النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
الجزء السادس
الحواريين ،.، أى: أمرتهم فى الإنجيل على لسانك أو أمرتهم على
ألسنة رسى .
قال الألوسى معززاً هذا الرأى: وقد جاء إستعمال الوحى بمعنى الأمر فى
كلام العرب، كما قال الزجاج وأنشد:
الحمدلله الذى إستقلت: بإذنه السماء واطمأنت .. أوحى لها القرار.
فاستقرت أى: أمرها أن تقر فامتنات (١).
والحوابون جميع حوارى . وهم أنصار عيسى الذين لازموه وآمنوا به
وصدقوه، وكانوا عونا له فى الدعوة إلى الحق .
يقال: فلان حوارى فلان . أى: خاضته من أصحابه. ومنه قول النبي
صلى الله عليه وسلم - فى الزبير بن العوام : لكل بنی حوارى وحوارى"
الزبير ٠٠٠
وأصل مادة (( حور) الدلالة على شدة الصفاء ونصوع البياض، ولذلك
قالوا فى خالص لباب الدقيق : الحوارى وقالوا فى النساء البيض: الحواريات
والحوريات ...
وقد سمى الله - تعالى - أنصار عيسى بالحواريين، لأنهم أخلصوا لله
فياتهم، وطهروا نفوسهم من النفاق والخداع، فصاروا فى نقائهم وصفائهم
كالشىء الأبيض الخالص البياض.
قال الراغب: والحواريون أنصار عيسى - عليه السلام - قيل كانوا
صیادین. وقال بعض العلماء . إنما بموا حواريين لأنهم كانوايطهرون نفوس
الناس بإفادتهم الدين والعلم (٢) ... )).
والمعنى: إذكرفعمتى عليك ـ ياعيسى - حين , أو حيث إلى الحواربين))
بطريق الإلهام أو بطريق الأمر على لسانك، وقلت لهم : ((أن آمنوا بى
وبرسولى، أى: آمنوا وصدقوا بأنى أنا الواحد الأحد المستحق للعبادة
(١) تفسير الآلوسي ج ٧ ص ٥٨
(٢) المفردات فى غريب القرآن للراغب الأصفهانى عن ٠١٣٥

٤٤٢
سورة المائدة
. وآمنوا برسولى عيدى بأنه مرسل من جهى لهدايتكم
والخضوع ..
وسعادتكم ...
وفى ذكر كلمة «برسولى، إشارة إلى مقامه من الله - عز وجل - وإنفصال
شخصه عن ذات القه - سبحانه - وأن عيسى ما هو إلا رسول من رب
العالمين، وأن من زعموا أنه عن ذلك جاهلون وضّالون .
وقوله : قالوا آمنا واشهد بأننا مسدون ، حكاية لما نطق به الحواربون من
إيمان وطاعة .
أى: أن الحواريين عندما دعوا إلى الدين الحق ((قالوا آمنا، بأن الله هو
الواحد الأحد المستحق للعبادة، وأنه لا والد له ولاولد ... ثم أكدوا إيمانهم
هذا، بأن قالوا(( واشهد، علينا يا إلهنا وأشهد لنا يا عيسى يوم القيامة بأننا
مسلمون)، أى: منقادون لكل ما جئتنا به وما تدعونا اليه .
وقدموا ذكر الإيمان لأنه صفة القلب، وأخروا ذكر الإسلام لأنه عبارة
عن الانقياد الظاهرى، فكانهم قالوا : لقد استقر الإيمان فى قلوبنا إستقراراً
مكينا ، كان من ثماره أن انقادت ظواهرنا لكل ما يأمرنا الله به على
لسانك يا عيسى.
قال الفخر الرازى ما ملخصه: فإن قيل: أنه _ تعالى _ قال فى أول
الآية (( أذكر نعمتى عليك وعلى والدتك ... ، ثم إن جمع ما ذكره - تعالى -
من النعم مختص بعيسى ، وليس لأمه تعلق بشىء منها. قلنا: كل ما حصل الولد
من النعم الجليلة والدرجات العالية، فهو حاصل على سبيل التضمن والتيع للأم.
ولذلك قال - تعالى -((وجعلنا ابن مريم وأمه آية ... ، جملهما معاً آية
واحده لشدة إتصال كل واحدة منهما بالآخر ..
وإنما ذكر - سبحانه - قوله (( وإذ أوحيث ... ، فى معرض تحديد
النعم لأن صيرورة الإنسان مقبولة القول عند الناس ، محبوباً فى قلوبهم ، من
أعظم نعم الله على الإنسان .

٤٤٣
الجزء السادس
وقد عدد عليه من الفهم سبعاً: إذ أيدتك ... وإذ علمتك .. وإذ تخلق
وإذ تبرى .... وإذا تخرج الموتى ... , إذ كففت .. وإذ أو حيت. (١))).
ثم حكى - سبحانه - بعض ما دار بين عيسى وبين الحوارين فقل :
(( إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علي مائدة
من السماء .....
(( المائدة، الخوان إذا كان عليه الطعام من ما ديميد، إذا تحرك. فكأن
المائدة تتحرك بما عليها. وقال أبو عبيدة: سميت ((مائدة)) لأنها فيد بها
صاحبها . أى: أعطيها وتفضل عليه بها. والخوان: ما يؤكل عليه الطعام.
. ويرى الأخفش وغيره أن المائدة فى الطعام نفسه، مأخوذة من (مادة»
إذا أفضل .
و((إذ)) فى قوله ((إذ قال الحوايون ياعيسى ابن مريم)) متعلق بمحذوى
. تقديره: أذكر وقت قول الحواريين يا عيسى ابن مريم .
وقد ذكروه باسمه ونسبوه إلى أمه - كما حكى القرآن عنهم - لئلايتوهم أنهم
اعتقدوا ألوهيته أو ولديته وقوله: ((هل يستطيع - ربك أن ينزل علينا مائدة
من السماء)) فيه قراءتان سبعيتان:
الأولى ((يستطيع ربك) بالياء - على أنه فعل وفاعل. وقوله (أن ينزل))
المفعول . والاستفهام على هذه القراءة محمول على المجاز، لأن الحواريين
كانوا مؤمنين ، ولا يعقل من مؤمن أن يشك فى قدرة الله .
ومن تخريجاتهم فى معنى هذه القراءة أن قوله ((يستطيع)) بمعنى ((يطيع))
والسين زائدة . كاستجاب وأجاب .
· أنى: أن معنى الجملة الكريمة: هل يطومك - ربك يا عيسى إن سألته أن
ينزل علينا مائده من البسماء.
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٢٨

