النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١ الجزء السادس 1 وفقل الفخر الرازى عن عبد الله بن المبارك أنه قال: هذه أو كد آبة فى وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فإنه - سبحانه - قال ((عليكم أنفسكم ، يعنى عليكم أهل دينكم، ولا يضركم من ضل من الكفار، وهذا كقوله. فاقتلوا أنفسكم، يعنى أهل دينكم، فقوله (( عليكم أنفسكم، يعنى بأن يعظ بعضكم بعضاً، ويرغب بعضكم بعضاً فى الخيرات ، وبنفره عن القبائح والسيئات ... )(١) . ثم ختمت السورة حديثها الطويل المتنوع عن الأحكام الشرعية ، ببيان بعض أحكام المعاملات فى المجتمع الإسلامى، فتحدثت عن التشريع الخاص بالإشهاد على الوصية فى حالة السفر ، وعن الضمانات التى شرعتها لكى يصل الحق إلى أهله كاملا غير منقوص فقال - تعالى -: ((يأيها الذينَ آمنُوا شهادة بينكم إذا حضرَ أحدَ كم الموتُ حينَ الوصيةِ اثنانِ ذَوا عَدْلٍ منكُم أو آخرانٍ مِنْ غيرِيمُ إنْ أَنتُمَ ضرتُم فى الأرضِ فأمَبتكم مصيبةُ الموتِ تحبسونَهَا مِنْ بَعْدِ الصلاةِ، فَقْسِمَن بِاللهِ إِنِ ارتبتم لا نَشْتَرِى به ثمناً ولو كانَ ذا قربى، ولا نَكتم شهادةَ اللهِ إِذَّا إذاً من الآثمين (١٠٦) فإنْ مُثِرٍ على أنها استحقًّا فِهاً فَآَخِرَانِ بِقُومانِ مقامَهُما مِنَ الذينَ استحقَّ عليهمُ الْأَوْلِاَنِ فيقسمانٍ. باللهِ لشهادَ تنا أحقّ من شهادتهما وما اعتدينا إنّا إذاً لمن الظالمين (١٠٧) ذلك أدََّى أنْ يَأْتَوا بالشهادةٍ عَلَى وجهها أو يخافُوا أنْ تَرَدَّ أَيمانٌ بعد أَحْمَنِهِمْ، واتقوا اللهَ واسمعوا والله لا يهدي القوم الفاسقينَ (١٠٨)). ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات مختلفة فى تفاصيلها، إلا أنها متقاربة فى مغزاها ... (١) تفسير الفخر الرازى = ١٢ ص ٠١١٢ ٤٢٢ سورة المائدة ومن ذلك ماذ کره ابن كثير بقوله: روى ابن أبى حاتم عن ابن عباس من تميم الدارى فى هذه الآية ((يأيها الذين آمنوا شهادة بينكم ... ، قال : يرى الناس منها غيرى وغير عدى بن بداء، وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل الإسلام، فأتيا الشام لتجارتهما، وقدم عليهما مولى لبن سهم يقال له ((بديل بن أبى مريم)، بتجارة، ومعه جام من فضة أى إناء من فضة - يريد به الملك، وهو أعظم تجارته ؛ فرض فأوصى إليهما، وأمرهما أن يبلغا ماترك أهله - أى : يوصلا ما تركه من متاع لورثته . قال تعميم: فلما مات أخذنا ذلك الجام فمعناه بألف درهم ، واقتمنا الثمن أنا وعدى، فلما قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا، وفقدوا الجام فألونا عنه، فقلنا: ما ترك غير هذا ، ومادفع إلينا غيره . قال تميم : فلما أسلمت بعد قدوم النبى - صلى الله عليه وسلم - المدينة تأثمت من ذلك، فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر، ودفعت إليهم خمسمائة درهم ، وأخبرتهم أن عند صاحبى مثلها، فوثبوا عليه، فأمرهم النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يستحلفوه بما يحكم به على أهل دينه، خلف فنزلت: (يأيها الذين آمنوا شهادة ... الآيات فقام عمرو بن الماص ورجل آخر منهم لتخلفا، فنزعت. الخمسمائة من عدى بن بداء ... (١) . وقال القرطبى: ولا أعلم خلافا أن هذه الآيات نزات بسبب تميم الدارى وعدى بن بداء، روى البخارى والدار قطنى وغيرهما عن ابن عباس قال : كان تميم الدارى وعدى بن بداء يختلفان إلى مكة، يخرج معهما فى من بنى سهم فتوفى بأرض ليس بها مسلم، فأوصى إليهما، فدفعا تركته إلى أهله وحبلا جاما من فضة مخوصا بالذهب - أى عليه صفائح الذهب مثل خوص النخل - استحلفهما رسول الله - صلى اله عليه وسلم - «ماكتمتما ولا اطلعتماء ثم (١) تفسير ابن كثير ج ٢ ص ٩٥. ٤٢٣ الجزء السادس . وجد الجام بمكة فقالوا : اشتريناه من عدى وتميم ، نجاء رجلان من ورثة السهمى، خلفا أن الجام للسهمى، ولشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا، قال : فأخذوا الجام وفيهم نزلت هذه الآيات(١) . هذا، والمعنى الإجمالى لهذه الآيات: أن الله - تعالى - شرع لكم ـ أيها المؤمنون - الوصية فى السفر، فعلى من بمس منكم بدنو أجله وهو فى السفر أن يحضر رجلا مسلما ويوصيه بإيصال ماله لورثته، فإذا لم يحد رجلا مسلما فليحضر كافرا، والاثنان أحوط ، فإذا أوصلا ما عندهما