النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
سورة الأنعام
وقوله ((وهو يدرك الأبصار) أى: وهو يدرك القوة التى تدرك بها
المبصرات. ويحيط بها علما، إذ هو خالق القوى والحواس.
وقوله ( وهو اللطيف الخبير) أى: هو الذى يعامل عباده باللطف
والرأفة وهو العليم بدقائق الأمور وجلياتها .
ثم أخذ القرآن فى تثبيت النبى - صلى الله عليه وسلم - وفى تسليته. وفى .
مدح ماجاء به من هدابات فقال - تعالى -:
قَدْ جَاءَكُم بَصَلِرُ مِن رَّبِكٌُّ أَنْ أَبْصَرَ
فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ عِىَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَتْعَلَيْكُمْ بِحَفِظِ ﴿﴾ وَكَذَلِكَ
نُصَرِّفُ الْآَيْتِ وَلِيَقُولُواْدَرَسْتَ وَلِنُبِينَهُ، لِقَوْمٍ يَعْلُونَ (يَ اتَّبِعْ
مَ أَوِىَ إِلَيْكَ مِن رَّبِكَ لَا إِلَهَ إِلََّّهُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ(٣)
وَلَوْ شَآءَ اللّهُ مَا أَشْرَ كُواْ وَمَا جَعَلْنَكَ عَلَيْهِمْ حَفِظًا وَمَ أَنْتَ
عَلَيْهِمِ بِوَ كِلِ (﴾ وَلَا تَسُبُواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُواْ اله
عَدُواْ بِغَيْرٍ عِلٌٍْ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِهِم
عَرْجِعُهُمْ فَيُغَُِّهُ بِمَ كَانُوْيَعْمَلُونَ () وَأَقْسَمُواْ بِلَّهِ جَهْدَ أَعْمَنِهِمْ
◌ْلَبِ جَاءَتْهُمْ ءَايَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّالْآَيَتُ عِندَ اللهِوَمَا يُشِْكْ.
أَنَّهَ إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿يَ﴾ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كَمَا.
لَمْ يُؤْمِنُوْبَِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَذَّرُهُمْ فِى مُغْيَنِمْ يَعْمَهُونَ لَّا

٢٠٢
الجزء السابع
قوله (( قد جاءكم بصائر من ربكم، البصائر: جمع بصيرة، وهى القلب
بمنزلة البصر للعين، فهى الغور الذى يبصر به القلب، كما أن البصر هو النور
الذى تبصر به العين .
والمراد بها آيات القرآن ودلائله التى يفرق بها بين الهدى والضلالة .
أى: قد جاءكم أيها الناس من ربكم وخالفكم هذا القرآن بآياته وحججه
وهداياته لكى تميزوا بين الحق والباطل، وققيموا الصراط المستقيم.
وإطلاق البصائر على هذه الآيات من إطلاق اسم المسبب على السبب.
وقوله . فمن أبصر فلنفسه ومن عمى فعليها، أى: فمن أبصر الحق وعليه
بواسطة تلك البصائر وآمن به فلنفسه أبصر وإياما نفع، ولسعادتها ماقدم من
ألوان الخير؛ ومن عمى عن الحق وجهله بإعراضه عن هذه البصائر فعلى نفسه
وحدها جنى وإباها ضر بالعمى. وهذا كقوله - تعالى -: (إن أحسنتم أحسنتم
لأنفسكم وإن أسأتم فلها) وقوله: (من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها).
واختتمت الآية بقوله ( وما أنا عليكم بحفيظ) أى: وما أنا عليكم برقيب
أحصى عليكم أعمالكم ، وأحفظكم من الضلال، وإنما أنا على البلاغ والله
وحده هو الذى يحصى عليكم أعمالكم وبجازيكم عليها بما تستحقون.
وقوله : ( وكذلك نصرف الآيات ) أى: وكما فصلنا الآيات الدالة على
التوحيد فى هذه السورة تفصيلا بديعا محكما نفصل الآيات ونبينها وتنوعها فى
كل موطن لتقوم على الجاحدين الحجة، وايزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم.
( وليقولوا درست ) يقال درس الكتاب يدرسه دراسة إذا أكثر قراءته
وذلله للحفظ . وأصله من درس الحنطة يدرسها درسا ودراما إذا دائها،
فكان التالى يدوس الكلام فيخفف على لأنه.
والمعنى: وليقول المشركون فى الرد عليك: إنك يا محمد قد قرأت الكتب على
أهل الكتاب وتعلمت منهم، وحفظت عن طريق الدراسة أخبار من مضى، ثم