٤٤٤
سورة المائدة
وسنفصل القول فى تخريج هذه القراءة ، وفى إختلاف المفسرين فى إيمان
الحواريين بعد إنتهائنا من تفسير هذه الآيات الكريمة .
أما القراءة الثانية: فهى، هل تستطيع ربك، بالتاء ويفتح الباء فى ((ربك،
والمعنى: هل تستطيع يا عيسى أن تسأل ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء .
فقوله (( ربك، منصوب على التعظيم بفعل محذوف يقدر على حسب المقام
وهذه القراءة لا إشكال فيها، لأن الاستطاعة فيها متجهة إلى عيسى. أى :
أتستطيع يا عيسى سؤال وبك إنزال المائدة أم لا تستطيع؟.
قال القرطى : قراءة الكسائى وعلى وابن عباس وسعيد بن جبير وجاهد
((هل تستطيع، بالتاء ((ربك، بالنصب وقرأ الباقون بالياء. هل يستطيع،"
(دربك ، بالرفع ..
والمعنى على قراءه الكسائى - بالتاء -: هل تستطيع أن تسأل ربك ..
قالت عائشة: كان القوم أعلم باقه - تعالى - من أن يقولوا, هل يستطيع
ربك)) وقال معاذ: أقر أنا النبى - صلى الله عليه وسلم -: دل تستطيع ربك.
قال معاذ: وسمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - مراراً يقرأ بالتاء (١) ..
وقوله - سبحانه - (قال إتقوا الله إن كنتم مؤمنين، حكاية لما رد به عيسى
على الحواريين فيما طلبوه من إنزال المائدة:
أى قال لهم عيسى: إتقوا الله وپفوا عند حدوده، واملتوا قلوبكم هيبة
وخشية منه، ولا تطلبوا أمثال هذه المطالب إن كنتم مؤمنين حق الإيمان،
فإن المؤمن الصادق فى إيمانه يبتعد عن أمثال هذه المطالب التى قد تؤدى
إلى فتنته .
ثم حكى القرآن ما رد به الحوايون على عيسى فقال: ( قالوا نريد أن
فأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين .
(١) تفسير القرطبى ج ٦ ص ٣٦٤. بتصرف وتلخيص -

٤٤٥
الجزء السادس
أى: قال الحواريون لعيسى إننا نريد نزول هذه المائدة علينا من
السماء لأسباب:
أولها : أننا ترغب فى الأكل منها لنتال البركه ، ولأننا فى حاجة إلى
الطعام بعد أن ضيق علينا أعداؤك وأعداؤنا الذين لم يؤمنوا برسالتك.
وثانيها: أننا ترغب فى نزولها لكى تزداد قلوبنا إطمئنانا إلى أنك صادق
فيما تبلغه عن ربك، فإن إنضمام علم المشاهدة إلى العلم الإستدلالى ، ما يؤدى
إلى رسوخ الإيمان، وقوة اليقين .
وثالثها : أننا نرغب فى نزولها لمكى نعلم أن قد صدقتنا فى دعوى النبوة،
وفى جميع ما تخبرنا به من مأمورات ومنهيات ، لأن نزولها من السماء يجعلها
تخالف ما جثقنا به من معجزات أرضية، وفى ذلك ما فيه من الدلالة على
صدقك فى نبوتك.
ورابع هذه الأسباب : أننا نرغب فى نزولها لكى تكون من الشاهدين
على هذه المعجزة عند الذين لم يحضروها من بنى إسرائيل ، ليزداد الذين آمنوا
منهم إيماناً ، ويؤمن الذى عنده استمدوا الإيمان.
وبذلك نرى ان الحواربين قد بينوا لعيسى - كما حكى القرآن عنهم - أنهم
الإيريدون نزول المائدة من السماء لأنهم يشكون فى قدرة الله، أو فى نبوة عيسى
أو أن مقصدهم من هذا الطلب التعنت ... وإنما هم يريدون نزولها لتلك
الأسباب السابقة التى يبغون من ورائها الأكل وزيادة الإيمان واليقين والشهادة
أمام الذين لم يحضروا نزولها بكمال قدرة الله ، وصدق عيسى فى نبوته .
ثم حكى - سبحانه - ما تضرع به عيسى بعد أن سمع من الحواربين ما قالوه
فى سبب طلبهم النزول المائدة من السماء فقال - تعالى - (قال عيسى ابن مريم
اللهم ربنا انزل علينامائدة من السماء تكون لناعيدا لأولنا وآخرنا وآية منك
وارزقنا وأنت خير الرازقين).
وقوله: (اللهم) اى: يا الله . فالميم المشددة عوض عن حرف النداء ،

