النص المفهرس
صفحات 1-20
التفسير الوسيط القرآن الكريم تَفْسِيُسُوَة الأَرْجَامِ الدكتور محمد سيد طنطاوى مفتى الديار المصرية -١٤٠٨ هـ ١٩٨٧ - الطبعة الرابعة ١ ش الباب الأخضر المشهد الحسينى. ت ٩٣٦٠٠٨ القاهرة بس متيمن الرحمـ المقدمة . الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أفضل المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين . وبعد: فهذا تفسير وسيط لسورة الأنعام، حاولت فيه أن أكشف عما اشتملت عليه هذه السورة الكريمة من توجيهات سامية، وآداب عالية، وهدايات محكمة، ووصايا جليلة، وحجج باهرة تقذف -قها على باطل الملحدين فتدمغه فإذا هو زاهق ، وتقيم الأدلة الساطعه على وحدانية الله وعلى صدق رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - وعلى محمة البعث والحساب، والثواب والعقاب . وقد رأيت من الخير قبل أن أبدأ فى تفسير هذه السورة الكريمة، أن أقدم بين يديها تعريفاً لها، أتحدث فيه عن زمان ومكان نزولها، وعن طبيعة الفترة التى نوات فيها، وعن سبب تسميتها بهذا الاسم، وعن مناسبتها لما قبلها وعن المقاصد والأهداف التى اشتملت عليها، وعن فضائل هذه السورة الكريمة ومزاياها .. واقه نسأل أن يحمل هذا العمل خالصاً لوجهه «ونافعاً لعباهه، إنه أكرم مسئول وأعظم مأمول . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ؟ المؤلف - ٤ - تمهيد بين يدى السورة ١ - متى نزلت سورة الأنعام؟ سورة الأنعام عدد آياتها خمس وستون ومائة آية وهى أول سورة مكية من طوال المفصل بالنسبة لترتيب المصحف ، وتعتبر بالنسبة لهذا الرقيب الدورة السادسة، فقد سبقتها دور: الفاتحة، والبقرة، وآل عمران ، والنساء . والمائدة، وهى سور مدنية باستثناء سورة الفاتحة. أما ترتيبها فى النزول فقد قال العلماء: إنها السورة السادسة والخمسون، وإن نزولها كان بعد نزول سورة ((الحجر)). ويغلب على الظن أن نزول سورة الأنعام كان فى السنة الرابعة من البعثة النبوية الشريفة، وذلك لأن سورة الحجر التى تزات قبيلها فيها آبة تأمر النبى - صلى الله عليه وسلم - بأن يجهر بدعوته وهى قوله - تعالى - «ناصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين)، (١). ومن المعروف تاريخيا أن النبى - صلى الله عليه وسلم - مكث يدعو الناس سرا إلى عبادة الله زهاء ثلاث سنين ، ثم بدأت مرحلة الجهر بالدعوة فى السنة الرابعة من البعثة بعد أن أمره الله بأن يصدع بما يؤمر به، أى : يجهر بما يكلف بتبليغه للناس ، مأخوذ من صدع بالحجة إذا جهر بها . قال ابن إسحاق عند حديثه عن مرحلة الجهر بالدعوة الإسلامية: «ثم دخل الناس فى الإسلام أرسالا من الرجال والنساء حتى فشا ذكر الإسلام بمكة وتحدث به، ثم إن الله - تعالى - أمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يصدع بما جاءه منه، وأن يبادى الناس بأمره وأن يدعو إليه وكان بين (١) سورة الحجر الآية ٩٤. - ما أخفى رسول الله - صَ ل ــ أمره واستقر به إلى أن أمره الله - تعالى - بإظهار دينه ثلاث سنين - فيما بلغنى - من مبعثه، ثم قال الله - تعالى - له: فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين (١). ٢ - طبيعة الفترة التى نزلت فيها سورة الأنعام: قلنا إن سورة الأنعام نزلت - غالبا فى السنة الرابعة من البعثة النبوية» وهذه الفترة من تاريخ الدعوة الإسلامية كانت فترة نضال فكرى عنيف بين الإسلام