النص المفهرس

صفحات 21-40

- ٢١ -
باراته . وأن حركاتهم وسكناتهم مردها إليه، وأنهم فى ساعة الشدة
والكرب لا يلوذون إلا بحماء.
قدير كتاب الله وهو يحكى كل ذلك بطريقته المقنعة العقل والعاطفة
فيقول :
« وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو، ويعلم ما فى البر
والبحر ، وما أسقط من ورقة إلا يعلمها ، ولا حبة فى ظلمات
الأرض ولا رطب ولا يا بس إلا فى كتاب مبين . وهو الذى
يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى
أجل مسمى ، ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون.
وهو القاهر فوق عباده، ويرسل عليكم حفظة، حتى إذا جاء
أحدكم الموت قوفته رسلنا وهم لا يفرطون. ثم ردوا إلى الله
مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين . قل من ينجيكم
من ظلمات البر والبحر تدعونه تدرعاً وخفية ، لمن أنجانا من هذه
لنكونن من الشاكرين. قل الله بنجيكم منها ومن كل كرب ثم أتم
قشركون . قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من
تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعاً ويفيق بعضكم بأس بعض، أنظر كيف
نصرف الآيات لعلهم يفقهون ،.
وبعد هذا البيان الذى تعددت مظاهر عظاته وعبره، وتنوعت ألوان
هداياته وإرشاداته اتجه القرآن بالخطاب إلى النبى - صلى الله عليه وسلم -
ليقول له مسلمياً ومثبتاً: إنقومك قد كذبوكمع أن ما معك هو الحق المبينة لى لهم:

- ٢٢ -
(( لست عليكم بو كيله لمكل فيا مستقر وسوف تعلمون)) .:
ثم يأمره ويأمر كل من بتأتى له الخطاب بالإعراض عن الجاهلين الذين
يخوضون فى آيات الله بغير علم فيقول :
((وإذا رأيت الذين يخوضون فى آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا
فى حديث غيره ، وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع
القوم الظالمين . وما على الذين يتقون من حسابهم من شىء ولكن ذكرى
لعلهم يتقون )).
ثم تبدأ الدورة فى الربيع الخامس منها جولة جديدة لتثبات العقيدة السليمة
فتلك طريق القصة، وتتخذ من إبراهيم أبى الأنبياء نموذجالاستقامة الفطرة.
وسلامة التفكير وحسن الإدراك ويقظة العقل، فقد رأى إبراهيم - عليه
السلام - بفطرته النقية أن الأصنام لا يعقل أن تكون آلهة . وخاطب
أباه وقومه بذلك، واعتبرهم بهذا الإشراك فى ضلال مبين، ثم اتجه إلى التعرف
على الإله الحق فتخيله فى كوكب، ولكنه حين أفل وزال قال: ((لا أحب
الآفلين ، لأن الإله الحق لا يغيب ولا يزول. ثم ظن الألوهية فى ذلك القمر
الذى ينسكب أوره فى الوجود فيضىء الليل البهيم، ولكنه رأى القمر
- أيضاً - يأفل ويغيب فأعرض عن اتخاذه إلها والتمس من الإله الحق أن
يهديه إلى الصراط المستقيم .
فلما أصبح الصباح ورأى الشمس وقد أشرقت وعم ضوؤها الآفاق قال:
((هذا ربى)) لأنها أكبر مصادر الضوء، فلما غابت الشمس أدرك بفطرته
السليمة أن الإله لا يغيب ولا يكون شيئا محسوسا، فقرر البراءة من الشرك،

- ٢٢ -
واتجه إلى الخالق الحق الذى قدل آثاره على وجوده وعلى مخالفه الشراء.
فقال: «إنى وجهت وجهى الذى فطر السموات والأرض حنيفا وما أنامن
المشركين)). ثم أخذ بعد ذلك يجادل قومه ويرشدهم إلى الصراط المستقيم.
ويقيم لهم الأدلة على بطلان معتقداتهم .
تأمل معى - أيها القارىء الكريم - تلك الآيات الكريمة التى تحكى
كل هذه المعانى بأسلوبها البديع فتقول :
« وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أنتخذ أصتاماً آلهة، إنى أراك
وقومك فى ضلال مبين . وكذلك زى إبراهيم ملكوت السموات
والأرض وليكون من الموقنين . فلما جن عليه الليل وأى كوكياً
قال هذا ربى، فلما أفل قال لا أحب الآفلين. فلما رأى القمر بازغاً
قال هذا ربى ، فلما أفل قال لئن لم يهدنى ربى لأكونن من القوم
الضالين ، فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربى هذا أكبر، فلما أفظت
قال يا قوم إنى برى- مما تشركون . إنى وجهت وجهى الذى فطر السموات
والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين ،.
ثم مضت السورة الكريمة فى الحديث عن رسل الله الذين آ ناهم الله
الحجة على أقوامهم ، وختمت الحديث عنهم بالثناء عليهم ووجوب
الاقتداء بهم فى هديهم وسلوكهم .
أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة ، فإن يكفر.
بها هولاء فقد وكلنا بها قوماً ليوا بها ب كافرين. أولئك الذين.

