النص المفهرس
صفحات 81-100
- ٨١ - قال ابن عباس: إن أبا سفيان بن حرب، والوليد بن المغيرة، والنضر ابن الحارث، وعقبة وشيبة ابنا ربيعة، وأمية بن خلف، استمعوا إلى رسول الـ ..- صلى الله عليه وسلم - وهو يقرأ القرآن، فقالوا النضر: يا أباقتية ما يقول محمد ؟ فقال: والذى جعلها بيته ما أدرى ما يقول، إلا أنى أرى تحرك شفتيه يتكلم بنى. فما يقول إلا أساطير، مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية وكان النضر كثير الحديث عن القرون الأولى وكان يحدث قريشا فيستملحون حديثه فأنزل الله هذه الآية)، (١). والأكنة: جمع كنان كغطاء وأغطية لفظا ومعنى والوقر - بالفتح - الثقل فى السمع. والمعنى: ومن هؤلاء المشركين يا محمد من يستمع إليك حين تقرأ القرآن وقد جعلنا - بسبب عنادهم وجحودهم - على قلوبهم أغطية تجول بينهم وبين فقهه ، كما جملنا فى أسماعهم ممما يمنع من سماعه بتدبر وتعقل. قال صاحب المنار: ((وجعل الأكنة على القلوب والوقر فى الآذان فى الآية من تشبيه الحجب والموافع المعنوية بالحجب والموانع الحسية؛ فإن القلب الذى لا يفقه الحديث ولا يتدبره كالوعاء الذى وضع عليه الكن أو الكنان وهو الغطاء حتى لا يدخل فيه شىء. والأذان التى لا تسمع الكلام سماع فهم وتدبر كالآذان المصابة بالثقل أو الصمم، لأن سمعها وعدمة سواء (٢). وقال بعض العلماء: ((وهنا يسأل سائل: إذا كان منع الهداية من اللّه - تعالى - بالغشاوة على قلوبهم والختم عليها وبالوقر فى آذانهم فلا يسمعون سماع تبصر فادا يكون عليهم من تبعة يحاسبون عليها حساباعيرا بالعذاب الأليم؟ (١) تفسير الآلوسى ج ٢ ص ٠١٢٥ (٢) تفسير المنار جـ ٧ ص ٠٣٤٧ (٦ - سورة الأنعام) - ٨٢ - . والجواب عن ذلك أن الله - سبحانه - يسير الأمور وفق حكمته العليا ن يسلك سبيل الهداية يرشده ويغير طريقه ويثيبه، ومن يقصد إلى الغواية يسير فى طريقها تجيئه النذر تباعاً إنفارا بعد إنذار، فإن أيقظت النذر نمیره و تكشفت العماية عن قلبه فقد اهتدى وآمن بعد کفر. ومن لم تجدفيه. نقر المتابعة ولم توقظ له ضميراً ولم تبصره من عمى فقد وضع الله - تعالى .. لی قلبه غشارة وفی آذانه وقرأ)، (١). ثم صور - سبحانه - عنادهم وإعراضهم عن الحق مهما وضحت .. .اهيته فقال: وإن يرواكل آية لا يؤمنوا بها ،. أى: وإن يرواكل آية من الآيات الدالة على صحة نبوتك وصدق عوتك فلن يؤمنوا بها لاستحواذ الغرور والعناد على قلوبهم. والمراد من الرؤيه هنا البصرية، ومن الآيات المعجزات الحسية كانشقاق قمر وفيع الماء من بين أصابعة الشريفة . وهذه الجملة الكريمة المقصود بها ذمهم لعدم انتفاعهم بحاسة البصر بعد مهم أعدم انتفاعهم بعقولهم وأسماعهم. وجىء بكلمة «كل، لعموم المنفى، أى: أنهم لا يؤمنون بأية معجرة ونها مهما وضحت براهينها ، ومهما كانت دلالتها ظاهرة على صدق النبى - صلى الله عليه وسلم - . أم بين - سبحانه - ما كان يجرى منهم مع رسول الله - صلى الله ليه وسلم - فقال : (١) مجلة لواء الإسلام لسنة ٢٣ العدد ٩ تفسير الآيات الكريمة لفضيلة. ستاذ الشيخ محمد أبو زهرة. - ٨٣ - «حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين » . الأساطير جمع إسطارة أو أسطورة ومعناها الخرافات والترهات. أى : حتى إذا ما صاروا إليك أيها الرسول ليخاصموك وينازعوك فى دعوتك فإنهم يقولون لك بسبب كفرم وجحودهم، ما هذا القرآن الذى نسمعه منك إلا أقاصيص الأولين المشتملة على خرافاتهم وأوهامهم. وفى قوله - تعالى - ((حتى إذا جاءوك يجادلونك، إشارة إلى أن مجيئهم لم يكن من أجل الوصول إلى الحق ، وإنما كان من أجل المجادلة المتعنتة مع الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم -. ثم بين - سبحانه - أنهم لا يكتفون بمحاربة الدعوة الإسلامية، بل هم لفجورهم - يحرضون غيرهم على محاربتها معهم فقال - تعالى -: (((وهم ينهون عنه وينأوز عنه، وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون)،. النهى: الزجر، والتأى: البعد والضمير ((هم)) يعود على المشركين. والمعنى : إن هؤلاء المشركين لا يكتفون بمحاربة الحق، بل يزجرن الناس عن اتباعه ، ويبعدونهم عن الاستماع إليه. فهم قد جمعوا بين فعلين قبيحين: محاربتهم للحق