إلى ورثة الميث ، وأرتاب الورثة فى أمانة هذين الرجلين ، فعليهم فى هذه الحالة أن يرفعوا الأمر المحاكم، وعلى الحاكم أن يستحلف الرجلين بالله بعد الصلاة ، بأنهما ما كتما شيئاً من وصية وما خانا . فإذا ظهر بعد ذلك للحاكم أو لورثة الميت أن هذين الرجلين لم يكونا أمينين فى أداء ما كلفهما الميت بأدائه، فعندئذ يقوم رجلان من أقرب ورثة الميت ، ليحلفا بالله أن شهادتهما أحق وأولى من شهادة الرجلين الأولين، وأن هذين الرجلين لم يؤديا الوصية على وجها . ثم بين - سبحانه - فى الآية الثالثة أن ما شرعه لقه لهم هو أضمن طريق لأداء الشهادة على وجهها الصحيح، وعليهم أن يراقبوه ويتقوه لكى بكونوا من المؤمنين الصادقين : هذا هو المعنى الإجمالى للآيات الكريمة ، سقناه قبل تفصيل الفول فى تفسيرها حتى يتهيأ الذهن لفهمها بوضوح . قال الآلوسي: وقوله: (( يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم ... إلخ، استئناف مسوق لبيان الأحكام المتعلقة بأمور دنياهم ، إثر بيان الأحوال المتعلقة بأمور دينهم . وفيه من إظهار العناية بمضمونه مالا يخفى. (٣) تفسير القرطبى ج ٦ ص٣٤٦. ٤٢٤ سورة المائدة والشهادة معان منها، الإحضار، والقضاء، والحكم، والخلف، والعلم والإيصاء، والمراد بها هنا الأخير، كمانص عليه جماعة من المفسرين (١)). وقوله: « شهادة)) يصح أن يكون مبتدأ . وخبره قوله: ((اثنان، على حذف مضاف . أى : شهادة إثنين . وبصح أن يكون مبتدأ والخبر محذوف. أى: فيما أمرتم به أن يشهد إثنان: ويكون قوله ((اثنان)، فاعلا لقوله, شهادة،. وعليه تكون إضافة قوله: شهادة، إلى الظرف وهو «بينكم، على التوسع. قال القرطى: قوله:( شهادة بينكم)، قيل: معناه شهادة ما بينكم، تحذفت ((ما، وأضيفت الشهادة إلى الظرف، واستعمل إسما على الحقيقة، وهو المسمى عند النحويين بالمفعول على السعة ... ومنه قوله - تعالى -,هذا فراق بینی وبینك ، أى : ما بنى و بنك ، والمراد بقوله: ((إذا حضر أحدكم الموت، ظهور أماراته وعلاماته. وهو ظرف متعلق بقوله: (( شهادة )). وقوله: «حين الوصية، بدل من الظرف. وفى هذا الإبدال تنبيه على أن الوصية لا ينبغى أن يتهاون فيها . وقوله: « ذوا عدل منكم، صفتان لقوله (( إثنان)). وقوله : (( أو آ خران من غير كم، معطوف على قوله , اثنان،١٠ والمراد من غير المسلمين ، ويرى بعضهم أن المراد بقوله ((منكم، أى: من قبيلتكم ، وبقوله: من غيركم، أى: من غير قبيلتكم . وقوله: ((إن أنتم ضرتم فى الأرض فأصابتكم مصيبة الموت، بيان لمكان الوصية وزمانها . (١) تفسير الآلوسي ج ٧ ص ٠٤٦ ٤٢٥ الجزء السادس والمراد بالضرب فى الأرض السفر فيها. وقيل للمسافر ضارب فى الأرض لأنه يضربها برجليه أو بعصاه .. والمراد بقوله: ((فأصابتكم مصيبة الموت، أى: فقارتم نهاية أجلكم بأن أحسستم بدقو الموت منكم . فليس المراد الموت بالفعل، وإنما المراد مشارفته ومقاربته وسمى - سبحانه - الموت مصيبة، لأنه بطبيعته يؤلم، أو يصحبه أو بقاربه ، أو يسبقه آلام نفسية . قال القرطبى: وفى الكلام حذف تقديره إن أقتم ضريتم فى الأرض فأصابتكم مصيبة الموت، فأوسيتم إلى إثنين عدلين فى ظنكم، ودفعتم إليهما ما معكم من المال، ثم متم وذهبا إلى ورثتكم بالتركة فارتابوا فى أمرهما، وادعوا عليهما خيانة، فالحكم أن تحبسوهما من بعد الصلاة، أى تستوثقوا منهما .. (١) .. فقوله: تحبونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله ... ، كلام مستأنف لبيان ما يجب على الحماكم ان يفعله عند الشك فى أمانه الرجاين اللذين دفع إليهما الميت ما له ليوصلاه إلى أهله . ومعنى: تحبونهما)) توقفونها وتمسكونهما لأداء اليمين اللازمة عليهما والمراد بالصلاة: صلاة "مصر. وقد روى ذلك عن ابن عباس وجماعة من التابعين. قال الفخر الرازى: إنما عرف هذا التعيين بوجوه: أحدها: أن هذا الوقت كان معروفا عندهم بالتحليف بعدها ، فالتقييد بالمعروف المشهور أغنى عن التقييد باللفظ. وثانيها: ما روى أنه لما نزلت هذه الآية على النبى - صلى الله عليه وسلم - العصر، ودعا بعدى وتميم فاستحلفهما عند المنبر فصار فعل الرسول دليلا على التقييد. وثالثها: أن جميع أهل الأديان يعظمون هذا الوقت ويذكرون الله فيه، ويحترزون عن الحلف الكاذب (٢). (١) تفسير القرطبي = ٦ ص ٣٥٢ - (٢) تفسير الفخر الرازى جـ ١٢ ص ٠١١٧ ٤٢٦ سورة المائدة وقال الزهرى: المراد بالصلاة: الصلاة مطلقاً: وإنما كان الحلف بعد الصلاة ، لأنها داعية إلى النطق بالصدق ، وناعية عن الكذب والزور. أى: توقعون - أيها المسلمون - هذين الرجلين بعد الصلاة لأداء اليمين ( فيقسمان باقه، أى: فيحلفان بالله , إن ارتبتم، فى صدقهما، بأن يقولا: (( لا نشترى به ثمنا ولو كان ذا قربى)، أى: لا نحصل بيمين الله عرضاً من أعراض الدنيا ، ولو كان من نقسم له ونشهد عليه قريبا لنا ... (ولا تكتم شهادة الله، أى: ولا تكتم الشهادة التى أمرنا الله بإظهارها وأدائها (( إنا إذاً لمن الآثمين)) أى: إنا إذا لنكونن معدودين من المستقرين فى الذنوب والآثام إن كتمناها وبدلناها عن وجها الصحيح. وقوله (( إِن إرتبتم، شرط لا يتوجه تحليف الشاهدين إلا به، ومتى لم بقع ريب ولا إختلاف فلا يمين . وجواب الشرط محذوف للعلم به مما قبله . أى: إن إرتبتم خلفوهما. والضمير فى قوله: (( به، يعود إلى القسم المفهوم من قوله: ((فيقسمان)) أى: فيقسمان بالله لا تشترى بصحة القسم ثمنا مهما كان هذا الثمن. ١ وقوله: ( ولو كان ذا قربى ... ، تأكيد لتنزههما عن الحلف الكاذب قال صاحب الكشاف: والضمير فى ((به، للقسم. وفى ((كان)) للقسم له. يعنى: لا نستبدل بصحة القسم بالله عرضا من الدنيا. أى: لا نخلف كاذبين لأجل المال ، ولو كان من يقسم له قريباً منا . على معنا: أن هذه عادتهم فى صدقهم وأمانتهم أبداً، وأنهم داخلون تحت قوله - تعالى -: كونواقوامين بالقسط شهداء له ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين (١))). فأنت ترى أن الله - تعالى - قد أكد هذا القسم بجملة من المؤكدات منها: أن الحالفین یحلفان بأنهما لا يحصلان پیمین اله ثمنا مهما كانت قيمته ، وبأنهما لن يحابيا إنسانامهما بلغت درجة قرابته وبأنهما لن يكتما الشهادة التى أمر هما الله (١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٤٠٦٨٨ ٤٢٧ الجزء السادس بأدائها على وجهها الصحيح، وبأنهما يقران على أنفسهما باستحقاق عقوبة الآثم المذنب إن كما أو خانا أو حادا عن الحق، وهذا كله لأجل أن تصل وصية الميت إلى أهله كاملة غير منقوصة . ثم بين - سبحانه - الحكم فيما إذا تبين أن الرجلين اللذين دفع إليها الموصى ما له لم يكونا أمينين فقال: ((فإن عثر على أنهما إستحقا إنما مآخران يقومان مقامهما من الذين إستحق عليهم الأوليان ... )). وقوله: (( عثر، أى: أطلع. يقال عثر الرجل على الشىء عثورا إذا أطلع عليه . ويقال: عثرت منه على خيانة أى: أطلعت . وقوله: «الأوليان)) تثنية أولى بمعنى أقرب. فالمراد بقوله ((الأوليان)» أى: الأحقان نالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما بأحوال الميت. والمعنى : فان أطلع بعد تحليف الشاهدين الوصيين من جهة الميت على أنهما ( إستحقا إثما، أى: فعلا ما يوجب الإثم من خيانة أو كتمان أو ما يشبهما ((فآخران يقومان مقامهما، أى: فر جلان آخر ان يقومان مقام اللذين إطلع على خيانتهما: أى يقفان موقفهما فى الحبس بعد الصلاة والحلف ويكون هذان الرجلان الآخران (( من الذين إستحق عليهم الأوليان). . قال القر طبى: قال ابن السرى: أى من الذين إستحق عليهم الإيصاء ... وإختاره ابن العربى؛ وأيضا فإن التفسير عليه؛ لأن المعنى عند أهل التفسير: من الذين إستحقت عليهم الوصية (١)). وقال بعض العلماء: قوله: «من الذين إستحق عليهم الأوليان، أى: من ورثة ألميت الذين إستحق من بينهم الأوليان أى: الأقربان إلى الميت ، الوارثان له، الأحقان بالشهادة، أى: اليمين. فقوله ((الأوليان)) فاعل ((إستحق). (١) تفسير القرطبى ج ٦ ص ٠٣٥٨ ٤٢٨ سورة المائدة ومفعول ((إستحق)، محذوف، قدره بعضهم ((وصيتهما)). وقدره ابن عطية ((ما لهم وتركتهم)). وقدره الزمخشرى، أن يجردوهما للقيام بالشهادة لأنها حقهما، ويظهروا بهما كذب الكاذبين . وقرى. (( إستحق، على البناء المفعول. أى من الذين إستحق عليهم الإثم أى « جنى عليهم، وهم أهل الميت وعشيرته. وعليه فقوله: «الأوليان)) هو بدل من الضمير فى «يقومان، أو من ((آخر أن (١)). وقوله: « فيقسمان با الله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما إعتدينا إنا إذاً. لمن الظالمين، بيان لكيفية اليمين التى يحلفها هذان الأوليان. أى: فيحلف بالله هذان الأوليان - أى الأقربان