٢٠٣
سورة الأنعام
جئتنا بعد كل ذلك تزعم أن ما جئت به من عند الله، وما هو من عند الله.
وقد حكى القرآن فى مواضع كثيرة التهم الباطلة التى وجها المشركون
إلى النبى - صلى الله عليه وسلم ت ومن ذلك قوله - تعالى -:
((( وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون
فقد جاءوا ظلما وزورا . وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهى تعملى عليه
بكرة وأصيلا ،.
قال ابن عباس: ( وليقولوا) يعنى: أهل مكة حين تقرأ عليهم القرآن
(درست) يعنى: تعلمت من يسار وخير - وكانا عبدين من سبى الروم -
ثم قرأت علينا زعم أنه من عند الله .
وقال الفراء : معناه ، تعلمت من اليهود لأنهم كانوا معروفين عند أهل
مكة بالعلم والمعرفة .
وقرى. ( دارست) - بالألف وفتح التاء - أى: دارست غيرك ممن يعلم
الأخبار الماضية كأهل الكتاب ، من المدارسة بين الإثنين، أى : قرأت
عليهم وقر وا عليك.
قال تعالى: ( ولقد نعم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذى يلحدون
إليه أعجمى وهذا لسان عربى مبين ).
وقرى . - أيضاً - ( درست) - بفتح الدال والراء والسين وسكون التاء.
أى: وليقولوا مضت وقدمت وتكررت على الأسماع، وقد حكى القرآن
أنهم قالوا أساطير الأولين قال - تعالى - (حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول
الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين ).
وهذه القراءات الثلاث متوازرة وهناك قراءات أخرى شاذة لا مجال
لذكرها هنا .
وقوله. (ولنبينه لقوم يعلمون) أى: ولنبين وفوضح هذا القرآن لقوم

٢٤
الجزء السابع
يعلمون الحق فيتبعونه والباطل فيجتفيونه ، فهم المنتفعون به دون سواهم .
فالضمير فى ( ولنبينه) يعود إلى القرآن لكونه معلوما وإن لم يجر له ذكر
وقيل يعود إلى الآيات لأنها فى معنى القرآن .
قال صاحب الكشاف: فإن قلت : أى فرق بين اللامين فـ ( وليقولوا)
و (لنبينه)؟ قلت: الفرق بينهما أن الأول مجاز والثانية حقيقة، وذلك لأن
الآبات صرفت للنبيین ولم تصرف ایقولوا درست، ولکن لأنه حصل هذا
القول بتصريف الآيات كما حصل النبين شبه به فسيق مساقه (١).
ثم أمر الله تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم - أن يستمر فى دعوته
دون أن يعول على تعنت المشركين فقال - تعالى - (أقبع ما أوحى إليك
من ربك لا إله هو وأعرض عن المشركين ).
أى عليك يامحمد أن تداوم على تبليغ رسالتك، متبعا فى ذلك ما أوحاه
إليك ربك الذى لا إله إلا هو من آيات وهدايات، معرضا عن المشر كين
الذين يفترون على الله الكذب وهم يعلمون .
وجملة (( لا إله إلا هو)، معترضة لتأكيد إيجاب الاتباع، أو حال
مؤكدة لقوله ((من ربك)، بمعنى: متفرداً فى الألومية .
ثم هون عليه أمر إعراضهم فقال - تعالى -، ولو شاء الله ما أشركوا))
أى: ولو شاء الله عدم إشراكهم لما أشركوا، ولكنه - سبحانه - لم يشأ
ذلك لأنه جرت سنته برعاية الاستعدادات .
قال الآلوسي: وهذا دليل أهل السنة على أنه تعالى- لا يريد إيمان الكافر
لكن لا بمعنى أنه يمنعه عنه مع توجهه إليه، ولكن بمعنى أنه - تعالى -.
(١) تفسير الكشاف ج ٢ ص ٥٥ .

٢٠٥
سورة الأنعام
لا يريده منه لسوء اختياره الناشىء من سوء استعداده)) (١).
وقوله ((وما جعلناك عليهم " حفيظا وما أنت عليهم بوكيل)) أى:
وما جعلناك عليهم خيظا يحفظ عليهم أعمالهم لتحأسبهم وتجازيهم عليها
وما أنت عليهم بوكيل تدبر عليهم أمورهم وتتصرف فيها، وإنما أنت وظيفتك
التبليغ قال - تعالى - ((فإن تولوا فانما عليك البلاغ وعلينا الحساب، وقال
- تعالى - ((هذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر)).
ثم أرشد الله المؤمنين إلى مكارم الأخلاق ، فنهاهم عن سب آلهة
المشركين حتى لا يقابلهم المشركون بالمثل فقال - تعالى -:
ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله ...
السب : الشتم الوضيع وذكر مساوىء الغير لمجرد التحقير والإيمانة.
وعدوا: مصدر بمعنى العدوان والظلم والتجاوز من الحق إلى الباطل وهو
مفعول مطلق «لتسبوا. من معناه، لأن السب عدوان، وقيل هو حال من
ضمير((بسبوا)، مؤكدة لمضمون الجملة وكذلك قوله ((بغير علم)).
والمعنى: ولانسبوا أيها المؤمنون آلهة المشركين الباطلة فيترتب على ذلك
أن يسب المشركون معبود كم الحق جهلا منهم وضلالا.
قال الآلوسي: ومعنى سبهم الله - تعالى - إفضاء كلامهم إليه كشئمهم له
- صلى الله عليه وسلم - ولمن يأمره وقد فسر («بغير علم، بذلك أى:
فيسبوا الله - تعالى - بغير علم أنهم يسبونه وإلا فالقوم كانوا يقرون بالله
- تعالى - وعظمته وأن آلهتهم إنما عبدوها لتكون شفعاء لهم عنده
- سبحانه - فكيف يسبونه؟ ويحتمل أن يراد سبهم له - عز وجل -
صراحة ولا إشكال بناء على أن الغضب والغيظ قد يحملهم على ذلك ، ألا
(١) تفسير الآلوسي = ٧ ص ٠٢٥٠

