلى الله عليه وسلم) لوكانت النبوة حققه.
لكنت أها أولى بهامنك لأنى أكبر منك سناً وأكثر مالا فأنزل الله هذه الآية.
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ١٧٣

٢٣٣
سورة الأنعام
وقال مقال : نزلت فى أبى جهل وذلك أنه قال: زاحمنا بنو عبد المطلب
فى الشرف حتى إذا صرنا كفرسى رهان قالوا: منا نبى يوحى إليه، والله
لا نؤمن به ولا نتبعه أبدا إلا أن يأتيناوحتى كاياتيه فأنزل الله هذه الآية» (١).
وقد رد الله - تعالى - على هؤلاء الحاسدين ردا حاسما فقال: ((الله أعلى
حيث يجعل رسالته، أى: الله - سبحانه - أعلم منهم ومن كل أحد
بالموضع الصالح للرسالة فيضعها فيه فهو - سبحانه - يختار لها بحكمته وعلمه
من يستحقها وينهض بها. ويهب نفسه لها، وينسى فى سبيلها ذاته.
قال الإمام الرازى: وقوله - تعالى -((اللّه أعلم حيث يجعل رسالته»
أى: ان الرسالة موضوعاخصوصالا يصلح وضعها إلا فيه، فمن كان مخصوصاً
موصوفاً بتلك الصفات لأجلها يصلح وضع الرسالة فيه كان رسولا وإلا فلا،
والعالم بتلك الصفات ليس إلا الله - تعالى - ثم قال: وفى هذه الجملة الكريمة
تنبيه على دقيقة أخرى وهى أن أقل مالابد منه فى حصول النبوة والرسالة
البراءة عن المكر والغدر والغل والحسد، وقوله ((أن نؤمن حتى نؤتى مثل
ما أوتى رسل الله، عين المكر والغدر والغل والحسد فكيف يعقل حصول
النبوة والرسالة مع هذه الصفات)) (٢).
وهذه الجملة حجة لأهل الحق على أن الرسالة هبة من الله بختص بها من
يشاء من عباده، ولا يتالها أحد بكبه ولا بذ كائه ولا بنسبه .
ولذا قال الإمام الآلومى: وجملة ((الله أعلم .. الخ .. استئناف بيانى،
والمعنى: أن منصب الرسالة ليسمم) ينال بما يزعمونه من كثرة المال والولد»
وتعاضد الأسباب والعدد، وإنما ينال بفضائل نفسانية، ونفس قدسية أفاعها.
(١) حاشية الجمل على الجلالين = ٢ ص ٨٦
(٢) تفسير الفخر الرازى ج ٤ ص ١٤٢

٢٣٤
الجزء الثامن
الله - تعالى - بمحض الكرم والجود على من كمل استعداده (١) ....
هذا. وقد وردت أحاديث كثيرة تحدث النبى - صلى الله عليه وسلم - فيها
عن اصطفاء الله له وفضله عليه، ومن ذلك ما رواه الإمام مسلم عن وائلة ابن
الأسقع قال: ((قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن الله - عز وجل-
اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من بنى إسماعيل بنى كنانة،
واصطفى من بنى كنانة قريها، واصطفى من قريش بنى هاشم ، واصطفى
من بنى هاشم محمد ! - صلى الله عليه وسلم - (٢).
وروى الإمام أحمد عن المطلب بن أبى وداعة عن العباس عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال: (( إن الله خلق الخلق جعلنى فى خير خلقه، وجعلهم
فريقين ، فجعلنى فى خير فرقة، وخلق القبائل فجعلنى فى خير قبيلة، وجعلهم
بيونا ، فجعلنى فى خيرم بيتا، فأنا خيركم بيتا وخيركم نفسا(٣))).
ثم بين - سبحانه - عاقبة أولئك الماكرين الحاسدين للنبى - صلى الله
عليه وسلم - على ما آتاه الله من فضله فقال: «سيصيب الذين أجرموا
صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون)).
قال القرطبى ما ملخصه: الصغار: العنيم والذل والهوان. والمصدر الصغر
بالتحريك - وأصله من الصغر دون الكبر فكأن الذل يصغر إلى المرء نفسه
وقيل: أصله من الصغر وهو الرضا بالذل. والصاغر: الراضى بالذل.
وأرض مصغرة: فبتها صغير لم يطفى . ويقال. صغر - بالكسر - يصغر
صغراً وصغاراً فهو صاغر إذا ذل وهان (٤)،.
(١) تفسير الآلوسى ج ٨ ص ٠٢١
(٢) أخرجه مسلم فى كتاب الفضائل .
(٣) المسند للإمام أحمد جـ ١ ص ٢١٠ طبعة الحلبى.
(٤) تفسير القرطبى = ٧ ص ٠٨٠

