النص المفهرس

صفحات 61-80

- ٦١ -
ثم أخذ القرآن فى تسلية النبى - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه من
قومه فقال :
((ولقد استهزىء برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوابه
ج- زاون))،
والمعنى : لا تحزن يا محمد لما أصابك من قومك، فإن من شأن الدعاة
إلى الحق المجاهدين فى سبيله أن ينالهم الأذى من أعدائهم ، ولقد أوذى من
- سبقك من الرسل الكرام، وسخر الساخرون منهم، فصبروا على ذلك،
وجاءهم فى النهاية نصرنا الذى وعدناهم به . أما أعداؤهم الذين إستهزؤا
هم ، فقد أخذناهم أخذ عزيز مقتدر « فکلا أخذنا بذنبه ، فمنم من أرسلنا
عليه خاصبا، ومنهم من أخذته الصيحة، ومئهم من خفنا به الأرض،
ومنهم من أعرقنا ، وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون)) (١).
فالآية الكريمة تهدف إلى قسلمية الرسول - صلى الله عليه وسلم - والترويح
عن نفسه ، وتبشيره بحسن العاقبة وتثبيت قلبه حتى لا يتأثر أو يضعف
أمام سفه المشركين وتطاولهم عليه .
والاستهزاء بالشىء: الاستهانة به، والاستهزاء بالشخص احتقاره وعدم
الاهتمام بأمره. وتنكير الرسل للتكثير والتعظيم، والفاء فى قوله ((فحاق))
السببية، أى: بسبب هذا الاستهزاء برسل الله الكرام، أحاط العذاب
بأولئك المستهزئين فأهلكهم.
وقال - سبحانه - « فحاق بالذين سخروا)، ولم يقل بالساخرين، للإشارة
إلى أن ١٠ أصابهم من عذاب لم يكن تجنباً عليهم، وإنما كان بسبب سخريتهم
يرسل الله والاستخفاف بهم: لأن التعبير بالموصول يفيد أن الصلة هى
علة الحكم .
(١) سورة العنكبوت الآية ٤٠.

- ٦٢ -
وفى قوله - تعالى -: «فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهز ؤون»
مجاز علاقته السيبية، لأن الذى حاق بهم هو العذاب المسبب عن الإستهزاء،
ففيه إطلاق السبب وإرادة المسبب، وذلك يفيد أن العذاب ملازم لهذه
السخرية لا ينفك عنها، فحيثما وجد التطاول على أولياء الله والدعاة إلى دينه،
وجد معه عذاب الله وسخطه على المتطاولين والمستهزئين.
ثم أمر القرآن النبى - ب - أن يذكرم بحال من سبقوم عن
طريق التطلع إلى آثاوم، والتدبر فيما أصابهم. والاتعاظ بما حل بهم.
فقال - تعالى-
..
((قل سيروا فى الأرض ثم انظر واكيف كان عاقبة المكذبين)).
أى: قل - يا محمد - لأولئك المكذبين لك، المستهزئين بدعوتك,
لا تغتروا بما أنتم فيه من قوة وجاه ، فإن ذلك لا دوام له، وسيروا فى لجاج
الأرض متدبرين متأملين ، فسترون بأعينكم آثار أقوام كانوا أشد منكم
قوة وأكثر جمعا ، ولكن ذلك لم يمنع وقوع العذاب بهم حين بدلوا نعمة الله.
كفرا، وحاربوا رسل الله والدعاة إلى دينه.
وقد ذكر القرآن الكريم فى دور متعددة أن آثار أولئك الأقوام.
المهلكين، ما زال بعضها باقيا، وأنها لتدعوا العقلاء إلى الاتعاظ والإعتبار
فقال - تعالى -: ((ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد)) (١).
وقال - تعالى - فى شأن قوم لوط: أ, وإنكم لتمرون عليهم مصجين.
وبالليل ، أفلا تعقلون)) (٢).
وقد أمر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يطلب منهم.
(١) سورة هود الآية ١٠٠.
(٢) سورة الصافات الآيتان ٠١٣٨،١٣٧

- ٦٣ -
السير فى الأرض للتفكر والتدبر، لأنهم كانوا يستمؤ أون به - -
فكانت المخاطبة منه لهم من قبيل النصيحة والتحذير.
وليس المراد مجرد النظر فى قوله «ثم انظروا»، بل المراد منه التفكر
١. والتدبر والاعتبار الذى يهدى إلى الإيمان، وبعين على اتباع الصراط المستقيم.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: أى فرق بين قوله. فانظروا، وبين.
قوله (( ثم انظروا))؟ قلت: جعل النظر مسببا عن السير فى قوله ,فانظروا))
فكأنه قيل: سيروا لأجل النظر، ولا تسيروا سير الغافلين. وأما قوله
((سيروا فى الأرض ثم انظروا)) فمعناه إباحة السير فى الأرض التجارة
وغيرها من المنافع وإيجاب النظر فى آثار الهالكين، وفيه على ذلك ثمي
التباعد ما بين الواجب والمباح (١).
وقد علق الشيخ ابن المنير على عبارة صاحب الكشاف فقال: ((وأظهر
من هذا التأويل أن يجعل الأمر بالسير فى المكانين واحداً، ليكون ذلك
سببا فى النظر، فحيث دخلت الفاء فلا ظهار السببية ، وحيث دخلت ثم فللتنبيه.
على أن النظر هو المقصود من السير وأن السير وسيلة إليه لا غير وشتان بين.
المقصود والوسيلة ».
والذى فرجحه أن التعبير ثم هنا المفيدة التراخى الإشارة إلى أن السير
الذى هو وسيلة للتفكر مطلوب فى ذاته كما أن النظر الذى يصحبه التفكر
والاعتبار مطلوب أيضاً، وكأنه أمر بدهى نتيجة للسير ، أما التعبير بالفاء فى
قوله «فانظروا، فلإبراز كون للنظر مسببا عن السير، ومترتبا عليه، وكلا
الأسلوبين مناسب للمقام الذى سيق من أجله ، ومتناسق مع البلاغة
القرآنية .
(١) تفسير الكفاف ج ٢ ص ٠٨

- ٦٤ -
ثم ساق القرآن الكريم ألوانا من البراهين الدالة على وحدانية الله وقدرته
وعلى أنه هو المهيمن على هذا الكون ، فقال - تعالى - :
قُل لِمَنْ مَّا فِ السَّمَنَوَتِ وَالْأَرْضِّ
قُل ◌ِّ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَتَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَّةِ لَا
رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوَاْ أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَأُيُؤْمِنُونَ ﴿ وَلَهُ مَا سَكَّنَ
فِى الَِّلِ وَالَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( قُلْ أَغَيْرَ آلِهِ أَخِذُ
وَلِيَّ فَاطِ السَّمَنَوَتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُظَْمُ قُلْ إِلَّ
أَمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمٌّ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١)
قُلْ إِّ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِىِ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِ ( مَّن يُصْرَفْ
عَنْهُ يَوْمَيِذٍ فَقَدْ رَِهُ, وَذَالِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (3)
والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين على سبيل التوبيخ والنقبيه من الذى
يملك السموات والأرض ومافيهما من إنس وجن وحيوان ونبات وغير ذلك
من المخلوقات؟ إن الإجابة الصحيحة التى يعترفون بها ولا يستطيعون إنكارها
أن جميع المخلوقات لله رب العالمين. قال - تعالى - ((ولئن سألتهم من خلقهم
ليقولن الله، فالمقصود بالاستفهام تبكيتهم على عنادهم، وتنبيههم إلى ضلالهم
لعلهم أن يثوبوا إلى رشدم .
قال الإمام الرازى: وقوله: ((قل لمن ما فى السموات والأرض، .. وال،
وقوله ((قل لله، جواب. فقد أمره الله - تعالى - بالسؤال أولا ثم بالجواب
ثانيا، وهذا إنما يحسن فى الموضع الذى يكون الجواب قد بلغ فى الظهور إلى

- ٦٥ -
حيث لا يقدر على إنفكاره منكر، ولا يقدر على دفعه دافع، وهنا كذلك لأن
القوم كانوا معترفين بأن العالم كله لله وتحت تصرفه وقهره وقدرته»(١).
ثم قال - تعالى -: (كنب على نفسه الرحمة) أى: أوجب - سبحانه-
على نفسه رحمته التى وسعت كل شىء والتى من مظاهرها أنه منح خيره وضعه
فى الدنيا للطائعين والعصاة، وأنه سيحاسبهم يوم القيامة على أعمالهم فيجازى
الذين أساؤا بما عملوا ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.
وفى الصحیحین عن أبى هريرة - رضى الله عنه - قال: قال رسول الله
- عَّة - (إن الله لما خلق الخلق كتب كتابا عنده فوق العرش، إن
رحمتى تغلب غضبى).
وجملة ، ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه، يرى بعض العلماء أنها
جواب لقسم محذوف أى: والله ليجمعنكم، وجملة القسم والجواب لامحل لها
من الإعراب، وإن تعلقت بما قبلها من حيث المعنى وعلى هذا الرأى يكون
الكلام قد تم عند قوله - تعالى - ,كتب على نفسه الرحمة)).
ويرى الزجاج ومن شايعه أن جملة (ليجمعتكم) فى محل نصب بدل من
الرحمة ، وفسر ( ليجمعنكم) بمعنى أمهلكم وأمدلكم فى العمر والرزق مع
كهر كم، فهو تفسير الرحمة، كما قال - تعالى - فى السورة نفسها (كتب
على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه
غفور رحيم)(٢).
والمقصود بهذه الجملة الكريمة (ليجمعنكم ... ) بيان عدل الله بين
عباده. فهو لم يجمعهم يوم القيامة لتعذيبهم جميعا، وإنما يجمعهم الإثابة
المحسن ومعاقبة المسىء.
(١) تفسير الفخر الرازى ج ٤ ص ١٤.
(٢) حاشية الجمل = ٣ ص ٩:
(٥ - سورة الأنعام)