٢٠٦
الجزء السابع
ترى أن المسلمقد تحمله شدة غيظة على التكلم بالكفر ! وما شاهد ناه أن بعض
جهلة العوام رأى بعض الرافضة بسب الشيخين - أبا بكر وعمر - فغاظه
ذلك جداً فسب عليا - كرم الله وجهه - فسئل عن ذلك فقال: ما أردت إلا
إغاظتهم ولم أر شيئاً يغيظهم مثل ذلك فاستتيب عن هذا الجهل العظيم)، (١).
وقد روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية الكريمة روايات منها
مارواه معمر عن قتادة قال .. كان المسلمون يسبون أوثان الكفار فيسب
الكفار الله عدوا بغير علم فتزات، (٢).
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: سب الآلهة الباطلة حق وطاعة فكيفه.
صح النهى عنه وإنما يصح النهى عن المعاصى ؟ قلت رب طاعة علم أنها تؤدى
إلى مفسدة فتخرج عن أن تكون طاعة فيجب النهى عنها لأنها معصية
لا لأنها طاعة. كالنهى عن المنكر هو من أجل الطاعات، فإذا علم أنه يؤ دى
إلى زيادة الشر انقلب إلى معصية ووجب النهى عن ذلك كما يجب النهى
عن المنكر ، (٣) .
وقال الشيخ القاسمى : قال ابن الفرس فى الآية : إنه متى خيف من
سب الكفار وأصنامهم أن يسبوا الله أو رسوله أو القرآن لم يجز أن يسيوا
الهتهم ولا دينهم ، وهذا أصل فى سد الذرائع)).
وقال السيوطى: (وقد يستدل بها على سقوط وجوب الأمر بالمعروف.
والنهى عن المنكر إذا خيف من ذلك مفسدة أقوى وكذا كل مفعول مطلوب
ترتب على فعله مفسدة أقوى من مفسدة تركه ، .
وقال الحاكم: نهوا عن سب الأصنام لوجهين: أحدهما أنها جماد لا ذنب.
(١) تفسير الآلوسى = ٧ ص ٤٥١
(٢) («ابن كثير جـ ٢ ص ١٦٤
, الكشاف = ١ ص ٥٦
(٣)

٢٠٧
سورة الأنعام
لها . والثانى: أن ذلك يؤدى إلى المعصية بسب الله - تعالى -. والذى
يجب علينا إنما هو بيان بغضها وأنه لا يجوز عبادتها، وأنا لاتضر ولا تنفع،
وأنها لا تستحق العبادة، وهذا ليس بس. ولهذا قال أمير المؤمنين على
- يوم صفين - ((لانسبوهم ولكن اذكروا قبيح أفع الهم» (١).
وقال بعض العلماء: ووجه النهى عن سب أصنامهم هو أن السب لا تترقب
عليه مصلحة دينية ، لأن المقصود من الدعوة هو الاستدلال على إبطال الشرك
وإظهار إستحالة أن تكون الأصنام شركاء لله - تعالى. فذلك الذى يتميز
به المحق من المبطل، فأما السب فإنه مقدر للمحق والمبطل فيظهر بمظهر
التساوى بينهما، وربما استطاع المبطل بوقاحته وفحشه ما لا يستطيعه المحق،
فيلوح للناس أنه تغلب على الحق . على أن سب آلهتهم لما كان يحمى غيظهم
ويزيد تصلبهم صار منافياً لمراد الله من الدعوة فقد قال لرسول الله (صلى الله
عليه وسلم) ((وجادلهم بالتى هى أحسن)). وأصبح هذا السب متمحضاً
المفسدة وليس مشوباً بمصلحة ، وليس هذا مثل تغيير المنكر إذا خيف
إفضاؤه إلى مفسدة، لأن تغيير المنكر مصلحة بالذات وإقضاؤه إلى المفدة
بالعرض . وذلك مجال تفردد فيه أنظار العلماء المجتهدين بحسب الموازنة بين
المصالح والمفاسد قوة وضعفاً وتحققاً واحتمالا، وكذلك القول فى تعارض
المصالح والمفاسد كلها (٢).
وهذه الآية الكريمة ليست منسوخة بآية السيف - كما قيل - وإنما هى
محكمة ولذا قال القرطبى: قال العلماء : حكمها باق فى هذه الأمة علىكل حال
فمتى كان الكافر فى منعة وخيف أن يسب الإسلام أو النبى (صلى الله عليه
وسلم) أو الله - تعالى - فلا يحل لمسلم أن يسب صلبانهم ولا كنائسهم،
(١) تفسير القاسمى ج ٦ ص ٢٤٦٣
(٢) تفسير التحرير والتنوير ج ٢ ص ٤٣٠ للشيخ محمد بن عاشور .