إلى الميت - قائم ( لشهادتنا، أى: ليميننا (( أحق) بالقبول، من شهادتهما، أى: من يمينهما ((وما إعتدينا، أى: وما تجاوزنا الحق فى يميننا، وفيما نسبناه إليهما من خيافة ((إنا إذاً لمن الظالمين، أى إنا إذا إعتدبنا وقلنا فيهما خلاف الحق لنكونز فى زمرة الظالمين لأنفسهم ، المستحقين لسخط الله وعقابه. قال الآلوسي: وقوله ((فيقسمان بالله، معطوف على « بقومان، فى قوله فآخران يقومان مقامهما،. والسببية ظاهرة وقوله: ( (شهادتنا أحق من. شهادتهما، جواب القسم. والمراد بالشهادة هنا - عند الكثيرين - المين ، كما فى قوله - تعالى - : فشهادة أحدم أربع شهادات باقه ، وصيغة التفضيل (( أحق)) إنماهى لإمكان قبول يمينهما فى الجملة باعتبار صدقهما فى إدعاء تملكهما لما ظهر فى أيديهما (٢)،. ثم بين - سبحانه - وجه الحكمة والمصلحة فيما شرعه مما تقدم تفصيله فقال , ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجها أو يخافوا أن ترد إيمان بعد إيمانهم، .. (١) تفسير الآلوسى + ٧ ص ٥١ - بتصريف وتلخيص. (٢) تفسير القاحمى ج ٦ ض ٢١٦٦. ٤٢٩ الجزء السادس قاسم الإشارة , ذلك، يعود إلى ما شرعه الله من أحكام تتعلق بالوصية التى تكون فى السفر ويموت ماجها . أى: ذلك الحكم المذكور, أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجها، أى: أقرب إلى أن يؤدى الأوصياء الشهادة فى هذه الحادثة وأمثالها على وجهها الصحيح . أى : على حقيقتها من غير تغيير لها خوفاً من عذاب الآخرة . فالوجه فى قوله ((على وجها، بمعنى الذات والحقيقة. والجملة الكريمة بيان لحكمة مشروعية التخليف بالتغليظ المتقدم ، وقوله: ((أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم) بيان لحكمة رد اليمين على الورثة . وهو معطوف على مقدر ينبى عنه المقام، فكأنه قيل : ذلك الذى شرعناه لكم أقرب إلى أن يأتى الأوصياء بالشهادة على وجهها الصحيح، ويخافوا عذاب الآخرة بسيب اليمين الكاذبة ، أو يخافوا أن ترد أبمان على الورثة بعد أيمانهم فيظهر كذبهم على رؤوس الأشهاد، فيكون ذلك الخوف داعيا لهم إلى النطق بالحق وترك الكذب والخيانة . فأى الخوفين حصل عندهم سيقودهم إلى التزام الحق وترك الخيانة. وإيصال الحقوق لذويها كاملة غير منقوصة . فمن لم يمنعه خوف الله من أن يكذب أو يخون لضعف دينه، منعه خوف الفضيحة على رءوس الأشهاد . ثم قال - سيحامه ,ذلك أدنى، أى أقرب إلى الحق وأبعد عن الباطل، لأن معرفة الحق من كل وجوهه وجزئياته، مرجعها إلى الله العليم بخفايا الأمور وبواطنها وبواعثها .. أما الحاكم فإنه يحكم على حسب ما يظهر له من حق، وحكمه قابل للخطأ والصواب . والضمير فى قوله «يأتوا، ويخافوا، وأيمانهم) يعود إلى الأوصياء الذين ٠ أوصائم الميت بإيصال ما يريد إيصاله لورثته ، ثم حدث شك من الورثة فی أمانتهم . ٤٣٠ سورة المائدة وجاء الضمير مجموعا مع أن السياق لاثنين فقط ، لأن المراد ما يعم مذين المذكورين وما يعم غيرهما من بقية الناس . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: «وإتقوا الله واسمعواواله لا يهدي القوم الفاسقين). أى: وأنقوا الله فى كل ما تأتون وتذرون من أموركم واسمعوا ماتؤمرون به سماع إذعان وقبول وطاعة، واعلموا أن أقه - تعالى - لا يوفق القوم الخارجين عن طاعته إلى طريق الخير والفلاح ؛ لأنهم آثروا الغى على الرشد وإستحبوا العمى على الهدى . فهذا الختام للآية الكريمة إشتمل على ابلغ الوان التحذير من معصية الله ومن مخالفة امره . هذا، ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى : ١ - الحث على الوصية وتأكيد امرما، وعدم التهاون فيها بسبب السفر أو غيره، لأن الوصية تثبت الحقوق ، وتمنع التنازع، ولهذا شدد الإسلام فى ضرورة كتابة الوصية ، والشخص قوى معافى، ففى صحيح مسلم عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ما حق امرىء مسلم له شىء يريد أن يوصى فيه يبيت ليلتين إلا ووميته مكتوبة عنده، . قال ابن عمر - راوى هذا الحديث -: ما مرت على أيلة منذ سمعت رسول الله قال ذلك إلا وعندى وصيتى)) (١) . ٢ - الإشهاد على الوصية فى الحضر والسفر، ليكون أمرها أثبت، والرجاء فى تنفيذها أقوى، فإن عدم الإشهاد عليها كثيرا ما يؤدى إلى التنازع وإلى التشكك فى صحتها . (١) صحيح مسلم جـ ٥ ص ٧٠ ٤٣١ الجزء السادس ٣ - شرعية اختيار الأوقات والأمكنة والصيغ المغلظة التى تؤثر فى قلوب الشهود وفى قلوب مقسمى الإيمان ، وتحملهم على النطق بالحق . قال صاحب المنار : ويشهد لاختيار الأوقات جعل القسم بعد الصلاة ، ومثله فى ذلك اختيار المكان ومما ورد فى السنة فى ذلك مارواه مالك وأحمد وأبو داود .. عن جابر مرفوعا، لا يحلف أحد عند منبرى كاذبا إلا تبوأ . مقعده من النار » ويشهد بجواز التغليظ على الحالف فى صيغة اليمين - بأن يقول فيه مايرجى أن يكون وادعا للحالف عن الكتب - ما جاء فى الآيات الكريمة من قوله - تعالى - , فیقسمان باله ۔ إن ارتبتم - لا نشترى به ثمنا ولو كان ذا قربى، ولا تكتم شهادة اللّه إنا إذا لمن الآثمين))(١). ٤ - جواز تحليف الشهود إذا ارتاب الحكام أو الخصوم فى شهادتهم، وقد روى عن ابن عباس أنه حلف المرأة التى شهدت فى قضية رضاع بين زوجين . ٥ - جواز شهادة غير المسلمين على المسلمين عند الضرورة . وقد بسط الإمام القرطبى القول فى هذه المسألة فقال ما ملخصه : اختلف العلماء فى هذه المسألة على ثلاثة أقوال : الأول : أن الكاف والميم فى قوله ((اثنان ذوا عدل منكم، ضمير للمسلمين، وأن الكاف والميم فى قوله ((أو آخران من غيركم، للكافرين» فعلى هذا تكون شهادة أهل الكتاب على المسلمين جائزة فى السفر إذا كانت وصية . وهو الأشبه بسیاق الآ ية ، مع ما تقرر من الأحاديث . وهو قول ثلاثة من الصحابة الذين شاهدوا التنزيل وهم: أبوموسى الأشعرى وعبد اقه بن مسعود وعبد الله بن عباس، وتبعهم فى ذلك جمع من التابعين ، واختاره أحمد بن حنبل و قال : (١) تفسير المنار ج ٧ ص ٢٢٧ - بتصرف تلخيص - ٤٣٢ سورة المائدة شهادة أهل الذمة جائزة على المسلمين فى السفر عند عدم المسلمين ، كلهم يقولون: ((منكم)) من المؤمنين. ومعنى ((من غيركم)، يعنى الكفار. القول الثاني: أن قوله - سبحانه - ((أو آخر ان من غيركم)) منسوخ وهذا قول زيد بن أسلم، والنخعى وسمالك والشافعى وأبى حنيفة وغيرهم من الفقهاء ..... واحتجوا بقوله - تعالى - ممن ترضون من الشهداء، وبقوله : ,وأشهدوا ذوى عدل منكم، . فهؤلاء زعموا أن آية الدين من آخر ما نزل وأن فيها « ممن ترضون من الشهداء، فهو ناسخ لذلك، ولم يكن الإسلام يومئذ إلا بالمدينة، جازت شهادة أهل الكتاب، وهو اليوم طبَّق الأرض فسقطت شهادة الكفار ، وقد أجمع المسلمون على أن شهادة الفساق لا تجوز، والكفار فساق فلا تجوز شهادتهم . قال القرطبى: قلت: ماذكر تموة صحيح إلا أنا تقول بموجبه، وأن ذلك جائز فى شهادة أهل الذمة على المسلمين فى الوصية فى السفر خاصة للضرورة بحيث لا يوجد مسلم، وأما مع وجود مسلم فلا. ولم يأت ما ادعيتموه من الفخ عن أحد ممن شهد التنزيل، وقد قال بالأولى ثلاثة من الصحابة، ومخالفة الصحابة إلى غيرهم ينفر عنه أهل العلم . ويقوى هذا أن سورة المائدة من آخر القرآن نزولا، حتى قال ابن عباس والحسن وغيرهما: إنه لامنسوخ فيها. وما أدعوه من النسخ لا يصح، فإن النسخ لابدفيه من إثبات الناسخ على وجه ينافى الجمع بينهما مع تراخى الناسخ فاذكروه لا يصح أن يكون ناسخا ، فإنه فى قصة غير قصة الوصية لمنكان الحاجة والضرورة، ولا يمتنع اختلاف الحكم عند الضرورات .. القول الثالث: أن الآية لا نسخ فيها . قاله الزهرى والحسن وعكرمة، ویکون معنىقوله « منكم، أی من عشیر تكموقر ابتکم .. ومعنى«أرآخر ان من غيركم)) أى: من غير القرابة والعشيرة . ٤٣٣ الجزء السادس وهذا ينبنى على غامض فى العربية، وذلك أن معنى ((آخر، فى العربية من جنس الأول، تقول. مررت بكريم وكريم آخر ، ولا تقول مررت بكريم وخسي آخر ... فوجب على هذا أن يكون قوله , أو آخران من غيركم، أى من غير المسلمين ... (١). وبعد أن ساقت السورة الكريمة قبل ذلك ماساقت من تشريعات حكيمة ومن تفصيل لأحوال أهل الكتاب وعقائدهم الزائفة ... بعد كل ذلك اتجهت السورة فى أواخرها إلى الكلام عن أحوال الناس يوم القيامة، وعن معجزات فقال - تعالى -: عيسى - عليه السلام - وعن موقف الحواريين منه ... (يَوْمَ يجمعُ اللهُ الرَّسْل فيقولُ ماذَا أُجِئْتُمْ قَالُوا لا عِلْمِ أَنَا إِنَّكَ أنْتَ علاَّمُ الغَيوبُ (١٠٩) إذ قالَ اللهُ يا عيسى ابن مريمَ أذكَّرْ نعمتى عليكَ وعلى والدتكَ، إذاً بدتُك بروحِ القدُسِ تَكُلِّمَ الناسَ فى المهدِ وكَبْلَا وإِذْ عِلَّتُك الكتابَ والحِكمةَ والتّورَاءَ والإنجيلَ، وإذْ تَخْلُقُ من الطين كهيئةِ الطَّيْرِ بإذْنِى، فتنفخُ فيها فتكونُ طيراً بإذنى ، وتبرىء الأكْمَهُ والْأَبْرصَ بإذنى، وإذا تَخْرِجُ الموتي بإذني، وإذ كَفَقْتُ بنى إسرائيلَ مَنْكَ إذ جثَّهم بالبيِّات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلاّ سحرٌ مبينٌ (١١٠))). قال الفخر الرازى : أعلم أن عادة الله - تعالى - جارية فى هذا الكتاب الكريم أنه إذا ذكر أنواعا كثيرة من الشرائع والتكاليف والأحكام، أتبعها إما بالإلهيات، وإما بشرح أحوال الأنبياء، أو بشرح أحوال القيامة، ليصير ذلك مؤكدا لما تقدم ذكره من التكاليف والشرائع فلا جرم (١) تفسير القرطبى ج ٦ ص ٢٤٩. ( ٢٨ - سورة المائدة) مـ ٤٣٤ سورة المائدة لما ذكر - فيما تقدم أنواعا كثيرة من الشرائع، أتبعها بوصف أحوال القيامة ... ثم قال وفى هذه الآية قولان. أحدهما: أنها متصلة بما قبلها .. والتقدير: واتقوا الله يوم يجمع اللّه الرسل - فيكون قوله:" يوم يجمع ٠٠٠، بدل اشتمال من قوله فى الآية السابقة، واتقوا الله ٠٠٠ . - والقول الثاني: أنها. منقطعة عما قلها ... والتقدير : اذ كروا يوم يجمع الله الرسل ... »(١). والمعنى: لقد مقا لكم - أيها الناس - ماسقنا من الترغيب والترهيب، وبينا لكم ما بينا من الأحكام والآداب، فمن الواجب عليكم أن تتقوا اقه، وأن تحذروا عقابه، وأن تذكروا ذلك اليوم الهائل الشديد، يوم بجمع الله الرسل الذين أرسلهم إلى مختلف الأقوام، فى شتى الأمكنة والأزمان ، فيقول لهم: ماذا أحبتم من أقوامكم ؟ أى: ما الإجابة التى أجابكم بها أقوامكم ؟ وخص - سبحانه - الرسل بالذكر - مع أن الرسل وغيرهم سيجمعون للحساب يوم القيامه - لإظهار شرفهم، وللإيذان بعدم الحاجة إلى التصريح يجمع غيرهم من الأقوام، لأن هؤلاء الأقوام إنما هم تبع لهم . وقال - سبحانه - «ماذا أجبتم، ولم يقل - مثلا - «هل بلغتم رسالتى أولاً، للإشعار بأن الرسل الكرام قد بلغوا رسالة الله على أكمل وجه ، وأن الذين خالفوهم من أقوامهم سيتحملون وزر مخالفتهم يوم القيامة . وقوله: (( قالوا لاعلم لنا إنك أنت علام الغيوب)، حكاية لإجابة الرسل فإن قيل: لماذا نفوا عن أنفسهم العلم مع أن عندهم بعض العلم؟ فالجواب على ذلك أن هذا من باب التأدب مع الله - تعالى - فكأنهم يقولون: لاعلم لنا يذكر بجانب علمك المحيط بكل شىء، ونحن وإن كنا قد عرفنا ما أجابنا به (١) تفسير الفخر الرازى ج ١٢ ص ١٢٢ - بتصرف وتلخيص -. ١ ٤٣٥ الجزء السادس أقوامنا، إلا أن معرفتنا هذه لا تتعدى الظواهر، أما علمك أنت - يا ربنا - فشامل للظواهر والبواطن، أو أنهم قالوا ذلك إظهارا للتشكى والالتجاء إلى الله ليحكم بينهم وبين أقوامهم الذين كذبوهم . أو أن مرادهم لا علم لنا بما كان منهم بعد أن فارقنام وفارقنا من جاء بعدفا من الناس ، لأن علمنا مقصور على حال من شاهد قام وعاصر نام . ورحم الله صاحب الكشاف فقد حكى هذه الأقوال وغيرها بأسلوب. البليغ فقال: فإن قلت: ما معنى سؤالهم ؟ قلت: توبيخ قومهم. كما كان سؤال الموءودة توبيخا للوائد. فإن قلت: كيف يقولون: « لا علم لنا، وقد علموا بما أجيبوا؟ . قلت : يعلمون أن الغرض بالسؤال توبيخ أعدائهم، فيسكلون الأمر إلى علمه وإحاطته بما منوا به منهم - أى: بما ابتلوا به منهم ـ، وكابدوا من سوء إجابتهم ، إظهارا للتشبكى واللجأ إلى ربهم فى الانتقام منهم، وذلك أعظم على الكفرة، وأفت فى أعضادهم، وأجلب لحسرتهم وسقوطهم فى أيديهم، إذا. اجتمع توبيخ الله لهم وتشكى أنبيائه عليهم. ومثاله : أن ينكب بعض الخوارج على السلطان خاصة من خواصه نكبة، قد عرفها السلطان واطلع على كنههنا ، وعزم على الانتصارله منه. فيجمع بينهما ويقول له : ما فعل بك هذا الخارجى؟ - وهو عالم بما فعل به - يريد توبيخه وتبكيه، فيقول له: أنت أعلم بما فعل بى، تفويضنا للأمر إلى على سلطانه، واتكالا عليه، وإظهارا للحكاية وتعظيما لما حل به منه . وقيل : من هول ذلك اليوم يفزعون ويذهلون عن الجواب، ثم يجيبون بعد ما تثوب إليهم عقولهم بالشهادة على أنفسهم . وقيل معناه: علمنا ساقط مع عذمك ومغمور، لأنك علام الغيوب ، ومن علم الخلفيات لم تخف عليه الظواهر التى فيها إجابة الأمم أرسلهم. ٤٣٦ سورة المائدة ٦ وقيل معناه : لا علم لنا بما كان منهم بعدنا، وإنما الحكم للخاتمة ، وكيف يخفى عليهم أمرهم، وقد رأوم سود الوجوه موجخين))(١). 