- ٦٦ -
ولما كان الكافرون ينكرون حصول البعث والحساب فقد أكد أنه
- تعالى - حصولهما باللام وبنون التوكيد الثقيلة، وبتعدية الفعل بإلى
دون فى للإشارة إلى أن هذا الجمع نهايته يوم القيامة - وبأنه يوم لا ينبغى
لأحـ أن رقاب فيه لوضوج أدلته .
ثم ختمت الآية الكريمة ببيان عاقبتهم السيئة فقال - تعالى - (الذين
خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون). أى: الذين خسروا أنفسهم بانطاس:
فطرتهم، وإصرارهم على العناد والجمود، لا يتسرب الإيمان إلى قلوبهم لأنها
قمت وأظلمت .
قال الألوسى: (الفاء فى قوله ((فهم لا يؤمنون)) - للدلالة على أن عدم
إيمانهم وإصرارهم على الكفر مسبب عن خسرانهم، فإن إبطال العقل
والانهماك فى التقليد أدى بهم إلى الإصرار على الكفر والامتناع عن
الإيمان )(١).
ثم ساق - سبحانه - ما يشهد بشمول علمه وقدرته فقال: ) وله ماسكن
فى اليل والنهار وهو السميع العليم).
قال القرطبى: (سكن معناه هدأ واستقر، والمراد ماسكن وما تحرك،
خذف لعلم السامع، وقيل: خص الساكن بالذكر لأن ما يعمه السكون أكثر
مما تعمه الحركة وقيل: المعنى، ما خلق، فهو عام فى جميع المخلوقات متحركها.
وسا كنها ، فإنه يجرى عليه الليل والنهار، وعلى هذا فليس المراد بالسكورضد
الحركة بل المراد الخلق وهذا أحسن ما قيل لأنه يجمع شتات الأقوال)(٢).
والمعنى: ولله - سبحانه - جميع ما استقر وترك ووجد فى كلزمان
ومكان من إنسان وحيوان ونبات وغير ذلك من المخلوقات، وهو - سبحانه-
(١) تفسير روح المعانى الألونى جـ ٧ ص ٠١٢٢
((٢) تفسير القرطبى ج ٦ ص ١٩١.

- ٦٧ -
السميع لكل دقيق وجليل، العليم بكل الظواهر والبواطن، والتعبير ، فى
قوله ( وله ما سكن) الدلالة على العموم والشمول.
ثم أمر - سبحانه - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يستنكر ما عليه
المشركون من كفر وإلحاد، وأن ينفى عن نفسه بشدة ما تردوا فيه من جهالة
وضلالة فقال :
((قل أغير اللّه أتخذ وليا؟ فاطر السموات والأرض، وهو بطعم
ولا يطعم .
أى: قل لهم - يا محمد - موبخا وزاجرا، بأى عقل أبجتم لأنفسكم
الإشراك بالله، واتخذتم من دونه معبودا سواه، مع أنه - سبحانه -
باعترافكم هو الخالق لكم والسموات والأرض ولكل شيء ؟
وقد سلطت الهمزة على المفعول الأول لا على الفعل، الإيذان بأن
المستنكر إنما هو اتخاذ غير الله وليا لا اتخاذ الولى مطلقا، ونظير هذه الآية
قوله - تعالى - ((قل أفغير الله تأمرونى أعبد أيها الجاهلون)).
ثم دلل - سبحانه - على أنه هو وحده المستحق للعبادة بأمرين.
أولهما قوله - تعالى - ((فاطر السموات والأرض)).
أى خالقهما ومنشئهما على غير مثال سبق، فالفطر - كما قال اللغويوز-
الإبداع والإيجاد من غير سبق مثال يحتذى .
وثانيهما قوله - تعالى - ( وهو يطعم ولا يطعم ).
أى: أنه - سبحانه - هو الذى لا يحتاج إلى أحد وكل ما سواه محتاج
إليه وهو الرازق لغيره، والمنافع كلها من عنده.
وقرأ أبو عمرو (وهو يطعم ولا يطعم) بفتح الياء فى الثانى. أى: وهو
يرزق غيره ويطعمه أما هو - سبحانه -فلا يتناول طعام ولاشرابا.
وهذه الجملة حالية مؤيدة لإفكار اتخاذ ولى سوى الله، وفيها تعريض بمن
اتخذوا أولياء من دونه من البشر بأنهم محتاجون إلى الطعام ، وأنه

- ٦٨ -
- سبحاة - هو الذى خلق لهم هذا الطعام فهم عاجزون عن البقاء بدونه.
ثم أمره - سبحانه - بأن يصرح أمامهم بأنه بریء من شر کهم ومن
أفعالهم القبيحة فقال - تعالى - (قل إنى أمرت أن أكون أول من أسلم
ولا تكونن من المشركين).
أى: قل أيها الرسول الكريم بعد إراد هذه الآيات والحجج الدالة على
وحدانية الله: إنى أمرت من خالقى أن أكون أول من يسلم له وجهه ويخصه
بالعبادة، كما أنى نهيت عن أن أكون من المشركين الذى يجعلون مع الله
آلهة أخرى .
وصح عطف الجملة الثانية الإنشائية على الأولى الخبرية لأن الأولى خبرية
فى اللفظ ولكها إنشائية فى المعنى فكانت فى قوة الجملة الطلبية والتقدير: كن
أول من أسلم ولا تكونن من المشركين، ويجوز عطفها على جملة ( قل إنى
أمرت ) وهى إنشائية فى اللفظ والمعنى .
ثم أمره - سبحانه - بأن يعلن أمامهم بأن خوفه من خالقه يحتم عليه
أن يبتعد عن كل معصية فقال :
( قل إنى أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم ).
أى: قل لهم - يامحمد - على سبيل الإنذار والتحذير من الاستمرار فى
الكفر إلى أخاف إن عصيت خالقى عذاب يوم عظيم الأهوال تذهل فيه
(كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها ، وقرى الناس
سكارى وماهم بسكارى ولكن عذاب الله شديد).
وفى هذا التحذير أسمى الوان التعبير والتصوير لأنه إذا كان النبى - صلى الله
عليه وسلم - وهو أحب الخلق إلى الله سيناله العذاب إن كان - على سبيل
الفرض: التقدير - قد عصى ربه فى الدنيا . فكيف بأولئك الذين أشركوا مع
الله آلهة أخرى؟ فمن الواجب عليهم أن يقتدوا بالنبى - صلى الله عليه وسلم.
فى عبادته وإخلاصه لربه .