والشرك، ففيها بدأ النبى - * - يجهر بدعوته ويصارح قريشا برسالته، ويدعوهم بأعلى صوته إلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، ويبين لهم بجرأة ووضوح بطلان عقائدهم، وسخافة تفكيرم واعوجاجهم عن الطريق المستقيم. وأخذ المشركون يدافعون عن معتقداتهم بكل وسيلة بعد أن رأوا الدعوة الإسلامية يزداد فورها يوما بعد يوم، ورأوا أتباع النبى -- عَ طله - يزيدون ولا ينقصون ، ويجهرون بتعاليم دينهم بعد أن كانوا يخفونها ويتحملون فى سبيل نشرها الكثير من ألوان التعذيب والترهيب . وقد صور بعض العلماء طبيعة هذه الفترة التى كانت تجتازها الدعوة الإسلامية عند نزول سورة الأنعام فقال : (( وهذه الفترة من فترات الدعوة الإسلامية كانت فترة عنيفة أشد العنف» مملوءة بالمقاومة من الجانبين كأعظم ما تكون المقاومة، فالمشركون مأخوذون بهذا النجاح الذى صارت إليه الدعوة حتى استطاعت أن تستعلن بعد الخفاء، وأن تتحدی فی صوت عال ، ونداء جهیر، بعدما كان المؤمنون بها يلجأون إلى الشعاب والأماكن البعيدة ليؤدوا صلاتهم، والرسول - صَ له ـ السيرة النبوية لابن هشام، ج ١ ص ٢٧٤ طبعة المكتبة التجارية. - ٦ - ماض فيما أمره به ر4 من الصدع بدهوة الحق، يتلو عليهم ما أنزله الله عليه من كتابه ، وفيه إنذار لهم وتفنيد لمعتقداتهم ، وتسفيه لآرائهم، وإنكار لآلهتهم، وتحكم بأوثاتهم وتقاليدهم البالية .. يؤمئذ واجهت دعوة الحق أعداءها مسفرة واضحة متحدية ، ووقف هؤلاء الأعداء مشدوهين مضطر بين بشعرون فى أعماق نفوسهم يصدقها وكذبهم، ويترقبون يوما قريبا لاقتصارها وانهزامهم، ولا يجدون لهم حياة إلا المكابرة والمعارضة المستميتة بما درجوا عليه من العقائد الباطلة، بادعائهم كذب الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويزعمهم أن إرسال الرسل من البشر أمر لم يقع من قبل ، وأن الله لو شاء إبلاغ عباده شيئا لأنزل إليهم ملائكة، وإنكارهم البعث والدار الآخرة، واحتمانوا فى الدفاع من عقائدهم وآلهنهم د - عاش فيهم عمراً طويلا لم يقلن فيه يوما ونسوا أن محمدا - قولة كاذبة ، ولم يخن فيه يوما أمانة أؤ تمن عليها، وأنهم لذلك كانوا يلقبوله بالصادق الأمين . لم يذكروا شيئا من ذلك ولم يفكروا فيه، ولكنهم فكروا فقط فى أن الدعوة الجديدة التى استعنت بعد استخفاء، وتحدت بعدما ظنوه بها من الاستخذاء، يجب أن تموت فى مودها, ويجب أنقكتم أنفاسها قبل أن تنبعث حرارة هذه الأنفاس إلى البلاد والقبائل والشعوب. ورحبت الدعوة الإسلامية بهذا الندال، وتحملت أعباءه وأثقاله، وكان ذلك أول النصر، لأن الفور لا يظهر إلا بعد الاحتكاك .. وأخذت سور القرآن فى هذه المرحلة تتلاحق، وأخلات آياتها تتعاون وتتآزر ((وكانت أغراضها متشابهة إلى حد بعيد، وكان أولها وأحفلها بما غزات له من أغراض بعد أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بإعلان الدعوة والصدح بها، هو سورة الأنعام)؛ فقد جمع كل العقائد الصحيحة، - ٧ - .