وحمل غيرهم معهم على محاربته والبعد عنه . وهم بهذا العمل الباطل القبيح ما يهلكون إلا أنفسهم ولكنهم لا يشعرون بذلك لا نطاس بصيرتهم ، وقسوة قلوبهم. وعملهم هذا يدل على أنهم كانوا معترفين فى قرارة أنفسهم بأن القرآن حق، لأنهم لو كانوا يعتقدون أنه أساطير الأولين - كما زعموا - اتركوا الناس يسمعونها ليتأكدوا من أنها خرفات وأوهام ، ولكنهم لما كانوا مؤمنين ببلاغة القرآن وصدقه، فانهم فهوا غيرهم عن سماعه حتى لا يؤمن به وابتعدوا هم عنه حتى لا يتأثروا به فيدخلوا فى دين الإسلام، ولقد حكى - ٨٤ - عنهم هذا المعنى فى قوله - تعالى - (وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا قرآن والغوافيه لعلكم تغلبون) (١). والضمير فى قوله - تعالى - (عنه) يرجع إلى النبى - صلى الله عليه وسلم- ما جاء به من آيات. ويرى بعض المفسرين أن الضمير ((هم)) يرجع إلى عشيرة النبى (صلى تقه عليه وسلم) فيكون المعنى: وهم - أى أعمام النبى (بَّ لَّه) وعشيرته شهون الناس عن إيذائه والتعرض له بسوء، ولكنهم فى الوقت نفسه ينأون منه أى يبتعدون عن دعوته فلا يؤمنون بها، ولعل أوضح مثل لذلك بو طالب ، فقد كان يدافع عن النبى (صلى الله عليه وسلم) إلا أنه لم يدخل فى الإسلام مع تصريحه بأنه هو الدين الحق. ومما روى عنه فى هذا المعنى قوله : حتى أوسد فى التراب دفيناً والله لن يصلوا إليك بجمعهم وأبشر بذاك وقر منك عيوناً فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة فلقد صدقت وكنت قبل أميناً ودعوتنى وزعمت أنك ناصحى من خير أديان البرية ديناً وعرضت ديناً قد عرفت بأنه لوجدتى سمحاً بذاك يقيناً لولا الملامة أو حذار مسبة والذى تطمئن إليه النفس أن الرأى الأول هو الأرجح. لأن الكلام مسوق فى بيان موقف المشركين من النبى ( صلى الله عليه وسلم)، وأنهم قد بلغ بهم السفه والعناد أنهم لا يكتفون بالإعراض عن الحق الذى جاء به محمد (صلى الله عليه وسلم ) بل تعدى شرهم إلى غيرهم ، وأنهم كانوا يحرضون الناس على إيذائه وعلى الابتعاد عنه. (١) سورة فصلت آية ٢٦ - ٨٥ - ثم يصور - سبحانه - حالهم عندما يعرضون على النار ، وعندما ٤ يقفون أمام ربهم، وحكى ما يقولونه فى تلك المواقف الشديدة فقال تعالى: وَلَوْتَرَىَّ إِذْ وُ قِقُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَدْلَيْتَنَا ثُدُّ وَلَا تُكَذِّبَ بِغَايَتِ رَبِنَا وَتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (#) بَلْ بَدَا لَهُ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُ واْ لَعَادُواْلِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَهُمْ لَكَذِبُونَ ﴿﴾ وَقَالُواْإِنْ هِىَ إِلَّ حَيَاتُنَالدُّنْيَا وَمَانَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (3) وَلَوْ تَرَّ إِذْ وُ ثِقُوْ عَلَى رَبِهِمْ قَالَ أَيْسَ هَدِذَا بِالْحَقّ قَالُواْبَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (2﴾ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَّبُواْبِلِقَاءِالَِّ حََّ إِذَا جَاءَ تُهُ السَّاعَةُ بَغْنَةً قَالُواْ يَحَسْرَنَا عَلَى مَا فَرِّطْنَ فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَى ◌ُهُوِهِمْ أَلَا سَآءُ مَّ ◌َِرُونَ () وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَةِ إِلَّ لَعِبٌ وَهْ وَلَّارُ الآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونٌ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (@) ((لو، شرطية، حذف جوابها لتذهب النفسر فى تصوره كل مذهب وذلك أبلغ من ذكره . و(«وقفوا، بالبناء للمفعول بمعنى: وقفهم غيرهم. يقال: وقف على الأطلال أى: عندها مشرفاً عليها، ويقال وقف على الشىء عرفه وتبينه. والمعنى: إنك أيها التى الكريم - أو أيها الإنسان العاقل - لو أطلعت على - ٨٦ - هؤلاء المشركين عند ما يقفون على النار ويشاهدن لهيبها وسعيرها .