٤٤٦
.
سورة المائدة
ولذلك لايجتمعان. وهذا التعويض خاص بنداء الله ذى الجلال والإكرام.
وقوله: ((عيدًا)) أى مرورا وفر حالنا، لأن كلمة العيد تستعمل بمعنى
الفرح والسرور .
قال القرطبى: والعيد واحد الأعياد .. وأصله من عاد يعودأى : رجع.
وقيل ليوم الفطر والأضحى عيدا، لأنهما يعودان كل سنة . وقال الخليل:
العيد كل يوم يجمع الناس فيه كأنهم عادوا إليه، وقال ابن الأنبادى: سمى
عيدا للعود إلى المرح والفرح فهو يوم سرور ، (١).
والمعنى: قال عيسى بضراعة وخشوع - بعد أن سمع من الحواربين حجنهم-
« اللهم ربنا، أى: يا ألله باربنا ومالك أمرنا، ويجيب سؤالنا ... أقوسل
إليك أنتزل علينا (« مائدة من السماء)). أى: أطعمة كائنة من السماء، هذه
الأطعمة ، تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا، أى: يكون يوم نزولها عيدا
تعظمه ونكثر من التقرب إليك فيه نحن الذين شاهدناها , ويكون - أيضا.
يوم نزولها عيدا وسرورا وبهجة لمن سيأتى بعدنا ممن لم يشاهدها .
قال ابن كثير . قال السدى : أى نتخذ ذلك اليوم الذى نزلت فيه عيدا.
نعظمه نحن ومن بعدنا. وقال سفيان الثورى: يعنى يوما نصلى فيه . وقال.
قتادة: أرادوا أن يكون أمقبهم من بعدهم. وقال سلمان الفارسى: تكون عظمة
لنا ولمن بعدقا (٢).
وقوله: (( وآية منك، معطوف على قوله ((عيدا)).
أى: تكون هذه المائدة النازلة من السماء عيدالأولنا وآخر نا، وتكون
أيضا - دليلا وعلامة منك - سبحانك - على صحة قبوتى ورسالتى، قيصدقونى
فيما أبلغه عنك، ويزداد يقينهم بكال قدرتك .
"وقوله: ((وارزقنا وأنت خير الرازقين)) تذييل بمثابة التعليل لما قبله.
أى: أنزلها علينا يا ربنا، وارزقنا من عندك رزقا هنيئًا وغدا، فإنك أنت
خير الرازقين ، وخير المعطين ، وكل عطاء من سواك لا يغنى ولا يشبع ..
(١) تفسير القرطبى = ٦ ص ٣٦٧
(٢) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص١١٦

٤٤٧
الجزء السادس
وقد جمع عيسى فى دعائه بين لفظى ( اللهم وربنا) إظهارا النهاية التضرع
وشدة الخضوع، حتى يكون تضرع، أهلا للقبول والإجابة.
وعبر عن مجىء المائدة بالإنزال من السماء، الإشارة إلى أنها هية رفيعة،
ونعمة شريفة، آ تيه من مكان عال مرتفع فى الحس والمعنى، فيجب أن تقابل
بالشكر لواهبها - عز وجل - وبتمام الخضوع والإخلاص له.
وقوله ( تمكون لنا عيدا) صفه ثانية لماقدة، وقوله (لنا) خبر كان .
وقوله ( عيدا) حال من الضمير فى الظرف .
قال الفخر الرازى: تأمل فى هذا الترتيب، فإن الحواريين لما سألوا المائدة
ذكروا فى طلبها أغراضا، فقدموا ذكر الأكل فقالوا (نريد أن نأكل منها )
وأخروا الأغراض الدينية الروحانية .
فأما عيسى فإنه لما ذكر المائدة وذكر أغراضه فيها قدم الأغراض الدينية
وأخر غرض الأكل حيث قال: (وأرزقنا ) وعند هذا يلوح لك مراقب
درجات الأرواح في كون بعضها روحية ، وبعضها جسمانية.
ثم إن عيسى لشدة صفاء دينه لما ذكر الرزق إنتقل إلى الرازق بقوله
( وأرزقنا ) لم يقف عليه: بل إنتقل من الرزق إلى الرازق فقال: وأنت خير
الرازقين). فقوله: (ربنا) إبتداء منه بذكر الحق. وقوله ( أنزل علينا)
إنتقال من الذات إلى الصفات .
وقوله ( تكون لناعيدا لأولنا وآخربا) إشارة إلى إبتهاج الروح بالنعمة
لا من حيث إنها فعمة، بل من حيث إنها صادرة من المنعم .
وقوله: ( وآية منك) إشارة إلى كون هذه المائدة دليلا لأصحاب النظر
والإستدلال .
وقوله: ( وأرزقنا) إشارة إلى حصة النفس.
ثم قال الإمام الرازى: فانظر كيف إبتدا بالأشرف فالأشرف نازلا إلى
الأدون فالأدون .
ثم قال: (وأنت خير الرازقين) وهو عروج مرة أخرى من الخلق إلى

٤٤٨
سورة المائدة
الخالق ، ومن غير الله إلى الله، وعند ذلك تلوح لك سمة من كيفية عروج
الأرواح المشرقة النورانية الإلهية ونزولها (١)).
ثم ختم - سبحانه - حديثه عن هذه المائدة وما جرى بشأنها بين عيسى
والحواريين من أقوال فقال - تعالى -: ( قال الله إنى منزها عليكم، فمن بكفر
بعد منكم فإنى أعذبه عذابا لا اعذبه أحداً من العالمين).
وقوله: (منزلها) ورد فيه قراء تان متواتران. إحداهما: منزلها - بتشديد
الزاى - من التنزيل وهى تفيد التكثير أو التدريج كما تنىء عن ذلك صيغة
التفعيل. وبهذه القراءة قرأ ابن عامر وعاصم ونافع.
وقرأ الباقون (منزلها) بكسر الزاى - من الإنزال المفيدلنز ولهادفعه واحدة.
والمعنى: قال الله - تعالى - إنى منزل عليكم المائدة من السماء إجابة الدعاء
رسولى عيسى - عليه السلام - (فمن يكفر بعد منكم) أى فمن يكفر بعد نزولها
منكم أيها الطالبون لها (فإنى أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين ) أى: فان
أقه - تعالى - يعذب هذا الكافر بآياتى عذاباً لا يعذب مثله أحدا من عالمى
زمانه أو من العالمين جميعاً .
وقد أكد - سبحانه - عذابه للكافر بآيات الله بعد ظهورها وقيام الأدلة على
محتها بمؤكدات منها: حرف إن فى قوله (فانى أعذبه) ومنها: المصدر فى قوله
(فافى أعذبه عذابا) إذ المفعول المطلق هنا لتأكيد وقوع الفعل وهو العذاب.
ومنها: وصف هذا العذاب بأنه لا يعذب مثله لأحد من العالمين.
وهذه المؤكدات لوقوع العذاب على الكافر بآيات الله بعد وضوحها من
أسبابه . أن الكفر بعد إجابة ما طلبوه، وبعد رؤيته ومشاهدته ، وبعد قيام
الأدلة على وحدانية الله وكمال قدرته، وبعد ظهور البراهين الدالة على صدق
رسوله ...
(١) تفسير الفخر الرازى = ١٢ ص ١٣١.