- ٢٤ -
دى أة فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجراً إن هو إلا ذكرى.
المالمين».
وبعد هذا القصص المذكر، والتوجيه المنبه، والتدليل الواضح على
وحدانية أنه وقدرته ساقت لنا السورة فى الربع السادس منها حشوداًممنوعة.
من مظاهر قدرة الله ومن نعمه التى لا تحصى على عباده. إنها هنا توقفنا أمام.
هذا الكون الرائع البديع لتقول لنا: انظروا ماذا فى السموات والأرض،
ثم اتجهوا بالعبادة والخضوع إلى الله رب العالمين، فهو الذى فلق الحب فكان ..
منه النبات، وفلق القوى فكان منه الشجر، وهو الذى يخرج الحي من الميت
ويخرج الميت من الحى، وهو الذى يأتيكم بالضياء بعد الليل المظلم لكى تبتغوا.
من فضله، ويأتيكم بالليل بعد النهار لكى نسكنوا فيه بعد طول الكدح.
والعناد، وهو الذى يسير الشمس والقمر بتقدير دقيق وحساب لا يتخلف،.
وهو الذى زين السماء بالنجوم لتهتدوا بها فى طيات ال ـ والبحر، وهو الذى
أوجدكم جميعا من نفس واحدة لها مستقر فى أصلاب الرجال ومستودع فى.
أرحام النساء، وهو الذى أنزل من السماء ماء فأخرج به نبات كل شىء ..
لأن الا قوام الحياة .
إستمع إلى القرآن وهو يحكى كل هذه النعم الدالة على قدرة الله ..
وفض فيقول :
( إن الله فالق الحب والنوى، يخرج الحي من الميت، ومخرج.
الميت من الحى، ذلكم الله فأنى توفكون . فالق الإصباح وجعل
القيل سكناً والشمس والقمر حسباناً، ذلك تقدير العزيز العليم.
وهى الذى جعل لكم النجوم لتهتدوا بها فى ظلمات البر والبحر
قـ فصلنا الآيات لقوم يعلمون. وهو الذى أنشأكم من نفس.

- ٢٥ -
واحدة فمستقر ومستودع قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون . وهو الذى ..
أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شىء فأخرجنا منه خضرً
فخرج منه حباً متراكباً ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من.
أعناب والزيتون والرمان مدتبهاً وغير متشابه، أنظروا إلى ثمره إذا أثمر
وپنعه ، إن فى ذلكم لآيات لقوم يؤمنون)).
وبعد أن ساق القرآن كل هذه النعم التى أسبغها الله على الناس ، والتى.
من شأنها أن تجعلهم يخصونه بالعيادة والاستعانة ، بعد كل ذلك صرح
بأنه - مع كل هذه النعم - أضحى الكثيرون من خلقه يشركون معه آلهة
أخرى، ويزعمون أن له بدين وبنات ..
ولقد رد القرآن على هؤلاء الجاحدين بالحجة المبالغة التى قدمغ باطلهم
و تخرس ألسنتهم ، وتهزہ الخالق - عز وجل ـ عما قالوه وافتروہ بغير
علم فقال :
((وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير
علم، سبحانه وتعالى عما يصفون « بديع السموات والأرض أنى
يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شىء وهو بكل شىء
عليم. ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شىء فاعبدوه
وهو على كل شىء وكيل . لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار.
وهو اللطيف الخبير ».
ثم تتابع فى الربع السادس منها حديثها عن المسكابرين الذين لم يكتفوا
بالقرآن معجزة النبى - صلى الله عليه وسلم - ، بل طلبوا منه - على سبيل.