٢٣٥
سورة الأنعام
والمعنى : سيصيب الذين أجرموا بعد تكبرم وغرورهم وتطاولهم ذل
عظيم وهوان شديد ثابت لهم عند الله فى الدنيا والآخرة ، وبسبب مكرم
المستمر ، وعدائهم الدائم لرسل الله وأوليائه .
والجملة الكريمة استئناف آخر ناع على أولئك الماكرين ماسيلقونه من
ألوان العقوبات بعد مانعى عليهم حرمانهم ما أنكره من إيتائهم مثل ما أوتى
رسل الله ، والسين للتأكيد .
والعندية فىقوله ((عند الله، مجاز عن حشرهم يوم القيامة، أو عن حكمه
سبحانه - وقضاته فيهم بذلك ، كقولهم : ثبت عند فلان القاضى كذا أى :
فى حكمه، ولذا قدم الصغار على العذاب لأنه يصيبهم فى الدنيا .
قال ابن كثير : ولما كان المكر غالبا إنما يكون خفيا، وهو التلطف فى
التحيل والخديعة ، قوبلوا بالعذاب الشديد من الله يوم القيامة جزاء وفاقا
ولا يظلم ربك أحداً . وجاء فى الصحيحين عن رسول الله - بلح - أنه
قال: (( ينصب لكل غادر لواء عند إسته يوم القيامة فيقال: هذه غدرة
فلان بن فلان ، والحكمة فى ذلك أنه لما كان الغدر خفيا لا يطلع عليه الناس،
فيوم القيامة يصير علما منشوراً على صاحبه بما فعل (١)».
ثم بين - سبحانه - حال المستعد لهداية الإسلام ، وحال المستعد
الضلال فقال :
فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ...
.(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٠١٧٤

٢٣٦
الجزء الثامن
أى: فمن يرد الله أن يهديه الإسلام، ويوفقه له، يوسع صدره لقبوله،
ويسهله له بفضله وإحسانه .
وشرح الصدر : توسعته ، يقال : شرح الله صدره فانشرح، أى: وسعه
فاقسع، وهو مجاز أو كتابة عن جعل النفس مهيأة لحلول الحق فيها. مصفاة
عما يمنعه وينافيه .
روى عبد الرازق أن النبى - بدر - سئل عن هذه الآية:
كيف يشرح صدره؟ فقال: نور يقذف فينشرح له وينفسح، قالوا: فهل
لذلك من أمارة يعرف بها ؟ قال : الإنابة إلى دار الخلود، والتجافى عن دار
الغرور، والاستعداد للموت قبل لقاء الموت (١)).
وقوله: (( ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا، أى ومن يره
أن يضله لسوء اختياره، وإيثاره الضلالة على الهداية يصير صدره ضيقا
متزايد الضيق لا منفذ فيه الإسلام.
والحرج: مصدر حرج صدره حرجا فهو حرج، أى: ضاق ضيقا
شديداً. وصف به الضيق للمبالغة، كأنه نفس الضيق، وأصل الحرج مجتمع
الشىء ويقال: للحديقة الملتفة الأشجار التى يصعب دخولها حرجة.
وقرىء حرجا - بكسر الراء - صفة لقوله، ضيقا، . .
روى أن جماعة من الصحابة قرء وا أمام عمر - رضى الله عنه - «ومن يرد
أن يضله يجعل صدره ضيفا حرجا، بكسر الراء . فقال عمر: يافتى ما الحرجة
فيكم؟ قال الحرجة فينا الشجرة تكون بين الأشجار التى لا تصل إليها راعية
ولا وحشية. فقال عمر: كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شىء من الخير (٢)» ..
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ١٧٤.
(٢) تفسير الآلوسی ج ٨ ص