٤٤٩
الجزء السادس
أقول: الكفر بعد كل ذلك يكون سببه الجحود والعناد والحسد ،
والجاحد والمعاند والحاسد يستحقون أشد العذاب ، وأعظم العقاب.
.
هذا، وهنا مسألتان تتعلقان بهذه الآيات الكريمة، نرى من الخير أن
نتحدث عنهما بشىء من التفصيل .
المسألة الأولى: آراء العلماء فى إيمان الحواريين وعدم إيمانهم.
المسألة الثانية: آراء العلماء فى نزول المائدة وعدم نزولها . ١ .
. وللاجابة على المسألة الأولى نقول: أمل منشأ الخلاف فى إيمان الحواربين
وعدم إيمانهم مرجعه إلى قولهم لميسى - كما حكى القرآن عنهم - ((هل يستطيع
ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء .... ؟ فإن هذا القول بشعر بشكهم فى
قدرة الله على إنزال هذه المائدة .
وقد ذهب فريق من العلماء - وعلى رأسهم الزمخشرى - إلى عدم إيمانهم،
وجعلوا الظرف فى قوله: « إذا قال الحواريون ... ، متعلقا بقوله قبل ذلك
,(قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون)).
أى: أنهم قالوا لعيسى آمنا واشهد بأننا مسلمون، فى الوقت الذى قالوا له
فيه «هل يستطيع ربك .... فكأنهم ادعوا الإيمان والاسلام أدعاء بدون
إيقان وإذعان ، وإلا فلو كانوا صادقين فى دعواهم لما قالوا لعيسى بأسلوب
الاستفهام: «هل يستطيع ربك ... ).
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف قالوا: ((هل يستطيع ربك)) بعد
إيمانهم وإخلاصهم؟ قلت: ما وصفهم الله بالا يمان والاخلاص، وإنما حكى
إدعاءهم له)، ثم أتبعه بقوله: ((إذا قالوا، فإذن دعواهم كانت باطلة، وإنهم
کانوا شا کین، وقوله : « هل يستطيع ربك، كلام لا يرد مثله عن مؤمنين
معظمين لربهم ، وكذلك قول عسى لهم معناه: اتقوا الله ولا تشكرا فى اقتداره
واستطاعته، ولا تقترحوا عليه، ولا تحكموا ما تشتهون من الآيات فتهلكوا
( ٢٩ - سورة السائدة)

٤٥٠
سورة المائدة
إذا عصيتموه بعدها (( إن كنتم مؤمنين)) أى: إن كافت دعواكم للايمان
صحيحة.))(١).
وذهب جمهور العلماء إلى أن الحواريين عندما قالوا لعيسى (هل يستطيع
ربك .. )) كانوا مؤمنين ، واستدلوا على ذلك بأدلة منها:
١ - أن الظرف فى قوله: ((إذ قال الحواريون .. )) ليس متعلقا بقوله:
, قالوا آمنا .. ، وإنما هو منصوب بفعل مضمر تقديره أذكر، وهذا
مارجحة العلامة أبو السعود فى تفسيره فقد قال :
قوله: ((إذا قال الحواريون.)) كلام مستألف موق لبيان بعض
ما جرى بينه عليه السلام - وبين قومه منقطع عما قبله، كما يفي. عنه
الاظهار فى موضع الاضمار وإذ منصوب بمضمر .... وقيل هو ظرف
لقالوا أريد به التنبيه على أن إدعاءهم الايمان والاخلاص لم يكن من تحقق
وإبقان ولا يساعده النظم الكريم))(٢).
٢ - أن قول الحواريين لعيسى ((هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة
من السماء)) لا يسحب عنهم الايمان، وقد خرج العلماء قولهم هذا
بتخريجات منها :
(١) أن قو لهم لم یکن من باب الشك فى قدرة الله ، وإنما هو من باب
زيادة الاطمئنان عن طريق ضم على المشاهدة إلى العلم النظرى بدليل أنهم قالوا
بعد ذلك ((تريد أن فأ كل منها وتطمئن قلوبنا ... )).
وشبيه بهذا قول إبراهيم (رب أرنى كيف تحى الموتى، قال أو لم تؤمن؟
قال بلى ولكن ليطمئن قلبى ٠٠٠)).
قال القرطبى ما ملخصه: «الحواريون خلصان الأنبياء ودخلاؤهم
(١) تفسير الكشاف = ١ ص ٦٩٣.
(٢) تفسير أبى السعود حـ ٢ ص ٧٢.