وعنيت بالاحتجاج لأصول الدين، وتفنيد شبه الملحدين، وأبطال المتؤكد الفاسدة، وتركيو مبادىء الأخلاق الفاضلة (١)". وبذلك يقبين لنا أن ما اشتملت عليه سورة الأنعام من مقاصد وأهداف وأحكام ومعتقدات يوافق كل الموافقة طبيعة المرحلة التى كانت تجتازها الدعوة الإسلامية فى ذلك الوقت . ٣ - أين نزلت سورة الأنعام : یری جمهور العلماء أن سورة الأنعام کلها مکیة ، ویری فریقمنهمأنها كلها تزلت بمكة ما عدا الآيات ٢٣,٢٠، ٩١، ٩٣، ١٠٤، ٠١٥١٠١٤١ ٠١٥٣،١٥٢ ولعل الذى حمل أصحاب هذا الرأى على القول بأن هذه الآيات التح مدنية ورود بعض الروايات بذلك، وأنها آيات نزلت فى بيان أحكام تتعلق بالخلال والحرام من التكاليف العملية ، وهى لهذا كانت أنسب بالمدينة . والذى تطمئن إليه النفس وعليه المحققون من المفسرين أن سورة الأنعام قد نزلت كلها بمكة جملة واحدة ، ويشهد لما ذهبنا إليه ما يأتى : (١) كثرة الآثار التى صرحت بنزولها بمكة دفعة واحدة، ومن هذه الآثار ما ورد عن ابن عباس أنه قال: لقد نزلت سورة الأنعام بمكة ليلا جملة واحدة وحولها سبعون ألف ملك يجأرون بالتسبيح ، وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نزلت على سورة .الأنعام جملة واحدة وشيعها سبعون ألفا من الملائكة لهم زجل بالتسبيح والتحميد(٢). (١) سورة الأنعام والأهداف الأولى للإسلام ص ١٦ لفضيلة الأستاذ (٢) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ١٧٢ «الشيخ محمد المدنی - رحه اق ۔ - ٨ - (ب) المحققون من المفسرين عندما بدءوا فى تفسير سورة الأنعام صرحوا بتها جميعها مكية، وأنها قد نزلت جملة واحدة، وتجاهلوا قول القائل إن. فيها آيات مدنية . فهذا - مثلا - الإمام ابن كثير ساق فى مطلع تفسيره هذه السورةالروايات. التى تثبت أنها مكية، ولم يذكر رواية واحدة تثبت أن فيها آية أو آياته. قـ تولت بالمدينة . وابن كثير - كما نعرف - من الحفاظ النقاد الذين يعرفون كيف يتخيرون. الروايات، وكيف يميزون بين صحيحها وضعيفها. (جـ) الروايات التى اعتمد عليها القائلون بأن تلك الآيات التسع مدنية" روايات فيها مقال، ولم يتمدها المحققون من العلماء، فقد نقل السيوطى عن ابن الحصار قوله : ((استثنى من سورة الأنعام تسع آيات - مدفيه - ولا يصح به نقل، خصوصا وأنه قد ورد أنها تزات جمله (١). (د) الذى يقرأ سورة الأنعام بتدبر يجد فيها سمات القرآن المكر واضحة هلية، فهى تتحدث باستفاضة عن وحدانية الله، وعن مظاهر قدرته، وعن صدق النبى - صلى الله عليه وسلم- فى دعوته، وعن الأدلة الدامغة التى تؤ يد. صحة البعث والثواب والعقاب يوم القيامة، إلى غير ذلك من المقاصد التى كثر الحديث عنها فى القرآن المكى . ومن هنا كانت سورة الأنعام بين السور المكية ذات شأن كبير فى. تركيز الدعوة الإسلامية، تقرر حقائقها، وتفند شبه المعارضين لها، واقتضت (١) الإتقان فى علوم القرآن السيوطى، ج ١ ص ٢٨ طبعة مكتبة المشهد السينى سنة ٠٥١٣٨٧ - ٩ - لذلك الحكمة الإلهية أن تنزل - مع طولها وتنوع آياتها - جملة واحدة، وأن. تكون ذات امتياز خاص لا يعرف أسواماكما قرره جمهور العلماء. , ومن ذلك يتبين أنه لا مجال للقول بأن بعضهامن قبل المدنى، ولا بانه. آية كذا تزات فى حادثة كذا ، فكلها جملة واحدة فزات بمكة لغاية واحدة ، هو تركيز الدعوة بتقرير أصولها والدفاع عنها (١). هذه بعض الأدلة التى تجعلنا نرجح أنسورة الأنعام كلها مكية، وأنها .. نزلت على النبى - صلى الله عليه وسلم - جملة واحدة. ٤ - لماذا سميت بسورة الأنعام؟ الأنعام لغه تطلق على ذوات الخف والحافر من الحيوان، وهى- الإبل. والبقر والغنم - وقد سميت سورة الأنعام بهذا الإسم، لأنها فصلت الحديثه عن هذه الأنواع بطريقة متعددة الجوانب ، متنوعة الأهداف. وقد تكرر لفظ الأنعام فى تلك السورة ست مرات فى أربع آيات. أما الآية الأولى فقد حكى القرآن فيها ما كانوا يفعلونه من قسمتهم الحرث إلى قسمين : قسم جعلوه له يتقربون به إليه عن طريق إكرام الضيف ومساعدة المحتاج. وقسم جعلوه لآلهتهم فذبحوه على الأنصاب، وأنفقوا منها على صدقتها وخدمها، ثم ثم بعد ذلك العمل الباطل لا يعدلون فى القسمه، محورون أحيانا على القسم الذى جعلوه لله ؛ بينما يتحرزون عن الجور على القسم الذى جعلوه لشركائهم . (١) تفسير القرآن الكريم لفضيلة الأستاذ الشيخ محمود شلتوت ص ٤٠١. طبعة دار القلم . - ١٠ - قال تعالى: ((وجعلوا قه ما ذرا من الحرث والأنعام نصيباً، .فقالوا هذا قه بزعمهم وهذا لشركائنا ، فما كان لشركاتهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركاتهم ساء ما يحكمون)) (١). وأما الآية الثانية فقد ورد فيها لفظ (( الأنعام)) ثلاث مرات، وقد كشف القرآن فيها عن بعض أعمال المشركين المنكرة، وهى أنهم جعلوا الأنعام ثلاثة أقسام : قما لا يأكل منه عند ذبحه إلا صدفة الأوثان والرجال دون النساء. وقمما يحرم ركوبه كالبحيرة والسائبة والحامى، وقسما لا يذكرون اسم الله عليه عند الذبح وإنما يذكرون أسماء آلهتهم . قال تعالى: ((وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم، وأنعام حرمت طهورها، وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه، سيجزيهم بما كانوا يفترون)، (٢). وفى الآية الثالثة تحدث القرآن عن لون من ألوان ظلمهم وجهلهم ، فقد كانوا يجعلون بعض ما فى بطون أعمامهم إذا نزل حياً كان خاصاً بالرجال دون النساء، وإذا نول ميتاً فالرجال والنساء فيه شركاء. قال تعالى: ((وقالوا ما فى بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء ، سيجزهم .وصفهم إنه حكيم عليم،(٣). (١) الآية ١٣١ (٣) الآ ية ١٣٩. (٢) الآ ية ١٣٨ - ١١ - أ.) الآية الرابعة، فقد بين القرآن فيها جانباً من نعم الله على عباده، إذا جعل لهم من الأنعام أنواعا تذبح لينتفعوا بلحومها وشحومها وجلودها .وأنواعا تحمل أثقالهم إلى بلد لم يكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس. قال تعالى: ((ومن الأنعام حمولة وفرشاً، كلموا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين)، (١). وهناك آيات أخرى سوى هذه الآيات السابقة تناول الحديث فيها أحكاماً أخرى تتعلق بالأفعام، وسنفصل القول فيها عند تفسيرنا لها - بعون اقه - تعالى - . ٥ - مناسبتها لما قبلها : وقد جرت عادة بعض المفسرين أن يعقدوا مناسبة بين السورة وبين سابقتها، ولعل أكثرهم توسعاً فى ذلك الإمام الآلومى فقد قال: « ووجه مناسبتها لآخر المائدة أنها افتتحت بالحمد والمائدة اختتمت بفصل القضاء وهما متلازمان، كما قال - سبحانه - («وقضى بينهم بالحق وقيل الحمد قه رب العالمين .. وقال الجلال السيوطى فى وجه المناسبة: ((أنه - تعالى - لما ذكر فىآخر المائدة ((لقه ملك السموات والأرض وما فيهن)، على سبيل الإجمال، افتتح - جل شأنه - هذه السورة بشرح ذلك وتفصيله، فبدأ - سبحانه - بذكر خلق السموات والأرض، وضم - تعالى - إليه أنه جعل الظلمات والنور، وهـ و بعض ما تضمنه مافيهن، ثم ذكر أنه خلق النوع الإنسانى وقضى له أجلا وجمل ى أجلا آخر البعث، وأنه - جل جلاله - منشىء القرون قرنا بعدقرن ثم الستعالى-، قل أن ما في السموات والأرض إلخ)). فأثبت له ملك جميع المظروفات لظرف المكان. ثم قال « وله ما سكن فى الليل والنهار، فأثبت أنه (١) الآية ٠١٤٣ - ١٢ - ملك جميع المظروفات اظرف الزمان ، ثم ذکر - سبحانه - خلق سائر الحيوان من الدواب والطير، ثم خلق النوم واليقظة والموت ، ثم أكثر فى أثناء السورة من ذكر الإنشاء والخلق لما فيهن من النيرين والنجوم وفاق. الإصباح وفلق الحب والنوى، وإنزال الماء وإخراج النبات والثمار بأنواعها، وإنشاء جنات معروشات وغير معروشات إلى غير ذلك مما فيه تفصيل ما فيهن)» (١). هذا، وقد عقد فضيلة الشيخ محمود شلتوت - رحمه الله - مقارنة ضافية بين سورة الأنعام وبين ما سبقها من سور مدنية فقال ما ملخصه : وأما السور الأربع المدنية التالية لسورة الفاتحة - والسابقة لسورة الأنعام. وهى سور: البقرة، آل عمران، النساء، المائدة ، فهى بحكم مدنيتها تشترك كلها فى هدف واحد وهو تنظيم شئون المسلمين بالتشريع لهم باعتبارهم أمة مستقلة، وبإرشادهم إلى مناقشة أهل جوارهم فيما يتصل بالعقيدة والأحكام، وإلى الأساس الذى يرجعون إليه ويحكمونه فى التعامل معهم فى حالتى السلم والحرب، وقلما تعرض هذه السور المدنية إلى شىء من شئون الشرك ومناقشة المشركين . وهذه السور مع إشتراكها فى أصل الهدف العام، تختلف قلة وكثرة فيها قتناوله من التشريع الداخلى الخاص بالمسلمين، والتشريع الخارجى الذى. يرتبط بهم مع من يخالفهم فى الدين . أن سورة البقرة قد نزلت فى أوائل الهجرة، قد صار للمسلمين بالهجرة كيان خاص وجوار خاص، وبذلك كان أمامها هدفان : الأول : نظم يأخذ بها المسلمون أنفسهم فى عباداتهم ومعاملاتهم: شخصية ومدنية وجنائية . (١) تفسير الألوسى = ٨ ص ٧٦ طبعة منير الدمشقى . - ١٢ - والهدف الآخر : إرشاد إلى طرق المناقشة فما كان مجادروهم يثيرونه حول الدين والدعوة من شبه وتشكيكات، وقد تجلى هذان الهدفان بصورة مواضحة فى سورة البقرة، برز أحد الهدفين فى نصفها الأول، وبرز الهدف الثانى فى قصفها الآخير، واقرأ فى الأول على وجه عام من قوله - تعالى - « يا بنى إسرائيل أذكروا نعمتى التى أنعمت عليكم وأوفوا بعهدى أوف بعدكم وإباى فارهبون)) (لآية ٤٠) إلى قوله - تعالى -: «ذلك بأن الـ - نزل الكتاب بالحق. وإن الذين اختلفوا فى الكتاب لفى شقاق بعيد)) ( الآ ية ١٧٧ ). واقرأ فى الهدف الثانى قوله - تعالى -: «ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب، ( الآية ١٧٧) إلى نهاية الآية ٢٧٣: (( وإن كنتم على سفر ولم تجدرا كانباً فرمان مقبوضة،. وقد عرضت فى هذا السبح الطويل بعد أن أجمات أوصاف الصادقين فى إيمانهم المنقين فى أعمالهم لجملة من الأحكام التى تسوس الأمة فيما بينها . عرضت القصاص، والوصية، والصيام ، والقتال ، وبعض أحكام الحج ... إلخ. ثم تجىء سورة آل عمران، فتصرف عناية خاصة إلى مناقشة النصارى فى قضية الألوهية، وإلى كشف بعض صور التزييف التى كان يصطنعها أهل الكتاب إخفاء لحق الإسلام ودعوته . ثم ترشد المسلمين إلى ما يحفظ عليهم شخصيتهم ، ويقيهم شر الوقوع فى مخالب الأعداء وترسم لهم فى ذلك الطرق الحكيمة التى تجعل منهم قوة الكفاح فى تأييد الحق وهزيمة الباطل ... وعلى أساس من مشاركة سورة النساء لزميلاتها المدنيات فى أصل الهدف تناولت الأمرين: تنظيم جماعة المسلمين، ومناقشة أهل الكتاب فى موضوع - ١٤ - . الألوهية والرسالة، غير أن عنابتها بجالب التنظيم كانت أشد من عنايتها، بجانب المناقشة ... ثم تجىء سورة المائدة فتأخذ سبيل أخواتها أيضاً، فتشرع للمسلمين فى خاصة أنفسهم ، وفى معاملة