- ٦٩ -
وكلمة ( عذاب) مفعول لأخاف، وجواب الشرط محذوف والتقدير:
إن عصيت ربى استحققت العذاب العظيم.
ثم بين - سبحانه - أن النجاة من هول هذا اليوم غنيمة لإس بعدها غنيمة
فقال: من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه ، وذلك الفوز العظيم .
أى: من يصرف عنه عذاب هذا اليوم، فإنه يكونمن شملتهم رحمة الله
ورعايته، وذلك هو الفوز الذى ليس بعده فوز.
والضمير الذى يعتبر نائب فاعل ليصرف، يعود على العذاب العظيم
الذى سيحل بالمجرمين يوم القيامة .
وفى قراءة لحمزة والكسائى وأبى بكر عن عاصم (من يصرف) بفتح الياء
فيكون الضمير عائداعلى الله - تعالى - ويكون المفعول محذوفاً. والتقدير من
يصرف الله عنه هذا العذاب العظيم فى ذلك اليوم فقد شملته رحمة الله، وعلى
كاتا القراء تين فالضمير فى قوله (فقد رحمه) يعود على الله - تعالى -:
هذا، وفى هذه الآيات الخمر نجد القرآن قد أمر النبى - عَ لّم ـ
بقوله ((قل)) خمس مرات وهو أسلوب إنذارى تلقينى كثر استعماله فى
هذه السورة - كما سبق أن قلنا فى التمهيد لها - لأنه يلقن النبى - بتك.
الحجج التى تزلزل كيان المشركين وتأتى على بنيانهم من القواعد .
وفضلا عن ذلك فهو لون من التفنن فى أسلوب الدعوة إلى الله يحتاج إليه
المرشدون والدعاة. لأر التزام أسلوب واحد فى إقامة الحجة على الخصم
يفضى إلى السآمة والملل، ومن هنا فقد لون القرآن أساليبه حتى تناسب
العقول على اختلاف مدار كها وصدق الله إذا يقول (( أنظر كيف نصرف
الآيات لعلهم يفقهون ».
ثم بين - سبحانه - أن نواصى العباد بينيه، وأنه هو المتصرف فى .*
خلقه بما يشاء، لا معقب لحكمة ولا راد لقضائه فقال - تعالى - :

- ٧٠ -
وَإِن يَمْسَسْكَ
اللهُ بِضُرٍّ فَلَ كَاشِفَ لَهُوَ إِلَّا هُوَ وَإِن ◌َّمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ
شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ، وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيُّ
قُلْ أَىُ شَىْءٍ أَكْبُ شَهْدَةٌ قُلِ اللهُ شَِبٌ يَدْنِى وَبَيْنَكُ وَأَوْحِىَ إِلَىَّ
◌َا الْقُرْءَانُ لِأَنْذِرَ ◌ُِهِ، وَمَنْ يَ أَنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ
ءَالِهَةٌ أُخْرَىُّ قُل لَّا أَشْهَدُّ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهُ وَاحِدٌ وَ إِنِّى بَرُِّ
◌ِمَّا تُشْرِكُونَ ﴿ الَّذِينَ ءَ اتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَعْرِ فُونَهُ، كما يَعْرِ فُونَ
أَبْتَءَ هُمُالَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (﴾ وَمَنْ أَظْلِمُ
◌ٍِّ أَفْتَرَ عَلَى اللِّكَذِبَ أَوْ كَذَّبَ بِعَايَتِ؟ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّلُونَ (٣)
المس : أعم من اللمس فى الاستعمال. يقال: مسه السوء والكبر والعذاب
والتعب . أى : أصابه ذلك و زل به .
((والضر: اسم الألم والحزن والخوف وما يفضى إليهما أو إلى أحدهما
15 أن المنفع اسم اللذة والسرور وما يفضى إليها أو إلى أحدهما)، (١).
. والخير: اسم !كل ما كان فيه منفعة أو مصلحة حاضرة أو مستقبله.
والمعنى: إن الناس جميعاً تحت سلطان المه وقدرته، فما يصيبهم من ضر
كمرض وقعب وحزن اقتضته سنة الله فى هذه الحياة، فلا كاشف له إلا هو ،
(١) تفسير الفخر الرازى ج ٤ ص ٠١٨

