النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
الجزء السادس
وتجاوز حدوده، وأنه - سبحانه - واسع المغفرة والرحمة لمن أطاعه وتاب
إليه قوبة صادقة .
وفى تصدير الآية الكريمة بفعل الأمر ((اعلموا)) تنبيه شديد إلى أهمية
ما سيلقى عليهم من أمن أو نهى، حتى يستقر فى قلوبهم ، ويرسخ فى نفوسهم،
فيسهل عليهم تنفيذه
وجمع - سبحانه - بين الترهيب والترغيب ، حتى يكون المؤمن بين
الرجاء والخوف، فلا يقنط من رحمة الله ولا يحتوى على ارتكاب ما يغضبه
- سبحانه - .
وبعد هذا الترغيب والترهيب بين - سبحانه - وظيفة رسوله - صلى
الله عليه وسلم - فقال: «ما على الرسول إلا البلاغ واقه يعلم ما تبدون
وما تكتمون)».
وأصل البلاغ - كما يقول القرطبى - البلوغ، وهو الوصول. يقال:
بلغ يبلغ بلوغا وأبلغه إبلاغا ... وبلغه قبلينا، ومنه البلاغة، لأنها إيصال
المعنى إلى النفس فى أحسن صورة من اللفظ ... ) (١).
أى: ليس على رسولنا - أيها الناس - إلا تبليغ ما أمر فاه بتبليغه إليكم
وقوصیل ما كلفناه بتوصیلہ لکم، وهو لم يقصر فى ذلك، ولم يآل جهدا فى
فصحكم وإرشادكم فأطيعوه لتسعدوا. واعلموا أن الله - تعالى - يعلم
ما تظهرون وما تخفون من خير أوشر ، وسيجازيكم بما تستحقون
يوم القيامة .
فالآية الكريمة تأكيد لما اشتملت عليه سابقتها من ترغيب وترهيب، ومن
- تبشير وإنذار ، وتصريح بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - عليه تبليغ
ما كانمه الله بتبليغه إلى الناس، وليس عليه بعد ذلك هدايتهم أو ضلالهم، وإنما
ألله وحده هو الذى يبدو ذلك ، وهو الذى بيده حسابهم ومجازاتهم على أعمالهم.
(١) تفسير القرطبى = ٦ ص ٢٢٧.
(٢٦ - سورة السائدة)

٤٠٢
سورة المائدة
ثم صرح - سبحانه - بعد ذلك بأنه لا يستوى عنده الخبيث والطيب فقال:
((قل لا يستوى الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث ... )).
والخبيث - كما يقول الراغب - ما يكره رداءة وخساسة محسوسا كان أم
معقولا، وأصله الردى. الدخلة الجارى مجرى خبث الحديد كما قال الشاعر:
سكناه ونحسبه لجينا فأبدى الكير عن خبث الحديد
وذلك يتناول الباطل فى الاعتقاد ، والكذب فى المقال ، والقبيح فى
الفعال ... (١) .
والطيب: الشىء الحسن الذى أباحته الشريعة ورضيته العقول السليمة ،
ويتناول الاعتقاد الحق، والمقال الصدق ، والعمل الصالح .
والمعنى: قل - يا محمد - للناس: إنه لا يستوى عند الله ولا عند العقلاء
القبيح والحسن من كل شىء ، لأن الشى ء القبيح - فى ذاته أو فى سببه أو فى غير
ذلك من أشكاله ـ بغيض إلى الله وإلى كل عاقل، وسيكون مصيره إلى الهلاك
والبوار .
أما الشىء الطيب الحسن فهو محبوب من الله ومن كل عاقل، ومحمود العاقبة
دينا ودنيا .
وقوله: (( ولو أعجبك كثرة الخبيث)) زيادة فى التنفير من الشىء الخبيث،
وحض على التمسك بما هو طيب .
أى: لا يستوى فى ميزان الله ولا فى ميزان العقلاء الخبيث والطيب، حتى
ولو كان الفريق الخبيث كثير المظهر، براق الشكل ((تعجب الناظرين هيئته
فلا تغتر به أيها العاقل، ولا تؤثر فى نفسك كثرته وسطوته ... فإنه مهما
كثر وظهر وفشا ... فإنه مى العاقبة، سريع الزوال، لذته تعقبها الحسرة.
وشهوته قتلوها الندامة ، وسطوته تصحبها الخسارة والكراهية ، وطريقه
المليئة بالدقس والقذر ... يحب أن يوصد أبوابها الأخيار الشرفاء.
(١) المفردات فى غريب القرآن ص ١٤١ الراغب الأصفهانى.