من يخالطون من أهل الكتاب، مع الإرشاد إلى طرق حاجتهم والتنبيه على أخطائهم وتحريفهم الكلم عن مواضعه. وقذكيرهم بسيئاتهم مع أنبيائهم . وقد استغرق ذلك معظم السورة ... أما سورة الأنعام فإنها لم تعرض لهدف من الأهداف الأصلية التى تميزت بها السور الأربع المدنية قبلها . فهى أولا : لم تعرض لشىء من الأحكام التنظيمية لجماعة المسلمين، كالصوم والحج فى العبادات ، والعقوبات فى الجنايات ، والمداينة والربا فى الأموال، وأحكام الأسرة فى الأحوال الشخصية . وهى ثانياً : لم تذكر فى قليل ولا كثير شيئاً يتعلق بالقتال ومحاربة الخارجين عن دعوة الإسلام . وهى ثالثاً : لم تتحدث فى شىء ما عن أهلى الكتاب من اليهود والنصارى وكذلك لم تتحدث عن طوائف المنافقين ولا عن أخلاقهم السيئة. ومسالكهم المظلمة . وهى رابعاً : لا نجد فيها مع ذلك كله نداء واحدا للمؤمنين باعتبارهم جماعة تنتظمها وحدة الإيمان ، لا تجد فيها شيئاً منهذا كله کماوجدناهجميعا فى السور الأربع السابقة، وإنما نجد الحديث فيها يدور بشدة وقوة حول العناصر الأولى للدعوة، ونجد سلاحها فى ذلك، الحجة المتكررة، والآيات المصرفة، والتنويع السجهب فى طرق الإلزام والإقناع: تذكر توحيد الله فى الخلق وفى الإيجاد، وفى السباءة والتشريع، وتذكر موقف المكفبين ونقص عليهم ما حاق بأمثالهم السابتين ، والذكر شبههم فى الرسالة، و کر يوم البحث والحزاء ... -: ١٥ - ولعلنا بعد هذا الم الفرق الجلى الواضح بين منهج سورة الأنعام ، ومنهج السور الأربع المدنية قبلها ٠٠٠٠(١). ٦ - عرض عام لسورة الأنعام: عندما نفتح كتاب الله لنتدبر ما اشتملت عليه سورة الأنعام من مقاصد حكيمة، وتوجيهات نافعة، نراها فى مطلعها قد ابتدأت بحمد الله والثناء عليه. وبيان استحقاقه لذلك، لأنه - سبحانه - هو الخالق السموات والأرض وما بينهما، وهو العليم الذى لا يخفى عليه شيء فى الأرض ولا في السماء. قال تعالى: (الحمدلله الذى خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ، ثم الذين كفروا بربهم بعدلون . هو الذى خلفسكم من طين ثم قضى أجلا ، وأجل مسمى عنده، ثم أنتم تمترون . وهو الله فى السموات وفى الأرض يعلم سركم وجهركم. وبعلم ما تكسبون». ثم تحدثت السورة الكريمة عن طبائع المعاندين ، وأنذرتهم بسوء المصير إذا ما استمروا فى عتوهم وجحودهم، وساقت لهم - ليعتبرا، ماحل بالمكذبين الذين سبقوهم والذين كانوا أشد منهم قرة وأكثر جمعاً، فعليهم. أن يفيئوا إلى رشدهم حتى لا يصيبهم ما أصاب المكذبين من قبلهم . إستمع إلى القرآن وهو يصور هذه المعانى بأسلوبه البليغ المؤثر ، فيقول تعالى: " وما تأريهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها (١) تقدير القرآن الكريم من ٢٦٣ وما بعدها . لفضيلة الشيخ محمود شلتوت طيعه دار القلم . - ١٦ - معرضين . فقد كذبوا بالحق لما جاءهم ، فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون . ألم يرواكم أهلكنا من قبلهم من فون - مكناهم فى الأرض ، مالم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدراراً وجعلنا الأنهار تجرى من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرناً آخرين ». ثم تأخذ السورة بعد ذلك فى تسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم - - فترسم صورة عجيبة لمكابرة المشركين وأنهم قد غدوا لا لطماس، بصيرتهم واستیلاء الجهود على قلوبهم لا مجدی معهم توجیه أو دليل، حتى أنهم لو نزل عليهم كتاب من السماء فلسوه بأيديهم، وقرأوه بأعينهم ، وعرفوا - منه صدق نبوتك يا محمد، لقالوا بعد كل ذلك ((إن هذا إلا سحر مبين)). قال تعالى: ((ولو نزلنا عليك كتاباً فى قرطاس" فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين. وقالوا : لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضى الأمرثم لا ينظرون. ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون . ولقد استهزىء رسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزاون)). فإذا ما وصلنا إلى الربع الثانى من سورة الأنعام، ألفيناها تسوق حشودا من البراهين الدالة على وحدانية الله وقدرته بطريقة تحمل الترغيب قارة : والترهيب أخرى ، وبأسلوب يسكب فى القلوب السكينة والطمأنينة، ويقنع العقول السليمة بأن المستحق للعبادة والخضوع إنما هو الله وحده. - ١٧ - ((قل لمن ما فى السموات والأرض، قل قه، كتب على نفسه الإالرحمة ليجمعتكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون . وله ما سكن فى الليل والنهار وهو السميع العليم . قل أغير الله أنخذ وليافاطر السموات والأرض وهو يُطِعِم ولا يُطْعِم .. قل أنى أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكون من المشركين. مقل إنى أخاف أن عصيت ربى عذاب يوم عظيم . من يعرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز المبين. وإن يمسك أنه يضر فلا كاشف له إلا هو ، وإن يمسك بخير فهو على كل شىء - قدير . وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير . قل أى شىء أكبر شهادة قل الله شهيد بينى وبينكم وأوحى إلى هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ أتتكم لتشهدون أن إح الة آلهة أخرى. قل لا أشهد. قل إنما هو إله واحد و(فنى برى- مما قشركون)). ثم ذكرت السورة بعد ذلك حال المكذبين بيوم القيامة. فوضحت أنهم : فى هذا اليوم الهائل الشديد ينكرون أنهم كانوا مشركين ولكن هذا الإنكار لن ينفعهم شيئا لأن الذى يخاطبهم هو العليم الخبير . («وبوم تحشرهم جميعاً ثم نقول الذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون. ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا: واقه وبناء كنا مشر كين . أنظر كيف كذبوا على أنفسهم وعضل عنهم مما كانوا يفترون)). (٢ - سورة الأنعام) - ١٨ - تم تقضى الآيات فى الحديث عن مشاهد يوم القيامة، فتصور حسرتهم. وقدمهم عندما يقفون على النار التى كانوا يكذبون بها فى الدنيا ، وعندما» يحتجون أمام ربهم الذى كانوا يشركون معه آلهة أخرى فتقول: « ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا ياليتنا ترد ولا نكذب .. "بآيات وبنا وفكون من المؤمنين. بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون . وقالوا: وأن هى إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين. ولو ترى إذ وقفوا على دبهم، قال: ألبس هذا بالحق؟ 5الوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب .. بما كنتم تكفرون». ثم بعد هذا التصوير المؤثر أحوال المشركين يوم القيامة، يتر کهم، القرآن مؤقتاً ليوجه خطابه إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - مسليا له. ومثبتا لقلبه، وداعيا إياه إلى الصبر على تحمل الرسالة بدون كلل أو ملل، وإلى التأسى يمن سبقوه من أولى العزم من الرسل. قال تعالى: ((قد فس لم إنه ليحزنك الذى يقولون، فإنهم. لا يكتبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون • ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم. فصرنا ولا مبدل لكامات الله، ولقد جاءك من فيا المرسلين. وإن كان كبر عليك إعراضهم، فإن استطعت أن تبتغى نفقاً فى الأرض أو ساماً فى السماء فتأتيهم بآية، ولو شاء الله لجمعهم على المدى. فلا تكونز من الجاداين ». أما الربع الثالث من السورة الكريمة فقد افتح بيان أن الذين يستجدون لدعوة الحق إنما هم الذين يسمعون ويتعظون وهم الأحياء حقا، أما من ماقت قلوبهم فصارت لا تتفتح للحق، ولا تتقبل الهداية فإن مصيرهم إلى ألله ، فهو - سبحانه وتعالى - سيجازيهم بسبب جحودهم وعنادهم ومطالبتهم لنبهم بالمطالب المتعنتة التى لا فائدة من ورائها . قال تعالى: ((إنما يستجيب الذين يسمعون، والموتى يبعثهم الله، ثم إليه يرجعون ، وقالوا: لولا نزل عليه آية من ربه. قل: إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون .. ثم تدعوهم السورة بعد ذلك بأسلوب تلقينى إنذارى إلى التفكر والتدبر فى مظاهر قدرة الله وتبين لهم بطريقة منطقية مقنعة أن الله وحده هو القادر على سلب أسماعهم وأبصارهم، وهو القادر على إنزال العذاب بهم أو رفعه عنهم. استمع إلى القرآن الكريم وهو يسوق هذه المعانى بأسلوبه الفريد فيقول : ((قل أرأيتكم إن أقاكم عذاب الله أو أقتكم الساعة ، أغير الله تدعون إن كنتم صادقين؟ بل إياه تدعون، فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتفون ما تشركون». ثم يقول: ((قل أرأيتم إن أخذ الله -معكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به . أنظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون. قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون)». - ٢٠ - ثم وضحت السورة أن وظيفة الرسل إنما هى التبشير للمتقين والإنذار المكذبين وأن النبى - صلى الله عليه وسلم - لم يقل لهم إنى أملك خزائن الأرض، أو إنى أعلم الغيب، أو إنى ملك من الملائكة. وإنما قال لهم: إنى بشر مثلكم أتبع ما يوحى إلى من ربى، والناس مختلفون بعد ذلك فى تلقى فور الوحى، وجزاؤهم على حسب حالهم وعملهم، فلا يستوى المحسن والمى. كما لا يستوى الأعمى والبصير : قال تعالى: (قل لا أقول لكم عندى خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إنى ملك، إن أتبع إلا ما يوحى إلى، قل هل يستوى الأعمل والبصير أملا تتفكرون)) . ثم تمضى السورة فى سرد توجيهاتها وحكمها فنسوق البشارة للمؤمنين الذين اقترفوا بعض السيئات ثم قابوا من بعد ذلك وأصلحوا ، كما تسوق الإنذار الحاسم الـ شركين الذين لم يتبعوا الطريق القويم فتقول: (( وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم ، كتب ربكم على نفسه الرحمة ، أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم . وكذلك تفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين)). ثم يمضى السياق مع المكذبين المستعجلين بالعذاب فيطلعهم ويطلع غيرهم فى الربع الرابع من السورة على صورة شاملة لعلم الله الواسع ، وقدرته النافذة، وحكمته الحكيمة، ويطوف بهم فى مجاهل الغيب الذى لا يعلمه إلا هو، وفى عالم البر والبحر الذى لا يخرج منه شىء عن إقادته، وفى ظلمات الأرض المخبوءة التى لا يحيط بها إلا علمه، ثم يريهم كيف أنهم محكومون