٢٠٨
الجزء السابع
ولا يتعرض إلى ما يؤدى إلى ذلك ، لأنه بمنزلة البعث على المعصية، (١).
وقوله «كـ لك زينا لكل أمة عملهم.
التزيين تفعيل من الزين وهو الحسن .
والمعنى: مثل ذلك التزيين الذى حمل المشركين على الدفاع عن عقائدهم
.الباطلة جهلا منهم وعدوانا، زينا لكل أمة من الأمم عملهم، من الخير والشر
والإيمان والكفر ، فقد مضت سفنا فى أخلاق البشر أن يستحسنوا ما تعودوه،
وأن يتعلقوا بما الفوه .
وقيل : المراد بكل أمة أمم الكفر لأن الكلام فيهم . والمراد بعملهم .
شرورهم ومفاسدهم . والمشبه به نزبين سب الله - تعالى - لهم.
أى: كما زينا لهؤلاء المشركين -و. أعمالهم زينا لكل أمة من الأمم
الماضية على الضلال عملهم السىء.
قال الآلوسي: ((وقد استدل بالآية على أنه - تعالى - هو الذى زين
للكافر كفره كازين للمؤمن إيمانه. وأنكر ذلك المعتزلة فتأولوا الآية
بما لا يخفى ضعفه».
وقال صاحب المنار: فظهر بهذا التزيين أثر لأعمال إختيارية لا جبر
فيها ولا إكراه وليس المراد به أن الله خلق فى قلوب بعض الأمم تزيدنا
الكفر والشر، وفى قلوب بعضها الآخر تزيينا للإيمان والخير خلقا إبتدائياً
من غير أن يكون لهم عمل إختيارى نشأ عنه ذلك، إذ لو كان الأمركاذكر
لمكان الإيمان والكفر والخير والشر من الغرائب الخلقية التى تعد الدعوة إليها
والترغيب فيها وما يقابلهما من النهى والترهيب عنها من العبث الذى يتنزه الله
(١) تفسير القرطبى جـ ٧ ص ٦٠

٢٠٩
سورة الأنعام
عن إرسال الرسل وإزال الكتب لأجله .. وقد غفلت المعتزلة عن هذا
التحقيق فأول بعضهم الآية بأنها خاصة بالمؤمنين الذين زين اله فى قلوبهم
الإيمان وبعضهم بغير ذلك ... (١).
ثم ختم الله - تعالی - الآية بقول : « تم إلی ربهم مرجعهم٢ فينبتهم بما
كانوا يعملون)، أى: ثم إلى ربهم أمورم ورجوعهم ومصيرثم بعد البعث،
فيخبرهم من غير تسويف أو تأخير بما كانوا يعملونه فى الدنيا ، ويجانبهم
على ذلك بما يستحقونه. وفى هذه الجملة الكريمة تهد يدر توبيخ لأولئك المشركين
الذين تجاسروا على مقام الله، وزين لهم سوء أعمالهم فرأوه حسنا.
ثم حكى القرآن بعض المقترحات المتعنتة التى كان يقترحها المشركون
على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: وأقسموا بالله جهدايمانهم
الجهد: الوسع والطاقة من جهد نفسه يجهدها فى الأمر إذا بلغ أقصى
وسعها وطاقتها فيه . وهو مصدر فى موضع الحال .
أى: وأقسم أولئك المشر كون بالله مجتهدين فى إيمانهم، مؤكدين
إباها بأقصى ألوان التأكيد، معلنين أنهم أن جاءتهم آية من الآيات الكونية
التى اقترحوها عليك با محمد ليزمنن بها أنها من عند الله وأنك صادق في)
تبلغه عن ربك .
وقد لقن الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - الرد
، المفحم لهم فقال: «قل إنما الآيات عند الله ..
(١) تفسير المنار =٧ ص ٦٩
(١٤ - سورة الأنعام)

٢١٠
الجزء السابع
أى : قل لهم يا محمد إن هذه الآيات التى اقتر حتموها تعنتا وعنادا
مردها إلى الله ، فهو وحده القادر عليها والتصرف فيها حسب مشيئته
وحكمته، إن شاء أنزلها وإن شاء منعها، أما أنا فليس ذلك إلى .
أخرج ابن جرير - بسنده - عن محمد بن كعب القرظى قال: كلم
نفر من قريش رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فقالوا له، يا محمد»
تخبرنا أن موسى كان معه عصا ضرب بها الحجر، فانفجرت منه اثنتاعشرة
عيناً، وتخبرنا أن عيسى كان يحيي الموتى، وتخبرنا أن ثمود كانت لهم ناقة
فأتنا بآية من هذه الآيات حتى نصدقك، فقال لهم رسول الله - صلى
الله عليه وسلم -: ((أى شىء تحبون أن آتيكم به،؟ قالوا، تجعل لنا:
الصفا ذهبا، فقال لهم ((فإن فعلت تصدقونى))؟ قالوا نعم . والله لئن فعلت
لنتبعنك أجمعون فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو فجا.هـ
جبريل فقال، إن شئت أصبح الصفا ذهبا على أن يعذبهم الله إذا لم يؤمنوا،
وإن شئت فاتركهم حتى يتوب قائبهم، فقال - صلى الله عليه وسلم -
بل أتركهم حتى يتوب قائبهم ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
(( بل يتوب قائبهم، فأنزل الله - تعالى - قوله. ,وأقسموا بالله جهد.
أبماهم ... إلى قوله ,ولكن أكثرهم ؟ ملون)) (١).
وقوله: ((وما يشعرك أنها إذا جاءت لا يؤمنون)).
أى: وما يدريكم أيها المؤمنون الراغبون فى إنزال هذه الآيات طمعا.
فى إسلام هؤلاء المشركين أنها إذا جاءت لا يؤمنون أى: إذا جاءت هذه
الآيات فأنا أعلم أنهم لا يؤمنون وأنتم لا تعدون ذلك ولذا قوقعتم إيمانهم.
ورغبتهم فى نزول الآيات .
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ١٦٤