٤٥١
الجزء السادس
وأنصارهم ، وقد كانوا عالمين باستطاعة الله لذلك ولغيره علم دلالة وخيرو نظر
فأرادوا على معاينة كذلك، كما قال إبراهيم (( رب أرى كيف تحبى الموتى.،
وقد كان إبراهيم علم ذلك على خبر ونظر، ولكن أراد المعاينة الى لا يدخلها
ريب ولا شبهة؛ لأن علم النظر والخبر قد تدخله الشبهة والاعتراضات، وعلم
المعاينة لا يدخله شىء من ذلك، ولذلك قال الحواريون: ((وتطمئن قلوبنا)).
كما قال إبراهيم ((ولكن ليطمئن قلبى)).
(ب) أن السؤال إنما هو عن الفعل لا عن القدرة عليه، وقد بسط الآلوسى
هذا المعنى فقال: إن معنى ((هل يستطيع ربك، هل يفعل ربك، كما تقول
للقادر على القيام : هل تستطيع أن تقوم معى مبالغة فى التقاضى .
والتعبير عن الفعل بالاستطاعة من باب التعبير عن المسبب بالسبب، إذ
هى - أى الاستطاعة - من أسباب الإيجاد ... )،(١).
(حـ) أن الاستطاعة هنا بمعنى الإطاعة - كما سبق أن أشرنا -. ويشهد
لذلك قول الفخر الرازى: قال السدى؛ قوله ((هل يستطيع ربك .. )).
أى: هل يطيعك ربك إن سألته. وهذا تفريع على أن استطاع بمعنى
أطاع والسين زائدة (٢) .
والذى نراه أن رأى الجمهور أرجح الأدلة التى ذكرناها، ولأن الله
- تعالى - قد ذكر قبل هذه الآية أنه قد امتن عليهم بإلهامهم الإيمان فقال:
((وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولى ... )) ولأنهم
لو كانوا غير مؤمنين، لكشف الله عن حقيقتهم، فقد جرت سنته
- سبحانه - مع أنبيائه أن يظهر لهم نفاق المنافقين حتى بحذروم ....
ولأنهم أو كانوا غير مؤمنين، لما أمر الله أتباع النبى - صلى الله عليهوسلم-
بالتأسى بهم فى إخلاصهم ورسوخ يقيتهم قال - تعالى -: ((يأيها الذين آمنوا
(١) تفسير الآلوسى = ٧ ص ٠٥٩
(٢) تفسير الفخر الرازى جـ ١٢ ص ٠١٢٩

٤٠٢
سورة المائدة
كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواربين من أنصارى إلى الله ؟قال
الحواريون نحن أنصار اته ... )(١) .
وقال - تعالى -, فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصارى إلى الله؟
قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون،(٢).
فهاتان الآيتان صريحتان فى مدح الحواريين ، وفى أنهم قوم التفواحول
عيسى - عليه السلام - وفاصروه مناصرة صادقة، وآمنوا به إيمانا سليما من
الشك والتردد .
وأما المسألة الثانية وهى آراء العلماء فى نزول المائدة: فالجمهور على
أنها نزلت .
وقد رجح ذلك ابن جرير فقال ما ملخصه: والصواب من القول عندنا
فى ذلك أن يقال :
إن الله أنزل المائدة .. لأن الله لا يخلف وعده ولا يقع فى خبره الخلف
وقد قال - تعالى - مخبرا فى كتابه عن إجابة نبيه عيسى حين سأله ما سأله من
ذلك (( إنى منزلها عليكم)، وغير جائز أن يقول الله إنى منزلها عليكم ثم
لا ينزلها ، لأن ذلك منه - تعالى - خبر، ولا يكون منه خلاف ما يخبر ... (٢).
وقد علق ابن كثير على مارجحه ابن جرير فقال: وهذا القول هو - واقه.
أعلم - الصواب، كما دلت عليه الأخبار والآثار عن السلف وغيرهم .
ومن الآثار ما أخرجه الترمذى عن عمار بن ياسر قال : قال رسول الله.
-صلى الله عليه وسلم - أنزلت المائدة من السماء خبزا ولحما، وأمروا أن لا يخوفوا
ولا يدخروا لغد: فخافوا وأدخروا ورفعوا لغد فسخهم قردة وخنازير.
قال الترمذى : وقد روى عن عمار من طريق موقوفا وھو أصبح.
(١) الآية الأخيرة من سورة الصف .
(٢) سورة آل عمران. الآية ٠٥٣
(٣) تفسير ابن جرير جـ ٧ ص ٠١٣٥

٤٥٣
الجزء السادس
وأخرج ابن أبى حاتم عن ابن شهاب عن ابن عباس ، أن عيسى ابن مريم
قالوا له ادع الله أن ينزل علينا مائدة من السماء. قال: فنزلت الملائكة بالمائدة
يحملونها. عليها سبعة أحوات وسبعة أرغفة. فأكل منها آخر الناس كما أكل
منها أولهم (١).
والذى يراجع بعض كتب التفسير يرى كلاما كثيرا عما كان على المائدة
من أصناف الطعام، وعن كيفية نزولها ومكانه، وعن كيفية استقبالها وكشف
غطائها ، والأ كل منها ، والباقى عليها بعد الأكل ... وهذا الكلام الكثير
رأينا من الخير أن تضرب عنه صفحا، لضعف أسانيده، ولأنه لايخلو عن
غرابة و فکارة۔ کما قال ابن کثیر ۔ فقد ذ کر - رحمه الله - أثرا طويلا فى هذا
المعنى ثم قال فى نهايته: هذا أثر غريب جدا قطعه ابن حاتم فى مواضع من
هذه القصة، وقد جمعته أنا ليكون سياقه أتم .. ،(١).
ويعجنى فى هذا المقام قول ابن جرير : وأما الصواب من القول فيما كان
على المائدة، فأن يقال: كان عليها ما كول . وجائز أن يكون هذا المأكول
سمكاوخبزا، وجائز أن يكون كان ثمر الجنة، وغير نافع العلم به، ولا ضار
الجهل به، إذا أقر تالى الآية بظاهر ما احتمله التنزيل. (٢).
ويرى الحسن ومجاهد أن المائده لم تنزل ، فقد روى ابن جرير - بسنده -
عن قتادة قال: كان الحسن يقول: لما قيل لهم: ((فمن يكفر بعدمنكم .. ،
قالوا: لاحاجة لنا فيها، فلم تنزل .
وروى منصور بن زادان عن الحسن أيضا أنه قال فى المائدة : إنها
لم تنزل .
-
(١) تفسير ابن كثير كثير جـ ٢ ص ١١٦
(٢) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ١١٩
(٣) تفسير ابن جريرُ جـ ٧ ص ١٣٥