أرأيت شيئاً مروعاً مخيفاً يجعلهم بتحسرون على مافرط منهم ، ويتمنون أن يعودوا إلى الدنيا ليصدقوا بآيات الله التى طالما كذبوه. وليكونوا من المؤمنين. وعبر - سبحانه - يإذ التى تدل على الماضى - مع أن الحديث عما سيحصل لحم فى الآخرة فكان يقاسبه إذا - لإفادة تحقق الوقوع وتأكده، وليتصور المستقبل على أنه موجود لا على أنه سيوجد، وعطف بالفاء فى قوله : («فقالوا ... ، للدلالة على أن أول شىء يقع فى قلوبهم حينئذ إنما هو الندم على ما سلف منهم ، وتمشى الرجوع إلى الدنيا ليؤمنوا. ثم يعقب - سبحانه - على قولتهم هذه فيما لو أجيبوا إلى طلبهم على سبيل الفرض والتقدير فيقول: «بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل. ولو ردوالعادوا لمانهوا عنه وإنهم لكاذبون). بل هنا للإضراب عما يدل عليه تمنيهم من إدراكهم لقبح الكفر وسوء مغبته، ولحقيقة الإيمان وحسن عاقبته . والمعنى: ليس الأمر كا يوعمه كلامهم فى التمنى من أنهم يربدن العودة للهداية، بل الحق أنهم تمنوا العودة إلى الدنيا بعد أن استقبلتهم النار بلهبها، وبعد أن ظهر لهم ما كانوا يخفونه فى الدنيا من أعمال قبيحة ، ومن أفعال سيئة ، وبعد أن بدا لهم ما كانوا يكذبون به، وينكرون تحققه ، ولو أفهم ردوا إلى الدنيا ممتعها وشهواتها وأهوائها لعادوا لما نهوا عنه من التكذيب بالآيات، والسخرية من المؤمنين ، وإنهم لكاذبون فى كل ما بدءون. فالآية الكريمة تصور ما طبع عليه هؤلاء الجاحدون من فجور وعناد وافتراء، لأنهم حتى لو أجيبوا إلى طلبهم - على سبيل الفرض والتقدير- لما تخلوا عن كفرهم ومحاربتهم الأنبياء والمصلحين. - ٨٧ - ثم بين - سبحانه - بعض مفتربانهم فى الدنيا واغترارم بها فقال - تعالى - («وقالوا إن هى إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين)). ٠٠ أى: أن هؤلاء الكافرين قد بلغ بهم الحب الدنيا والتعلق بها أنهم قالوا: مما الحياة التى تسمى حياة فى نظرنا إلا هذه الدنيا التى تتمتع فيها بما نريد من شهوات وما نحن بمبعوثين ولا محاسبين بعد ذلك . فالآية الكريمة تحكى عنهم أنهم ينكرون أى حياة سوى الحياة التى يعيشونها، وينفون وقوع البعث والحساب والثواب والعقاب نفياً مؤكداً بالباء وبالجملة الإسمية . ويرى جمهور المفسرين أن هذه الآية الكريمة تتمة الآية السابقة لهامن حيث المعنى، وأن قوله ((وقالوا، معطوف على ((لعادوا)) والتقدير، ولو ردوا لعادوا لمانهوا عنه من الكفر وسيىء الأعمال وقالوا ما الحياة إلا حياتنا الدنيا، ويكون قوله (( وإنهم الكاذبون) جملة اعتراضية مؤكدة لمعنى عودتهم إلى ما كانوا عليه إن عادوا إلى الدنيا، إذ هى تكذيب لإدعاهم أُهم لا یکذبون بآيات ربهم . ثم بين - سبحانه - حالهم عند ما يقفون ليستمعوا إلى ما يوجه إليهم ربهم من توبيخ وتقريع بسبب كفرم فقال : (( ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق)). أى: قال لهم - سبحانه - أليس هذا البعث الذى تشاهدونه بأعينكم ثابتاً بالحق ؟ وهنا يجيبون خالفهم مصدقين لأن الواقع يحتم عليهم ذلك فيقولون - كما حكى القرآن عنهم - ((بلى وربنا، أى: قالوا: بلى يا ربنا) إنه للحق الذى لاشك فيه، ولا باطل بحوم من حوله ، وأكديا اعترافهم - بالقسم شاهدين على أنفسهم بأنهم كانوا كافرين فى الدنيا . - ٨٨ - وهنا يحكم الله فيهم بحكمه العادل فيقول: ((قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون، أى : إذا كان الأمر كما ذكرتم وشهدتم على أنفسكم. فانغمسوا فى العذاب ذائقين لآلامه وأهواله بسبب كفركم بآيات الله، وإنكاركم لهذا اليوم العصيب. والدرق منا كناية عن الإحساس الشديد بالعذاب بعد أن وقعوا فيه. ثم صور - سبحانه - عاقبتهم السيئة، وخسارتهم التى اير بعدها خسارة فقال: ((قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله». أى: أن أولئك الكفار الذين أنكروا البعث والحساب قد خسر واعز شىء فى هذه الحياة، ومن مظاهر ذلك أنهم خسروا الرضا الذى سيناله المؤمنون من ربهم، وخسروا العزاء الروحى الذى يغرس فى قلب المؤمن الطمأنينة والصبر عند البلاء، لأن المؤمن يعتقد أن ما عند الله خير وأبقى ، بخلاف الكافر فإن الدنيا منتهى آماله ... وأن هؤلاء الخاسرين سيستمرون فى تكذيبهم بالحق وإعراضهم عنه. • حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا: يا حرقنا على ما فرطنا فيها)). أى : حتى إذا جاءتهم الساعة مباغتة مفاجئة وهم فى طغيانهم يعمهون، إعترائم الهم، وحل