٢١١
سورة الأنعام
فالخطاب هنا المؤمنين، والاستفهام فى معنى النفى، وهو إخبار منهم
بعدم العلم وليس للانكار عليهم.
أى: إنكم أيها المؤمنون ليس عندكم شىء من أسباب الشعور بهذا الأمر
الغيى الذى لا يعلمه إلا علام الغيوب وهو أنهم لا يؤمنون إن جامتهم الآيات
التى يقترحونها على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تعنتا وجهلا.
قال صاحب الكشاف: ((وما يشعركم (( وما يدريكم، أنها أى الآية التى
تقترحونها ,إذا جاءت لا يؤمنون، يعنى أنا أعلم أنها إذا جاءت لا يؤمنون بها
وأنتم لا تدرون بذلك، وذلك أن المؤمنين كانوا يطمعون فى إيمانهم إذا جاءت
تلك الآية ويتمنون مجيئها، فقال - عز وجل - وما يدريكم أنهم لا يؤمنون
وقيل أنها، بمعنى («أهل، من قول العرب: أنت السوق أنك تشترى حماراً.
وقال امرؤ القيس.
وجا على الطلل الحيل لأننا نبكى الديار كما بكى ابن خذام
أى : لعلنا نبكى الديار .
وقرى. بكر ((إنهاء على أن الكلام قد تم قبله بمعنى: وما يشعر كم ما يكون
منهم ؟ ثم أخبرهم بعلمه فيهم فقال: إنها إذا جاءت لا يؤمنون البتة)» (١).
وقوله (( ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة، معطوف
على ((لا يؤمنون)، وداخل معه فى حكم ((وما يشعركم، مقيد بما قيد به.
أى: وما يشعركم أنافقلب أفقدتهم عن إدراك الحق فلا يفقهونه، وأبصارهم
عن اجتلائه فلا يبصرونه، كشأنهم فى عدم إيمانهم بما جاء هم أول مرة من آيات
وهدايات على لسان - رسول الله صلى الله عليه وسلم - قبل أن
يقترحوا عليه تلك المقترحات الباطلة .
إنكم أيها المؤمنون لاتقدرون ذلك ولا تشعرون به لأن علمه عند الله وحده.
(١) تفسير الكثاف = ٢ ص ٠٥٧

٢١٢
الجزء الثامن
كال الألوسى: وهذا التقليب ليس مع توجه الأفئدة والأبصار إلى الحق
واستعدادها له، بل الكمال قبوما عنه وإعراضها بالكلية. ولذلك أخر ذكره
عن ذكر عدم إيمانهم إشعارا بأسالتهم فى الكفر وحسما لتوهم أن عدم
إيمانهم ناشىء من تقليبه - تعالى - مشاعرهم بطريق الإجبار)، (١).
وقوله)، ونذرهم فى طغيانهم يعمهون، معطوف على ((لا يؤمنون)).
والعمه : الفردد فى الأمر مع الحيرة فيه. يقال: عمه - كفرح ومنع -
عها إذا تردد وتحير .
أى: وتركهم فى تجاوزهم الحد فى العصيان يترد دون متحيرين ،
لا يعرفون لهم طريقا، ولا يهتدون إلى سبيل .
ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المشركين الذين يزعمون أنهم لوجاءتهم آية
ليؤمنن بها كاذبون فى أيمانهم الفاجرة، فقال - تعالى -:
وَلَوْأَنَّنَا
قُلْنَآ إِلَيُْ الْمَلَتِكَةَ وَكَلَّهُمُ الْمَوْنَى وَحَثَّرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ قُبُلًا
مَّا كَانُوْ لِيُؤْمِنُواْ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللهُ وَلَكِنَّ أَكْثَهُمْ يَجْهَلُونَ (
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَ لِكُلّ نَبِ عَدُوًّا شَِطِنَ الْإِنسِ وَالْنِ يُرِ بَعْضُهُمْ
إِلَ بَعْضِ زُشْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورً وَلَوْشَآءَ رَبِّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرُهُمْ
وَمَا يَفْتُونَ ﴿ وَلِتَصْغَىَ إِلَيْهِ أَفْعِدَةُ الَّذِينَ لَأَ يُؤْمِنُونَ بِلَِّرَةِ.
وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَفْتَرِفُواْ مَاهُم مُّقْتِفُونَ (
(١) تفسير الآلوسى جـ ٧ ص.