٤٠٤
سورة المائدة
وروى ابن أبى حاتم وابن جرير عن ليث بن أبى سليم عن مجاهد قال :
هو مثل ضربه اقه ولم ينزل شىء .
أى: مثل ضربه الله للناس نهيا لهم عن مسألة الآيات لأنبيائه ،
قال الحافظ ابن كثير : وهذه أسانيد صحيحة إلى مجاهد والحسن . وقد
بتقوى ذلك بأن خبر المائدة لاتعر فه النصارى . ولیسفی کتابهم ، ولو كانت
قد نزلت لكان ذلك مما تتوفر الدواعى على نقله . وكان يكون موجودا فى
کتابهم متواثرا ولا أقل من الآحاد ،(١).
وقد علق بعض العلماء على كلام ابن كثير هذا فقال : ولنا أن نقول: إن
هذا الاستدلال إن كان يعنى عدم نزولها فقط ، فقد يكون له شىء من الوجاهة
وإن كان يعنى أنها لم تنزل ولم يسأل ، فهو محل نظر كبير، لأن السؤال ما لم
ينته بإجابة كونية فعلية تبرز بها المائدة للناس ، ويرونها بأعينهم ، ويلمسونها
بأيديهم، فلا يعد بذلك مما تتوافر الدواعى على نقله، لا سيما وعيسى فى بيئة
محمصورة: جماعة سألوا وأجيبوا ، وانتهى الأمر برجوعهم عما سألوا فعدم
تواتر سؤالهافى كتب النصارى أو عدم وجوده فيها لا يستغرب ، كماإستعرب
الأمر فيما لو نزلت المائدة فعلا ورآها الناس فعلا، وأكلوا منها . وتذوقوا
طعامها ، ولم يذكر عن ذلك شئ ..
وقد ذكر القرآن هذه الحقيقة ابتداء وانفرد بها عن سائر الكتب ،
ولا يلزم أن يكون كل ما قصه أقله - تعالى - فى القرآن قد قصه فى غيره من
الكتب المتقدمة، ولا أن أصحاب الأناجيل علموا بكل شىء حتى يمثل هذه
المحاورة الخاصة التى لم تفته بحادث كونى حتى يكون عدم ذكرهم إياها فى
أناجيلهم - التى وضعوها - دليلا على عدم سؤالها. فقصة السؤال إذن لم
ترد فيما عند النصارى ولكنها وردت فيما عند المسلمين.
ومر الجائز أن تكون ما ورد فى الأناجيل ، وأن تكون ما أخفاه أهل
(١) تفسير ابن كثير - ٢ ص ١١٩

٤٥٥
الجزء السادس
المكتاب، أوضاع منهم علمه بسبب ما. والقرآن كما وصف نفسه مهيمن على
کتبهم التى وصفها بأنهم حرفوها وأنهم كانوا يخفون كثيرا منها ، وأنه يبين
لهم كثيرا ما كانوا يخفون)،(١).
هذا ، وما سبق يتبين لنا أن العلماء متفقون على أن الحواربين قد سألوا
عيسى أن يدعو ربه أن ينزل عليهم مائدة من السماء ، وأن عيسى قد دعاربه
فعلا أن ينزلها ، كما جاء فى الآية الكريمة ..
ومحل الخلاف بينهم أنزلت أم لا؟ فالجمهور يرون أنها نزلت لأن الله وعد
بذلك. فى قوله (( إنفى منزلها عليكم، والحسن ومجاهد يربان أنها لم تنزل، لأن
الوعد بنزولها مقيد بما رتب عليه من وقوع العذاب بهم إذا لم يؤمنوا بعد
نزولها، وأن القوم بعد أن سمعوا هذا الشرط قالوا: لا حاجة لنا فيها . فلم
تنزل. ويبدو لنا أن رأى الجمهور أقرب إلى الصواب، لأن ظاهر الآبات
يؤيده، وكذلك الآثار التى وردت فى ذلك .
ثم حكت السورة الكريمة ماسيقوله الله اميسى يوم القيامة، وما سيرد به
عيسى على خالقه - عز وجل - حتى تزداد حسرة الذين وصفوا المسيح وأمه
بما هما بريتان منه فقال - تعالى -:
((وإذ قالَ اللهُ يا عيسى ابن مريم أأنتَ قلت للناس اتخذوني
وأمََّ إلهينٍ من دونِ الله؟ قالَ: سُبحانك. ما يكونُ لى أنْ أقولّ
ما ليسَ لِ بُحقٌّ، إنْ كنتُ قلّهِ فَقَدْ عَلَمْهُ، تعلم ما فى نفسِى ولا
أعلمُ ما فى نفسِك إنك أنتَ علام الغيوبِ (١١٦) ما قلتُ لهم إلاَّ
ما أمرتني به أَنِ اعْبُدُوا اللهَ ربِّى وربّكُم، وكنتُ عليهِمْ شهيداً
مادمتُ فيهم، فلمّا توفّيتنى كُنتَ أنتَ الرقيب عليهم، وأنت على كل
(١) تفسير القرآن الكريم ص ٢٨١، لفضيلة الإمام الأكبر المرحوم الشيخ
محمود شلتوت .