- ٢٦ -
التعنت - معجزات أخرى حسية، فتحكى السورة أقوالهم وترد عليهم بها
يفضح أكاذيبهم، لأنهم لمنادهم وجحودهم لو أن الله - تعالى - أجاب
لحم مطالبهم ما كانوا ليؤمنوا، إذهم لا تنقصهم الآيات الدالة على صدق النبى
- صلى الله عليه وسلم - وإنما الذى ينقصهم هو القلب المنفتح الحق،
والنفس المتقبلة الهداية .
قال تعالى: ((وأقسموا بالله جهد أيمانهم لتن جاءتهم آية
ليؤمنن بها ، قل إنما الآيات عند الله، وما يشعركم أنها إذا جاءت
لا يؤمنون . ونقلب أفتدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة
ونذرهم فى طغيانهم يعمهون. ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكامهم
الموقى وحشرنا عليهم كل شىء قبلا ما كافوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله
ولكن أكثرهم يجهلون)) .
ثم تستطرد السورة الكريمة فتحكى بعض رذائل المشركين فى مآ كلهم
وذباتحهم، وتنهى المؤمنين عن الأكل من الذبائح التى لم يذكر اسم الله
عليها إلا فى حالة الاضطرار ، ثم تغرس فيهم خلق الحياء من الله فتأمرهم أن
يتركوا الفواحش ماظهر منها وما بطن، ثم تبين لهم أن المشركين سيثيرون
الشكوك والشبهات حول عقيدتهم فعليهم أن يهملوا مجادلاتهم وأن يتركوهم
فى طغيانهم يعممون :
قال تعالى: (,فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته
مؤمنين . وما لكم ألا تأكاوا ما ذكر اسم الله عليه وقد فصل
لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطرر تم إليه ، وإن كثيراً لبعضلون
بأهوائهم بغير علم، إن ربك هو أعلم بالهندين . وذروا ظاهر الإثم

- ٢٧ -
وباطنه، إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون. ولا تأكلو)
عما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق، وإن الشياطين ليوحون إلى أولياتهم
ليجادلوكم، وإن أطعتموهم إنكم لمشر كون)).
ثم تضرب السورة الأمثال الكفر والإيمان ، فتشبه الكفر بالموت وتشبه
الإيمان بالحياة ، فكما أنه لا يتساوى الميت مع الحى، فكذلك لا يتساوى
الضال الذى هو كالميت مع المؤمن الذى يحيا حياة طيبة وله فور عشى به فى
الناس ، ثم تبين أنه من دأب الجاحدين والحاقدين محاربة الحق، وأنه ليس
بغريب أن يحارب زعماء قريش الدعوة الإسلامية لأنهم يحسدون صاحبها
على ما آتاه الله من فضله، ويطلبون أن تكون النبوة فيهم مع أن النبوة هبة
من الله يهبها لمن يشاء من عباده، وأنهم بسبب هذا الحقد سيصيبهم عذاب .
شديد من الله - عزوجل - .
قال تعالى: ((أو من كان ميتاً فأحييناء وجعلنا له فوراً يمشى به
فى الناس كممن مثله فى الظلمات ليس بخارج منها ، كذلك زين
للكافرين ما كانوا يعملون. وكذلك جعلنا فى كل قوية أكابر
مجرميها ليمكروا فيها ، وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون
وإذا جاءتهم آية قالوا أن نؤمن حتى فؤتى مثل ما أوتى رسل
الله. الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار
عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون . فمن يرد الله أن بهديه
يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً.
حرجاً كأنما يصمد فى السماء، كذلك يجعل الله الرجس على الذين

- ٢٨ -
لا يؤمنون . وهذا صراط ربك مستقيماً قد فصلنا الآيات لقوم
یذ کرون» .
فإذا ما وصلنا إلى الربع الثامن من سورة الأنعام، رأيناما تعرض مشهداً
من مشاهد يوم القيامة، تعرض مشهد الحشر الجن والإنس وهم يتناقشون
ويتلاومون ويتحسرون، ولكن ذلك أن يفيدهم لأنهم قد وسوس بعضهم.
إلى بعضر زخارف من الأباطيل والأ كاذيب. تعرض مشهدهم عندما يقفون
أمام ربهم فيسألهم: (( ألمتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتى وينذرونكم
لقاء يومكم هذا،؟ وهنا لا يملكون، إلا الشهادة على أنفسهم بأن الرسل.
الكرام قد بشروهم وأنذروهم، ولكن الشيطان هو الذى استحوذعليهم.
فجعلهم يستحبون العمى على الهدى .
استمع إلى القرآن الكريم وهو يصور هذا المشهد بأسلوبه
الرائع فيقول :
« ويوم يحشرهم جميعاً يا معشر الجن قد استكثر تم من
الإنس ، وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض
وبلغنا أجلنا الذى أجلت أنما قال النار مثواكم خالدين فيها
إلا ما شاء الله، إن ربك حكيم عليم. وكذلك نولى بعض الظالمين
بعضاً بما كانوا يكسبون . يامعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم
يقصون عليكم آياتى وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا
على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا
کافر ین ».
١