٢١٣
سوره : د.بعام
والمعنى: ولو أننا يامحمد لم تقتصر على إيتاء ما اقترحه هؤلاء المشركون
من آيات كوفية ، بل أضفنا إلى ذلك أننا نزلنا عليهم الملائكة يشهدون بصدقك
وأحيبنا لهم الموتى فشهدوا بحقيقة الإيمان ، وزدنا على ذلك فجمعنالهم جميع
الخلائق مقابلة ومعاينة حتى يواجهوهم بأنك على الحق، أو أننا فعلنا كل ذلك
ما استقام لهم الإيمان لسوء استعدادهم وفسادفطرهم، وانطياس بصيرتهم،
فإن قوما يمرون على تلك الآيات الكونية التى زخربها هذا الكون والتى
استعرضتها هذه السورة فلا تتفتح لها بصائرهم، ولا تتحرك لها مشاعرهم،
ليسوا على استعداد لأن يخالط الإيمان شغاف قلوبهم، والذى ينقصهم إنما
هو القلب الحى الذى يتلقى ويتأثر ويستجيب وليس الآيات التى يقترحونها
فإن أمامهم الكثير منها، واقتراحاتهم إنما هى نوع من العبث السخيف،
والتعنت المرذول الذى لا يستحق أن يهتم به .
و ((قبلا)) - بضم القاف والباء - حال من «كل شىء)) وفيه أوجه الأول
أنه جمع قبيل بمعنى كفيل مثل قليب وقلب، أى وحشرنا عليهم كل شىء من
المخلوقات ليكونوا كفلاء بصدقك .
والثانى : أنه مفرد كقبل الإنسان ودبره فيكون معناه المواجهة والمعاينة
ومنه آتيك قبلا لا دبرا أى آتيك من قبل وجهك والمعنى. وحشرنا عليهم
كل شىء مواجهة وعيانا ليشهدوا بأنك على الحق .
والثالث : أن يكون قبلا جمع قبيل لكن بمعنى جماعة جماعة أو صنفاً
صنفا والمعنى: وحشرنا عليهم كل شىء فوجا فوجا ونوعا نوعا من سائر
المخلوقات ليشهدوا بصدقك .
وجملة («ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله، جواب لو .
أى: لو فعلنا لهم كل ذلك ما كانوا ليؤمنوا فى حال من الأحوال بسبب
غلوهم فى التمرد والعصيان، إلا فى حال مشيئة الله إيمانهم فيؤمنوا، لأنه
- سبحانه - هو القادر على كل شىء .

٢١٤
الجزء الثامن
و قوله (( ولکن أکثرم یہہون)).
أى. ولكن أكثر هؤلاء المشركين بجهلون أنهم لو أونوا كل آبة لم يؤمنوا
فهم لذلك يحلفون الأيمان المغلظة بأنهم لو جاءتهم آية ليؤمنن بها. أويجهلون
أن الإيمان بمشيئة الله لا بخوارق العادات.
وقيل الضمير يعود على المؤمنين فيكون المعنى. ولكن أكثر المؤمنين
يجهلون عدم إيمان أولئك المشركين عند بجى. الآيات لجهلهم عدم مشيئة الله
- تعالى - لإيمانهم، فيتمنون مجىء الآيات طمعاً فى إيمانهم.
قال الشيخ القاسمى: فى قوله (( إلا أن يشاء الله، حجة واضحة على المنزلة
لدلالته على أن جميع الأشياء بمشيئة الله - تعالى- حتى الإيمان والكفر. وقد
أتفق سلف هذه الأمة وحملة شريعتها على أنه ماشاء الله كان وما لم يشأ لم
يكن. والمعتزلة يقولون ((إلا أن يشاء الله مشيئة قسر وإكراه)) (١).
ثم سلى الله - تعالى - نبيه عن تعنت المشركين وتمادهم فى الباطل بيان
أن كل نبى كان له أعداء يسيئون إليه ويقفون عقبة فى طريق دعوته فقال:
وكذلك جعلنا لكل فى عدوا شياطين الإنس والجن ...
والمعنى. ومثل ما جعلنا لك يا محمد أعداء يخالفونك ويماندونك جعلنالكل
قبى من قبلك - أيضاً - أعداء، فلا يحزنك ذلك، قال - تعالى - ما يقال لح
إلا ما قد قيل للرسل من قبلك إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم (٢)).
وقال - تعالى - ((وكذلك جعلنا لكل نبى عدواً من المجرمين وكفى
بربك هاديًا ونصيراً (٢)».
-
(١) تفسير القاسمى = ٧ ص ٢٤٧١
(١) سورة الفرقان الآية ٣١.
(٢) سورة فصلت الآية ٤٣.

٢١٥
سورة الانعام
والمراد بشياطين الإنس والجن، المردة من النوعين . والشيطان : كل
عات متمرد من الإنس والجن .
وجملة («وكذلك جعلنا لكل فى عدواً الخ، مستأنفة لتسلية النبى
- صلى الله عليه وسلم - عما يشاهده من عداوة قريش له، والكاف فى محل
نصب على أنها نعت لمصدر مؤكد لما بعده.
وجعل ينصب مفعولين أو لهما ((عدواً، وثانيهما ((لكل فيى)، و((الشياطين))
بدل من المفعول الأول، وبعضهم أعرب ((شياطين)) مفعولا أولا ووعدوا))
مفعولا ثانيا، ((ولكل نبى، حالا من ((عدوا).
وقوله: (( يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً،.
الوحى: الإعلام بالأشياء من طريق خفى دقيق سريع. زخرف القول:
باطله الذى زين! وموه بالكذب . وأصل الزخرف. الزينة المزوقة، ومنه
قيل للذهب : زخرف ولكل شيء حسن ،وه زخرف.
والغرور : الخداع والأخذ على غرة وغفلة .
والمعنى : يلقى بعضهم إلى بعض بطرق خفية دقيقة القول المزين المموه
الذى حسن ظاهره وقبح باطنه لكى بخدعوا به الضعفاء ويصرفونهم عن
الحق إلى الباطل .
والجملة مستأنفة لبيان إحكام عداوتهم ، أو حال من الشياطين وقد ورد
أن النبى صلى الله عليه وسلم أمر أتباعه أن يستعيذوا بالله من شياطين الإنس
والجن، فعن أبى ذر قال: أنيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فى مجلس
قد أطال فيه الجلوس فقال: يا أبا ذر هل صليت؟ قلت: لا يارسول الله.
قال: قم فاركع ركعتين قال: ثم جئت فجلست إليه فقال: يا أبا ذر، هل
تعودت بالله من شياطين الجن والإنس ؟ قال: قلت لا يارسول الله وهل
-للإفس من شياطين، قال نعم: هم شر من شياطين الجن).