- ٧١ -
وما يصيبهم من خير كصحة وغنى وقوة وجاه فهو - سبحانه - قادرعلى
حفظه عليهم ، وإبقائه لهم، لأنه على كل شىء قدير .
والخطاب فى الآية يصح أن يكون موجها إلى النبى - صلى الله عليه وسلم -
لتقويته فى دعوة، وتثبيته أمام كيد الأعداء وأذاهم، كما يصح أن يكون
لكل من هو أهل للخطاب .
و قال صاحب المنار: «ومن دقائق بلاغة القرآن المعجزة، أجرى الحقائق
بأوجز العبارات ، وأجمعها لمحاسن الكلام مع مخالفته بعضها فى بادىء الرأى
لما هو الأصل فى التعبير، كالمقابلة هنا بين الضر والخير، وإنما مقابل الضر
النفع ومقابل الخير الشر، فنكتة المقابلة أن الضر من الله ليس شرا فى الحقيقة بل
هو قربية واختبار للعبد يستفيد به من هو أهل للاستفادة أخلاقا وأدباً
وعلماً وخبرة . وقد بدأ بذكر الضر لأن كشفه مقدم على نيل مقابله ، كما أن
صرف العذاب فى الآخرة مقدم على النعيم)، (١):
وقوله: ((وإن يمسمك بخير) جوابه محذوف تقديره: فلار أدله غيره.
وقوله: ((فهو على كل شىء قدير ، تعليل لكل من الجوابين المذكورين
فى الشرطية الأولى والمحذوف فى الثانية .
وفى معنى هذه الآية جاءت آيات أخرى منها قوله - تعالى - :
(( ما يفتح الله الناس من رحمة فلا مسك لها، وما يمسك فلا مرسل له من
بعده وهو العزيز الحكيم، (٢).
وفى الحديث الشريف أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول:
((المهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطى لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد ..
(١) تفسير المنار = ٧ ص ٠٣٣٥
(٢) سورة فاطر: آية ٢.

- ٧٢ -
ثم بين - سبحانه - كمال قدرته، وعظيم سلطانه فقال: وهو القاهر
ق عباده وهو الحكيم الخبير)).
أى أنه - كماقال ابن كثير - («هو الذى خضعت له الرقاب، وذات له.
باه. وعنت له الوجوه، وقهر كل شىء، ودانت له الخلائق، وتواضعته
لممة جلاله وكبريائه الأشياء ، وتضاءلت بين يديه و تحت قهره وحكمه ،.
ثم أمر الله: نبيه - صلى الله عليه وسلم -: فى بيان رائع حكيم،
يسأل المشركين عن أى شىء فى هذا الكون أعظم وأزكى شهادة بحيث
ل شهادته ولا ترد فقال - تعالى -: ((قل أى شىء أكبر شهادة ؟
الله شهید یینی وبینکم ..
روى بعض المفسرين أن أهل مكة قالوا : يا محمد، أرنا من يشهد أنك.
ـول الله، فإنا لا نرى أحدا نصدقه، ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى.
عموا أنه ليس لك عندهم ذكر، فأنزل الله - تعالى - : قل أى شىء أكبر
مادة قل الله شهید بینی وبینکم».
أى: قل يا محمد هؤلاء المشركين الذين يخاصمونك فيما تدعو إليه : أى.
. فى هذا الوجود شهادته أكبر شهادة وأعظمها بحيث تقبلونها عن تسليم
ذعان؟ ثم أمره أن يجيبهم على هذا السؤال بالحقيقة التى لا يمارى فيها عاقل
ـى أن شهادة الله هى أكبر شهادة وأقواها وأز كاها، لأنها شهادة من يستحيل
ه الكذب أو الخطأ، وقد شهد - سبحانه - : بصدقى فما أبلغه عنه فلاذا.
.جنون عن دعوتى ، وتتنكبون الطريق المستقيم؟
وصدرت الآية الكريمة بقل وبصيغة الاستفهام تنبيهاً إلى جلال الشاهد،
لى سلامة دعوى النبى - صلى الله عليه وسلم - لكى يدركوا ما فيها من.
ن وما هم فيه من ضلال .
(١) حاشية الجمل على الجلالين ج ٢ ص ١٣.

- ٧٣ -
وأوثرت كلمة , شىء)) فى قوله - تعالى -: ((قل أى شىء أكبر شهادة)»
لأنها تفيد الشمول والإحاطة والاستقصاء.
قال صاحب الكشاف ما ملخصه: قوله - تعالى -: ((قل أى شىء أكبر
شهادة قل الله شهيد بينى وبينكم، أراد: أى شهيد أكبر شهادة فوضع شيئاً مقام
شهيد ليبالغ فى التعميم، ويحتمل أن يكون تمام الجواب عنه قوله : ((قل اله،
بمعنى: الله أكبر شهادة، ثم ابتدى. «شهيد بينى وبينكم)) أى: هو شهيد
بینی وبینکم . وأن يكون («اله شهيد بينى وبينكم، هوالجواب، لدلالته
على أن الله - تعالى - : (( إذا كان هو الشهيد بينه وبينهم فأكبر شىء شهادة
من هو شهيد له )، (١) .
والمراد بشهادة الله ما جاء فى آياته القرآنية من أنه - سبحانه -: قد
أرسل رسوله محمدا, بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله)).
ثم بين - سبحانه -: أن القرآن هو المعجزة الخالدة للنبى (صلى الله
عليه وسلم) فقال: ((وأوحى إلى هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ)).
أى: أن الله - تعالى -: قد أنزل هذا القرآن عن طريق وحيه الصادق،
لأنذركم به يا أهل مكة، ولأنذر به - أيضاً - جميع من بلغه هذا الكتاب
الكريم ووصلت إليه دعوته من العرب والعجم فى كل زمان ومكان إلى
يوم القيامة .
فهذه الجملة تدل على عموم بعثة النبي (صلى الله عليه وسلم) كما تدل على أن
أحكام القرآن نعم الموجودين وقت نزوله، وتعم - أيضاً - الذين وجدوا
بعد نزوله وباغتهم دعوته. ولم يروا النبى (صلى الله عليه وسلم) ففى الحديثه
=
(١) تغير الكشاف = ٢ ص ١١