- ١٩ -
ومع أن السورة الكريمة قد تعرضت - فيما سبق منها - بصورة موجزة
ثلاً باطيل التى كان يتبعها المشركون فى ذباتهم وما كلهم ومشاربهم، إلا أنها
هنا - فى أواخر الربع الثامن وفى معظم الربع التاسع - قد أفاضت القول
فى استعراض رذائل المشركين التى تتعلق بنذورهم ومطاعمهم وذباتهم
- وما أحلوه وماحرموه، وذلك لأن السورة الكريمة تريد أن تنقى العقيدة
الإسلامية من كل ما كان سائداً فى الجاهلية من معتقدات باطلة ، وأفعال
قبيحة ، وتقاليد وثنية موروثة ، وعادات جاهلية مرذولة، فتحدثت عن
أو هامهم التى منها أنهم جعلوا فقه مما خلق نصهاً وجعلو الآلهتهم نصيباًآخر لم هم
بعد ذلك لا يعدلون فى قسمتهم مع بطلانها، بل قارة يأخذون من نصيب أنه
الذى هو الفقراء فيجعلونه اسدنة أصنامهم وخدامها . ومنها أن بعضهم
كانوا يقتلون أولادهم صفها بغير علم لأن الشياطين زينت لهم ذلك . ومنها
أنهم شرعوا لأنفسهم أحكاما ما أنزل الله بها من سلطان ..
ولقد حكى القرآن بعض هذه الرذائل التى كانت متفشية فيهم ، ووجهم
عليها ونهى المؤمنين عن سلوك مسلكهم فقال :
((وجعلوا له مما ذراً من الحرث والأنعام نصيباً فقالوا هذا ته
بزعمهم وهذا لشركائنا، فما كان لشركاتهم فلا يصل إلى الله، وما كان
الله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون . وكذلك زين لكثير من
المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ،
ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون)).
ثم قال: ((قد خسر الذين قتلوا أولادهم} سفها بغير علم وحرموا ما
رزقهم الله افقراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين)).
ثم انتقلت السورة بعد ذلك - فى الربع التاسع منها - إلى الحديث عن

- ٢٠ -
الطبيبات التى أحلها لقه لعباده فى مأكهم ومشربهم، فذكرت ألوانا من النعم.
التى خلقها الله وأنشأها لعباده، فقد أقدأ - سبحانه - الجدات المعروشات
أى المرفوعات على ما يحملها كالأعتاب وما يشبهها، وأنشأ الجنات غير
المعروشات كالمر تقال وغيره، كما أنشأ الزروع والأشجار المختلفة الأنواع
والثمار ... وذلك كله لكى يقبل الناس على عبادة خالقهم، وشكروه
على نعمه التى لا تحصى .
قال تعالى: ((وهو الذى أنشأ جنات معروشات وغير معروشات
والنخل والزرع مختلفاً أكله والزيتون والرمان متشابهاً وغير متشابه،
كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب
المسرفين » .
ثم أخذت السورة تناقش المشركين فيما أحلوه وحرموه من الأنعام.
بأسلوب منطقى رمين، يقيم عليهم الحجة ، ويكشف عن سخافة تفكيرهم
وتفاهة عقولهم، وأتباعهم خطوات الشيطان فى تحريم بعضها وتحليل البعض
الآخر، فهذه الأنعام ثمانية أزواج، من الضأن اثنان، ومن المعز اثنان،
ومن الإبل اثنان ، ومن البقر اثنان ، فماذا حرم المشركون على أنفسهم.
بعضها دون بعض؟ إن كان التحريم للأنوثة فعليهم أن يحرموا جميع الإناث،
وإن كان النوعين فعليهم أن يحرموها ، إذاً فتحريمهم لبعض الذكور دون
بعص بدل على ضلال فى التفكير، وجهالة فى الأحكام ، وافتراء على الله
بغير علم .
استمع إلى القرآن وهو مكى أوهامهم ثم يرد عليها بما يدمغها فيقول:
« ثمانيه أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين، قل آلذكرين
حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين ، فبئونى بعلم

- ٣١ -.
إن كنتم صادقين. ومن الإبل اثنين، ومن البقر اثنين قل الذكرين.
حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهداء
إذ وصاكم الله بهذا، فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ليضل الناس غير علم،
إن الله لا يهدي القوم الظالمين،،
ثم صرحت السورة الكريمة أن ماحرمه الله على اليهود من المطاعم كان
بسبب بغيهم، وقساوة قلوبهم ، وأنهم وأمثالهم - الذين يتنصلون من قبعة
الضلال وبحيلونها على مشيته الله - كاذبون فيما يزعمون، وأنهم يهر فون بما
لا يعرفون، وإلا فأين دليلهم على هذا التنصل؟ وأين حجتهم على أن الله
قد حرم هذا وأحل هذا؟
لقد حكى القرآن مزاعمهم ثم فندها بالبرادين الدامغة، والحجة
البالغة فقال :
« وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذى ظفر، ومن البقر والغنم
حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختاط
بعظم ، ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون . فإن كذبوك فقل
ربكم ذو رحمة واسعة ، ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين . سيقول
الذين أشر كوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شىء،
كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم
من علم فتخرجوه لنا ، إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون .
قل فله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين . قل علم شهداءكم الذين
يشهدون أن الله حرم هذا، فإن شهدوا فلا تشهد معهم، ولا تتبع

- ٢٢ -
.أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بر٣٠م
: يعدلون».
فإذا ما انتهينا إلى الربع العاشر - والأخير - من سورة الأنعام رأيناها
تخاطب أولئك الذين أحلوا لأنفسهم ما حرمه الله وحرموا عليها مالم يأذن به
فتقول لهم ولغيرهم ((تعالو أقل ما حرم ربكم عليكم)) ثم تسوق عشر
وصايا رسمت للإنسان طريق علاقته بربه، ووضعت الأساس المكين الذى
يبنى عليه صرح الأسرة الفاضلة التى منها تتكون الأمة القوية الناجحة فى
الحياة، وأوصدت منافذ الشرور والآثام التى تصيب المسلم فى نفسه أو ماله
أو عرضه ثم ذكرت أهم المبادئ التى تسمو بالمحافظة عليها الحياة الاجتماعية
الكريمة، وختمت هذه الوصا بايبيان أنها هى الصراط المستقيم الذى يجب
.على كل إنسان أن يتبع هداه حتى لا يزل أو يضل .
استمع إلى القرآن وهو يسوق هذه الوصايا الحكيمة فيقول :
(( قل تعالوا أقل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً
وبالوالدين إحساناً، ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم
وإياهم ، ولا تقربوا الفواحش ما ظهر ومنها وما بطن ، ولا تقتلوا
النفس التى حرم الله إلا بالحق ، ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون .
ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن حتى يبلغ أشده، وأوفوا
الكيل والميزان بالقسط، لا نكلف نفساً إلا وسعها، وإذا قلتم
فاعدلوا ولو كان ذا قربى، وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم
قذ كرون . وأن هذا صراط مستقيماً فانبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم
-عن سبيله، ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون)).

- ٣٣ -
وبعد أن ساقت السورة الكريمة هذه الوصايا الحكيمة اتجهت فى ختاما
! إلى دعوة الناس للعمل بكتاب الله الذى أنزله ليكون هداية ورحمة لهم»
وأنذرت الذين يعرضون عن هديه الحكيم بسوء العذاب، وحثتكل عاقل
على المبادرة إلى الإيمان بالله من قبل أن يأتى يوم لا ينفع فيه الإيمان، ولا تتفع
-خيه الأعمال، لأنه يوم جزاء وحساب، وأمرت فى ختامها كل مسلم بأن
خاص عمله لله، وأن يحمده على هدايته إياه إلى طريق الحقو الرشاد، وبيقت
. منزلة الإنسان فى هذا الوجود وحضته على أن يكون بقوله وعمله أهلا لهذه
المنزلة السامية حتى ينال رضا اله .
وقد ساقت السورة فى ختامها كل هذه المعانى بأسلوب ساحر ينابه
الألباب، ويرقق القلوب، ويصفى النفوس، ويشيع فى وجدان المؤمن
الأنس والبهجة والخوف والرجاء .
قال تعالى:( من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة
- فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون . قل إنى هدانى ربى إلى صراط
مستقيم ، ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين. قل إن
صلاتي ونسكي ومحياى ومماتي لله رب العالمين. لا شريك له وبذلك
أمرت وأنا أول المسدين . قل أغير الله أبغى ربا وهو رب كل
شىء ولا تكسب كل نفس إلا عليها، ولا تزر وازرة وزر أخرى، ثم إلى
ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون . وهو الذى جملكم
خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيماآتاكم،
. إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم)).
هذه هى أهم المقاصد التى اشتملت عليها سورة الأنعام ، ومنها نستخلص
أن الأغراض الرئيسية التى استهدفتها السورة الكريمة تركز فيما يلى:
(٣ - سورة الأنعام)