٤٠٣
الجزء السادس
أما الفريق الطيب أو الشىء الطيب فهو محمود العاقبة، لذته الحلال ، يباركها
انه، وثماره الحسنة تؤيدها شريعته وتستريح لها العقول السليمة، والقلوب
النقية من كل دفس وباطل وطريقه المستقيم - مهما قل سالكوما- هى الطريق
التى توصل إلى كل خير وفلاح .
ولا شك أن العقل عندما يتخلص من الهوى سيختار الطيب على الخبيث
لأن فى الطيب سعادة الدنيا والآخرة .
وما أحسن قول أم المؤمنين عائشة - رضى الله عنها: « ما تمتع الأشرار
بشىء إلا وتمتع به الأخيار، وزادوا عليهم رضا الله - عز وجل -)).
والغاء فى قوله: «فاتقوا الله يا أولى الألباب لعلكم تفلحون) للافصاح
عن كلام مقدر ، والتقدير :
إذا كان الأمر كما يبنت لكم - أيها الناس - من أنه لا يستوى الخبيث
الطيب، لأن أهل الخيبت سيعاقبون ويندمون مهما كثروا ... وأهل الطيب
ميثابون ويفرحون ... إذا كان الأمر كذلك فاتقوا الله يا أصحاب العقول
السليمة بأن تجتنبوا كل ما هو خبيث، وتقبلوا على كل ما هو طيب، لعلبكم
بسبب هذه التقوى والخشية من الله تنالون والفلاح والنجاح فى دنياكم
وآخرتكم.
والجملة الكريمة تذييل قصد به تأكيد مامر من الترغيب فى الطاعات
والتحذير من المعاصى .
قال الفخر الرازى: لما ذكر - سبحانه - هذه الترغيبات الكثيرة فى
الطاعة , والتحذيرات من المعصية. أنيعها بوجه آخر يؤ كدها فقال: (فاتقوا
الله يا أولى الألباب لعلكم تفلحون، أى: نائموا اقه بعد هذه البيانات الجلية
والتعريفات لقوية، ولا تقدموا على مخالفته لعلكم تصيرون فائزين بالمطالب
الدنيوية والدينية العاجلة والآجله(١).
(١) تفسير الفخر ارارى ج١٣ ص ١٠٤ وراجعه فى تفسير هذه الإيات إذا كنت
تبغى المزيد من العلم والمعرفة، فقد أجاد فى هذا المقام وأبدع - رحمه الله -.

٤٠٤
سورة المائدة
وبعد هذا الحديث المستفيض عن الحلال والحرام فى شريعة الإسلام ..
اتجهت آيات السورة الكريمة إلى تربية المسلمين وإرشادهم إلى الآداب التى
يجب أن يتمسكوا بها، ونهيهم عن الأسئلة التى لا خير يرجى من وراه
إثارتها ... فقال تعالى :-
((يأيها الذين آمنوا لا تسألُوا عن أشياء إنْ تُبْدَ لكمِ تَسُؤْكَم، وإنْ
تسألُوا عنها حينَ ينْزَّلُ القرآنُ تَبْدَ الْكُم، عفا اللهُ عنها واللهُ غفورٌ
حليمٌ (١٠١) قد سألها قومٌ مِنْ قبلِكم ثُمَّ أصبحُوا بها كافرينَ (١٠٢)» . .
وقد ذ کر المفسرون فی سبب نزول هاتين الآيتين روايات متعددة، منها
ما حكاه القرطبى فى قوله: روى البخارى ومسلم وغيرهما _ واللفظ للبخارى.
عن أنس قال: قال رجل النبى - صلى الله عليه وسلم - يارسول الله من أبى؟
قال : (( أبوك فلان)).
وخرج البخارى أيضا عن أنس عن النبى - صلى الله عليه وسلم - وفيه:
((فوافته لا تسألونى عن شىء إلا أخبر تكم به مادمت فى مقامى مذا، فقام إليه
رجل فقال: أين مدخلى يارسول الله؟ قال « النار, فقام عبد الله بن حذافة
- وكان إذا لاحى يدعى إلى غير أبيه - فقال من أبى يا رسول الله ؟ فقال:
أبوك حذافة ...
وروى الدارقطنى والترمذى عن على رضى الله عنه قال : لما نزلت هذه
الآية، « ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ... )، قالوا:
بارسول الله، أفى كل عام؟ فسكت. فقالوا: أفى كل عام؟ قال: ((لا ولو
قلت نعم لوجيت، فأنزل الله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن
أشياء ... الآية .
و روی مجاهد عن ابن عباس أنها نزلت فى قوم سألوا رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - عن البحيرة والسائبة والوصيلة والحام .

٤٠٥
الجزء السادس "
ثم قال القرطبى: ويحتمل أن تكون الآية نزلت جوابا للجميع، فيكون
السؤال قريبا بعضه من بعض٤(١) ...
١
والمعنى: يا أيها الذين آمنوا باقه حق الإيمان، لا تسألوا نبيكم صلى الله
عليه وسلم أو غيره ، عن أشياء تتعلق بالعقيدة أو بالأحكام الشرعية أو بغير هما
هذه الأشياء (((إن تبدلكم)) وتظهر ((تسؤكم، أى: تغمكم ونحزنكم وتندموا
على السؤال عنها لما يترتب عليها من إحراجكم، ومن المشقة عليكم ، ومن
الفضيحة لبعضكم ...
فالآية الكريمة - كما يقول ابن كثير - تأديب من الله لعباده المؤمنين،
ونهى لهم عن أن يسألوا عن أشياء مما لا فائدة لهم فى السؤال والتنقيب عنها،
لأها إن ظهرت لهم تلك الأمور ربما سامتهم، وشق عليهم سماعها، كما جاء فى
الحديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( لا يبلغنى أحد عن أحد
حديثا، فإنى أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر، (٢).
وقد وجه - سبحانه - النداء إليهم بصفة الإيمان، لتحريك حرارة المقيدة
فى نفوسهم، حتى يستجيبوا بسرعة ورغبة إلى ما كلفوا به .
وقوله: ((أشياء، اسم جمع من لفظ شىء، فهو مفرد لفظا جمع معنى
كطرفا , وقصباء - وهذا رأى الخليل وسيبويه وجمهورُ النصريين ..
ويرى الفراء أن أشياء جمع لشىء. وهو منوع من الصرف لألف التأنيث
الممدودة، ومتعلق بقوله: (( تسألوا).
ومفعول ((تسألوا)) محذوف للتعميم. أى: لا تسألوا الرسول - صلى الله
عليه وسلم - ولا تسألوا غيره عن أشياء لافائدة من السؤال عنها، بل إن
السؤال عنها قد يؤدى إلى إحراجكم وإلى المشقة عليكم ...
(١) تفسير القرطبى ج ٦ ص ٣٣٠
(٢) تفسير ابن كثير حـ ٢ ص ١٠٤
1