٤٥٦
سورة المائدة
شىءٍ شهيدٍ (١١٧) إنْ تعذِّبْهم فإنهم عبادُك وإنْ تغفِرْ لهم فإنكَ
أنتُ العزيزُ الحكيم (١١٨))).
وقوله: (( وإذ قال الله ياعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمى
إلهين من دون الله ... ، معطوف على قوله - تعالى - قبل ذلك: ((إذ قال
الحواريون
والخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا القول إنما يكون فى الآخرة
- على الصحيح . .
والمعنى: واذكر أيها الرسول الكريم وليذكر معك كل مكلف وقت أن
يسأل الله - تعالى - عبده ورسوله عيسى فيقول له ياعيسى: أأنت قلت للناس
((اتخذونى)) أى: اجملونى (،وأمى إلهين من دون الله، أى من غير الله.
قال القرطبى: اختلف فى وقت هذه المقالة، فقال قتادة وابن جريج
وأكثر المفسرين: إنما يقول له هذا يوم القيامة. وقال السدى وقطرب: قال
له ذلك حين رفعه إلى السماء وقالت النصارى فيه ماقالت فإن ((إذا) فى كلام
العرب لما مضى. والأول أصح، يدل عليه ماقبله من قوله , يوم يجمع الله
الرسل .. الآية، كما يدل عليه ما بعده وهو قوله: « هذا يوم ينفع الصادقين
صدقهم .....
وعلى هذا تكون إذ بمعنی إذا کما فى قوله: (( ولو ترى إذ فزعوا فلافوت))
أى: إذا فزعوا ... فعبر عن المستقبل بلفظ الماضى، لأنه لتحقيق أمره
وظهور برهانه. كأنه قد وقع(١) ...
وكان النداء بقوله - سبحانه - ((ياعيسى ابن مريم)) أى: بذكر
البنوة، للإشارة إلى الولادة الطبيعية التى تنفى أن يكون إلها أو ابن إله أو فيه
(١) تفسير القرطبي ج ٦ ص ٣٧٤.

٤٠٧
الجزء السادس
عنصر الألوهية بأى وضع من الأوضاع، لأن الألوهية والبشرية نقيضان
لا يجتمعان، فلا يمكن أن يكون البشر فيه ألوهية، ولا الإله فيه بشريه.
والتعبير بقوله ((اتخذونى)) يدل على أنه ليس له حقيقة، بل هو فى ذاته
اتخاذ بما لا أصل له .
والمقصود بالاستفهام فى قوله: أنت قلت ... ، توبيخ للكفرة من قومه
وتبكيت كل من نسب إلى عيسى وأمه ما ليس من حقهما ، وفضيحهتم على
رءوس الأشهاد فى ذلك اليوم العصيب، لأن عيسى سينفى عن نفسه أمامهم أنه
قال ذلك (( وإنما هو أمرهم بعبادة الله وحده. ولا شك أن النفى بعد السؤال
أبلغ فى التكذيب ، وأشد فى التوبيخ والتقريع، وادعى لقيام الحجة على من
وصفوه بما هو برىء منه.
قال الآلوسي : واستشكلت الآية بأنه لا يعلم أن أحداً من النصارى اتخذ
مريم إلها.
٠
وأجيب عنه بأجوبة الأول: أنهم لما جعلوا عيسى إلها لزمهم أن يجعلوا
والدته أيضا كذلك لأن الولد من جنس من يلده، فذكر (( إلهين)) على طريق
1
الإلزام لهم.
والثانى: أنهم لما عظموها تعظيم الإله أطلق عليها اسم الإله كما أطلق اسم
الرب على الأحبار والرهبان فى قوله: «اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من
من دون الله
والثالث: أنه يحتمل أن يكون فيهم من قال بذلك . ويعضد هذا القول
ما حكاه أبو جعفر الإمامى عن بعض النصارى أنه قد كان فيما مضى قوم يقال
لهم: المريمية ، يعتقدون فى مريم الألوهية. وهو أولى الأوجه عندى(١) ..
وقوله - تعالى - ((قال سبحانك ما يكون لى أن أقول ما ليس لى بحق)).
بيان لما أجاب به عيسى على خالقه - عز وجل - .
(١) تفسير الآلوسى = ٧ ص ٦٥

٤٥٨
سورة المائدة
أى: قال عيسى مجيبا ربه بكل أدب وإذعان: تنزيها لك - يا إلهى - عن
أن أقول هذا القول، فإنه ليس من حقى ولا من حق أحد أن ينطق به .
فأنت ترى أن سيدنا عيسى - عليه السلام - قد صدر كلامه بالتنزيه المطلق
لله - عز وجل - ثم عقب ذلك بتأكيد هذا التغزيه، بأن أعلن بأنه ليس من
حقه أن يقول هذا القول، لأنه عبد له - تعالى - ومخلوق بقدرته . ومرسل
منه لهداية الناس فكيف يلق بمن كان شأنه كذلك أن يقول لمن أرسل
إلهم (( اتخذونی و أمی إلهین من دون الله)).
ثم أضاف إلى كل ذلك الاستشهاد بالله - تعالى - على براءته، وإظهار
ضعفه المطلق أمام على خالقه وقدرته فقال - كما حكى القرآن عنه - «إن كنت
قلته فقد علمته تعلم مافى نفسه ولا أعلم مافى نفسك إنك أنت علام الغيوب ..
أى. إن كنت قلت هذا القول وهو ((اتخذونى وأمى إلهين من دون الله)»
فأنت تعلمه ولا يخفى عليك منه شىء - لأنك أنت - يا إلهى - تعلم ما فى
(( نفسى ، أى ما فى ذاتى ، ولا أعلم ما فى ذاتك.
والمراد : تعلم ما أعلم ولا أعلم ما تعلم، وتعلم ما فى غيبى ولا أعلم ما فى
غيبك، وتعلم ما أقول وأفعل ولا اعلم ما تقول وتفعل إنك أنت - يا إلهى -
علام الغيوب .
فهذه الجملة الكريمة بجانب تأكيدها لنفى ماسئل عنه عيسى - عليه السلام ..
تدل بأبلغ تعبير على إثبات شمول علم الله - تعالى - بكل شىء، وقد أكد عيسى
ذلك، بإن المؤكدة، وبالضمير أنت، وبصيغة المبالغة (( علام، وبصيغة الجمع
لفظ ((الغيوب)) فهو لم يقل: إنك أنت عالم الغيب , وإنما قال - كما حكى
القرآن عنه - « إنك أنت علام الغيوب، بكل أنواعها، وبكل ما يتعلق
بالکائنات كلها
وبعد هذا التنزيه من عيسى - عليه السلام - لله عز وجل - ، وبعد هذا
النفى المؤكد لما سئل عنه ... بعد كل ذلك بحكى القرآن ماقاله عيسى لقومه