1 ثم ذكر - سبحانه - بعض النعم التى أنعم بها على عيسى وأمه فقال: «إذا قال الله يا عيسى ابن مريم أذكر تعمتى عليك وعلى والدتك ... وقوله: (( إذ قال الله ياعيسى ابن مريم ... )) بدل من قوله: ((يوم يجمع اله الرسل ، وقد نصب بإضمار اذكر . والمعنى: اذكر أبها المخاطب لتعتبر وتتعظ يوم يجمع اللّه الرسل فيقول لهم ماذا أجبتم ... واذكر - أيضاً - زيادة فى العبرة والعظة قوله - سبحانه- لعيسى ابن مريم، قدكر باعيسى فعمى المتعددة عليك وعلى والدتك - وعبر بالماضى فى قوله: (( إذ قال الله ... ، مع أن هذا القول سيكون فى الآخرة، للدلالة على تحقق الوقوع. وأن هذا القول سيحصل بلا أدنى ريب يوم القيامة. قال أبو السعود: قوله - تعالى: ((إذ قال الله يا عيسى ابن مريم» شروع فى بيان ما جرى بينه - تعالى - وبين واحد من الرسل المجموعين ، من المفاوضة علی التفصیل، إثر بیان ما جرى بينه - تعالى - وبین الکل على وجه الإجمال ليكون ذلك كالأنموذج لتفاصيل أحوال الباقين ، وتخصيص شأن عيسى بالبيان، لما أن شأنه - عليه السلام - متعلق يكلا الفريقين من أهل الكتاب الذين نعت عليهم هذه السورة جناياتهم. فتفصيل شأنه يكون أعظم عليهم، وأجلب لحسراتهم، وأدخل فى صرفهم عن غيهم وعنادهم ،(٢) . والمراد بالنعمة فى قوله «اذكر نعمتى، النعم المتعددة التى أنعمبها - سبحانه - على عيسى وعلى والدته مريم حيث طهرها من كل ريبة ، واصطفاها على نساء العالمين. وفى ندائه - سبحانه - لعيسى بقوله « يا عيسى ابن مريم ,إشارة إلى أنه ابن لها وليس ابنا لأحد سواها، فقد ولد من غير أب ، ومن كان شأنه (١) تفسير الكشاف حـ ١ ص ٠٦٩٠ (٢) تفسير أبى السعود ج ٢ ص ٧٠ ٤٣٧ الجزء السادس كذلك لا يصلح أن يكون إلها، لأن الإله الحق لا يمكن أن يكون مولودا أو محدثا . وقوله: (( إذ أبدتك بروح القدس تكلم الناس فى المهد وكهلا ... ، تعديد النعم التى أنعم الله - تعالى - بها على عيسى. وقوله (( أبدتك) أى قويتك من التأييد بمعنى التقوية. والمراد بروح القدس: جبريل - عليه السلام - فإن من وظيفته أن يؤيد الله به رسله بالتعليم الإلهى ، وبالتثبيت فى الموادن التى من شأن البشر أن يضعفوا فيها . وقيل : المراد بروح القدس، روح عيسى حيث أبده - سبحانه - بطبيعة روحانية مطهرة فى وقت سادت فيه المادية وسيطرت . (: أى: أيدتك بروح الطهارة والنزاهة والكمال، فكنت متما بهذه الروح الطاهرة من كل سوء. والمهد : سن الطفولة والصبا - والكهولة: السن التى يكون فى أعقاب سن الشباب . والمعنى: أذكرَ يا عيسى نعمى عليك وعلى والدتك ، وقت أن قويتك بروح القدس الذى تقوم به حجتك، ووقت أن جعلتك تمكلم الناس فى طفولتك بکلام حكيم لا يختلف عن كلامك معهم فى حال کهو لتك وا کمال رجو ليتك. وقوله: ((إِذ أبدتك، ظرف لتعمتى. أى: اذكر إنعامى عليكما وقت تأييدى لك .. وذكر - سبحانه - كلامه فى حال الكهولة - مع أن الكلام فى هذه الحالة معهود فى الناس - للإيذان بأن كلامه فى هاتين الحالتين - المهد والكهولة - كان على نسق واحد بديع صادر عن كمال العقل والتدبير ، دون أن يكون هناك فرق بين حالة الضعف وحالة القوة. قال الرازى: وهذه خاصية شريفة كانت حاصلة له، وما حصلت لأحد من الأنبياء قبله ولا بعده (١) تفسير الفخر الرازى ج ١٢ ص١٢٥ ٤٣٨ سورة المائدة وقال ابن كثير: قوله: ((اذكر نعمتى عليك، أى فى خلفى إياك من أم بلا ذكر، وجعلى إياك آية ودلالة قاطعة على كمال قدرتى «وعنى والدتك. حيث جعلتك لهابرهانا على براءتها مانسبه الظالمون والجاملون إليهامن الفاحشة و((إذا أبدتك بروح القدس، وهو جبريل، وجعلتك نبياداعيا إلى الله فى صغرك وكبرك. فأنطقتك فى المهد صغيراً: فشهدت ببراءتك أمك من كل عيب. واعترفت لى بالعبودية . وأخبرت عن رسالتى إياك ودعوتك إلى عبادتى. ولهذا قال: « تكلم الناس فى المهد وكهلا، أى: تدعو إلى الله الناس فى صغرك وكبرك. وضمن ((تكلم، معنى تدعو، لأن كلامه الناس فى كهولته ليس ! أمر عجيب،(١) . وقوله: « وإذا علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل، بيان لنعمة أخرى من النعم التى أنعم بها - سبحانه - على عينى. والمراد بالكتاب: الكتابة. أى أن عيسى - عليه السلام - لم يكن أميا بل كان قارئا وكاتبا وقيل المراد به ماسبقه