٤٠٦
سورة المائدة
وقوله: (( إن تبد لكم تسؤكم)) صفة لأشياء داعية إلى الانتهاء عن
السؤال عنها .
وعبر « بإن، المفيدة للشك وعدم القطع بوقوع الشرط والجزاء الإشارة
إلى أن هذا الشك كاف فى تركهم للسؤال عن هذه الأشياء، فإن المؤمن الحق
يبتعد عن كل مالا فائدة من ورائه من أسئلة أو غيرها .
وقوله: ((وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم، معطوف على
ما قبله وهو قوله: (( إن تبد لكم تسؤكم،.
والضمير فى قوله ((عنها، يعود على ((أشياء) و((حين) ظرف زمان
منصوب بالفعل (( تسألوا))،
والمعنى : لا تكثروا - أيها المؤمنون - من الأسئلة التى لا خير لكم فى
السؤال عنها، وإن تسألوا عن أشياء نزل بها القرآن مجملة، فتطلبوا بيانها تبين
لكم حينئذ لاحتياجكم إليها.
قال الفخر الرازى: السؤال على قسمين، أحدهما: السؤال عن شىء لم
يجر ذكره فى الكتاب والسنة بوجه من الوجوه . فهذا السؤال منهى عنه
بقوله: (( لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم،.
والنوع الثانى من السؤال: السؤال عن شىء نزل به القرآن لكن السامع
لم يفهمه كما ينبغى فهاهنا السؤال واجب، وهو المراد بقوله: «وإن تسألوا
عنها حين ينزل القرآن تبد لكم ..
والفائدة فى ذكر هذا القسم، أنه لما منع فى الجملة الأولى من السؤال، أو هم
أن جميع أنواع السؤال ممنوع منه، فذكر ذلك تميزا لهذا القسم عن
ذلك القسم .
فإن قيل: إن قوله ((وإن تسألوا عنها، هذا الضمير عائد على الأشياء
المذكورة فى قوله: (( لا تسألوا عن أشياء، فكيف يعقل فى «أشياء، بأعيانها
أن يكون السؤال عنها ممنوعا وجائزا معا؟

٤٠٧
الجزء السادس
قلنا : الجواب عنه من وجهين : الأول: جائز أن يكون السؤال عنها
منوعا قبل نزول القرآن بها ومأمورا بها بعد نزول القرآن بها. والثانى: أنهما
وإن كانا نوعين مختلفين، إلا أنهما فى حكم شىء واحد، فلهذا حسن اتحاد
الضمير، وإن كانا فى الحقيقة فوعين مختلفين،(١):
وقال القرطبى: قوله - تعالى - ((وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبدلكم»
فيه غموض، وذلك أن فى أول الآية النهى عن السؤال، ثم قال: « وإن
تسألوا ... الخ، فأباحه لهم .
فقيل: المعنى وإن تسألواعن غيرها فيما مست الحاجة إليه، حذف المضاف
ولا يصح جمله على غير الحذف .
قال الجرجانى: الكتابة فى ((عنها، ترجع إلى أشياء آخر، كقوله تعالى:
((ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين)) يعنى آدم، ثم قال: (( ثم جعلناه
نطفة .. ، أى: ابن آدم، لأن آدم لم يجعل قطفة فى قرار مكين، لكن لما
ذكر الانسان وهو آدم دل على إنسان مثله، وعرف ذلك بقرينة الحال.
فالمعنى: وإن تسألوا عن أشياء - أخر - حين ينزل القرآن من تحليل
أو تحريم أوحكم، أومست حاجتكم إلى التفسير ,فإذا سألتم حينئذ تبدلكم
فقد أباح - سبحانه - هذا النوع من السؤال))(١).
والضمير فى قوله (( عفا الله عنها)، يعود إلى أشياء، والجملة فى محل
جز صفه أخرى لأشياء.
أى: أن هذه الأشياء التى نهيتم عن السؤال عنهاهى مما عفا الله عنه - رحمة
منه وفضلا - حيث لم يكلفكم بها، ولم يفضحكم بيانها .
ويجوز أن يعود الضمير إلى الأسئلة المدلول عليها بقوله (( لا تسألوا،
(١) ته-بر الفخر الرازى : ١٢ ص ١٠٧
.(٢) تفسير القرطبى ح ٦ ص ٣٢٣