- ٧٤ -
الشريف: ((بلغوا عن الله - تعالى - فمن بلغته آية من كتاب الله فقد بلغه
أمر الله)، (١).
وعن محمد بن كعب قال: (( من بلغه القرآن فكأنما رأى النبى ( صلى الله
عليه وسلم) وذلك لأن القرآن الكريم لما كان متواترا بلفظه ومعناه ، كان من
بلغه بعد وفاة النبى (صلى الله عليه وسلم): كانما سمعه منه وإن كثرت
الوسائط، لأنه هو الذى بلغه بلا زيادة ولا نقصان، أما من لم تبلغه دعوة
القرآن فلا يصدق عليه أنه بلغته الدعوة، وحينئذلا يكون مخاطبا بتعاليم هذا
الدين، وإنمه يكون فى أعناق الذين قصروا فى تبليغ دعوة الإسلام إليه.
ثم أمره - سبحانه - أن يستنكر ما عليه المشركون من كفر وإلحاد،
وأن يعلن براءته منهم ومن معبوداتهم فقال - تعالى -: ((أننكم لنشهدون
أن مع الله آلهة أخرى، قل: لا أشهد، قل إنما هو إله واحد وإفى برى.
بما نشركون)).
أى: قل يامحمد لهؤلاء المشركين: إذا كنتم قد الغينم عقولكم . ورديتم
فى مهاوى الشرك والضلال ، وشهدتم بان مع الله آلهة أخرى ، فإنى برى.
منكم ومن أعمالكم القبيحة، ومحال أن أشهد بما شهدتم به ، وإنما الذى أشهد
به واعتقده ، أن الله - تعالى - واحد لا شريك له، وإننى بعيد كل البعد عن
خلالكم وجحودكم .
والاستفهام فى قوله ((أئنكم ... ، إنكارى، جىء به لاستقباح ما وقع
منهم من شرك، وأكد قوله ((لقشهدون)) الإشارة إلى تغلغل الضلال
فى نفوسهم، واستيلاء الجحود على قلوبهم.
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ١٢٦

- ٧٥ -
وعبر عن أوثانهم بأنها « آلهة أخرى، مجاراة لهم فى زعمعم الباطل
ومبالغة فى توبيخهم والتهکم بهم.
وفى أمره - سبحانه - لنبيه ( صلى الله عليه وسلم) بأن يصارحهم بأنه
لا يشهد بشهادتهم «قل: لا أشهد، توبيخ لهم على جهالتهم، وتوجيه لأتباعه
إلى الاقتداء به فى شجاعته أمام الباطل ، وفى ثباته على مبدئه.
وقد تضمن قوله - تعالى: ((قل إنما هو إله واحد .. )، إعقراف كامل
بوحدانية الله، وقصرها عليه - سبحانه -، وتصريح بالبراءة التامة من
الأوثان وعابديها، وتبديد شديد بهذا العمل الباطل .
وبذلك تكون الآية الكريمة قد تضمنت شهادة من الله - تعالى - بأن
رسوله محمد ( صلى الله عليه وسلم) صادق فى رسالته، وشهادة من هذا
الرسول الكريم بأن الله واحد لا شريك له، وأنه برىء من إلحاد الملحدين
وكفر الكافرين .
ثم ساق القرآن شهادة ثالثة بصدق النبى ( صلى الله عليه وسلم) وهى
شهادة أهل الكتاب فقال «الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم
الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون):
قال الجمل فى حاشيته على الجلالين: ((روى أن النبى ( صلى الله عليه
وسلم) لما قدم للمدينة وأسلم عبدالله بن سلام قال له عمر: إن الله أنزل على
نبيه بمكا : ((الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، فكيف هذه
المعرفة ؟ فقال عبد الله بن سلام: باعمر، لقد عرفته حين رأيته كما أعرف
إبنى ، ولأنا أشد معرفة بمحمد منى يابنى !! فقال عمر: كيف ذلك ؟
فقال: أشهد أنه رسول الله حقاً ولا أدرى ما تصنع النساء» (١).
(١) حاشية الجمل : ج٢ ص ١٥