بهم البلاء وقالوا: بعد أن سقط فى أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا يا حسرتنا أقبلى فهذا أوانك ، فإننا لم نستعد لهذا اليوم، بل أعملناه ولم نلتفت إليه. وعلى ذلك يكون المراد بالساعة يوم القيامة وما فيه من حساب . وقيل: المراد بالساعة وقت مقدمات الموت ، فالكلام على حذف .. المضاف، أى: جاءتهم مقدمات الساعة وهى الموت وما فيه من الأموال. فلما كان الموت من مبادىء الساعة سمى باسمها، وإذا قال (صلى الله عليه وسلم)، ((من مات فقد قامت قيامته)، (١). (١) حاشية الجمل على الجلالين = ٢ ص ٠٢١ - ٨٩ - وسميت القيامة ساعة لسرعة الحساب فيها، ولأنها تحمل أشد الأموال ولأنها فاصلة بين نوعين من الحياة ثانية وأخرى باقية . وفى قوله - تعالى - ((حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة، إشارة إلى أنها تفاجئهم بأهوالها من غير أن يكونوا مستعدين لها أو متوقعين لحدوثها، أما المؤمنون - فإنهم رغم عدم علمهم بمجيئها - فإنهم يكونون فى حالة استعداداً لها بالإيمان والعمل الصالح . والبغت والبغنة مفاجأة الشىء بسرعة من غير إعداد له، وكلمة ((بغتة)) يصح أن تكون مصدراً فى موضع الحال من فاعل جاءتهم أى : جاءتهم مباغته ، ويصح أن تكون مفعولا مطلقاً لفعل محذوف من لفظها أى: قبضتهم بغتة، والحسرة : شدة الغم والندم على ما فات وانقضى. ثم قال - تعالى -: «وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون » . الأوزار جمع وزر وهو - بكسر الواو - الحمل الثقيل، ويطلق على الإثم والذئب لأنهما أثقل الأحمال النفسية التى تنوء بها القوة . والجملة الكريمة من قبيل الاستعارة التمثيلية حيث شبهت حالهم وما يحملونه يوم القيامة من ذنوب ثقيلة مضفية، بهيئة المثقل الجهد بحمل. كبير يحمله على ظهره وينوه به . ثم حذفت الهيئة الدالة على المشبه به ورمز إليها بشىء من لوازمها . وقيل إن الكلام على حقيقته وأنهم سيحملون ذنوبهم على ظهورهم فعلا، حيث إن الذنوب والأعمال سنتجسم يوم القيامة، وبهذا الرأى ال كثير من أهل السنة . والمعنى: إن هؤلاء الكافرين يأتون يوم القيامة وهم يحملون ذنوبهم - ٩٠ - "وآثامهم على ظهورهم، ألا ما أسوأ ما حملوا، وما أشد ما -يستقبلونه جمد ذلك من عذاب أليم . ثم عقد - سبحانه - مقابلة بين الحياة الدنيا والآخرة. بين فيها أن الحياة الآخرة هى الحياة المالية السامية الباقية، أما الحياة الدنيا فهى إلى زوال واتها. فقال - تعالى - : ((وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو، والدار الآخرة خير للذين يتقون "أفلا تعقلون). اللعب : هو العمل الذى لا يقصد به مقصداً صحيحاً من تحصل منفعة أو دفع مضرة ، واللهو : هو طلب ما يشغل عن معالى الأمور وعما بهم الإنسان ويعنيه . والمعنى: إن هذه الحياة التى متها الكفار بأنها لا حياة سواها ما هى إلا لهو ولعب لمن يطلبها بأمانية وشره من غير استعداد لما يكون وراءها من حياة أخرى فيها الحساب والجزاء، وفيها النعيم الذى لا ينتهى، وفيها السعادة التى لا تحد، بالنسبة للذين اتقواربهم، ونهوا أنفسهم عن الهوى. فالحياة الدنيا لعب ولهو لمن اتخذوها فرصة للتكاثر والتفاخر وجمع الأموال من حلال وحرام، ولم يقيموا وزنا للأعمال الصالحة التى كلفهم الله - تعالى - بها. أما بالنسبة للذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا. فإن الحياة الدنيا تعتبر وسيلة إلى رضا الله الذى يظفرون به يوم القيامة، وإن ما يحصل عليه المؤمنون فى هذا اليوم من ثواب جزيل ومن نعيم مقيم هو خير من الدنيا وما فيها من متعة زائلة ومن شهوات لا دوام لها . والاستفهام فى قوله - تعالى - ((أفلا تعقلون، للحث على التدبر والتفكرو الموازنة بين اللذات العاجلة الضافية التى تكون فى الدنيا ، وبين النعيم الدائم الباقى الذى يكون فى الآخرة . - ٩١ - -ثم أخذ القرآن الكريم فى مخاطبة النبى (صلى الله عليه وسلم ) وفى -قسليته عما أصابه من قومه فقال: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُكَ الَّذِى يَقُولُونَ فَإِنّهُمْ لَأَ يُكَذِبُونَكَ وَكِنَّ الظَّلِينَ بِغَايَتِ اللهِ يَجْحَدُونَ (*) وَلَقَدْ كُذِبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبُِّواْ عَلَى مَا كُلِيُواْ وَأُوذُواْ خَّقَ ◌َهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَتِ الَِّ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِىْ أَلْمُرْسَلِينَ () وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ أَسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِىَ نَفَقًّا فِى اُلْأَرْضِ أَوْ سُلَّمَا فِ السَّمَآءِ فَتَأْتِيهُ ◌ِعَائٍِّ وَلَوْ شَآءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىُّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَهِينَ ﴿ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْلَّى يَبْعُهُ اللهُمَّإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣) قد هنا للتحقيق وتأكيد العلم وتكثيره والتحقيق هنا جاء من موضوعها لا من ذاتها كما أن التكثير راجع إلى متعلقات العلم، لا إلى العلم نفسه، لأن صفة القديم لا تقبل الزيادة والتكثير وإلا لزم حدوثها. والحزن ألم يعترى النفس عند فقد محبوب ، أو امتناع مرغوب أو حدوث مكروه. قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه: (يقول تعالى مسليا لنبيه - صلى الله عليه وسلم -. فى تكذيب قومه له ومخالفتهم إياه ( قد نعلم إنه ليحزنك الذى يقولون) أى: قد أحطنا علما بتكذبهم لك وحزنك و تأسفك عليهم و قوله ((فإنهم لا يكذبو نك و لكنالظالمين بآياتالله يححدون، .أى: هم لايتهمونك بالكذب فى نفس الأمر، ولكنهم يماندون الحق ويدفعونه - ٩٢ - بصدورهم كما قال سفيان الثورى عن أبى إسحاق عن ناجيه عن على قال: قال. أبو جهل للنبى - صلى الله عليه وسلم -: إنا لا نكذبك يا محمد ولكن فكذب ماجئت به فأنزل الله («فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله بححدون)). وعن أبى يزيد المدنى إن النبى - صلى الله عليه وسلم - لقى أباجهل فصائحه فقال له رجل: ألا أراك تصافح هذا الصابى.؟ فقال: والله إني لأ علم إنه لنبى، ولكن متى كنا لبنى عبد مناف تبعاً؟ وتلا أبو يزيد. فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون)، (١). فالآية الكريمة مسوقة على سبيل الاستئناف التسلية النبى - صلى الله عليه وسلم - عما كان يصيبه من المشركين وما لاشك فيه أنه - عليه الصلاة والسلام - كان حريصاً على إسلامهم، فإذا مارآهم معرضين عن دعو تهحزن وأسف، وفى معنى هذه الآية جاءت آيات كثيرة منها قوله - تعالى -: «فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أفا)، (٢). ومنها قوله - تعالى - ((فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون)،(٣). ومنها قوله - تعالى-، فلايخزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون)) (٤). قال الجمل: ( والفاء فى قوله (فإنهم لا يكذبونك) للتعليل، فإن قوله ( قد تعلم إنه ليحربك ... ) بمعنى لا يحزنك، كما يقال فى مقام المنع والزجر نعلم ما تفعل. ووجه التعليل: أن التكذيب فى الحقيقة لى وأنا الحلم الصبور، فتخلق بأخلاقى. ويحتمل أن يكون المعنى: إنه يحزنك قولهم لأنه تكذيب لى فأنت لم تحزن لنفسك بل لما هو أهم (٥) . والمعنى: إن هؤلاء الكفار - يا محمد - لا ينسبونك إلى الكذب، فهم (١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٠١٢٠ (٢) سورة الكهف: الآية ٦ (٣) سورة فاطر الآية ٨. (٤) سورة يس الآية ٧٦ (٥) حاشية الجل على الجلالين جـ ٢ ص٢٣ - ٩٣ - قد لقبرك بالصادق الأمين ، ولكنهم يجحدون الآيات الدالة على صدقك بإنكارها بألسنتهم مع إعتقائم صدقها . والجحود هو الإنكار مع العلم، أى ففى ما فى القلب ثبوته أو إثبات ما فى القلب نفيه، وفى التعبير بالجحود التكذيب إشارة إلى أن آيات الله واضحة بحيث يصدقها كل عاقل وأنه لا يصح إنكارها إلا عن طريق الجحود. وقال - سبحانه - ( ولكن الظالمين ... ) ولم يقل (ولكنهم) ، لبيان سبب جحودهم وهو الظلم الذى استقر فى نفوسهم، وفيه فوق ذلك تسجيل الظلم عليهم حتى يكونوا أهلا لما يصيبهم من عقاب . ثم زاد القرآن فى تعزية النبى - صلى الله عليه وسلم - وتسليته عن طريق إخباره بما حدث للأنبياء من قبله فإن عموم البلوى مما يخفف وقعها فقال: ( ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ). أى: أن الرسل من قبلك - يا محمد - قد كذبتهم أقوامهم وأنزلت بهم الأذى، فليس بدءا أن يصيبك من أعدائك ما أصاب الأنبياء من قبلك. ولقد صبر أولئك الأنبياء الكرام على التطاول والسفه فكانت نتيجة صبرهم أن آناهم الله النصر والظفر، فعليك - وأنت خاتمهم وإمامهم - أن تصبر كما صبروا حتى تنال ما قالوا من النصر، فإن سنة الله لا تتخلف فى أى زمان أو مكان . وجاء قوله - تعالى - (ولقد كذبت رسل من قبلك) مؤ كدا بقد وباللام، للإشارة إلى تأكيد التسلية والتعزية، وإلى تأكيد التمسك بفضيلة الصبر التى سيعقبها النصر الذى وعد الله به الصابرين. و(ما) فى قوله (على ما كذبوا) مصدرية، (وأوذوا) معطوف على قوله ( كذبت) أى: كذبت الرسل وأوذوا فصبروا على كل ذلك. - ٩٤ - وقوله ( حتى أتاهم نصرنا) غاية الصبر، أى: صبروا على التكذيب- وما قارنه من الإيذاء إلى أن جاءهم نصرنا وفيه بشارة للنبى - صلى الله عليه وسلم - مؤكداً للتسلية بأنه - سبحانه - سينصره على القوم الظالمين. وقوله - تعالى - ( ولا مبدل لكلمات اللّه) معناه: لا مغير لكلمات الله وآياته التى وعد فيها عباده الصالحين بالنصر على أعدائه، ومن ذلك قوله. - تعالى - (كتب الله لأغلبن أنا ورسلى إن الله قوى عزيز (١). وقوله - تعالى - ( ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين. أنهم لهم المنصورون. وإن جند نالهم الغالبون)(٢). وقوله - تعالى - (إنا لننصر رسلها والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الإشهاد)(٣) إلى غير ذلك من. الآيات التى بشر فيها عبادة المؤمنين بالفلاح وحسن العاقبة. ويرى المحققون من العلماء أن المراد بكلمات الله: شرائعه، وصفاته، وأحكامه، وسفته فى كونه ، ويدخل فيها دخولا أوليا ما وعد الله به أنیا ... وأولياءه من النصر والظفر. وهذا الرأى أرجحمن سابقة لأنه أهم وأشمل. وإضافة الكلمات إليه - سبحانه - للإشعار باستحالة تبديلها أو تغييرها لأنه - سبحانه - لا يغالبه أحد فى فعل من الأفعال، ولا يقع منه خلف فى قول من الأقوال، فما دام المؤمنون يخلصون له العبادة والقول والعمل ويجتهدون فى مباشرة الأسباب واتخاذ الوسائل النافعة، فإنه - سبحانه - يجعل العاقبة لهم . وقوله - تعالى - (ولقد جاءك من نبأ المرسلين ) تأكيد وتقرير لماقبله (١) سورة المجادلة الآية ٢١. (٢) سورة الصافات الآيات ١٧١، ١٧٢، ٠١٢٣ (٣) سورة غافر الآية ٥١. - ٩٥ - أى: ولقد جاءك من أخبار المرسلين وأنباتهم - ما قصه عليك فى كتابه - ما فيه العظات والعبر، فلقد صير المرسلون على الأذى فكامأهم أنه - تعالى - على ذلك بالظفر على أعدائهم . ثم بين - سبحانه - أنه لا سبيل إلى إيمان هؤلاء الجاحدين إلا بمشيئة الله وإرادته فقال ( وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استعلمت أن تبتغى نفقا فى الأرض أو سلما فى السماء فتأنيهم بآية ... ). كبر عليك: أى شق وعظم عليك . والنفق: السرب النافذ فى الأرض الذى يخلص إلى مكان . والمعنى: وإن كان- يا محمد - قد شق عليك إعراض قومك عن الإيمان .. وغظننت أن إتيانهم بما اقترحوه من آيات يكون سبباً فى إيمانهم، فإن استطعت أن تطلب مسلكا عميقاً فى جوف الأرض، أو مرقاة ترتقى بها إلى السماء لتأتيهم بما اقترحوا من مطالب فافعل فإن ذلك لن يفيد شيئاً لأن هؤلاء المشركين لا ينقصهم الدليل الدال على صدقك، ولكنهم يعرضون عن دعوتك عناداً وجحوداً . ثم قال - تعالى - (ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين). أى: لوشاء الله جمعهم على ماجئت به من الهدى والرشاد لفعل، بأن يوفقهم إلى الإيمان فيؤمنوا، ولكن الله لم يشأ ذلك لأنهم بسوء اختيارهم آثروا الحياة الدنيا، فلا تكونن من الجاهلين بحكمة الله فى خلقه، وبسننه التى اقتضاما علمه . ثم بين - سبحانه - من هم أهل الإيمان والاستجابة للحق فقال: (إنما يستجيب الذين يسمعون) أى: إنما يستجيب لك أيها الرسول الكريم أولئك الذين يسمعون توجيهك وأقوالك سماع تدبر وتفهم وتأثر ، أما هؤلاء الذين يعاندونك فقد طبع الله على قلوبهم فهم لا يفقهون. فالمراد بالاستجابة هنا، الإجابة المقرونة بالتفكر والتأمل، فهى إجابة محكمة دقيقة لأنها