٤٠٨
سورة المائدة
فتكون الجملة مستأنفة، ويكون المعنى: عفا الله عن أسئلتكم السالفة التى
سألتهوها قبل النهى، وتجاوز - سبحانه - عن معاقبتكم عليها رحمة منه
وكرما ؛ فمن الواجب عليكم بعد ذلك ألا تعودوا إلى مثلها أبداً.
قال صاحب المنار : ولا مافع عندنا يمنعنا من إرادة المعنيين معا، فإن
كل ما تدل عليه عبارات القرآن من المعافى الحقيقة والمجازية والكناية
يجوز عندنا أن يكون مرادا منها مجتمعة تلك المعافى أو منفردة ما لم يمنع مانع
من ذلك كأن تكون تلك المعانى مما لا يمكن اجتماعها شرعا أو عقلا،
فينقد لا يصح أن تكون كلها مرادة بل يرجح بعضها على بعض بطرق
الترجيح المعروفة من لفظية ومعنوية .
وقوله ((والله غفور حليم، اعتراض تذييلى مقرر لعفوه .. سبحانه -
أى: عفا الله عن كل ذلك، وهو - سبحانه - واسع المغفرة والحلم والصفح
ولذا لم يكلفكم بما يشق عليكم . ولم يؤاخذكم بما فرط منكم من أقوال
وأعمال قبل النهى عنها.
ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر العبر والعظات والحكم من وراء
تنهيهم عن الأسئلة التى لا خير يرجى من ورائها فقال: «قد سألها قوم من
قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين)).
والضمير فى قوله: ((قد سألها، يعود إلى الأسئلة المنهى عنها فى قوله - تعالى.
, لا تسألوا ... ).
أى: قد سأل قوم من قبلكم - أيها المؤمنون - أمثال هذه الأسئلة التى
لا خير يرجى من ورائها، ثم أصبحوا بعد إظهار الإجابة عليها كافرين بها،
لأنهم استئقلوا الإجابة عما سألوا عنه، وتركوا العمل بما تطلعوا إلى معرفته
ويجوز أن يكون الضمير عائدا إلى أشياء فى قوله (( لا تسألوا عن أشياء .. ))
على تقدير السؤال عن حكمها أو عن سببها أو عن أصلها ، أو عن غير ذلك
ما لا فائدة من السؤال عنه .

٤٠٩
الجزء السادس
وإلى هذين المعنين أشار الألومى بقوله: «قد سألها، أى: المسألة،
فالضمير فى موقع المصدرلا المفعول به. والمراد : سأل مثلها فى كونها محظورة
ومستتبعة للوبال ((قوم)). وعدم التصريح بالمثل المبالغة فى التحذير.
وجوز أن يكون الضمير للأشياء على تقدير المضاف أيضا، فالضمير فى
موقع المفعول به، وذلك من باب الحذف والإيصال . والمراد: سأل عنها ...
وإختلف فى تعيين القوم: فعن ابن عباس هم قوم عيسى ؛ سألوه إنزال المائدة
ثم كفروا بها. وقيل: هم قوم صالح - عليه السلام - سألوه الناقة ثم عقروها
وكفروا بها. وقيل: هم بنو إسرائيل كانوا يسألون أنبياءهم عن أشياء فإذا
أخبروم كذبوم .... ، (١) :
والذى نراه أن لفظ ((قوم)، يشمل هؤلاء الأقوام الذين ذكرهم الآلوسى
كما يشمل غيرهم ممن سألوا عن أشياء لاخير من السؤال عنها، فلما أجيبوا عما
سألوا عنه لم يعملوا بما أخبروا به بل كفروا به وهجروه وأنكروه ...
وذكر - سبحانه لفظ« قوم، لأنه ليس الغرض تعيين ذواتهم،
بل الغرض النهى عن التشبه بهم مهما كانت أجناسهم أو أزمانهم .
وجاء العطف فى الآية ((ثم)) المفيدة للتراخى، للدلالة على التباعد المعنوى
بين اللجاجة فى السؤال وبين الجحود والكفر بعد ذلك ؛ فكأنهم كانوا
يريدون حكما يناسب أهواءهم ، فلما جاءهم الحكم الذى لا يهوونه
كفروا به ...
وقوله, ثم أصبحوا بها كافرين، يؤذن بأنهم قبل السؤال عن تلك الأشياء
أو قبل الخوض فى تلك الأسئلة لم يكونوا كافرين، ولكنهم أصبحوا بسبب
الخوض فيها والتفتيش عنها كافرين، لأنهم لم يمتثلوا ما أجيبوا به، وإنما نبذوه
وراء ظهورهم .
وبذلك نرى أن الآيتين الكريمتين تنهيان المؤمنين فى كل زمان ومكان
(١) تفسير الآلوسى = ٧ ص ٤١

٤١٠
سورة المائدة
عن الخوض فى الأسئلة عن أشياء يسوهم الكشف عنها، وضربتالهم الأعمال
بحال الذين من قبلهم ممن كانوا يشددون على أنفسهم بالأسئلة عن التكاليف
والأحكام ، فدا كتبها الله عليهم كفروا بها ولم يؤدوها ، ولو سكتوا عن هذه
الأسئلة التى لافائدة من ورائها لمكان خيرالهم وأقوم ....
هذا، وقد ساق الشيخ القاسمى - رحمه الله - عقب تفسيره لهاتين الآيتين
أقوٍ إلا متعددة للعلماء فيما يؤخذ منهما من آداب وأحكام، فقال - ما ملخصه -:
قال ابن كثير: ظاهر الآية النهى عن السؤال عن الأشياء التى إذا علم بها
الشخص ساءته . فالأولى الإعراض عنها ...:
فقد روى الإمام أحمد ومسلم والنسائى عن أبى هريرة: أن النبى - صلى الله
عليه وسلم - قال :
ذرونى ما تركتككم . فانما هلك من كان قبلكم بكثرة -ؤالهم وإختلافهم .
على أنبيائهم. فإذا أمر تكم بشىء فأتوا منه ما أستطم. وإذا نهيتكم عن شى.
فدعوه ».
وروى الدار قطنى وأبو نعيم عن أبي ثعلبة الخشنى: أن النبى - صلى الله
عليه وسلم - قال : )
إن الله - تعالى - فرض فرائض فلا تضيعوها. وحد حدودا فلا
تعتدوها. وحرم أشياء فلا تقربوها. وترك أشياء من غير نسيان
فلا تبحثوا عنها .
ثم قال الشيخ القاسمى: ثم رأيت فى ((موافقات)) الامام الشاطى فى هذا
الموضوع - مبحثا جليلا قال فيه ....
الإكثار من الأسئلة مذموم . والدليل عليه النقل المستفيض من الكتاب
والسنة وكلام السلف الصالح .... وهذه مواضع يكره السؤال فيها :
١ - السؤال عما لا ينفع فى الدن، كسؤال عبد الله بن حذافة من أبى
يا رسول الله ؟ فأجابه أبوك حذافة ..