٢٣٧
سورة الأنعام
وقوله ((كأنما يصعد فى السماء) استئناف، أو حال من ضمير الوصف،
أو وصف آخر لقلب الضال، والمراد المبالغة فى ضيق صدره حيث شبه بمن
يزاول مالا يقدر عليه. فإن صعود السماء مثل فماهو خارج عن دائرة الاستطاعة.
أى : كانما إذا دعى إلى الإسلام قد كلف الصعود إلى السماء وهو لا يستطيعه
بحال. ويصعد أى: يتصعد، بمعنى يتكلف الصعود فلا يقدر عليه.
وفيه إشارة إلى أن الإيمان يمتنع منه كما يمتنع منه الصعود.
وقوله: (( كذلك يجعل اللّه الرجس على الذين لا يؤمنون)، أى : مثل
جعل الصدر ضيقا حرجا بالإسلام، يجعل اللّه الرجس . أى: العذاب،
أو الخذلان، أو اللغة فى الدنيا على الذين لا يؤمنون بالإسلام.
ثم بين - سبحانه - أن طريق الإسلام هو الطريق الحق المستقيم فقال:
(((وهذا صراط ربك مستقبما، أى: وهذا البيان الذى جاء به القرآن،
أو سبيل التوحيد، وإسلام الوجه إلى الله، هو طريق ربك الواضح المستقيم
الذى ارتضاه لعباده، والذى لا ميل فيه إلى إفراط أو تفريط فى الاعتقادات
والأخلاق والأعمال .
و ((مستقيما، حال مؤكدة لصاحبها وعاملها محذوف وجوبا مثل: هذا
أبوك عطونا، وقتل حال مؤسسة والعامل فيها معنى الإشارة أو (ها)
التى للتنبيه .
وقوله: (( فصلنا الآيات لقوم يذكرون ، أى : جعلناها بينة واضحة
مفصلة لقوم بتذكرون ما فيها من هدايات وإرشادات فيعملون بها لينالوا
السعادة فى الدنيا والآخرة .
ثم بين - سبحانه - ما أعده للمتذكرين فقال :

٢٣٨
الجزء الثامن
لَهُمْ دَارُ السَّلَلِمِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوّ
وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ () وَيَوْمَ يَحْثُرُهُمْ جِعًا يَنَمَعْشَرَ الجِنّ
صا
قَدِ أَسْتَكْتُ مِّنَ آلْإِنِسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مِنَ الْإِنسِ رَبَّنَا أَسْتَمْتَعَ
يَعْضُنَا بِبَعْضِ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِىّ أَجَّلْتَ لَنَأَ قَالَ الَّارُ مَثْوَدِكُرْ
أَخَلِنَ فِيهَا إِلَّ مَا شَآءَ اله إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾ وَكَذَلِكَ
نُوْلِى بَعْضَ الظَّلِنَ بَعْضًاِمَا كَانُواْ يَكْسُونَ (١) يَمَعْشَرَ آلْجِنِّ
وَلِّنِسِ أَلْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَتِى وَيُنْذِرُونَكُمْ.
لِقَآءُ يَوْمِكُمْ هَذَاً قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرّتُهُمُ الْحَيَزَةُ الدُّنْيَا
وَشَهِدُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوْ كَفِرِينَ (2)
أى: أن هؤلاء المنذكرين المتقين لهم جنة عرضها السموات والأرض ..
فى جوار ربهم وكفالته، وهو - سبحانه - ((وليهم، أى: متولى إ صال.
الخير إليهم، أو محبهم أو ناصرهم بسبب أعمالهم الصالحة. وسميت الجنة.
بدار السلام، لأن جميع حالاتها مقروفة بالسلامة من جميع المكاره.
قال الجمل: وقوله ((عند ربهم)) فى المراد بهذه العنديه وجوه: أحدها
أنها معدة عنده كما تكون الحقوق معدة مهيأة حاضرة كقوله , جزاؤهم عند
ربهم. وثانيها: أن هذه العندية تشعر بأن هذا الأمر المدخر موصوف
بالقرب من اقه بالشرف والرقبة لا بالمكان والجهة لتغزهه - تعالى - عنهما.
وثالثها: هى كقوله - تعالى- فى صفة الملائكة ((ومن عنده لا يستكبرون عن
عبادته)). وقوله: أنا عند المنكسرة قلوبهم وأما عندظن عبدى بى (١)» .
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٩٠.