الجزء الثامن
وقد ساق الإمام ابن كثير عدة روايات عن أبى ذر فى هذا المعنى، ثم
قال فى نهايتها : .فهذه طرقلهذا الحديث ومجموعها يفيد قو ته وصحته،(١).
وقوله: (( ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون)).
أى: ولوشاء ربك ألا يفعل هؤلاء الشياطين مافعلوه من معاداة الأنبياء
ومن الإيحاء بالقول الباطل اتم له ذلك ، لأنه - سبحانه - هو صاحب
المشيئة النافذة ، والإرادة التامة ولكنه - سبحانه - لم يشأ أن يجبرم.
على خلاف مازيفته لهم أهواؤهم باختيارهم ، لكى يميز الله الخبيث من
الطيب. فدعهم يا محمد وما يفترون من الكفر وغيره من ألوان الشرور .
فسوف يعلمون سوء عاقبتهم .
وقوله: ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة ... معطوف.
على((غروراً، فيكون علة أخرى الإبهاء، والضمير فى ((إليه، يعود إلى ..
زخرف القول .
وأصل الصغو: الميل. يقال: مغا يصغرا ويصغى صغوا، وصغى يصغى
صغاً أى: مال، وأصغى إليه مال إليه يسمعه، وأصغى الإناء : أماله .
ويقال: صغت الشمس والنجوم صغوا: مالت إلى الغروب .
والمعنى : يوحى بعضهم إلى بعضهم زخرف القول ليغروا به الضعفاء،
ولتميل إلى هذا الزخرف الباطل من القول قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة
أو أفقته لأهواتهم وشهواتهم .
وخص عدم إيمانهم بالآخرة بالذكر - مع أنهم لا يؤمنون بأمور أخرى.
يجب الإيمان بها - لأن من لم يؤمن بالآخرة وما فيها من ثواب وعقاب
يمشى دائما وراء شهواته وأهواته ولا يتبع إلا زخرف القول وباطله .
ثم بين - سبحانه - تدرجهم الى فى هذا العمل الأثيم فقال :
( وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون)).
أى: وليرضوا هذا الفعل الخبيث لأنفسهم بعد أن مالت إليه قلوبهم »
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ١٦٦

٢١٧
سورة الأنعام
وليقترفوا ماهم مقترفون أى: وليكتسبوا ماهم مكتسبون من الأعمال السيئة
فإن الله - تعالى - سيجازيهم عليها بما يستحقونه.
وأصل القرف والاقتراف . قشر اللحاء عن الشجر، والجلدة عن
الجرح . واستعير الاقتراف للاكتساب مطلقا ولكنه فى الإساءة أكثر.
فيقال : قرفته بكذا إذا عبته واتهمته .
قال أبو حيان: وترتيب هذه المفاعيل فى غاية الفصاحة، لأنه أولا
يكون الخداع، فيكون الميل، فيكون الرضا، فيكون الاقتاف، فكل
واحد مسبب عما قبله (١) .
ثم أمر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يصارح
المشركين بأن الله وحده هو الحكم الحق، وإن كتابه هو الآية الكبرى
الدالة على صدقه فيما يبلغه عنه فقال - تعالى - :
أَقَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِى حَكَّا وَهُوَ
الَّذِيّ أَنْزَّلَ إِلَيْكُ الْكِتَبَ مُفَصَّلًا وَالّذِينَ ءَ اتَيْنَهُ الْكِتَبَ
يَعْلَمُونَ أَنْهُ مُتَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالَّقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْثَرِينَ (1)
وَتْ كَلِمَتُ رَيِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَنِهِ، وَهُوَ السَّمِيعُ
الْعَلِيمُ ﴿ وَ إِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَن ◌ِ الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلٍ
اللَّهِّ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ()) إِنَّ رَبَّكَ
◌ُهُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلّ عَنْ سَبِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (0)
(١) تفسير أبى حيان ج ٤ ص ٤٠٨