٤١١
الجزء السادس
٢ - أن يسأل عن شىء بينه القرآن، كما سأل الرجل عن الحج: أكل عام
يا رسول الله؟ مع أن قوله - تعالى ((وفقه على الناس حج البيت من استطاع
إليه سبيلا، قاض بظاهره أنه للأبد ، لإطلاقه ..
٣ - السؤال من غير احتياج إليه فى الوقت ، وكأن هذا - والله أعلم -
خاص بما لم ينزل فيه حكم، وعليه يدل قوله: ((ذرونى ما تركتكم)).
وقوله : وسكت عن أشياء رخمة بكم لا عر نسيان فلا تبحثوا عنها .
٤ - أن يسأل عن صعاب المسائل وشرارها، كماجاء فى "نهى عن
الأغلوطات(١)،
/
٥ - أن يسأل عن علة الحكم - وهو من قبيل التعبدات، أو السائل
عن لا يليق به ذلك السؤال - كما فى حديث قضاء الصوم دون الصلاة .
د فقد أخرج مسلم فى صحيحه عن معاذة قالت: سألت عائشة فقات:
ما بال الحائض تقضى الصلاة ؟ فقالت: أحرورية أنت ؟
قلت: لست بحرورية ، ولكنى أسأل. قالت عائشة: كان بصيدنا ذلك
فنؤمن بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة -.
٦ - أن يبلغ بالسؤال إلى حد التكليف والتعمق، وعلى ذلك يدل
قوله يدل عليه ما أخرجه مالك فى الموطأ عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب
أن عمر بن الخطاب خرج فى ركب، فيهم عمرو بن العاص . حتى وردوا
حوضاء فقال عمرو بن ٦عاص: يا صاحب الحوض !! هل ترد حوضك
(١) قال الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقى عند تعليقه على هذه الكلمة : أخرج
أبو داود عن مساوية أن النى - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الغلوطات - بفتح
النان وضم اللام - جمع غلوطة ... وهى المسائل يغالط بها العلماء ليزلوا فيها فيهيج
بذلك شر وفتنة ...
وقيل: أصلها أخلوطة خففت بطرح الهمزة. كما تقول : لجر. وأنت فريد
الآجر - حاشية تفسير القاسمى ج ٦ ص ٢١٧٨١.

٤١٢
سورة المائدة
السباع ؟ فقال عمر بن الخطاب: يا صاحب الحوض ! لا تخبرنا. فإناترد
على السباع وترد علينا .
٧ - السؤال عن المتشابهات، وعلى ذلك يدل قوله - تعالى - (فأما الذين
فى قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ... الآ ية ..
وعن عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه عرضاً للخصومات أسرع
التنقل .
٠
ومن ذلك سؤال مالكا عن الاستواء ؛ فقد جاء رجل إلى مالك فقال :
يا أبا عبد الله ((الرحمن على العرش استوى)) كيف استوى؟
قال راوى الحديث: فما رأيت مالكا وجد - أى غضب - فى شئ.
كوجدته من مقالته .
وعلاء الرحضاء - أى العرق - وأطرق القوم . فقال مالك: الاستواء
معلوم، والكيف غير معقول. والإيمان به واجب . والسؤال عنه بدعة .
وإنى أخاف أن تكون ضالا .
٨ - السؤال عما شجر بين السلف الصالح. وقد سئل عمر بن عبد العزيز
عن قتال أهل صفين فقال: تلك دماء كف اللّه عنها يدى، فلا أحب أن
ألطخ بها لسانى.
٩ - سؤال التعنت والإفحام وطلب الغلبة عند الخصام: وقد ذم القرآن هذا
اللون من الناس فقال. ((وهر ألد الخصام))(٤) وقال، بل هم قوم خصمون))(٢).
وفى الحديث : أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم .
هذه جملة من المواضع التى يكره السؤال فيها ، ويقاس عليها ما سواها،
وليس التهى فيها واحدا ، بل فيها ما تشتد كراهيته، ومنها ما يخفف، ومنه !
ما يحرم . ومنها ما يكون محل اجتماد ..
(١) سورة البقرة: الآية ٢٠٤.
(٢) سورة الزخرف. الآية ٠٥٨

٤١٣
الجزء السادس
والنهى فى الآية مقيد بمالا تدعو إليه الحاجة من الأسئلة؛ لأن الأمر
الذى تدعو إليه الحاجة فى أمور الدين قد أذن الله بالسؤال عنه فقال :
فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون، (١).
وفى الحديث: قاتلهم الله !! هلا سألوا إذا لم يعلموا، فإنما شفاء الجهل
بالسؤال .... (٢) .
ثم حكى - سبحانه - بعض الأوهام والخرافات التى كان أهل الجاهلية
يتمسكون بها، ويعتبرونها من العادات الدينية الراسخة فى نفوسهم، مع أنها
لا أصل لها ، وإنما هم الذين ابتدعوها ونسبوها إلى دين أقه بدون دليل أو
برهان فقال - تعالى - :
((ما جعلَ اللهُ مِنْ بحيرةٍ ولا سائبةٍ ولا وصيلة ولاحامٍ، ولكنَّ
الذين كفروا يفترونَ على الله الكذبَ وأكثرُمْ لا يعقلونَ (١٠٣) وإذَا
قيلَ لَهُم تعالَوْا إِلى ما أنزلَ اللهُ وإلى الرسولِ قالوا حَسْبُنَاَ ما وجدنا
عليه آباءنا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤْم لا يعلمونَ شيئًا ولا يهتدُونَ (١٠٤))).
قال الفخر الرازى: أعلم أنه - تعالى - لما منع الناس من البحث عن
أمور ما كلفوا بالبحث عنها ، كذلك منعهم عن التزام أمور ما كلفوا
التزامها . ولما كان الكفار يحرمون على أنفسهم الانتفاع بهذه الحيوانات ۔
وإن كانوا فى غاية الاحتياج إلى الانتفاع بها - بين تعالى - أن ذلك
باطل فقال: (( ما جعل الله من بحيرة ... )،(٢) .
وجعل هنا بمعنى شرع ووضع، و «من، زائدة لتأكيد النفى والبحيرة
يزنة فعيلة بمعنى مفعوله من البحر وهو الشق .
(١) سورة الأنبياء. الآية ٧ .
(٢) تفسير القاسمى وحاشيته - بتصرف وتلخيص - ج ٦ ص ٢١٦٦ ومابعدها.
٠
(٣) تفسير القر الرازى = ١٢ ص ١٠٩.