- ٣٤ -
٨
٠ ٨٠ - إقامة الأدلة على وحدانية الله وقدرته، وأنه سبحانه - هو المستحقم
العبادة والخضوع، وأن شريعته وحدها هى التى يجب أن تكون مرجعنا.
فى كل ما يتعلق بعبادتنا ومعاملاتنا وسائر شؤوننا.
٣ - إقامة الأدلة على صدق النبى صلى الله عليه وسلم - فى دعوته، مع
بيان وظيفته وتسليته عما يلاقيه من أعدائه.
٢ - إقامة الأدلة على أن يوم القيامة حق، وعلى أن الناس سيحاسبون.
فيه على أعمالهم، إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
٤ - تفنيد الشبهات التى أثارها المشركون حول هذه الأمور الثلاثة
السابقة بأسلوب يقنع العقول، ويهدى القلوب، ويرضى العواطف، ويحمل.
العقلاء على المسارعة إلى الدخول فى هذا الدين عن طواعية واختيار ..
٢ - من فضائل سورة الأنعام ومزاياها :
تكاثرت الروايات فى بيان فضائل سورة الأنعام وأنها قد نزلت مشيعة
بالملأ العظيم من الملائكة ، كما تكام العلماء عن المميزات التى تميزت بها هذه.
السورة فى عرضها الحقائق التى اشتملت عليها .
وفى ذلك يقول الإمام الرازى: هذه السورة اختصت بنوعين من الفضيلة،.
أحدهما أنها نزلت دفعة واحدة ، والثانى: أنها شيعها سبعون ألفا من
الملائكة ، والسبب فى ذلك أنها مشتملة على دلائل التوحيد والعدل والنبوة
والمعادو إبطال مذاهب المبطلين والملحدين)، (١).
ويقول الإمام القرطبى: (هذه السورة أصل فى محاجة المشركين وغيرهم.
من المبتدعين، ومن كذب بالبعث والنشور، وهذا يقتضى إنز الها جملة واحدة ،
(١) تفسير الفخر الرازى ج ٤ ص ٢ المطبعة الشرفية سنة ١٢٢٤ ه.

- ٣٥ -
. لأنها فى معنى واحد من الحجة وإن تصرف ذلكوجوه كثيرة ، وعليها نمى
المتكلمون أصول الدين (١) .. ).
ويقول فضيلة الأستاذ الشيخ محمود شلتوت :
ويجدر بنا أن نلفت النظر إلى أن سورة الأنعام قد عرضت ما عرضته
فى أسلوبين بارزين لا نكاد نجدهما بتلك الكثرة فى غيرها من السورة :
أما الأسلوب الأول فهو أسلوب التقرير، فهى تورد الأدلة المتعلقة
بتوحيد الله وتفرده بالملك والتصرف، والقدرة والقهر، فى صورة الشأن
المسلم الذى لا يقبل الإنكار أو الجدل، وتضع لذلك ضمائر الغائب عن الحس،
الحاضر فى القلب، وتجرى عليه أفعاله وآثار قدرته ونعمته البارزة للعيان،
والتى لا يمارى قلب سليم فى أنه مصدرها ومفيضها وصاحب الشأن فيها :
(هو الذى خلقكم من طين ثم قضى أجلا ، وأجل مسمى عنده ثم أنتم
تقرون ) .
( وهو الله فى السموات وفى الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون)
( وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير).
( وهو الذى يتوفاكم بالليل ويعلم ماجر جتم بالنهار ).
(وهو الذى أنشأ كم من نفس واحدة فمستقر ومستودع ... ألخ)
هذا هو أحد الأسلوبين .
أما الأسلوب الثانى فهو أسلوب تلقين الحجة، والأمر بقذفها فى وجه
الخصم حتى تأخذ عليه سمه، وتملك عليه قلبه، وتحيط به من جميع جوانبه
فلا يستطيع التفلت منها ، ولا يجد بدا من الاستسلام لها .
(١) تفسير القرطبى ج ٦ ص٢٨٢. طبعة دار الكاتب العربى سنة ١٩٦٧م

- ٣١ -
ففى حجج التوحيد والقدرة يقول: ( قل لمن ما فى السموات والأرض؟
قل لله، كتب على نفسه الرحمة ).
( قل أغير أنه أتخذ وليا فاطر السموات والأرض وهو يطعم ولا يطعم؟
قل إنى أمرت أن أكون أول من أسلم).
(قل إنى أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم).
( قل أغير الله أبغی ربا وهو رب كل شىء).
وفى حجج الوحى وبيان مهمة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأن
الرسالة لاتنافى البشرية وفى إيمان الرسول بدعوقة واعتماده فيها على الله،
وعدم أكترانه بهم، أن انتظار الآجر منهم بقول .
( قل أى شى. أكبر شهادة؟ قل الله شهيد بينى وبينكم).
(قر لا أقول لكم عندى خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم
إنى ملك ... ).
( قل إن صلاقى ونسكي ومحياى وماتي لله رب العالمين ).
وفى وعيدهم على التكذيب يقول : (قل سيروا فى الأرض ثم أنظروا
كيف كان عاقبة المكذبين ... ) .
هذان الأسلوبان: ( هو كذا) و (قل كذا) قد تناوبا معظم ماتضمنته
هذه السورة من الحجج وقضايا التبليغ، وهما وإن جاءا فى غيرها من سور
القرآن إلا أنهما وخاصة الأسلوب الثانى وهو أسلوب (قل كذا ) لميوجد فى
غيرها بهذه الكثرة التى نراها فى هذه السورة ، وهما بعد ذلك: أسلوبان من
أساليب الحجة القوية التى تدل على قوة المعارضين وإصرافهم فى المعارضة ،
وأنهم بحالة تستوجب تلك الشدة التى تستخرج الحق من نفوسهم ..
ويدل الأسلوبان من جهة أخرى على أنهما صدراً فى موقف واحد ،
وفى مقصد واحد ، لخصم واحد بلغ من الشدة والعقو مبلغاً استدعى من القـه.