٢٣٩
سورة الأنعام
ثم بين - سبحانه - جانبا من أحوال الظالمين يوم القيامة عند
ما يقفون أمام ربهم للحساب فقال: ((ويوم يحشرهم جميعاً يا معشر الجن قد
استكبرتم من الإنس.
ففى هذه الآيات عرض مؤثر زاخر بالحوار والاعتراف والمناقشة والحكم
تحكيه السورة الكريمة وهى تصور مشاهد المجرمين يوم القيامة.
وقوله: ((ويوم يحشرهم جميعاً يا معشر الجن قد استكثرام
من الإفس » .
" المعشر: الجماعة الذين يعاشر بعضهم بعضا أو الذين يربطهم أمر مشترك
بينهم والمراد بالجن شياطينهم وهردتهم .
والمعنى: وأذكر يا محمد - أو أيها العافل - يوم نحشر الضالين والمضلين
جميعاً من الإنس والجن، فنقول للمعضلين من الجن : قد استكثرتم من
الإنس، أى: قد أكثرتم من إغوائكم الإنس وإضلالكم إياهم ، أو قد
أكثرقم منهم بأن جعلتموهم أتباعكم. وأهل طاعتكم، ووسوستم لهم
بالمعاصى حتى غرر تموهم وأوردتموهم هذا المصير الأليم .
و «يوم منصوب على الظرفية والعامل فيه مقدر، أى: اذكر يوم
خشرهم جميعاً. والضمير المنصوب فى «نحشرهم، لمن يحشر من الثقلين.
وقيل الكفار الذين تتحدث عنهم هذه الآيات .
ووجه الخطاب إلى معشر الجن ، لأنهم هم الأصل فى إضلال أتباعهم.
من الإنس، وهم السبب فى صدهم عن السبيل القويم.
والمقصود من هذا القول لهم توبيخهم وتقريعهم على ما كان يصدر
منهم من إغواء الغافلين من الإنس .

٢٤٠
الجزء الثامن
وهنا يمكنى القرآن رد الضالين من الإنس على هذا التوبيخ فيقول:
« وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذى
أجلت لنا » .
أى: وقال الذين أطاءوهم وانقادوا لهم من الإنس با ربنا، لقد
استمتع بعضنا ببعض .
أى : انتفع الإنس بالجن حيث دلوهم على المفاسد وما يوصل إليها،
. وانتفع الجن بالإنس، حيث أطاءوهم واستجابوا لوسوستهم، وخالفوا
أمر ربهم .
وقال الحسن : ما كان استمتاع بعضهم ببعض إلا أن الجن أمرت
وعملت الإنس. أى: فالجن قالت التعظيم منهم فعبدت، والإفس
بوسوستهم تمتعوا بإيثار الشهوات الحاضرة على الذات الغائبة .
وقيل : استمتاع الإنس بالجن معناه أن الرجل فى الجاهلية كان إذا
سافر تنزل بأرض فقراء خاف على نفسه من الجن فيقول . أعوذ بسيد هذا
الوادى من شر سفها. قومه، فيبيت فى جوارهم . وأما استمتاع الجن
بالإنس فهو أنهم قالوا . سدنا الإنس حتى عاذوا بنا، فيزدادون بذلك
شرفا فى قومهم وعظما فى أنفسهم .
وقيل: استمتاع الإنس بالجن هو ما كانوا يلقون إليهم من الأراجيف
والسحر والكهانة، واستمتاع الجن بالإفس هو طاعة الإنس لهم فيما يزينون
لحم من المعاصى فصاروا كالرؤساء لهم.
والذى نراه. أن استمتاع الجن والإنس بالإنس بالجن يتناول كل
ذلك، حيث انتفع كل فريق من صاحبه باللدة العاجلة التى أوردته إلى سوء المصير.
وفولهم هذا، هو تحسر منهم على حالهم، إذ قالوه اعترافاً بما فعلوه من
طاعة للشياطين واتباع الهوى، وتكذيب أمر البعث .