- ٧٦ -
والمعنى: إن علماء أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، يعرفون صدق
ماجاء به محمد (صلى الله عليه وسلم) معرفة تما ثل معرفتهم لأبنائهم الذين م
من أصلابهم، فهى معرفة بلغت حد اليقين وذلك بسبب ما عندهم من الأخبار
والأنباء عن المرسلين المتقدمين ، فإن الرسل كلهم بشروا بوجود محمد
( صلى الله عليه وسلم) ومبعثه وصفته وبلده ومها جره وصفة أمته .
والضمير فى «يعرفونه، يرى أكثر المفسرين أنه يعود على النبى (صلى
الله عليه وسلم) ويؤيد ذلك سبب نزول الآية، ويرى بعضهم أنه يعود على
القرآن لتقدمه فى قوله ((وأوحى إلى هذا القرآن: أو على التوحيد لدلالة
قوله ((قل إنما هو إله واحد)).
والأولى عودة الضمير على جميع ما ذكر ، لأن معرفتهم بما فى كتابهم
يتناول كل ذلك .
ثم بين - سبحانه - علة إنكار المكابرين منهم لما يعرفونه من أمر
نبوته (صلى الله عليه وسلم) فقال: ((الذين خسروا أنفسهم لا يؤمنون)).
قال صاحب الكشاف: ((الذين خسروا أنفسهم من المشركين ومن أهل
الكتاب الجاحدين(،فهم لا يؤمنون)) به (١) جمعوابين أمرين متناقضين فكذبوا
على الله بما لاحجة عليه، وكذبوا بما ثبت بالحجة البينة والبرهان الصحيح.
حيث قالوا: ((لو شاء الله ما أشر كنا ولا آباؤنا، وقالوا (( والله أمرنابها))
وقالوا: «الملائكة بنات الله، ونسبوا إليه تحريم البحائر والسوائب،
وذهبوا فكذبوا القرآن والمعجزات وسموما سحراً ولم يؤمنوا بالرسول
( صلى الله عليه وسلم).
1
وهذه الآية الكريمة من الآيات التى قيل أنها مدنية، والصحيح أنها
مكية ، ويشهد لذلك سبب النزول الذى مقناه من عمر - رضى الله عنه -
فقد قال لعبد الله بن سلام: (( إن الله أنزل على نبيه بمكة .... الخ.
(١) تفسير الكفاف = ٢ ص ١٢

- ٧٧ -
ويؤكد كونها مكية - أيضا - سياق الآبات قبلها، فالآية التى قبلها
وهى قوله - تعالى -: ((قل أى شىء أكبر شهادة .. الخ، فيها شهادة من
الله لنبيه (صلى الله عليه وسلم) بأنه صادق فيما يبلغه عن ربه، والآية التى
معنا فيها شهادة من أهل الكتاب بأنهم يعرفون صدق - (صلى الله عليه وسلم)
كما يعرفون أبناءهم، ومن المعروف أن أهل مكة كانوا يسألون أهل الكتاب
عن النبى (صلى الله عليه وسلم) وفضلا عن ذلك لم يرد أمن صحيح يثبت
أن هذه الآية الكريمة قد نزلت بالمدينة .
قال بعض العلماء: ويظهر أنهم - أى القائلون بأن الآية مدنية - لما
وجدوا الحديث فى هذه الآية عن أهل الكتاب ، ووجدوا أن هذه الآية
نظيرة لآية أخرى مدنية تبدأ بما بدأت به، وهى قوله - تعالى - : فى سورة
البقرة ((الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقاً منهم
يكتمون الحق وهم يعلمون) الآية ١٤٦، ومن المعروف أن صلة الإسلام
بأهل الكتاب إنما كانت بعد الهجرة وفى المدينة دون مكة ، لما وجدوا هذا
قرروا أن الآية مدنية ، فالمسألة ليست إلا اجتماداً حسب رواية مسندة،
وهو اجتهاد غير صحيح (١) .
ولما كان هذا الخسران أكبر ظلم ظلم به هؤلاء الكفار أنفسهم فقد
قال - تعالى - فى شأنهم: ((ومن أظلم من افترى على الله كذبا أو كذب
بآياته، إنه لا يفلح الظالمون » .
أى: لا أحد أشد ظلماً من أولئك المشركين الذين كذبوا بالله وملائكته
وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وإن هؤلاء الذين سقطوا فى أقصى دركات
الكذب لن بفوزوا ولن يفلحوا، والاستفهام فى الآية الكريمة إنكارى
فانفى، وفيه تويخ للمشركين .
(١) سورة الأنعام والأهداف الأولى للإسلام ص. لفضيلة الأستاذ
محمد المدنى.

- ٧٨ -
ثم بين - سبحانه - بعض أحوالهم عند ما يحشرون يوم القيامة ،
قال _ تعالى _ :
بَوْمَ تَحْتُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَثْرَ كُوَاْ أَيْنَ شُرَّكَا ؤُكُمُ الَّذِينَ
مُمْتَْعُونَ ( ثُمَّمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْإِلَّ أَنْ قَالُواْ وَالهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا
◌ِ كِينَ ◌َ أَنْظُرْ كَيْفَ كَّبُواْ عَلَ أَنْفُسِمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ
يَرُونَ () وَمِنْهُم مَّنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً
يَفْقُهُوُ وَفِّ ءَ اذَاتِهِمْ وَقْرَّأَ وَ إِن يَوْ كُلّ ءَايَةٍ لَّا يُؤْمِنُواْ بَأْ خَّ
١ جَاءُوَ يُجَدِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْإِنْ هَذَآ إِلَّ أَسَتِطِيرُ
أَوَّلِينَ (*) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْعَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّ
نُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (
٢٦
الحشر: الجمع، والمراد به جمعهم يوم القيامة لحسابهم على أعمالهم الدنيوية
والمعنى : وأذكر لهم أيها الرسول الكريم - ليعتبرو! ويتعظوا - حالهم
بوم نجمعهم جميعاً فى الآخرة لنحاسبهم على أقوالهم وأفعالهم ، ثم نسألهم
سؤال إفضاح لا إيضاح - كا يقول القرطبى -: أين شركاؤكم الذين كنتم؟ ..
نزعمون أنهم شفعاء لكى يدافعوا عنكم فى هذا اليوم العصيب.
و «يوم، منصوب على الظرفية بفعل مضمر بعده أى: ويوم نحشر مكان
كذا وكذا، وحذف هذا الفعل من الكلام ليبق على الإبهام الذى هو أدخل
فى التخويف والتهويل ، وقيل إنه منصوب على أنه مفعول به بفعل محذوف