من كتب النبيين كزابور داود، وصحف إبراهيم، وأخبار الأنبياء الذين جاءوا من قبله. والمراد بالحكمة: الفهم العميق للعلوم، مع العمل بما فهمه وإرشاد الغير إليه. أى: وأذكر وقت أن علمتك الكتابة حتى تستطيعأن تتحدی منيعر فونها من قومك. ووقت أن علمتك ((الحكمة، بحيث تفهم أسرار العلوم فهما سليم) تفوق به غيرك ، كما علمتك أحكام الكتاب الذى أنزلته على أخيك موسى وهو التوراة ، وأحكام الكتاب الذى أنزلته عليك وهو الإنجيل. ثم ذكر - سبحانه - بعض معجزات عيسى، بعد أن بين بعض ما منحه من علم ومعرفة، فقال: ( وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذنى فتنفخ فيه فتكون طيراً بإذنى، أى: واذكر وقت أن وفقتك لأن تخلق أى نصور من الطين صورة مائلة لهيئة الطير ، فتنفخ فيها، أى فى تلك الهيئة المصورة (( فتكون)) أى فتصير تلك الهيئة المصورة، طيرا بإذنى، أى: تصير كذلك بقدرنى وإرادتى وأمری . (١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص١١٥. ٤٣٩ الجزء السادس ثم قال - تعالى: «وتبرى. الأكمه، وهو الذى يولد أعمى ، وتبرىء كذلك , الأبرص، وهو المريض بهذا المرض العضال ((بإذنى)). وقوله: ((وتبرىء)) معطوف على ((تخلق)). وقوله: وإذ تخرج الموتى بإذنى)) معطوف على قوله: ((وإذ تخلق من الطين ... ، أى: واذكر وقت أن جعلت من معجزاتك أن تخرج الموتى من القبور أحياء ينطقون ويتحركون .. وكل ذلك بإذنى ومشيتى وإرادتى. وقد ذكر المفسرون أن إبراء عيسى الأكمه والأبرص وإحياء الموتى كان عن طريق الدعاء، وكان دعاؤه ياحى بافيوم ، وذكروا من بين من ( أحياهم سام بن نوح(١) ... )). وبعد أن ذكر - سبحانه - بعض المعجزات التى أعطاها لعيسى لكى ينفع بها الناس ، أتبعها بذكر ما دفعه عنه من مضار فقال: ((وإذ كففت بنى إسرائيل عنك إذا جنتهم بالبينات ... ). أى: واذكر نعمتى عليك وقت أن صرفت عنك اليهود الذين أرادوا السوء، وسعوا فى قتلك وصلبك مع أنك قد بشرتهم وأنذرتهم وجئتهم بالمعجزات الواضحات التى تشهد بصدقك فى نيوتك . وقوله (( فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين)) تذييل قصد به ذمهم وتسجيل الحقد والجحود عليهم . أى: لقد أعطيناك يا عيسى ما أعطيناك من النعم والمعجزات لتكون دليلانا طقا بصدقك، وشاهداً بحمل الناس على الإيمان بنبوتك ، ولكن الكافرين من بنى إسرائيل الذين أرسلت إليهم لم يصدقوا ما جئتهم به من معجزات وأضحات، بل سارعوا إلى تكذيبك قائلين : ماهذا الذى جئقنا به يا عيسى إلا سحر ظاهر، وتخييل بين . (١) تفسير الآلوسي ج ٣ ص ١٦٩. ٤٤٠ سورة المائدة وهکذا نری أن الکافرین من بنی إسرائیل ، لم تزدهم ال ینات التى جاء بها ميى إلا جحوداً وعناداً . ٠ ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ماقاله الحواريون لعيسى، وماطلبوه منه، مما يدل على إكرام الله - تعالى - لنبيه عيسى قال: ((وإذْ أ وحيتُ إلى الحواربينَ أنْ آمَنُوا بِى وبرسُولى قالُوا آمنًّا واشهدْ بأنَّناً مسلمون (١١١) إذ قال الحواريُونَ يا عيسى ابن مريم هلِ يستطيعُ ربك أنْ يَنَزَّلَ علينا مائدةَ من السماء، قال اتّقُوا الهَ إِنْ كَثُم مؤمنينَ (١١٢) قالوا تريدُ أنْ نَكُلَ منها وتطمئنَّ قلوبنا ونعلم أن قد صَدَقْتَنا ونكونَ عليها من الشاهِدين (١١٣) قال عيسى ابن مريم الّهم ربْنَا أَنْزِلْ علينا مائدةً من السماء تكونُ لنا عيداً لأوَّلِنَا وَآخِرْناً وَآيَةً منكَ وارزُقْنَاَ وأنتَ خيرٌ الرازقينَ (١١٤) قال الله إني منزلها عليكم فَنْ يَكفُر بعدُ منكم فإنى أعذَّبُه عذاباً لا أُعَذِّبه أحداً من العالمين (١١٥))). قال ابن كثير ما ملخصه: وقوله: ((وإذ أوحيت إلى الحواريين ... )) هذا أيضا من الامتنان على عيسى، بأن جعل الله له أصحاباً وأنصاراً - وهم الحواربون - والمراد بهذا الوحى الإلهام كما فى قوله: (( وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه، وكما فى قوله: ((وأوحى ربك إلى النحل .. )) وقال بعض السلف فى هذه الآية ((وإذ أوحيت إلى الحواريين ... )) أى: ألهموا ذلك فامتثلوا ما الهموا ... (١). فأنت ترى أن الإمام ابن كثير يرى أن المراد بالوحى منا الإلهام. وعلى ذلك كثير من المفسرين، ومنهم من يرى أن المراد بقوله، وإذا أوحيت إلى (١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ١١٤.