- ٣٧ -
القاهر تزويد المهاجم بعدة قوية تتضافر أسلحتها فى حملة شديدة يقذف بها
فى معسكر الأعداء فتزلزل عمده، وتمد من بنيانه فيخضع للتسليم باحق
الذى يدعى إليه .،
ومن هنا كانت سورة الأنعام بين السور المكية، ذات شأن كبير فى تركيز
الدعوة الإسلامية، تقرر حقائقها، وتفندشبه المعارضين لها، واقتضت لذلك
الحكمة الإلهية أن تنزل - مع طولها وتنوع آياتها - جمله واحدة وأن
تكون ذات امتياز خاص لا يعرف أسوأما كما قرره جمهور العلماء اهـ (١).
وبعد: فهذا تمهيد بين يدى تفسير سورة الأنعام، تعرضنا خلاله البيان
مكان نزولها ولبيان الفترة الزمنية التى نزلت فيها، ولطبيعة هذه الفترة،
ولسبب تسميتها بهذا الاسم، ولمناسبتها للسور التى قبلها ، والأهداف
الأجمالية التى اشتملت عليها، وجانب من فضائلها ومزاياها ...
ولعلنا بذلك - أيها القارئ الكريم - نكون قد قدمنا لكفكرة مجملة
عن هذه السورة الكريمة تعينك على تفهم أسرارها، ومقاصدها، وتوجيهاتها،
عند تفسيرفا لآياتها بشىء من التفصيل والتحليل. واقه نسأل أن يوفقنا جميعاً
لما يحبه ويرضاه وأن يجنبنا فتنة القول والعمل. وصلى الله على سيدنا محمد
وعلى آله وصحبه وسلم.
(١) تفسير القرآن العظيم ص ٣٩٨ طبعة دار القلم .

- ٣٨ -
التفسير
قال الله تعالى :
بشـ
◌ِلَّهِالرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
اٌلْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَنَتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَتِ
وَالْوٌّ ثُمَّالَّذِينَ كَفِرُواْ بِرَبِهِمْ يَعْدِلُونَ (٣) هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن
رةٌ=لايدر
طِينٍ ثُمَ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمِّ ◌ِعِندَهُ،ثُمَّ أَنْتُم ◌َمْتُونَ (٣) وَهُوّ
اللهُ فِ السَّمَتِ وَفِى الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمٌ
مَا تَكْسِبُونَ ـ
أفتتحت سورة الأنعام بتقرير الحقيقة الأولى فى كل دين ، وهى أن
المستحق للحمد المطلق، والثناء المكامل هو رب العالمين.
والحمد: هو الثناء باللسان على الجميل الصادر عن اختيار من نعمة أو غيرها.
.وأل فى ((الحمد)، للاستغراق، بمعنى أن المستحق لجميع المحامد ولكافة
ألوان الثناء هو الله تعالى، وإنما كان الحمد مقصورا فى الحقيقة على الله، لأن
كل ما يستحق أن يقابل بالثناء فهو صادر عنه ومرجعه إليه، إذ هو الخالق
لكل شىء، وما يقدم إلى بعض الناس من حمد جزاء إحسانهم، فهو فى الحقيقة
حمد لله، لأنه - سبحانه - هو الذى وفقهم لذلك، وأعانهم عليه.
وقد بين بعض المفسرين الحكمة فى ابتداء السورة الكريمة بقوله تعالى:
((الحمدالله، كما بين الفرق بين المدح والحمد والشكر فقال: « إعلم أن المدح أعم
من الحمد، والحمد أعم من الشكر، أما بيان أن المدح أعم من الحمد، فلأن المدح
يحصل للعاقل ولغير العاقل، ألا ترى أنه كما يحسن مدح الرجل العاقل على أنواع
فضائله فكذلك قد يمدح المؤلؤ لحمن شكله، وأما الحمد فإنه لا يحصل إلا