٤١٤
سورة المائدة
وكانوا فى الجاهلية إذا ولدت الناقة خمسة أطن آخرها ذكرا، شقوا
أذنها ومنعواركوبها، وتركوها لآلهتهم، وامتنعوا عن نحرها ور كوبها.
وسموها (( البحيرة)) أى: مشقوقة الأذن.
وعن فتاة أنهم كانوا إذا أنجبت خمسة أبطن نظروا فى الخامس فإن كان
ذكرا ذبحوه وأكلوه، وإن كان افى شقوا أذها وتركوما ترعى دون أن
يستعملها أحد فى حلب أو ركوب ...
والسائبة بزنة فاعلة من ساب إذا جرى على وجه الأرض. يقال ساب
الماء إذا ترك يجرى.
قال أبو عبيدة : كان الرجل فى الجاهلية إذا قدم من سفر أو شفى من
عرض .. سبب فاقته وخلاها وجعلها كالبحيرة وتسمى السائبة .
وقال محمد بن إسحاق : السائبة هى الناقة قلد عشرة أبطن إناث، فتهمل
ولا تركب ولا يجز وبرها، ولا يشرب لبنها إلا ضيف.
وعن ابن عباس: هى التى تسيب للأصنام ، فتعطى للسلانة ولا يطعم من
لينها إلا أبناء السبيل ونحوهم .
والوصيلة بزقة فعيلة بمعنى فاعله. قال الفراء هى الشاة تفتح سبعة أبطن
عناقين عناقين - أى أثنين أثنين - وإذا ولدت فى آخرها انثى ود كرا ..
قيل : وصلت أخاها . فلا يشرب لبن الأم إلا الرجال دون النساء،
وتجرى مجرى السائبة فى تركها دون أن يجز وبرها ...
وقال الزجاج: هى الشاة إذا ولدت ذكرا كان لآلهتهم وإذا ولدت أنثى
كانت لهم وإذا ولدت ذكرا وانثى قالوا: وصلت أخاها فلا نذبح ويكون
الذكر لآلهتهم .
وقيل: هى الناقة نبكر بأنثى. تثنى بأشى، فكلوا يتركونها الطواغيت،
ويقولون : قد وصلك أنثى بأنثر ام بينهما ذكر .

٤١٥
الجزء السادس
والحام إسم فاعل من حمى يحمى أو منع.
قال القراء: هو الفحل إذا لقح ولد ولده قالوا: قد حمى ظهره فلا يركب
ولا يحمل عليه ، ولا يمنع من ماء أو مرعى .
وقال أبو عبيدة: هو الفحل يولد من ظهره عشرة أبطن فيقولون: حمى
ظهره فلا يحمل عليه ولا يمنع من ماء أو مرعى.
هذه بعض الأقوال التى ذكرها العلماء فى تفسير هذه الألفاظ الأربعة ،
وهناك أقوال أخرى سواها تختلف عنها .
ويبدو أن الخلاف فى حقيقة هذه الأربعة مرجعه إلى إختلاف القبائل فى
بلاد العرب ((وإختلاف الأماكن التى يقيمون فيها، والعادات الباطلة التى
شبوا عليها وألفوها .
هذا، وقد ذكر ابن كثير بعض الروايات التى وردت فى تفسير هذه
الألفاظ، كما ذكر أول من أدخل هذه العادات الباطلة فى بلاد العرب فقال
ما ملخصه: «روى البخارى ومسلم والنسائى عن سعيد بن المسيب قال .
البحيرة: هى التى تكون درها للطواغيت ... والسائبة: هى التى كانوا
يسيبونها لآلهتهم لا يحمل عليها شىء ... والوصيلة: الناقة البكر تبكر فى أول
نتاج الإبل ثم تثنى بعد بأنشى وكانوا يسبونها لطواغيتهم إن وصلك إحداهما
بالأخرى ليس بينها ذكر. والحام: حل الإبل يضرب الضرائب المعدود فاذا
قضى ضرابه تركوه للطواغيت ولا يحملون عليه شيئا ..
وروى الإمام أحمد بن عبد الله بن مسعود عن النبى - صلى الله عليه وسلم -
قال إن أول من سيب السواقب وعبد الإصنام أبو خزاعة عمروبن لحى وإنى
رأيته يجر أمعاءه فى النار ،
والمعنى: ماشرع الله - تعالى - شيئاءما حرمه أهل الجاهلية على أنفسهم
من البحيرة والوصيلة والسائبة والخام وهذه الحيوانات إنما حرم أهل الجاهلية
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ / ١٠٧