٢١٨٠
الجزء الثامن
روى أن مشركى ملا قالوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إجعل بيننا
حكما من أحبار اليهود أو من أساقفة النصارى ليخبرنا عنك بما فى كتابهم
من أمرك فنزل قوله - تعالى - ,أفغير الله ابتغى حكما .. الآية) (١).
وقوله: « أفغير الله أبتغى حكما، كلام مستأنف على إرادة القول،
والهمزة للإنكار، والفاء العطف على مقدر يقتضيه المقام.
والحكم - بفتحتين - هو من يتحاكم إليه الناس ويرضون بحكمه،
وقالوا: إنه أبلغ من الحاكم ((وأدل على الرسوخ، كما أنه لا يطلق إلا على
العادل وعلى من تكرر منه الحكم بخلاف الحاكم.
والمعنى: قل يا محمد هؤلاء المشركين، أأميل إلى زخارف الشياطين،
أطلب معبودا سوى الله - تعالى - ليحكم بينى وبينكم ، ويفصل
المحق منها من المبطل .
وأسند ( صلى الله عليه وسلم) الابتغاء لنفسه لا إلى المشركين،
لإظهار كمال النصفة أو مراعاة قولهم: إجعل بيننا وبينك حكما .
و((غير)) مفعول ((لابتغى، و«حكما، إما أن يكون حالالغير أو تمييزا
له. وجملة ((وهو الذى أنزل إليكم الكتاب مفصلا، حالية مؤكدة للإنكار
أى: أفغير الله أطلب من يحكم بينى وبينكم، والحال أنه - سبحانه - هو
الذى أنزل إليكم الكتاب مفصلا، أى مبينا فيه الحق والباطل، والحلال
والحرام، والخير والشر، وغير ذلك من الأحكام التى أنتم فى حاجة إليها
فى دينكم ودنياكم ، وأسند الإنزال إليهم لاستمالتهم نحو المنزل
واستدعائهم إلى قبول حكمة، لأن من نزل الشىء من أجله، من الواجب
عليه أن يتقبل حكمه .
ثم ساق - سبحانه - دليلا آخر على أن القرآن حق فقال: (والذين
آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ) .
(١) تفسير الآلومى ج ٨ ص ٨

٢١٩
سورة الأنعام
أى : والذين آنينام الكتاب أى التوراة والإنجيل من اليهود والنصارى
يعدون علم اليقين أن هذا القرآن منزل عليك من ربك بالحق . لأنهم
يجدون فى كتبهم البشارات التى تبشر بك، ولأن هذا القرآن الذى أنزله
الله عليك مصدق لكتبهم ومهيمن عليها .
فهذه الجملة الكريمة تقرير لكون القرآن منزلا من عند الله، لأن الذين
وثق بهم المشر كون من علماء أهل الكتاب عالمون بحقيقته وأنه منزل من
عند الله .
وقوله : (( فلا تكونن من الممترين، أى: فلا تكونن من الشاكين فى
أن أهل الكتاب يعلمون أن القرآن منزل من عندربك بالحق ، لأن عدم
اعتراف بعضهم بذلك مرده إلى الحسد والجحود وهذا النهى إنما هو زيادة
فى التوكيد، وتثبيت اليقين ، كى لا يخول فى خاطره طائف من التردد فى
هذا اليقين .
قال ابن كثير: وهذا كقوله - تعالى - «فإن كنت فى شك مما أفز لنا
إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك
فلا تكونن من الممترين)، قال: وهذا شرط، والشرط لا يقتضى وقوعه ،
ولهذا جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : لا أشك
ولا أسأل ، (١).
وقيل : الخطاب لكل من يتأتى له الخطاب على معنى أنه إذا تعاضدت
الأدلة على صحته وصدقه فلا ينبغى أن يشك فى ذلك أحد .
وقيل: الخطاب النى - صلى الله عليه وسلم - والمقصود أمته، لأنه
- صلى الله عليه وسلم - حاشاه من العمك.
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ١٦٧

٢٢٠
الجزء الثامن
ثم بين - سبحانه - أن هذا الكتاب كامل من حيث ذاته بعد أن بين
كماله من حيث إضافته إليه - تعالى - بكونه منزلا منه بالحق فقال
- تعالى -: ( وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا) وقرى. ( كلمات ربك).
والمراد بها - كما قال قتادة وغيره - القرآن .
أى: كمل كلامه - تعالى - وهو القرآن، وبلغ الغاية فى صدق
أخباره ومواعيده ، وفى عدل أحكامه وقضا ياه .
وصدقا وعدلا مصدران منصوبان على الحال من ( ربك ) أو من
( كلمة ) وقيل هما منصوبان عنى التمييز.
وجملة ( لا مبدل لكاماته ) مستأنفة لبيان فضل هذه الكلمات على
غيرها أثر بيان فضلها فى ذاتها .
أى: لامغير لها يخلف فى الأخبار، أو نقض فى الأحكام، أو تحريف
أو تبديل كماحدث فى التوراة والإنجيل، وهذا ضمان من الله - تعالى -لكتابه
بالحفظ والصيانة ، قال - تعالى - (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون).
ثم ختمت الآية بقوله (وهو السميع العليم ) أى: هو - سبحانه -
السميع لكل ما من شأنه أن يسمع، العليم بكل ما يسرون وما يعلنون .
وبعد أن أقام - سبحانه - الأدلة على وحدانيته وصدق نبيه - صلى الله
عليه وسلم - أتبع ذلك بنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن الالتفات إلى
جهالات أعدائه فقال - تعالى -: وإن تطع أكثر من في الأرض
يضلوك عن سبيل الله .
أى: وإن قطع أكثر من فى الأرض من الناس الذين استحبوا العمى.
على الهدى يضلوك عن الطريق المستقيم ، وعن الدين القويم الذي شرعه الله
لعباده، لأن هؤلاء المجادلين ما يتبعون فى جد الهم وعقائدهم وأعمالهم إلا
الظن الذى تزينه لهم أهواؤهم ، وماهم إلا يحرصون أى : يكذبون .