- الجزء السادس
فيقول: ((ما قلت لهم ألا ما أمرتنى به أن أعبدوا الله ربي وربكم ، وكنت
عليهم شهيداً مادمت فيهم، أى: ما قلت لهم - يا إلهى - ,اتخذونى وأمى
إلهين من دون الله)، وإنما القول الذى قلته لهم هو الذى أمرتنى أن أبلغهم اياه
وهو عبادتك وحدك لاشريك لك، فأنت ربى وربهم، وأنت الذى خلقتنى
وخلفتهم، فيجب أن ندين لك جميعاً بالعبادة والخضوع والطاعة، وأنت تعلم -
يا الهى - أننى لم أقصر فى ذلك، وأننى كنت رقيباً وشهيداً على قومى، وداعياً
لهم إلى اخلاص العبادات لك والعمل بموجب أمرك مدة بقائى فيهم.
قال الفخر الرازى: وأن فى قوله « أن اعبدوا الله .. ، مفسرة، والمفسر
هو الهاء فى (( به، من قوله، إلا ما أمر تنى به، وهو يعود إلى القول المأموربه.
والمعنى: ما قلت لهم إلا قولا أمرتنى به، وذلك القول هو أن: اعبدوا
الله ربي وربكم. واعلم أنه كان الأصل أن يقال: ما أمرنهم إلا بما أمرتنى به
إلا أنه وضع القول موضع الأمر، نزولاً على موجب الأدب الحسن، لئلا يجعل
نفسه وربه آمرين معا، ودل على الأصل بذكر أن المفسرة(!)).
وقوله: (( فلما توفيتنى كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شىء شهيد)
بيان لانتهاء مهمته بعد فراقه لقومه ..
أى: أنت تعلم يا إلهى بأنى ما أمرتهم إلا بعبادتك، وبأنى ما قصرت فى
حملهم على طاعتك مدة وجودى معهم، ((فلما توفيقنى)» يا إلهى. أى: قبضتنى
بالرفع إلى السماء حياء. كنت أنت الرقيب عليهم، أن: كنت أنت وحدك الحفيظ
عليهم المراقب لأحوالهم ، العليم بتصرفانهم، الخبير بمن أحسن منهم وبمن أسباء
وأنت - يا إلهى - على كل شىء شهيد، لا تخفى عليك خافية من أمور خلفك.
هذا، وما ذهبنا إليه من أن معنى «فلما توفيقنى، أى: قبضتنى بالرفع إلى
السماء حيا قول جمهور العلماء .
.(١) الفخر الرازى : ١٢ ص ١٢٥

٤٦٠
سور المائدة
ومنهم من يرى أن معنى ((فلما توفيتنى» أى: أمتنى وزعموا أن رفعه إلى
السماء كان بعد موته .
قال بعض العلماء مؤيدا ماذهب إليه الجمهور: قوله. فلما توفيتنى، أى فدا
أخذتنى وافيا بالرفع إلى السماء حيا، انجاء لى ما دبروه من قتلى، من التوفى
وهو أخذ الشىء وافيا أى كاملا. وقد تجاء التوفى بهذا المعنى فى قوله- تعالى
(((يا عيسى إنى متوفيك ورافعك إلى ومطهرك من الذين كفروا ... )).
ولا يصح أن يحمل التوفى على الإماتة ، لأن امانة عيسى فى وقت حصار
أعدائه له ليس فيها ما يسوغ الامتنان بها. ورفعه إلى السماء جثة هامدة سخف
من القول. وقد نزه الله السماء أن تكون قبورا لجثث الموتى. وإن كان الرفع
بالروح فقط ، فأى مزية لعيسى فى ذلك على سائر الأنبياء، والسماء مستقر
أرواحهم الطاهرة فالحق أنه - عليه السلام - رفع إلى السماء حيا بجسده وروحه
وقد جعلة الله آية، والله على كل شىء قدير (١)).
وقال الشيخ القاسمى: وقد دلت الآية الكريمة على أن الأنبياء بعداستيفاء
أجلهم الدنيوى، ونقلهم إلى البرزخ لا يعلمون أعمال أمتهم. وقدروى البخارى
هنا عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: خطب رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - فقال: يا أيها الناس إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلا - أى غير
مختوفين - ثم قال: ((كما بد أنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين)).
ثم قال: ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم. ألاوإنه يجاء برجال
من أمتى فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: يارب أصيحابى. فيقال: إنك لا تدرى
ما أحدثوا بعدك فأقول كما قال العبد الصالح ,وكنت عليهم شهيداً مادمت فيهم
فلما توفيقنى كنت أنت الرقيب عليهم، فيقال لى. إن هؤلاء لم يزالوامرقدين
على أعقابهم منذ فارقتهم (٢))).
(١) تفسير صفوة البيان لمعانى القرآن من ٢١٣ لفضيلة الأستاذ الشيخ حسين محمد مخلوف
(٢) تفسير القاسمى ج ٦ ص ٢٢٢٣.