- ٧٩ -
قبله والتقدير، وأذكر يوم نحشرهم، أى: اذكرهذا اليوم من حيث ما يقع
فيه، والضمير فى «تحشرهم، للذين افتروا على الله كذبا، أو كذبوا بآياته.
وفائدة كلمة « جميعاً، رفع احتمال التخصيص، أى: أن جميع المشركين
ومعبوداتهم سيحشرون أمام الله للحساب .
وكان العطف بثم لتعدد الوقائع قبل هذا الخطاب الموجه للمشركين، إذ
قبل ذلك سيكون قيامهم من قبورهم ، ويكون هول الموقف ، ويكون إحصاء
الأعمال وقراءة كل امرىء لكتابه .. الخ، ثم يقول الله - تعالى - لاذين
أشركوا: أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ؟
ووبخهم - سبحانه - بقوله: ( أين شركاؤكم .. ) مع أنهم محشورون
معهم ، لأنهم لا نفع یرجی من وجودهم معهم، فلما كانوا كذلك نزلوا منزلة
الغائب (كما تقول لمن جعل أحداً ظهيراً بعينه فى الشدائد إذا لم يعنه وقد وقع
فى ورطة بحضرته أين فلان؟ فتجعله لعدم نفعه - وأن كان حاضراً
كالغائب)(١).
ثم أخبر - سبحانه - عما يكون منهم من تخبط وحسرة فقال :
« ثم لم تكن فتقتهم إلا أن قالوا: والله ربنا ماكنا مشركين))
الفتنة مأخوذة من الفتن ، وهو إدخال الذهب فى النار لتعرف جودته
من رداءته، ثم استعمل فى معان أخرى كالاختبار، والعذاب ، والبلاء،
والكفر ...
والمعنى : ثم لم تكن عاقبة كفرهم حين اختبروا بهذا السؤال ورأوا
الحقائق، وارتعفت الدعاوى إلا أن قالوا مؤكدين ماقالوا بالقسم الكاذب
والله ياربنا ما كنا مشركين . ظنا منهم أن تبرأهم من الشرك فى الآخرة
ينجيهم من عذاب الله كمانجا المؤمنين بفضله ورضوانه.
قال ابن عباس: يغفر الله - تعالى - لأهل الإخلاص ذنوبهم ، ولا
(١) تفسير الألوسى ج ٣ ص ٠١٢١

- ٨٠ -
يتعاظم عليه ذنب أن يغفره ، فإذا رأى المشركون ذلك قالوا: إن رنا يغفر
الذنوب ولا يغفر الشرك، فتعالوا نقول: إنا كنا أهل ذنوب ولم نكن
مشركين. فقال الله - تعالى -: أما إذ كتموا الشرك فاختموا على أفواههم،
فتنطق أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون، فعندئذ يعرف المشركون
أن الله لا يكتم حديثاً، فذلك قوله: «يومئذ يود الذين كفروا وعصوا
الرسول لو قسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثاً (١) ..
ثم قال - تعالى - ( أنظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم
ما كانوا يفترون ) .
والمراد بالنظر هنا : التدبر والتفكير .
والمعنى: أنظر - أيها العاقل - وتأمل كيف كذب هؤلاء المشركون
على أنفسهم فى قولهم والله ربنا ما كنا مشركين ، وغاب عن عملهم ما كانوا
يفترونه فى الدنيا من الأقوال الباطلة، وما كانوا يفعلونه من جعلهم الله شركاء.
قال صاحب الكشاف : فإن قلت: كيف يصح أن يكذبوا حين يطلعون
على حقائق الأمور مع أن الكذب والجحود لاوجه لمنفعته؟ قلت: الممتحن
ينطق بما ينفعه وبما لا ينفعه من غير تمييز بينهما حيرة ودهشاً: ألا تراهم
يقولون ( ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون) وقد أيقنوا بالخلود ولم
يشكوا فيه ( ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك ) وقد علموا أنه لا يقضى
عليهم » (٢) .
وبعد أن بين - سبحانه - أحوال الكفار فى الآخرة اتبعه بما يوجب
اليأس من إيمان بعضهم فقال: ((ومنهم من يستمع إليك، وجعلنا على قلوبهم
أكنة أن يفقهوه وفى آذانهم وقرأ ... )).
(١) تفسير القرطبى ج ٦ ص ٤٠١ (٢) تفسير الكشاف ج٢ص١٣