٤١٦
سورة المائدة
أكلها والإنتفاع بها من عند أنفسهم دون علم أو برهان، وهم فى هذا التحريم
إنما يفترون على الله الكذب الصريح القاطع بسبب كفرهم وضلالهم وأكثرم
لا يفقهون الحق ولا يستجيبون له إنقيادا لأهواتهم ورؤسائهم .
والمراد بالذين كفروا فى قوله , ولكن الذين كفروا يفترون على الله
الكذب، رؤساؤهم وزعماؤهم الذين يأتون لقوامهم بالأحكام الفاسدة والمزاعم
الباطلة ، وينسبونها إلى دين الله كذبا وزورا .
والمراد بأكثرهم فى قوله: ((وأكثرهم لا يعقلون، عوامهم ودهماؤهم الذين
يسيرون خلف كل ناعق بدون تفكير أو قدير .
وقد عبر - سبحانه - بقوله ((وأكثرهم، إنصافا للقلة العاقلة التى خالفت
هذه الأوهام الباطلة ، وإستجابت للحق عند ظهوره .
ثم حكى - سبحانه - ما كان عليه هؤلاء العوام المقلدون من جمبود
وخضوع للباطل فقال . . وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول
قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا)).
أى: وإذا قال قائل - على سبيل النصح والإرشاد إلى الخير - لهؤلاء
المقلدين المنقادين إنقيادا أعمى للأوهام ... إذا قال لهم هذا القائل: تعالوا
أى: أقبلوا وإستجيبوا لما أنزل الله فى كتابه، ولما أنزل على رسوله من
هدايات لتسعدوا وتفوزوا ... قالوا : يعناد وغباء ــ ((حسبنا ما وجدنا عليه
آبائنا»: كافينا فى هذا الشأن ما وجدنا عليه آباءنا من عقائد وتقاليد
وعادات ... فلا نلتفت إلى ما سواه .
وهذه حجة كل ضال مقلد لمن سبقوه بغير تعقل ولا تدبر .. إنه يترك
معانى العزة والكرامة وأعمال الفكر ... ليعيش أسير ذلته للأوهام التى شب
عليها، وسار خلفها مقلدا غيره، ومنقادا له إنقياد الخانمين الأذلاء.
ولم يذكر - سبحانه القائل فى قوله: ((وإذا قيل لهم ... ، للإشارة إلى
أن الذين يدعونهم إلى طريق الحق متعددون، فالنبى - صلى الله عليه وسلم-

٤١٧
الجزء السادس
يدعوهم ، والمؤمنون يدعونهم . والأدلة الدالة على صدق هذا الدين
تدعوم ... ومع كل ذلك فهم فى ضلالهم سادرون، وتحت سلطان سادتهم
عانعون :
وقوله - تعالى ـ ((أو لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون)، رد عليهم
بأسلوب التأنيب والتعجيب من جهالاتهم وخضوعهم الباطل بدون مراجعة
أو تفكير .
والواو فى قوله (( أو لو كان آباؤهم ... )) وأو الحال. والهمزة التى دخلت.
عليها للافكار والتعجيب من ضلالهم.
والمعنى: أيقولون حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا. ويغلقون على أنفسهم باب
الهداية ليبقوا فى ظلمات الضلالة ... ولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئامن الحق،
ولا يهتدون إليه لانطاس بصيرنهم.
وليس المراد أن آباءهم لو كانوا يعلمون شيئا أو يهتدون إلى شىء لجازلهم
ترك ما أنزل أنه ... وإنما المراد هنا تسجيل الواقع المظلم الذى كانوا عليه
وكان عليه آباؤهم من قبلهم . فآباؤهم كانوا كذلك يتبعون ماشر عه هم ٦ باوم
بدون تأمل أو تفكير .
فالآية الكريمة زيادة فى توبيخهم وتوبيخ آبائهم ؛ لأنهم جمعيا مشتركون
فى الانغماس فى الضلال والجهل .
وبعد أن بين - سبحانه -مابين من التكاليف والأحكامو الحلال والحرام،
وذم المقلدين لآبائهم تقليدا أعمى ... وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين،
أمرهم فيه بأن يلزموا أنفسهم طاعة الله، وأنهم ليس عليهم شىء من آ ثام غيرم
مادامواة- نصحوهم وأرشدوهم إلى الخير فقال - تعالى -:
((يأيها الذين آمنوا عليكم أنفُسَكَ لا يضرّكم من ضلَّ إذا اهتديتم،
إلى الله مرجعكم جميعً فينبئكم بما كنتم تعملونَ (١٠٥)).
( ٢٧ - سورة المائدة)