- ٢٩ -
الفاعل المختار على ما يصدر منه من الإنعام والإحمان للتثبت أن المدحأعم من
الحمد، وأما بيان أن الحمد أعم من الشكر فلأن الحمد عبارة عن تعظيم الفاعل
: لأجل ما صدر عنه من الإنعام سواء كان ذلك الإنعام واصلا إليك أو إلى
غيرك وأما الشكر فهو عبارة عن تعظيمه لأجل إنعام وصل إليك فثبت
بما ذكرنا أن المدح أهم من الحمد وهو أعم من الفكر. إذا عرفت هذا
فنقول: إنما لم يقل المدح لله لأننا يبينا أن المدح كما يحصل الفاعل المختار
فقد يحصل لغيره. أما الحمد فإنه لا يحصل إلا الفاعل المختار، فكان قوله
الحمد لله تصريحا بأن المؤثر فى وجود هذا العالم فاعل مختار خلفه بالقدرة
والمدينة ... وإنما لم يقل الشكر لله، لأنا بدا أن الشكر عبارة عن تعظيمه
بسبب إنعام صدر منه ووصل إليك، وهذا مشعر بأن العبد إذا ذكر تعظيمه
بسبب ما وصل إليه من النعمة، حينئذ يكون المطلوب الأصلى له وصول النعمة
إليه وهذه درجة حقيرة فأما إذا قال الحمدلله فهذا يدل على أن العيد حمده لأجل
كونه مستحقا الحمد لا لخصوص أنه - تعالى أوصل النعمة إليه، فيكون
الإخلاص أكمل ، واستغراق القلب فى مشاهدة نور الحق أتم ، وانقطاعه
عما سوى الحق أقوى وأثبت)، (١).
هذا وفى القرآن الكريم خمس سور مكيه اشتركت فى الافتتاح بتقرير
أن الحمد لله وحده، ولكن كان لكل سورة منهج خاص فى بيان أسباب
ذلك الحمد .
أما السورة الأولى فهى سورة الفاتحة التى تقول فى مطلعها ,الحمدللهرب
العالمين ..
أى: أن الحمدلله وحده، الذى ربى هذا العالم تربية خلقية أساسها الإيجاد
والتصوير، ورباه تربية عقلية أساسها منح قوى التفكير والإدراك، كما أنه
. رباه تربية تشريعية قوامها الأحكام التى اوحى بها إلى رسله فوبط استحقاق
(١) تفسير مفاتيح الغقب ج ٤ ص ٣ للفخر الرازى المطبعة الشرقية سنة ٠ ١٣٢هـ

-
تجد قه بربوبيته للعالمين، والربوبية المطلقة تنتظم التربية الخلقية جسمية.
عقلية ، عن طريق الإيجاد والتصوير ، كما تنتظم التربية التشريعية التى ..
ساسها الأحكام التى أو حاما الله إلى أنبيائه ورسله .
وتجىء بعد سورة الفاتحة فى الترتيب المصحفى سورة الأنعام فأثبتت أيضاً.
ستحقاق الحمد لله وحده، لأنه «خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات ..
النور، فهى تم تم بالحديث من نوع خاص من التربية، وهو التربية الخلقية ..
تى أساسها الخلق والإيجاد والتسوية والتصوير الحقيقى.
ثم تجىء بعدهما سورة ((الكهف، فتثبت أن الحمدقه، لأنه « أنزل على.
بده الكتاب ولم يجعل له هوجاء فتراها تهتم بإبراز التربية التشريعية التى
ذب الروح، وتهدى الفكر .
والسورة الرابعة التى افتتحت باثبات أن ((الحمدقه ،هی سورة سبأ ، لأنه ..
سبحانه - (( له ما فى السموات وما في الأرض وله الحمد فى الآخر، وهو
الحكيم الخبير، ثم تراها بعد ذلك زاخرة بالحديث عن أنواع التربية المطلقة
ـ تتجلى فى ارساء مظاهر علم الله الشامل، وملكه المطلق، وتدبيره المحكم ..
أ. رقه النافذة التي تجعله أهلا لكل حمد وثناء .
أما السورة الخامسة فهى سورة فاطر، فقد أثبتت فى مطلعها أن الحمدته،.
نه (فاطر السموات والأرض، جاعل الملائكة رسلا، أولى أجنحة مثنى
لاث ورباع، يزيد فى الخلق ما يشاء إن الله على كل شىء قدير، والذی يقرأ"
• السورة الكريمة بتدبر يراها تهتم بإبراز إثبات أن الحمد لله وحده عن.
يق الجمع بين التربيتين الخلقية والتشريعية فهى تذكر خلق السموات ..
لأرض والجبال وتصريف الليل والنهار والشمس والقمر .. كما تذكر
اع الناس فى الانتفاع بوحى الله، وبهدى أنبيائه ورسله.
وهكذا نجد أن السور الخمس قد اشتركت فى أنها افتتحت بجملة «الحمد ...