أتت بعد استقراء وتدبر وهذا ما تدل عليه السين . - ٩٦ - ثم بين - سبحانه - حال الكفار فقال !: «والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون)، أى : وموتى القلوب الذين لا يسمعون سماع تدبر وفقبل وم المشركون، - يبعثهم الله من قبورهم يوم القيامة ويحابهم حسابا عسيرا على أقوالهم الباطلة وأعمالهم السيئة . فالمراد بالموتى هنا الكفار لأنهم موتى القلوب فشبههم - سبحانه - بموتى الأجساد ، وهذا من باب التهكم بهم والتحقير من شأنهم . وقيل : أن لفظ الموتى على حقيقته وأن الله - تعالى - بقدرته النافذة سيبعث الجميع يوم القيامة ويرجعهم إليه فيجازى الذين أساؤا بما عملوا ويمازى الذين أحسنوا بالحسنى . ثم حكى - سبحانه - بعض الشبهات التى تذرع بها المشر كون تعنتا، ورد عليها بما يخرس ألسنتهم ، وبما يؤكد قدرته النافذة وعلمه المحيط فقال - تعالى - : ١ -- ◌ُلَيْهِ ءَ ايَةٌ مِّن رَّبِتَّ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرُ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ ءَايَةٌ وَلَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ وَمَا مِنْ دَآَيَّةٍ فِ الْأَرْضِ وَلَا طٍَّ بَطِيرٌ ◌ِتَحَيْهِ إِلَّ أَثمّ أَمْثَلُكُمْ مَّ فَرَّطْنَ فِ الْكِتَبِ مِن شَىْءٍ ثُمَّ إِلَى وَيِْ يُحْشَرُونَ ﴾ وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِعَايَئِنَ صُمٌ وَبْكُمٌ فِ الظُّلْمَنْتِ مَنْ يَشَِ اللهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلُهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِ (3) (((ولولا، هنا تحضيضية بمعى هلا. والمعنى: وقال أولئك الكافرون: - ٩٧ - .هلانزل عليك يا محمد معجزة حسية كتفجير الأنهار ، وفق البحر. .و نزول الملائکا معك ... الخ . فهذه الآيات الكريمة تحكى عنهم أنهم لم يكتفوا بالقرآن معجزة خالدة النبى ( صلى الله عليه وسلم) وإنما يريدون معجزات حسية من جنس معجزات الأنبياء السابقين . وإنما قالوا ذلك مع تكاثر ما أنزل على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) من الآيات، لتركهم الاعتداد بما أنزل عليه، حتى لكأنه لم ينزل عليه شىء عنادا وجحودا منهم . وفى قولهم - كما حكى القرآن عنهم - ((لولا نزل عليه آية من ربه)) ببناء الفعل للمجهول وذكر لفظ الرب، للإشارة إلى أنهم لا يوجهون الطلب إلى النبى (صلى الله عليه وسلم) وإنما يوجهونه إلى الله تعالى، لأنه إذا كان رسولا من عنده ، فليجب له هذا الطلب الذى نتمناه وتكون من بعده مؤمنين . وقد رد الله - تعالى - عليهم بقوله: ((قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون)». أى : قل لهم أيها الرسول الكريم على سبيل التوبيخ والتقريح إن الله - تعالى - قادر على تنزيل مااقترحوا من آيات، لأنه - سبحانه - لا يعجزه شىء، ولكنه - سبحانه - ينزل ما تقتضيه حكمته، إلا أنهم لجهلهم وعنادهم لا يعلمون شيئاً من حكم الله فى أفعاله، ولا من سننه فى خلقه . وقوله - تعالى -: ((ولكن أكثرهم لا يعلمون ، يفيد أنهم لا يؤمنون حتى ولو جاءتهم الآيات التى أقر حوها، لأن عدم إيمانهم ليس عن نقص فى الدلیل ولکنه عن تكبر وجحود . ثم ذكر - سبحانه - بعض الآيات الكونية المبثوثة فى الأرض والجو .. والمعروضة على البصائر والأبصار فقال - تعالى -: (٧ - سورة الأنعام) - ١٨ - • وما من دابة فى الأرض ولاطائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم» .. الدابة: كل ما يدب على الأرض من حيوان . والطائر: كل ذى جناح .. يسبح فى الهواء، والأمم: جمع أمة وهى جماعة يجمعهم أمر ما. والمعنى: إنه لا يوجد نوع ما من أنواع الأحياء التى تدب على الأرض ولا من أنواع الطير التى تسبح فى الهواء إلا وهى أمم مائلة لكم فى أن الله خلقهم وتكفل بارزاتهم . قال صاحب الكشاف : فإن قلت ما الغرض من ذكر ذلك؟ قلت : الدلالة عن عظم قدرة الله. وسعة سلطانه، وتدبير تلك الخلائق المتفاوتة الأجناس، المتكاثرة الأصناف، وهو حافظ لما لها، وما عليها، مهيمن على أحوالها، لا يشغله شأن عن شأن، وأن المكلفين ليسوا بمخصوصين بذلك. دون من عداهم من سائر الحيوان)» (١) . وذكر الجناحين فى الطير لتوجيه الأنظار إلى بديع صنعه - سبحانه- وحسن خلقه . قال - تعالى -: (أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكون إلا الرحمن إنه بكل شىء بصير» (٢). ثم قال - تعالى -: (ما فرطنا فى الكتاب من شىء ثم إلى ربهم يحشرون)). التفريط فى الأمر: التقصير فيه وتفبيعه حتى يفوت. والمراد بالكتاب. اللوح المحفوظ وقيل المراد به القرآن . والمعنى : ما تركنا فى الكتاب شيئاً لم نحصه ولم تثبته ، وإنما أحطنا بكل شىء علماً، وليس من مخلوق صغر أو كبر فى هذا الوجود إلا وسيجمع يوم القيامة أمام خالقه . (١) تفسير الكشاف = ٢ ص ٢١ (٢) سورة الملك : الآ ية ١٩ - ٩٩ - فالآية الكريمة مسوقة لبيان سعة علم الله - تعالى - وكمال قدرته، لتكون كالدليل على أنه - سبحانه - قادر على تنزيل الآية التى اقترحوها ، وإنما لم ينزلها لأن حكمتة تقتضى ذلك . وجملة (« ما فرطنا فى الكتاب من شىء)) معترضة لتقدير مضمون ماقبلها. والتعبير ثم فى قوله ((ثم إلى ربهم بحشرون، للإشارة إلى أنهم أعداد لا يحصيها العد ، وجمعهم ليس يسيرا فى ذاته ، وإن كان بالنسبة لقدرته ١١ - تعالى - أمراهينا. ويرى بعض العلماء أن المراد بحشر البهائم موتها . ويرى آخرون أن المراد بعثها يوم القيامة لقوله - تعالى -: ((وإذا الوحوش حشرت)). وفى الحديث الشريف عن أبى ذو الغفارى أن النبى - صلى الله عليه وسلم - رأى شاتين تتناطحان فقال: يا أبا ذر هل تدرى فم تتناطحان؟ قال: لا. قال: ولكن الله يدرى وسيقضى بينهما. ثم قال - تعالى -: ((والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم فى الظلمات)). أى : مثلهم فى جهلهم وقلة علمهم وعدم فهمهم كمثل الأصم الذى لا يسمع، والأبكم الذى لا يتكلم وهو مع ذلك فى ظلمات لا يبصر، فكيف يهتدى مثل هذا إلى طريق القويم أو يخرج مما هو فيه من ضلال. ففى التعبير القرآنى إستعارة تمثيلية إذ شبهت حال الجاحدين المعرضين عن كل دليل وبرهان بحال الصم البكم الذين يعيشون فى الظلام من حيث لا نور بهديهم. ثم قال - تعالى -: ((من يشأ الله بضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم)» أى : من يشأ الله له الضلالة أضله بأن يجعله يسير فى طريق هو أه بسبب إعراضه عن طريق الخير، وإيثاره للعمى على الهدى، ومن يشأ اللهله الهداية بهده، لأنه قد خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى. فالهداية والضلالة ليبا إجباريين لا اختيار للعبد فيهما، وإنما الحق أن العبد اختيارا فى الطريق - ١٠٠ - الذى يسلكه، فإن كان خيرا خطا فيه إلى النهاية، وإن كان شرا سار فيه إلى الهاوية . ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المشركين عندما تحيط بهم المصائب والأهوال لا يتوجهون بالضراعة والدعاء إلا إلى اللّه، وأنهم مع ذلك لايخصونه بالعبادة كما يخصونه بالدعاء لكشف الضر، فقال - تعالى -: قُلّ أَ يَّكُمْ إِنْ أَتَكُمْ عَذَابُ الَِّ أَوْ أَتَتْكُرُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ الَّهِتَدْعُونَ إِن كُنْتُمُ صَدِقِينَ ( بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ وَتَسَوْنَ مَا تُ شْرِكُونَ (8) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآَ إلَّ أُمَِ مِن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَهُم بِالْبَأْسَآءِ وَالضَّرَآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (29) فَلَوْلَآ إِذْ جَآءَ هُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَئِنُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ () فَ نَسُواْ مَاذُ كُواْبِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلّ شَىْءٍ حَتّإِذَا فَرُِّواْبِمَا أُوُواْ أَخَذْنَهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ تُمْلُونَ (٣) فَقُ طِعَ دَاءُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لَِّرَبِّ الْعَلَيْنَ ( «أرأيتكم، المقصود به أخبرونى، وكلة أرأيت فى القرآن تستعمل التنبيه والحث على الرؤية والتأمل ، فهو استفهام التنبيه مؤاده: أرأيت كذا فإن لم يتمكن رأيته فانظره وتأمله . والمعنى: قل - يا محمد - لهؤلاء المشركين: أخبرونى عن حالكم عندما