٤١٨
سورة المائدة
وقوله (( عليكم، اسم فعل أمر بمعنى: إلزموا وقوله: (أنفسكم، منصوب
على الإغراء بقوله: عليكم.
قال الجمل. واختلف النحويون فى الضمير المتصل بها - أى بكلمة عليكم.،
والصحيح أنه فى موضع جر كما كان قبل أن تنقل الكلمة إلى الإغراء ... ،(١).
والمعنى: يأيها الذين آمنوا بالله إيمانا حقا، إلزموا العمل بطاعة الله، بأن
تؤدوا ما أمركم به، وتفتهوا عما نها كم عنه، وأنتم بعد ذلك (« لا يضركم من ثل
إذا اهتديتم ، أى: لا يضركم ضلال من ضل وغوى، مادمتم أنتم قد أديتم حق
أنفسكم عليكم بصيانتها عما يغضب الله وأديتم حق غيركم عليكم بإرشاده
ونصحه وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر ... فإن أبى هذا الغير الاستجابة
لكم بعد النصح والإرشاد والأخذ على بده من الوقوع فى الظلم فلا ضير
عليكم فى تماديه فى غيه وضلاله، فإن مصيركم ومرجعكم جميعا إلى الله- تعالى.
وحده « فینیتكم، يوم القيامة , بما كنتم تعملون، فى الدنيا من خير أو شر،
ويجازى أهل الخير بما يستحقون من نواب ، ويجازى أهل الشربما يستحقون
من عقاب .
هذا . وقد يقول قائل: إن ظاهر هذه الآية قد يفهم منه بعض الناس ؟
أنه لايضر المؤمنين أن يتركوا الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ماداموا
قد أصلحوا أنفسهم؛ لأنها تقول: ((عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا
لمتديتم ... ، فهل هذا الفهم مقبول ؟
والجواب على ذلك، أن هذا الفهم ليس مقبولا ، لأن الآية الكريمة
مسبوقة لتسلية المؤمنين ، ولإدخال الطمأنينة على قلوبهم إذا لم يحدوا أذنا
صاغيه لدعوتهم .
فكأنها تقول لهم: إنكم - أيها المؤمنون - إذا فتم بما يجب عليكم،
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ٠٥٣٣

٤١٩
الجزء السادس
لا يضركم تقصير غيركم، ولا شك أن ما يجب عليهم القيام به: الأمر بالمعروف
والنهى عن المنكر، إذ لا يكون المرء مهتديا إلى الحق مع تركه لفريضة الأمر
بالمعروف والنهى عن المنكر وإنما يكون مهتديا متى أصلح نفسه ودعا غيره
إلى الخير والصلاح.
أى أن الهداية التى ذكرها - سبحانه - فى قوله (( إذا اهتديتم، لا تتم إلا
بإصلاح النفس ، ودعوة الغير إلى الخير والبر .
وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذه المعانى بقوله: كان المؤمنون تذهب
أنفسهم حسرة على أهل العتو والعناد من الكفرة , يتمنون دخولهم فى
الإسلام، فقيل لهم ((عليكم أنفسكم) وما كلفتم من إصلاحها والمشى بها
فى طرق الهدى (( لا يضركم، الضلال عن دينكم إذا كنتم مهتدين ... ولیس
المراد ترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ؛ فإن من تركهما مع القدرة
عليهما لا يكون مهتديا ، وإنما هو بعض الضلال الذين فصلت الآية بينهم
وبينه ... ((١).
ويبدو أن هذه الآية الكريمة قد فهمها بعض الناس فهما غير سليم - حتى
فى الصدر الأول من الإسلام - .
قال القرطبي : روى أبو داود والترمذى وغيرهما عن قيس بن أبى حازم
قال: خطبنا أبو بكر الصديق - رضى الله عنه - فقال: أيها الناس - إنكم
تقرءون هذه الآية وتتأولونها على غير تأويلها «يأيها الذين آمنوا عليكم
أنفسكم ... ، وإنى سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:
« إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمهم الله بمذاب
من عنده » ..
وروى أبو داود والترمذى وغيرهما عن أبي أمية الشعبانى قال : أتيت
أبا ثعلبة الخصى فقلت له: كيف تصنع هذه الآية؟ فقال: أية آبه ؟ قلت:
(١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٦٨٥

٤٢٠
سورة المائدة
قوله - تعالى - (( بأبها الذين آمنوا عليكم أنفسهم .. ، قال: أما واه لقدسألت
عنها خبيرا . سألت عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: أنتمزوا
بالمعروف وتناهوا عن المنكر. حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا،
ودنيا موزة. وإعجاب كل ذى رأى برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع عنك
أمر العامة، فإن من ورائكم أياما الصبر فيهن مثل القبض على الجمر للعامل فيهن
مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم .
۔۔
وفى رواية قیل یارسول ان ! أجر خمسين منا أو منهم ؟ قال: «بل أجر.
خمسين منكم ،(9) .
وأخرج ابن جرير عن جبير بن نفير قال : كنت فى حلقة فيها أصحاب
النبى - صلى الله عليه وسلم - وإنى لأصغر القوم؛ فتذاكروا الأمر بالمعروف
والنهى عن المنكر . فقلت أنا: أليس الله يقول: (( يأيها الذين آمنوا عليكم
أنفسكم .... ، فأقبلوا على بلسان واحد وقالوا: تنزع آية من القرآن
لا تعرفها. ولا تدرى ما تأويلها، حتى تمنيت أني لم أكن تكلمت . ثم أقبلوا
يتحدثون، فلما حضر قيامهم قالوا: إنك غلام حدث السن، وإنك نزعت آية
لاتدرى ما هى، وعسى أن تدرك ذلك الزمان ، إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى
متبعاً، وأعجاب كل ذى رأى برأيه ، فعليك بنفسك لا يضرك من ضل إذا
اهتديت،(٢).
والخلاصة أن الآية الكريمة لا رخص فى ترك الأمر بالمعروف والنهى عن
المفكرين إنها - كما قال الحاكم - لو استدل بها على وجوبهما لكان أولى، لأن قوله
((عليكم أنفسكم، معناه: إلزموا أن تصلحوا أنفسكم بإتباع الدلائل من
كتاب الله وسنة رسوله، والعقليات المؤيدة بها,ودعوة الإخوان إلى ذلك،
بإقامة الحج ودفع الشبه، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، ولا تقصروا
فى ذلك ... (٢) .
(١) تفسير القرطى = ٦ من ٠٣١٣
(٢) تفسير ابن جرير = ٧ س ٩٦
(٣) تفسير القاحمى = ٦ ص ٢٩١